دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعهم طوروا أدواتنا في تقديم العلم الشرعي؛ أكاديمية زاد والسيرة عطرة الشذا يفوح لأهل كل زمان، بشرى لنا زادنا كاذبين.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

من درس سيرة النبي ﷺ وتأمل في أحاديثه يجد فيها أدباً جماً عظيماً، مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. وهذه العفة في الحديث سمة وصفة بارزة في كلامه ﷺ، حتى إن الأطفال تجد كلامه مناسباً لهم. عادة الآن في الإعلام يقولون: هذه المادة لا تصلح لمن هو دون الخامسة عشر أو دون الثامنة عشر، هذه للبالغين وهذه بحضور الوالدين وهذه للأطفال، لكن كلام النبي ﷺ ومن قبله كلام الله عز وجل لا يوجد أية حرج في ذكره. علماء النفس والتربية يقولون كلام جميل متوازن، بينما هنالك من الكتب السماوية من لا يمكن أن يقرأ ولا يتلى على أطفال، على أسماع الأطفال أو أسماع الفتيات، لعدم مناسبة هذا الكلام. أما كلام ربنا عز وجل فسبحان الله، وكلام النبي ﷺ قمة في الأدب.

ولذلك كان ﷺ إذا تكلم عن أمر فطري طبيعي لا تستقيم الحياة بدونه، كان يستخدم ألفاظاً مغايرة لما تعارف عليه الناس. عندما كان يتحدث عن الجماع وما يحصل بين الرجل وامرأته -وهو أمر طبيعي- في ظل الانفتاح الحالي في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام أصبح أطفالنا يعرفون عنه أكثر منا، ولا حول ولا قوة إلا بالله وإلى الله المشتكى. ومع ذلك نجد أن استخدام النبي ﷺ للألفاظ كان مختاراً بعناية، فكان يستخدم لفظ «العسيلة» كما جاء في شأن امرأة أتت إلى الرسول ﷺ وقد طلقها زوجها الأول ثلاث طلقات فبانت منه بينونة كبرى، وتزوجت آخر كأنها لم ترتح معه، فأرادت أن ترجع إلى زوجها الأول، لكنها عرضت قصتها ومشكلتها بطريقة معينة، ففطن لذلك النبي ﷺ فقال لها: «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلتك». لفظ جميل جداً وهو كناية عن الجماع، كان بإمكانه أن يقول ﷺ الكلام المعروف، لكنه استخدم هذا الأسلوب لعفته ﷺ.

كذلك هنالك لفظ «المقارفة»، عندما ماتت ابنة أبي طلحة رضي الله عنه وأرادوا أن يدفنوها، كان عليه الصلاة والسلام يشهد دفنها فقال: «هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟» يعني من منكم لم يحصل منه جماع لأهله؟ فقام أبو طلحة فقال: أنا. قال: «فأنزل في قبرها»، فنزل في قبرها، فُقبر على الرغم من أن النبي ﷺ موجود ومحرمها الذي هو عثمان زوجها موجود، لكن السنة أن الذي ينزل في القبر يكون رجلاً بعيداً عن ملاذ الدنيا أقل قليل تلك الليلة، فلم يقارف. ولم يقل ﷺ: من منكم لم يجامع أهله؟ وإن كان لفظ «يجامع» لفظاً طيباً وعفيفاً، لكنه لم يستخدم هذه الألفاظ ﷺ.

كذلك لفظ «الإفضاء»، قال ﷺ: «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها». فمسألة الإفضاء هي كناية عن الجماع، وأراد الرسول ﷺ أن يشنع على أولئك الذين ينشرون الأسرار الزوجية، وخاصة أسرار الفراش عند الناس بطريقة فجة كريهة، ما ينبغي لمسلم عفيف أن يفعل ذلك، وأن يتحدث عما يجري بينه وبين امرأته، أو أن تتحدث المرأة عما يجري بينها وبين زوجها في تلك الأمور الحميمية الخاصة التي لا يجوز أن يطلع عليها أحد مطلقاً، إلا في حالات نادرة إذا اضطر الإنسان لإظهارها لتبيين عيب في المرأة يستحق به فسخ النكاح لأنهم غشوه، أو لامرأة تتحدث عن عجزه مثلاً لاضطرارها لطلب الانفصال والفراق منه؛ فهذه حالات نادرة شاذة، لا حكم لها، ولا في الأصل أن مسائل الزوجية والأمور الحميمية ما يجوز مطلقاً الحديث فيها.

كذلك النبي ﷺ عبر عن الجماع بقوله أو بلفظة «الفراش»، وقال: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأتت، فأبى، بات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح». فلفظة الفراش هنا لم يدعها إلى الفراش يعني إلى السرير كي تنام، إنما هو كناية عن حاجته الطبيعية إلى امرأته وإلى الجماع، وهذا أيضاً من الألفاظ التي استخدمها الرسول ﷺ في تبيين الأحكام الشرعية.

كذلك «الأعراس»، كما في قوله لأبي طلحة رضي الله عنه: «أعرستم الليلة؟». فهذا نظير -إن لم تخني الذاكرة- عندما مات ابن لأبي طلحة، وقد تعب قبل ذلك ومرض، فأم سليم رضي الله عنها وأرضاها وضعت الغلام، وقد وضعت جسده وجثمانه في مكان من المنزل وتهيأت وتزينت حتى أكل طعامه ووقع عليها، ثم أخبرته فغضب رضي الله عنه، قالت: بعد أن قضيت حاجتي منك تخبرني؟ لماذا لم تخبرني من أول؟ وأخبر الرسول ﷺ بما صنعت، فكان الرسول ﷺ قال: «أعرستم الليلة؟» يعني هل وقع منكم ذلك؟ ودعا لهم أن يبارك الله لهما في ليلتهما، وجاء منها بعدد كبير من حفظة كتاب الله وبمن يجاهد في سبيل الله، فيعني عدهم، ويقول ببركة دعائه ﷺ.

إذاً نتعلم من هذه الألفاظ النبوية العفيفة الجميلة أن المسلم ينبغي عليه أن يتخير أفضل الكلام. بعض الإخوة ربما إذا تحدث يتحدث بكلام يملأ الفم وهذا خطأ، بل يتخير الكلام المناسب العفيف الجميل، وإذا أراد أن يتحدث في أمر فلا بد أن يحاول أن يلطف وقع هذا الكلام قدر الإمكان.

فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فابقوا معنا: «لا تحاسدوا»، توجيه نبوي لعلاج آفة من أخطر الآفات الاجتماعية والأخلاقية. فالحسد، وإن كان أصله في القلب من بغض لنعمة الله على المحسود وتمني زوالها عنه، فإنه غالباً ما تكون له امتدادات في الخارج تدفع الحاسد إلى البغي والظلم والاعتداء والإيذاء والإيقاع بالمحسود. قال ابن القيم رحمه الله: «فالحاسد يحمله بغض المحسود على معاداته والسعي في أذاه بكل ممكن مع علمه بفضله وعلمه، وأنه لا شيء فيه يوجب عداوته إلا محاسنه وفضائله»، ولهذا قيل: الحاسد عدو للنعم والمكارم.

وكما نهى ديننا عن الحسد فقد وجه إلى علاجه، فأمر الله تعالى بالاستعاذة به من شر الحاسدين فقال في سورة الفلق: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]، وجعل الإيمان بالقضاء والرضا بما قدر من تفاوت الأرزاق والملكات.

نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، إن بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: 32]. كما حث المؤمنين على البذل والعطاء والإيثار والتراحم، وهي المعاني التي تستأصل هذا الداء من القلوب.

علة الحسد ترجع إلى إفراط في الأنانية وحب للذات، مع ضعف في الإيمان بكمال حكمة الله تعالى في توزيع الأرزاق بين عباده. وعلى المسلم إذا أحس في نفسه بحسد تجاه أخيه ألا يرضى بغيبته أو ظلمه، بل عليه أن يدافع عن عرضه ما استطاع، وأن يكثر من الدعاء له بالخير والبركة.

وإذا كان الحسد خلقا مذموما، فإن الغبط صفة محمودة، وهي تمني مثل ما للمغبوط من النعمة من غير أن يتمنى زوالها عنه؛ فإن كانت في أمور الدنيا فهي مباحة، وإن كانت في أمور الآخرة فهو مما حثنا الشرع على المنافسة فيه والمسابقة إليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله قرآنا فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار».

السلام عليكم ورحمة الله. النبي عليه الصلاة والسلام كان عفيفا في كلامه، وهذا ملاحظ؛ فكان لا يصرح بكثير من الألفاظ التي اعتادها الناس سماعها، لأن التحدث بها ربما يسيء إلى الآداب العامة، وهو ليس من طبعه عليه الصلاة والسلام وإن كان الناس قد اعتادوا عليه. كان يخبرنا عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل لا يحب الفحش والتفحش.

قارن هذا بمن كلامه قمة في السفاهة عندما تتحدث مع بعض الناس -كما يقولون بالعامية- حديثهم وكلامهم في الحزام وما دون ذلك، يتحدث بالفحش بالتلميح بالتصريح بأمور يندى لها الجبين. هذا ليس من طباع المؤمن؛ لأن المؤمن ليس بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء. النبي عليه الصلاة والسلام يستخدم أفضل الكلام وأجمله صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك المؤمن لا بد أن يترك الألفاظ الموهمة أو التي قد تسبب نوعا من الجفا وعدم الارتياح عند السامع.

النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه يقول: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده». سبحان الله! يدي أين باتت؟ تذهب مثلا إلى بلد آخر؟ أبدا، الرسول عليه الصلاة والسلام يحدث العرب الأقحاح الذين يفهمون؛ ما من عربي يسمع الحديث إلا ويفهم أنه لا يدري أين باتت يده، أي أن يده ربما مرت على فرجه أو على دبره أو على تلك الأماكن. كان بإمكان الرسول أن يصرح وأن يذكر ذلك، لكنها العفة في الكلام.

هذا الكلام إذا خرج لا يؤذي أحدا، عندما تسمعه فإنه لا يدري أين باتت يده، الناس ما يتضررون من ذلك، بل ندرس أطفالنا في المراحل المتقدمة من الابتدائية هذا الحديث ويفهمونه ويعونه ولا نجد بأسا في ذلك، بخلاف لو ذكر الفرج صريحا مباشرة.

كذلك امرأة تأتي تتعلم من النبي عليه الصلاة والسلام وتسأله عن الغسل، إذا أرادت أن تغتسل من المحيض كيف تغتسل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «خذي قطعة من مسك فتطهري بها». خذي قطعة من قماش أو من المنديل أو من القطن وبها مسك فتطهر بها. المفروض أن المرأة تفهم، فقالت: كيف أتطهر وأنت تسألين عن الغسل والرسول يخبرك عليه الصلاة والسلام "تطهري بها"؟

عادت مرة ثانية، فسبحان الله، ما يستطيع الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتحدث مع امرأة في أمور شخصية، أمور خاصة بالنساء، فسحبتها واجتبذتها أمنا عائشة وقالت لها: «تتبعي بها أثر الدم»، إذا علمتها الأمر الذي تعرفه النساء. فإذن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يستخدم الكلام ويتخيره.

النبي عليه الصلاة والسلام ربما صدر منه أمر يشكل على البعض. الآن نحن قد رسمنا صورة وردية لكلامه صلى الله عليه وآله وسلم ولعفة هذا الكلام وجماله، وهذا لا ريبة فيه مطلقا، لكن تنبه أن النبي عليه الصلاة والسلام بشر، وأنه خلال الثلاث وعشرين سنة من بعثته صلى الله عليه وسلم لم ينسب إليه أمر يطعن في أخلاقه أو في عفته أو في كلامه صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أن أعداء الله ربما يتصيدون بعض الأمور المشتبهة لكي يثيروا الشبه والشكوك عند الناس.

فقد يصدر من النبي عليه الصلاة والسلام ما يصدر من البشر؛ فربما سب أحدا، ربما شتم أحدا، ربما لعن أحدا، ربما جلد أحدا، فيأتون إلى تلك الحالات القليلة التي تعد على أصابع اليد الواحدة فيعظمونها ويكبرونها رغبة منهم في الانتقاص منه صلى الله عليه وسلم.

على سبيل المثال لا الحصر، أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه يقول: كانت عند أم سليم يتيمة -وطبعا أم سليم هي أم أنس رضي الله عنها وكان عندها أطفال- فرأى رسول الله عليه الصلاة والسلام اليتيمة فقال لها: «أنتِ هي؟ لقد كبرتِ». لا، كبر سنك، هذه دعوة إن شاء الله ما تكبري، إن شاء الله تظلي هكذا قزمة صغيرة. فرجعت اليتيمة تبكي إلى أم سليم تشتكي، وأخبرتها أنه الآن خلاص ما في أمل، ما سأكبر، سأظل على ما أنا عليه.

فذهبت أم سليم نستوضح الأمر من النبي عليه الصلاة والسلام، وهي مستعجلة، فلما دخلت عليه قال: «ما لك يا أم سليم؟». قالت: يا رسول الله، أدعوت على يتيمتي؟ أم سليم ما صدقت هذا الكلام، أرادت أن تستوثق. وقال: «وما ذاك يا أم سليم؟». قالت: زعمت أنك دعوت ألا يكبر سنها ولا يكبر قرنها. فضحك صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يا أم سليم، أما تعلمين أني قد اشترطت على ربي؟ إني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فإيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة». رواه.

الله أكبر! حتى هذا الأمر البشري الذي ما ينجو منه أحد، النبي عليه الصلاة والسلام حوله إلى منقبة. وفي صحيح مسلم أحاديث كثيرة من هذا القبيل، أن رجلين دخلا على النبي عليه الصلاة والسلام فحدثاه بما أغضبه فسبهما أو لعنهما، فدخلت أمنا عائشة وقالت: «ما لقي أحد شر مما لقي هذان»، فقال: «وما ذاك؟». فقالت: أنت دعوت عليهما يا رسول الله. فقال: «أما علمت أني اشترطت على ربي أني من سببتُه أو شتمتُه أو لعنتُه أو جلدتُه...».

أن يجعلها الله له رحمة، فإذا ما في منفذ ولا ممسك لأولئك الضلال، على نبينا عليه الصلاة والسلام. بل من الأشياء التي يشنع الناس على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الأمر موجود في السنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من تعزى بعزاء الجاهلية فاعضضوه بهنأ أبيه، ولا تكنوا». هذا الحديث عجيب، ولكن لدينا فاصل وبعدها نتحدث عنه بإذن الله عز وجل، لنزيل تلك الشبهة عن أذهان بعض من استقرت في قلبه بإذن الله عز وجل.

لا شك أن الرياضة تكسب النشاط والحيوية، وتبني الجسم وتقويه وتحصنه من الإصابة بالأمراض، كما أنها علاج للاضطرابات النفسية والقلق والتوتر، وباب لملء الفراغ في النافع المفيد. وعلى الجانب الأخلاقي فهي تنمي روح التعاون والمنافسة الشريفة واحترام الآخرين.

والأصل في الرياضة الإباحة، أما إذا كانت لأهداف وغايات محمودة كتقوية الجسم، وتنشيط النفس للقيام بالواجبات الشرعية ومجاهدة العدو، فإنها ترتفع من مستوى الإباحة إلى مستوى الاستحباب. ولأن الإسلام منهج حياة، فقد وضع للرياضة ضوابط تعصمها من الانحراف عن مقاصدها الأصلية.

من هذه الضوابط مراعاة المقصد الحسن عند ممارستها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». وجوب ستر العورات، والبعد عن مواطن إثارة الغرائز، وعدم اشتمال الرياضة على خطر محقق أو يغلب على الظن تحققه، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار».

ألا تلهي عن واجب شرعي كالصلاة والصيام، والبعد بها عن المكاسب المحرمة كالقمار والمراهنات، وعدم الاختلاط بين الجنسين، وألا يغلب فيها التعصب بأن يُبنى عليها ولاء أو براء، وعدم إيقاع الأذى المقصود بالمخلوقات كاتخاذ الطيور أهدافًا للتدريب أو تعذيب الحيوانات أو التحريش بينها بقصد اللهو. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير».

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا الحديث حديث ثابت صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الوحيد الذي قد يستخدمه المستشرقون والملاحدة في الطعن في نبينا عليه الصلاة والسلام. من جملة الأحاديث قال صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم من يتعزى بعزاء الجاهلية فاعضضوه ولا تكنوا».

معنى الحديث أنه إذا سمعتم من يقوم بهذه المعصية الكبيرة العظيمة عند الله عز وجل، وهي الانتساب أو التعزي إلى أمور الجاهلية، كأن يقول: يا بني بكر أنا من بني تميم، أنا من بني كذا، ويفتخر بأهله وجماعته وقبيلته، قال: «فاعضضوه ولا تكنوا». وفي رواية: «فاعضضوه بهنأ أبيه»، يعني قولوا له اعضض فرج أبيه.

والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ولا تكنوا»، يعني لا تستخدم التورية، تقول فرج ولا تقل الكلمة الكبيرة. وهذه اللفظة لم تصدر عن النبي عليه الصلاة والسلام، النبي لم يقلها قط لأحد، لكنه أمر المسلمين أن يقولوها عقوبة لمن استخدم أو وقع في تلك الكبيرة العظيمة.

بمعنى أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه، سمع رجلًا يقولها يعتزي بعزاء الجاهلية: "أنا من فلان، وأنا من الدولة الفلانية، ونحن فعلنا وعملنا" ويفتخر على الآخرين، فقال له: "اعضض" وذكر لفظة الفرج لأبيه، فقالوا: "ما عهدناك فحاشا". سبحان الله، يا أبا المنذر، أنت أحد الأربعة الذين أمرنا أن نتعلم منهم القرآن كما أمر عليه الصلاة والسلام، وأنت ليهنك العلم أبا المنذر، أنت رجل عجيب من الصحابة.

قال: "ما عهدناك فحاشا"، قال: "إني سمعت أو أنا أمرنا بذلك النبي عليه الصلاة والسلام" وذكر الحديث. إذاً هذه اللفظة ليست فيها أي نوع من أنواع الفحش، إنما هي عقوبة. ولذلك عندما قال عليه الصلاة والسلام كما يروى عنه: «البذاءة من الجفاء، والجفاء في النار». البذاءة لمن صدرت منه بدون سبب، أما المقابلة والعقوبة لذنب كبير كهذا الذنب فهذا أمر شرعي فلا مطعن فيه أبدًا في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

كما أنه لا مطعن لأحد أبدًا في كلامه، مثل: "تلك اليتيمة لا كبرت سنك"، هذا ليس فيه أبدًا نوع من الدعاء عليها لأنها ليست مستحقة له، فأصبح دعاءً لها، وهذا نظير قوله عليه الصلاة والسلام: «تربت يمينك»، وكان عليه الصلاة والسلام لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا. إذا عتب على رجل قال له: "تربت جبينه"، هذا من كلام العرب.

صفية رضي الله عنها عندما حاضت في حجة الوداع والرسول أراد أن ينفر وأن يرجع، قالوا له إنها حاضت ولم تطف طواف الوداع، قال: «عكرة حلقاء»، عكرة يعني كأنها ذبحت حلقة كأنه حلق شعرها. هذا لا يقصده العرب بمعناه، إنما هي كلمة تقال عند التذمر أو عند التشكي أو نوع من أنواع التأنيب، لكن ليست هي دعاء بأن تقتل أو توجأ عنقها أو يحلق شعرها.

وكقوله عليه الصلاة والسلام: «معاوية لا أشبع الله باطنك». الرافضة يستغلون هذا الحديث ويقولون إنه كلام في معاوية، ومعاوية من المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن كتبة الوحي، لا يستطيع أحد أن يطعن فيه إلا منافق مغموس في النفاق. إذا سمعت أحدًا يطعن في معاوية طعنًا فاعلم أنه منافق، وإن طلع في شاشات التلفاز والقنوات الفضائية وضخموه وكبروه عن حجمه فهذا قزم ومعاوية عملاق رضي الله عنه وأرضاه.

هذه الجملة مثلها مثل غيرها، إنما هي منقبة لمعاوية وتبيان لقرب مكانته من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. إذاً كلامه عليه الصلاة والسلام هو القدوة والأسوة والقمة في كل كمال. كان صلى الله عليه وسلم ربما أكد على كلامه بشيء من اليمين، كثيرًا ما كان يقول: «لا والذي نفسي بيده»، فهذا فيه إظهار لعظمة الكلام، وهذا فيه إظهار أنه يجوز للمسلم أن يحلف وأن يقسم، ولذلك جعل الله عز وجل كفارة اليمان وأمرنا أن نحفظ أيماننا.

فكان عليه الصلاة والسلام لا يقسم إلا على أمر هام، يقول: «والذي نفسي بيده» مثلاً، كان يقول: «لأن يأخذ أحدكم حبلَهُ فيحتطب»، الحديث يقول: «والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة والولاء الدم...» إلى آخره، أمور كلها يستخدم فيها عليه الصلاة والسلام ألفاظًا معينة من القسم: «والذي نفسي بيده»، «ويمن الله»، «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» ونحو ذلك.

كذلك من خصائص كلامه عليه الصلاة والسلام وأدبه في الكلام، أنه ربما استخدم لفظ الغائب فيما يقبح نسبته إلى المتكلم، فمثلاً هذا موجود في القرآن: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]، ما قال كتب الله عليكم القتال، استخدم لفظ الغائب لأن فيه كراهية عند المستمع وهو مسألة القتال والجهاد. كذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال...

إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: «قدموني»، وإن كانت غير صالحة قالت: «يا ويلها». ما قال «يا ويلتي»، بل قال «يا ويلها»، أين يذهبون بها؟ وهذا من الأدب أنك لا تنسب الأشياء السيئة لنفسك، بل انسبها إلى ضمير الغائب.

وفي الصحيحين عندما عرض النبي عليه الصلاة والسلام الإسلام على أبي طالب، حتى قال أبو طالب آخر ما قال الرسول يعرض عليه الإسلام ويحببه فيه، وهو آخر شيء قاله أبو طالب، وهذا لفظ الحديث: «هو على ملة عبد المطلب». ما قال «أنا»، مع أنه ينقل كلامه، وهذا الذي يجعلونه بين علامات التنصيص عادة عندما ينقلون كلام البني آدم ينقلونه بين علامات التنصيص، كلامه هو الذي قاله حقيقة، لكن هنا ما قال «أنا على دين كذا وكذا»، إنما قال: «هو على دين عبد المطلب».

كذلك كان عليه الصلاة والسلام يرفع صوته في أماكن رفع الصوت، ويخفض صوته في أماكن خفض الصوت، ما تحتاج إلى ذلك. المقداد رضي الله عنه عندما نزل ضيفًا هو وصاحبه على النبي عليه الصلاة والسلام، أو هو وصاحبيه، فجاء عليه الصلاة والسلام وهم نيام، قال المقداد: «فسلم تسليمة يسمع اليقظان ولا يوقظ النائم» رواه الإمام مسلم.

ما معنى ذلك؟ معنى أن الرسول عليه السلام ما دخل البيت والضيوف نائمون ويرفع صوته بالسلام، السلام بصوت عالٍ بحيث يوقظ الناس أبدًا، كان يتخير. ومن ذلك ما تجده من بعض الناس إذا دخل المسجد سلم كأنه إمام المسجد، أول ما يدخل من الباب: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، حتى الذي يصلي يتشوش أو يشوش عليه، وهل الذي يقرأ القرآن يضطر إلى قطع قراءته الذي يذكر الله عز وجل؟ يا أخي لماذا ترفع صوتك بالسلام؟ نعم، إذا دخلت ورأيت من تعرف سلم عليه بينك وبينهم، أما أن تسلم على المسجد عامة فليس هذا من السنة.

إذا النبي عليه الصلاة والسلام هو أفصح من نطق بالضاد، بأبي هو وأمي، وينبغي على المسلم أن يتعلم من أحاديثه وكلامه وهديه وسمته ما ينفعه الله تعالى به في الدنيا وفي الآخرة. هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد...