دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم تقنياته ومجالاته، ومعه تطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد والسيرة عطرة الشذى، تفوح لكل زمان بشرى لنا، زادنا كاذبين للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نبينا ﷺ هو أكمل البشر، ومن خصائص البشر أن يحبون ويبغضون. والنبي ﷺ كان له من أصحابه ومن أحبابه، ومن قرابته ومن أزواجه ومن نسله، من يحبهم أكثر من حبه لغيرهم. ولا شك أن من حبنا للنبي ﷺ أن نحب من يحب. وهذا أمر فطري طبيعي، كما قال الشاعر: أطوف بالديار ديار ليلى .. أقبل ذا الجدار وذا الجدار وما حب الديار شغف قلبي .. ولكن حب من سكن الديار

أي إنسان يدعي محبة النبي ﷺ لزامًا لابد أن يحب من يحبهم النبي ﷺ، وعلى رأس القائمة سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه؛ فهو من حيث سابقته للإسلام، ومن حيث مواساته للنبي ﷺ بنفسه وماله وأهله، هو من حيث نفعه هذا الدين.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما بعثه النبي ﷺ وأمره على جيش، أتى النبي ﷺ فقال: أي الناس أحب إليك؟ -وطبعًا عمرو رضي الله عنه أسلم متأخرًا في العام الثامن للهجرة تقريبًا أو قبل فتح مكة بقليل- فمن كثرة ما كان يأتي النبي ﷺ والنبي يتبسم في وجهه، ظن أن له مكانة خاصة عنده ﷺ. فأتاه سائلًا أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة. قلت: من الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب، ثم عد رجالاً بعد ذلك. رواه البخاري في الصحيح.

إذاً أحب الناس إلى النبي ﷺ من الرجال هو أبو بكر ثم عمر، أما من النساء فعائشة. وعلى خلاف هل عائشة هي أحب الناس إليه بعد وفاة خديجة، أم هي أحب الناس إليه مع خديجة رضي الله عنهما؟ ومن شواهد محبته لأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه قول النبي ﷺ: «إن الله خير عبداً بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده»، فاختار ما عند الله عز وجل، فجعل أبا بكر رضي الله عنه يبكي ويقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا.

راوي الحديث أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: ما يبكي هذا الشيخ؟ يتساءل؛ عجيب! الله عز وجل يخير عبداً بين الدنيا وزهرتها وما فيها وبين ما عنده، فاختار ما عند الله. فكان النبي ﷺ هو العبد الذي خُيّر، وكان أبو بكر رضي الله عنه أعلمنا. قال عليه الصلاة والسلام لما رأى تلك الدموع تسيل على وجه سيدنا أبي بكر: «يا أبا بكر، لا تبكي، إن آمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً». وفي رواية: «ولكن صاحبكم خليل الرحمن». ويقول: «ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باباً إلا سد إلا باب أبي بكر». وهذا يدل على أفضليته المطلقة رضي الله عنه وأرضاه على سائر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

بل إن ابن عمر رضي الله عنهما يقول: كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ، يعني نفاضل بينهم، أيهم أفضل؟ أيهم خير؟ فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم. وهذا رواه البخاري في الصحيح. وهل ما أجمعت عليه أهل السنة والجماعة تفضيل أبي بكر على عمر وعثمان وعلي؟ والنبي ﷺ كما جاء في السيرة هاجر مع أبي بكر، فهو الذي اختاره للهجرة معه من مكة إلى المدينة، ولم يكن معهما أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

وفي الهجرة، رأى النبي ﷺ من أبي بكر عجباً؛ رآه يسير أمامه مرة، وخلفه مرة، وعن يمينه وعن شماله. فسأله النبي ﷺ: «يا أبا بكر، لما هذا الفعل؟» فيقول: يا رسول الله، أذكر الطلب فأمشي خلفك كي أحميك، وأتذكر الرصد فأمشي أمامك كي لا تقع عليك العيون. فقال ﷺ: «يا أبا بكر، لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني». قال: نعم، والذي بعثك بالحق. إن قتلت أنا فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت أمة كلها. هذا هو أبو بكر، أول أمة محمد ﷺ دخولاً الجنة.

أسلم على يده الزبير وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة، يعني عشرة مبشرون بالجنة، أكثرهم أسلم على يده. وقد قال ﷺ كما تقدم في الحديث: «ما نفعني مال قط، ما نفعني مال أبي بكر». انظر إلى هذه التزكية. وقال ﷺ أيضاً عندما استخلفه إمامة المسلمين في مرضه: «لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره». إذاً من الذي يفاضل بين أبي بكر وغيره من الناس؟

وقد أخبر ﷺ أنه من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة؛ وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان. فقام أبو بكر فقال: ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة؟ فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ يعني هل يوجد أحد جمع أبواب الخير فيدعى من أبواب الجنة الثمانية؟ فقال ﷺ: «نعم».

وأرجو أن تكون منهم. تزكية وراء تزكية، ولا تنتهي هذه التزكيات. ومع كل هذه المناقب، فعندما أتى أبو بكر رضي الله عنه النبي ﷺ يطلب منه أن يعلمه دعاءً، قال له النبي ﷺ: «قل في صلاتك...» واستمع إلى الدعاء. لم يأمره أن يستكثر من المال، وهو الذي واسى النبي ﷺ بماله ونفسه وأهله، لم يأمره بأن يستكثر من أمر من أمور الدنيا مع كل مناقب الخير التي فيه، قال له النبي ﷺ: «قل...»

اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، وأنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، إنك أنت الغفور الرحيم.

فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله عز وجل. إمام عادل وخليفة زاهد من أشهر الخلفاء الأمويين، وأشبه الناس سيرة بالخلفاء الراشدين. قال عنه أنس بن مالك رضي الله عنه: «ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى». فمن هو؟ إنه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان القرشي الأموي، وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

ولد سنة إحدى وستين للهجرة بالمدينة، ونشأ فيها عند أخواله، فتأثر بهم وبمجتمع الصحابة رضي الله عنهم، وحفظ القرآن وهو صغير. في سنة سبع وثمانين للهجرة ولاه الوليد بن عبد الملك إمارة المدينة، ثم ضم إليه ولاية الطائف سنة إحدى وتسعين للهجرة، ليصير واليًا على الحجاز كلها. وقد كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة وأعدلهم سيرة.

كان إذا وقع له أمر مشكل جمع فقهاء المدينة عليه، وقد عين عشرة منهم، كان لا يقطع أمرًا دونهم أو من حضر منهم. لما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة قربه وجعله وزيرا له. وفي سنة تسع وتسعين للهجرة كتب سليمان بن عبد الملك قبل وفاته كتابًا يستخلف فيه عمر من بعده.

صعد عمر المنبر بعد توليه الخلافة وقال: «أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في عنقي من بيعتي فاختاروا لأنفسكم». فأجابه الناس قائلين: «قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك، فولي أمرنا بالعدل والبركة».

اجتهد رحمه الله في فترة ولايته، وكانت سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، فعزل الولاة الظالمين، ورد المظالم، وانتصر للمظلومين، ونشر العدل بين المسلمين، فضلاً عن نشره للعلم وعمله بالشورى وأمره بتدوين الحديث النبوي. وفي الخامس والعشرين من رجب عام مائة وواحد للهجرة توفي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، وجزاه عن عدله وفعاله الحسنة خير الجزاء.

السلام عليكم ورحمة الله. هذا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، ويليه في المحبة بالنسبة للنبي عليه الصلاة والسلام عمر رضي الله عنه وأرضاه. ولكن هل المحبة هذه متقاربة؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى أبا بكر وعمر قال: «هذان السمع والبصر». فأيهما أفضل؟ السمع أم البصر؟ لا شك أن الناس إن خيروا أحبوا البصر، فلا حرج عند المسلم أو عند الرجل أو عند المرء أن يكون أصم ولكنه يرى، أما في الأمور الشرعية فلا شك أن السمع مقدم على البصر؛ لأن بالسمع ينال الإنسان العلم ويفقه ويتعلم ويعي مراد الله عز وجل منه، أما البصر فيستطيع أن يحتسب أجره عند الله عز وجل، وإن صبر فله الجنة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عن أبي بكر وعمر: «هذان السمع والبصر». فأيهما أفضل؟ وهل الكمية أو مقدار المحبة متفاوتة أم متقاربة؟ لا شك أن أبا بكر كما تقدم هو أفضل الصحابة بلا منازع، ولكن استمع إلى هذا الحديث لتعلم الفرق بين أبي بكر وعمر.

أبو بكر رضي الله عنه جاء ذات يوم وقد حسر عن ركبتيه، يعني مستعجلًا بحيث إنه ركبتاه ربما بدتا. فقال صلى الله عليه وسلم: «أما صاحبكم فقد غامر». فقال: «يا رسول الله، إنه كان بيني وبين عمر شيء، كأنه حصل بينهما مجادلة وخصومة، فأتيت إليه وقد ندمت فسألته أن يغفر لي، سامحني، فأبى علي، فأقبلت إليك، من لي ألجأ إليه من البشر بعد الله عز وجل إلا أنت؟». فسكت عليه الصلاة والسلام وقال: «يغفر الله لك يا أبا بكر»، ثلاث مرات.

ثم إن عمر ندم رضي الله عنه؛ كيف لا يغفر لأخيه عندما استسمحه؟ فجاءه أو ذهب إلى بيته فلم يجده، وقالوا له ذهب إلى المسجد، فأتى ودخل المسجد ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم وتغير، حتى أشفق أبو بكر؛ ظهر الغضب على وجه النبي عليه الصلاة والسلام، فجثا أبو بكر على ركبتيه وقال: «يا رسول الله، أنا كنت أظلم، أنا كنت أظلم»، يعني ما هو خطأ عمر، إنما أنا المخطئ.

فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدقت، وواساني بماله ونفسه، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» أعدها مرتين، فلم يؤذَ بعدها قط. ما استطاع أحد أن يؤذي أبا بكر أو أن يتعرض إليه بعد تلك المقولة؛ لأنهم عرفوا مكانته. إذاً عمر، وإن كان للنبي عليه الصلاة والسلام، إلا أن مكانته لا تأتي بجانب أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.

أما عائشة سئلت نفس الموضوع: أي الأصحاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام أحب؟ فقالت: «أبو بكر، ثم عمر»، ثم قالت: «ثم أبو عبيدة بن الجراح». وابن عباس رضي الله عنهما يقول عندما وُضع عمر على سرير سريره وجعل الناس يصلون عليه، سمع رجلاً يقول: «وي الله! إن كنت ظننت أن يجعلك الله مع صاحبيك، لأني كثيرًا ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما». يقول ابن عباس: فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب، رواه البخاري ومسلم.

إذاً هذا كان أمرًا مستقرًا عند الصحابة؛ مكانة أبي بكر ومكانة عمر عند النبي صلى الله عليه وسلم. عمر عُرف بالقوة في الدين، عُرف بقوة في الإسلام، بينما عُرف أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه بالطيبة والحنان واللين والرفق، وهذا معروف عنه. وخلافة أبي بكر كانت أقصر بكثير من خلافة عمر رضي الله عنهما، لكن هذا الرفق واللين عند أبي بكر وتلك الشدة والقوة في الدين عند عمر اختلفت تمامًا في حروب الردة عندما ارتد المسلمون أو ارتد خلق كثير بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فانقلب رفق ولين أبي بكر إلى ثبات وقوة وشدة، ثبت الله عز وجل بها على قتال أهل الردة، وبها نصر الله تعالى هذا الدين.

عمر من قوته وشدته في الدين أن النبي صلى الله عليه وسلم مدحه ذات يوم فقال: «أيه يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا قط إلا سلك فجًا غير فجك». سبحان الله، يهرب ويفر الشيطان من عمر! هذا عمر الذي أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن رؤيا رآها، وليست مرة بل أكثر من ذلك، وقال في إحدى الرؤى التي رآها الرسول صلى الله عليه وسلم، ورؤى الأنبياء.

وحي وحق، قال: «بينما أنا نائم إذ أوتيت بقدح لبن فشربت منه حتى لا أرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضل عمر بن الخطاب». قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم».

إذن لا شك في مكانة عمر العلمية رضي الله عنه وأرضاه. ولا شك في هذه المنقبة أن النبي عليه الصلاة والسلام من سائل الصحابة أخبر أنه أعطى فضل ما شرب من اللبن إلى عمر، وأول ذلك بالعلم؛ فهذا دليل على مكانة عمر العلمية رضي الله عنه وأرضاه.

أما الحديث الثاني، قال صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا: «بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجر خميسًا مسبلاً». الحياة العادية لو رأينا رجلًا عليه قميص وهو مسبل، لهذا الثوب أو ذلك البنطال، لعدنا ذلك عيبًا لأنه ما جاوز الكعبين في النار، لكن أمور الرؤى تختلف وتعبير الرؤى يختلف.

وهذا أمر قد للأسف الشديد توسع فيه الناس توسعًا عظيمًا، وسبحان الله كم من الناس من ضلوا وأضلوا، وهنالك برامج تلفزيونية ربما البعض منها قد يوافق الصواب أحيانًا، لكن بعضهم يأتي بأمور وطوام عجيبة، ومنهم من يقول هذه الرؤيا في أمر كذا وكذا ويجزم بذلك، وبعضهم يتحدث بغير علم، وهذا يعني من الفتن حقيقة. كم من أهل العلم وطلبة العلم من فتن بهذه التعبيرات ووجد فيها منفساً ووجد فيها فرصة للظهور والبروز. فماذا أول النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا القميص؟ هذا ما سنعرفه بعد الفاصل.

فابقوا معنا. العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء، وضياء يمحو ظلمات الجهل. الحرص على طلب العلم والازدياد منه طريق الأنبياء ودرب الأصفياء، وقد رغب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في الازدياد من طلبه فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]، فهو مما يحبه الله تعالى ويرضاه ويفتح لك به طريقًا إلى الجنة. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة».

فدراسة العلم تفيدك معرفة وأدبًا ومهارة ووعيًا تخدم به دينك وتؤهلك إلى مناصب ومواقع يعلو بها شأنك وتنفع بها أمتك بإذن الله، وتكون بذلك من خير الناس؛ ففي الحديث: «خير الناس أنفعهم للناس». ولتحرص دومًا على أسباب التفوق، ومنها حفظ الوقت وحسن اغتنامه، فالوقت هو الحياة، واستذكار دروسك واسترجاعها بصفة مستمرة دون تسويف أو ملل، والاستعانة بالله سبحانه وتعالى، فبيده مقادير كل الأمور.

من ثمرات العلم النافع أنه يورث الخشية من الله تعالى، فالعلماء حقًا هم من يخشون الله تعالى حق خشيته، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرى رؤيا، في هذه الرؤية يرى الناس يلبسون القمص مثل الثياب، لكن منهم من يبلغ منه القميص الثدي ومنهم من هو دون ذلك، حتى رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه وعليه قميص يجره من طوله، فقيل: يا رسول الله ما أولت ذلك؟ فقال: «الدين». سبحان الله، عمر يجمع بين العلم والورع والزهد والدين، وأي كمال بعد هذا؟

ولا شك أن محبة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من صلب هذا الدين. من هم الذين نقلوا لنا الدين سوى أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ يقول محمد بن سيرين رحمه الله: «ما أظن رجلًا ينتقص أبا بكر وعمر يحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم»، وهذا حق. إن سمعت أحدًا ينتقص من أبي بكر وعمر خاصة، ومن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام عامة، فاعلم أن فيه بغضًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن هؤلاء هم أحبابه عليه الصلاة والسلام، والمقربون منه مجلسًا، والذين كان يأتمنهم ويتعاهدهم، وكانوا معه ليلًا ونهارًا.

ثم إن كنت تنتقص منهم، والذي يريد أن يهدم الدين لن يستطيع أن يفعل ذلك مباشرة؛ ما يستطيع أحد أن يأتي فيتحدث في القرآن أو يتحدث في السنة ويردها إلا زنديق، وهذا معروف، حتى وإن خرج على القنوات الفضائية وأقاموا معه البرامج اليومية، هذا زنديق يطعن في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام. لكن المنافقين يفعلون ذلك بطريقة مخفية، وهم لا يطعنون في القرآن والسنة بل يطعنون في من حمل لنا السنة، ويطعنون في أبي بكر ويطعنون في عمر ويطعنون في عثمان ويطعنون في سائر الصحابة ويتهمونهم بالخيانة، ولا شك أنه كما قال محمد بن سيرين: «الذي لا يحب أبا بكر وعمر فهذا لا يحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم».

ثم بعد ذلك في الترتيب، بعد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، يأتي ذو النورين عثمان بن عفان. عثمان بن عفان هو أحد الستة الذين جعل فيهم عمر رضي الله عنه وأرضاه الخلافة، فبعد أن توفاه الله عز وجل أمر المسلمين أن يجعلوا أمرهم إلى عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص؛ هؤلاء الست من العشرة المبشرين بالجنة الذين بقوا بعده، فنعلم أن الأربعة الباقين هم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة عامر بن الجراح وسعيد بن زيد وزيد بن عمرو بن نفيل.

فجعل رضي الله عنه وأرضاه فيهم الخلافة، ودل ذلك على مكانتهم عند عمر، وعثمان ولا شك ولا ريب أنه من أفضل الصحابة على الإطلاق بعد أبي بكر وعمر. ومن فضله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زوجه بابنتيه، زوجه برقية التي يقول الصحابة: «ما رُئي زوجان أحب وأفضل منهما في الإسلام»، فلما مرضت وماتت زوجه لأختها أم كلثوم.

عثمان عُرف بين المسلمين بالثراء، وكان من أثرى الصحابة إن لم يكن أثراهم على الإطلاق، لكن هذا الثراء والمال كان في يده ولم يكن في قلبه، ولذلك دفع من المال الشيء الكثير في سبيل الله عز وجل، واشترى بئر رومة، وجهز جيش العسرة من ماله، وجعل يصب المال في حجر النبي عليه الصلاة والسلام صبًا، وجعل قوافل بأحمالها وما عليها من الإبل بالمئة والمئتين والثلاثمائة كلها في سبيل الله عز وجل، حتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «بخ بخ، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم». هذا يسمونه عندنا بالشيك على بياض، عندما يوقع لك ثري على شيك لا يضع المبلغ، هذا الشيك على بياض، النبي عليه الصلاة والسلام أعطى عثمان هذا الشيك وقال له: «ما ضر عثمان ما فعل أو ما صنع بعد اليوم». أبو موسى الأشعري...

يقوم بواب على حديقة فيها النبي ﷺ والرسول جالس على حافة بئر، فيها قد حسر عن ساقيه وشيء من فخذه. يستأذن أبو بكر فيأذن له ويبشره بالجنة، يستأذن عمر ويأذن له يقول له وبشره بالجنة، يستأذن عثمان فيقول افتح له وبشره بالجنة على بلوى مصيبة.

يسترجع عثمان، يدخل عثمان فإذا بالنبي ﷺ يغطي فخذيه وركبتيه. ويقال له يعني أبو بكر وعمر يستأذنون ولن تفعل ذلك، قال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة». سبحان رجل حيي، عثمان كان يقوم من حفظة كتاب الله عز وجل ومن المتقنين للقرآن.

ويروى أنه قام ذات يوم في الوتر في صلاة الليل من العشاء إلى الفجر، قرأ القرآن كاملاً في ركعة واحدة من قوة وشدة حفظه. عابد كان عابداً زاهداً، كان عالماً بالمناسك، كان عالماً بالشرع رضي الله عنه وأرضاه.

ويروى وهذا يظهر لك حقد الرافضة، قاتلهم الله عز وجل أينما كانوا، أولئك الذين يبغضون أصحاب النبي ﷺ وبالتالي يبغضون النبي ﷺ ويريدون الدين. في الأثر عن عباد بن عباد قال: أتيت يونس بن خباب وكان رافضياً، أتيته بمنى وهو يقص يحكي الناس. وهذا حال الرافضة كل كلامهم قصص وكلها أكاذيب لا يوجد عندهم أي مصداقية.

يقول: فسألته عن حديث القبر، يعني سؤال الملكين: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ يقول فحدثني به مثل ما نتحدث به نحن أهل السنة، الأسئلة الثلاثة. ثم قال: إن فيه شيئاً قد كتمته المرجئة الفسقة، فقلت ما هو؟ قال: يسأل من وليك؟ فيقول وليي علي. طبعاً هذه من كيسه، من كذبهم وافتراءاتهم.

فيقول عباد: فقلت ما سمعت بهذا قط. وقال له: من أين أنت؟ قلت من أهل البصرة. قال: إنكم تحبون عثمان الذي قتل ابنتي رسول الله ﷺ. شوف الافتراء والبغض وكراهية أصحاب النبي ﷺ، يتهم هذا الصحابي الجليل الفاضل بأنه قتل ابنتي النبي ﷺ.

فقال له عباد، وقد ألهمه الله الجواب: قتل واحدة، طيب فلنفترض أنك صادق وأنه قتل رقية، فلماذا زوجه الأخرى؟ فبهت الذي كفر به، بهت هذا الرافضي ولم يجد جواباً، وقال: أنت عثماني خبيث.

إذاً هذا هو حال أعداء أصحاب النبي ﷺ، أعداء من كان يحبهم نبينا ﷺ، ولا شك أنهم أعداء لنا حتى يتبرأوا من ذلك الخبيث والطعن في أم المؤمنين عائشة وفي أصحاب النبي ﷺ، الذين أسأل الله عز وجل أن يجمعني وإياكم معهم في مستقر رحمته مع نبينا ﷺ.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.