يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه يطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد والسيرة يفوح لأهل كل زمان بالعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. استكمالًا لما تقدم معنا في الدرس الماضي، فإن النبي ﷺ كان يحب من أصحابه أبا بكر، وعمر، وعثمان؛ فأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه أول من أسلم من الرجال، وعمر هو من هو، وعثمان هو ذو النورين، وهو الذي تستحي منه الملائكة، رضي الله عنهم أجمعين. ورابعهم هو سيدنا علي بن أبي طالب، رابعهم في الترتيب ورابعهم في محبة النبي ﷺ.
وهذا اعتقاد أهل السنة والجماعة: محبة الصحابة وترتيبهم على نحو الخلافة، وهذا الفرق بين جماهير المسلمين وتلك الطوائف الضالة التي تدعي حب علي رضي الله عنه وأرضاه من دونه من الصحابة، بل وتطعن فيهم وتتهمهم بالكفر والنفاق. هذا الفرق واضح لكل ذي عينين؛ أهل السنة والجماعة يحبون أصحاب النبي ﷺ كلهم، لماذا؟ لأن النبي ﷺ كان يحبهم، ولأن الله عز وجل اختارهم لصحبة نبيه.
فهؤلاء الفجرة الفسقة الذين يدعون أن أصحاب النبي ﷺ ارتدوا بعده وخانوا الأمانة، هذا كله ضلال؛ ما ينبغي لعاقل، فضلاً عن أن يكون مسلمًا، أن يقول هذا عن صحابة الرسول ﷺ. فقارن بين من يحب أصحاب النبي ﷺ ويجلهم لأنهم حملة هذا الدين، وبين من يقع في أعراضهم ويطعن فيهم.
وقد قال ﷺ: «لا تؤذوني في أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهبًا ما بلغ مثل مد أحدهم ولا نصيفه». سبحان الله! هذا الكلام قاله عليه الصلاة والسلام لمن؟ لخالد بن الوليد سيف الله، عندما اختصم هو وعبد الرحمن بن عوف، حصل بينهم شجار، فقال عليه الصلاة والسلام مبيناً مكانة أصحابه للأمة ومخاطباً خالدًا: «لا تؤذوني في أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهبًا»؛ يعني يا خالد بن الوليد، يا من قمت بمثل هذه الفتوحات العظيمة وأنت ملقب بسيف الله من النبي ﷺ، لو أنك أنفقت في سبيل الله من الذهب ما يبلغ زينة جبل أحد، ما بلغ هذا الذي أنفقته في سبيل الله مثل ما ينفقه أحد المقربين من العشرة المبشرين؛ مد أحدهم، يعني ما يجتمع في اليدين للرجل المعتدل، هذا اسمه مد، ولا نصيفه يعني ولا نصف ملء اليد الواحدة. جبل أحد ذهبًا ما يسوى ما ينفقه هذا المقرب من النبي ﷺ.
وكيف يتأتى لتلك الطوائف الضالة أن تقع في أعراضهم؟ كيف يتأتى للزنادقة أن يقعوا في معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه كاتب الوحي؟ كيف يقعون فيهم ويتحدثون وينتقصون؟ لا شك أن هذا من النفاق الأكبر.
علي بن أبي طالب هو أول من أسلم من الصبيان، أسلم وهو من عشر سنوات، وقد تربى في كنف النبي ﷺ وتحت عينه. وكان رضي الله عنه وأرضاه من أشجع الصحابة، وشجاعته لا شك أنها معروفة لكل أحد ينتسب إلى هذا الدين؛ من شجاعته أنه نام في فراش الرسول ﷺ ليلة الهجرة، وقد علم أن المشركين يأتمرون لاغتياله والدخول على بيته وقتله ﷺ، ومع ذلك نام على فراشه كي يظن الظان أن النبي ﷺ هو الذي ينام على الفراش، وهو يعرض نفسه للقتل، ولكن ما هي هذه الشهادة مقابل أن ينقذ النبي ﷺ وأن يحميه؟
أما في معركة بدر، حين التقى الجمعان، جاءت قريش بجحافلها وجنودها وعتادها ثلاثة أضعاف أو أكثر لجيش المسلمين، أو تلك الفئة المؤمنة القليلة، دُعوا إلى البراز، فخرج عتبة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وطلبوا المبارزة، فبرز لهم علي وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم وأرضاهم. وعلي كان ابن خمسة وعشرين سنة، يعني شاب في عنفوان شبابه ولكنه لم يهب الموت، وخرج للقتال ونصره الله عز وجل.
وشجاعته وقوته معروفة لدى الجميع، ولم يكن معروفًا رضي الله عنه وأرضاه بالثراء والمال والصدقة، بل حياته كلها كانت مليئة بالزهد في الدنيا وبالتقلل من العيش. ومع ذلك زوجه النبي ﷺ ابنته فاطمة، زوجه إياها وكانا يعيشان في فقر؛ هذا هو الزهد والبعد عن الدنيا. كان رضي الله عنه وأرضاه يقول للذهب والفضة: «غر غيري»، يتحدث مع الذهب والفضة، مع أنه أوتي الخلافة، ومعنى المتعارف لدينا من كان بيده الدواة والقلم لم يكتب نفسه شقيًا، واللي يوزع الأموال ويقسمها بين الناس لا يمكن أن ينسى نفسه، ومع ذلك عندما كان منصب الخليفة له، وهو خليفة المسلمين، وبإمكانه أن يشتري القصور والدور والمال والذهب والفضة، كان يقول للذهب والفضة: «غر غيري»، يعني ليس أنا الذي تغرينه وتخدعينني.
هذا الرجل الزاهد عُرف بالكرم، وعُرف بالشجاعة، وعُرف بالعلم، فالعلم يجعل صاحبه سخيًا، يجعل صاحبه بصيرًا بأمور الدنيا زاهدًا في أمورها. وتحته سيدة نساء الجنة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، ومع ذلك تشتكي من أن العمل أثر على يديها، فيأمرها زوجها أن تذهب إلى النبي ﷺ وتسأله خادمًا. سبحان الله! فاطمة بنت محمد يؤثر الرحى في يديها والعمل وتتعب وتشقى، فتذهب إلى النبي ﷺ لتستعين به على خادم من الصدقة يخدمها، فهل يعطيها الرسول ﷺ؟ أبداً، إنما يعلمها الثبات على ما هي عليه هي وزوجها من الزهد في الدنيا، فيعلمهما أن يقرآ قبل أن يأويا إلى فراشهما: «سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر أربعًا وثلاثين»، ويقول: «هي خير لك من خادم».
أي بيت كان هذا؟ من بيوت المسلمين ملؤه الحب والزهد وقيام الليل والعبادة والجهاد والعلم، هؤلاء الذين عرفوا حقيقة هذه الدنيا فلزموها فكانوا من أهل الجنة.
فاصل قصير، وبعدها نواصل بإذن الله عز وجل. للمرأة في الإسلام أحكام تشريعية تختص بها رعاية لها وصيانة وتكريماً، لا تضييقاً عليها ولا تصغيراً لشأنها. فالمرأة لا تزوج نفسها وإنما يزوجها وليها؛ قال النبي ﷺ: «لا نكاح إلا بولي»، وفي هذا مراعاة لحيائها، فإن مباشرتها عقد الزواج بنفسها يخدش هذا الحياء، وربما تحملها طبيعتها العاطفية على اختيار غير الكفء.
فتقع في ورطة يصعب انفكاكها منها؛ أما الولي فكونه رجلاً يجعله أعرف بأخلاق الرجال ومكامن قوتهم وضعفهم، وكونه أباً أو أخاً يجعله أجدر في رعاية مصلحتها وكرامتها. وفي السفر ربما تعرضت المرأة للمفاجآت من مشقة أو اعتداء أو حاجة، فلا تجد من يهتم لأمرها دون مطمع.
فشرع الإسلام ألا تسافر المرأة إلا مع زوج أو محرم يعتني بها ويقوم بشأنها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم». ومحرم المرأة كل ذكر تحرم عليه تحريماً مؤبداً بقرابة أو رضاع أو مصاهرة، كالأخ وأبي الزوج، وأما الأخت فليس بمحرم لأن تحريمه مؤقت. ويشترط أن يكون المحرم بالغاً عاقلاً. إن كل منصف تأمل هذه الأحكام وغيرها يجد فيها الرحمة والعناية بالمرأة وصيانتها من عبث العابثين، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].
علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه كان ممن يحبهم الله عز وجل ويحبهم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. جاء في الحديث الصحيح عن سلمة الأكوع في فتح خيبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله». فتح خيبر قاتل فيه أبو بكر، قاتل فيه عمر، قاتل فيه الصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم، فجعل الناس يخوضون في ليلتهم تلك: من هذا الرجل الذي يحبه الله ورسوله وسوف يعطيه الرسول عليه الصلاة والسلام الراية لقتال اليهود؟ طبعاً هذا شرف كل يتمنى أن يناله، شهادة أن الله يحبه ورسوله.
فبعد صلاة الفجر، عندما أصبح الناس كلهم، جعل يتطاول كي يراه الرسول عليه السلام ويختاره، وقال عليه الصلاة والسلام: «أين علي بن أبي طالب؟» فأخبر أنه مريض به رمد في عينه، فأمر بأن يأتوه به، فجاءه فبصق في عينه فشفيت في الحال، وأمره صلى الله عليه وآله وسلم وأعطاه الراية. إذاً هذه شهادة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن علياً يحبه الله ويحبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وكيف لا وهو زوج فاطمة، وكيف لا وهو أبو الحسن والحسين؟
وما أدراك ما الحسن والحسين! إن حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهما شيء ثابت لا يختلف فيه اثنان. أسامة بن زيد رضي الله عنهما يقول: طرقت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو، النبي عليه الصلاة والسلام خرج عليه بسناء أو رداء واسع وكأنهم يغطون شيئاً ما يدري ما هو. يقول: فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشفه فإذا حسن وحسين على وركيه صلى الله عليه وسلم، فقال: «هذان ابناي وابن ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما».
لا إله إلا الله! هل يوجد من أهل السنة والجماعة، هل يوجد مسلم يبغض الحسن والحسين؟ لا والله، لا يوجد مسلم لا يحبهما، كيف وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنهما سيدا شباب الجنة، وكيف وهما ريحانتا الجنة رضي الله عنهما وأرضاهما؟
أبو هريرة يقول: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه، خرجنا في عمل ولا يتحدث إلي ولا أحدثه عليه الصلاة والسلام، وأنا أصاحبه وأنا عبد مأمور، إن تحدث معي أو كلمني فعلت ذلك ورددت عليه، وإلا فمكانته أعظم من أن أبتدئ الكلام وأتحدث معه من غير سبب. يقول: حتى جاء سوق بني قينقاع ثم جاء خباء فاطمة، فقال: «أثيم لكع؟»، اللكع هو الصغير، يسأل عن الحسن: «أثيم لكع؟ وين الولد؟ وين الحفيدي؟». فلم يلبث أن جاء يسعى، فاطمة تأخرت رضي الله عنها وأرضاها حتى تهيئه وتزينه وتطيبه وتلبسه، طفل صغير ثلاث سنوات أربع سنوات، يقول: فلم يلبث أن جاء يسعى، الطفل الصغير هذا ولد الولد من أحب الأمور إلى القلب، يسعى يعني يتعثر حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه. فقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أحبه فأحبه وأحبب من يحبه». سبحان الله، دعاء عظيم. يقول أبو هريرة رضي الله عنه: فما كان أحد أحب إلي من الحسن بن علي بعد ما قال عليه الصلاة والسلام ما قاله.
إذاً هؤلاء الصحابة الأفاضل الأكارم كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحبهم وكان يقربهم، وكان أصحابه يعلمون حبه لهم فيحبونهم. وكيف يتأتى لأحد أن يتهمهم، أي الصحابة، بأنهم كانوا يبغضون علياً أو يبغضون الحسن والحسين، أو أنهم كانوا يكيدون لهم من مكائد، أو أنهم كانوا يخونون النبي عليه الصلاة والسلام؟ والله إن هذا من أعظم الجهل أن يستمع العوام إلى تلك الافتراءات والكذب والطعن في الدين. هل يعتقد أن الله عز وجل يترك أصحابه يرتدون بعد إيمانهم ويخونون الرسالة ويلبسون على أمة محمد؟ والحق واضح جلي أبلج، الدين واضح لكل من لديه عينان، ما فيه خلاف.
لكن تلك الطوائف الضالة، انظروا إلى أصولهم، انظروا إلى ما قامت عليه، ما قامت إلا على الانتقام والبغض والحقد. الانتقام ممن؟ ممن يزعمون أنه قتل الحسين. طبعاً من قتلهم -لعنة الله على من قتله وأعان على قتله- هذا لا شك فيه عند أهل الإسلام. ومن الذي يريدون أن يحقدوا ويبغضوا، وهو من أصول دينهم، كل من ليس من طوائفهم الضالة، فهم يحقدون ويبغضون أهل السنة والجماعة. ونحن كمسلمين نشعر بالحزن والأسى والأسف من أولئك الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً.
لو انتقلنا إلى من كان يحبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من زوجاته، لوجدنا أنه كان يحب خديجة وعائشة رضي الله عنهما. فمن هي خديجة؟ خديجة ابنة خويلد رضي الله عنها وأرضاها، أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مطلقاً، وهي أول من آمن به من النساء، لكنها حقيقة أول من آمن به من البشر، فهي أول من أسلم قبل أبي بكر وقبل علي وقبل أي أحد من الناس، وهي التي واسته وصدقت به وأعطته من مالها وثبتته، ورزقه الله عز وجل منها الولد، لم يتزوج عليها حتى ماتت لكرمها عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وكان وفياً لها حتى بعد موتها، وهذا والله قمة الوفاء. أمنا عائشة رضي الله عنها تقول: «ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة، وإني لم أدركها». عجيب هذا الكلام، تغار من ميتة! تغار من امرأة ليس لها أي وجود! كيف هذا؟ ما سوف نعرفه بعد الفاصل، فارتقبونا.
وظائف وأعمال، شاشات وألعاب، أشغال كثيرة مهمة وغير مهمة، فكيف نطلب العلم في زحمة الانشغالات؟ أما الأشغال الباطلة والمحرمة...
كالافلام والمسلسلات، فيجب الاقلاع عنها فورا، وبذلك يتوفر وقت طويل لطلب العلم. والقناعة وفروا الوقت المبذول في تحصيل النفقات الترفيهية؛ فيمكن اغلاق المحل يوما في الاسبوع مثلا وتخصيصه لطلب العلم، ويمكن التناوب مع زميل على طلب العلم فيحضر احدكما حين يغيب الاخر، ثم تتبادلان المعلومات كما كان يفعل عمر بن الخطاب وجاره الانصاري.
ويمكن استغلال وقت المواصلات ذهابا وايابا في القراءة والسماع، وكذلك استغلال وقت الفراغ اثناء العمل وايام الاجازات، والاستفادة بالتكنولوجيا الحديثة كالانترنت والهواتف الذكية، والالتحاق بالتعليم المفتوح مثل منصة زادي، وعلى الاغنياء كفالة بعض النابهين وتفريغهم لطلب العلم. وفي الحديث: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا». وفي رواية: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، فعمل للاخرة يكفيك الله هم الدنيا». قال صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة».
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمنا عائشة رضي الله عنها وارضاها تقول: ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا على خديجة، واني لم ادركها، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذبح شاة يقول: «أرسلوا بها الى اصدقاء خديجة». سبحان الله! بعد موتها بسنوات والرسول عليه الصلاة والسلام يتعاهد صويحبات خديجة بالصدقة والاحسان، وهذا من البر ومن الوفاء.
تقول: فاغضبته يوما فقلت: خديجة؟ -وربما قلت له كأنه لم يكن في الدنيا امرأة الا خديجة- فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «اني قد رزقت حبها». رواه البخاري ومسلم. أمنا عائشة تغار من خديجة لماذا؟ لان الرسول عليه الصلاة والسلام عاش معها دهرا من الزمن، اول امرأة يتزوجها ولم يتزوج عليها في حياتها، وهي قد واسته؛ آمنت به وثبته الله تعالى بكلامها: «فوالله لا يخزيك الله ابدا، فانك تصل المعدوم وتكسب الكل وتفعل وتفعل وتفعل».
هذه المرأة الصالحة يقول عليه الصلاة والسلام: إن جبريل اتاه فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد اتتك ومعها اناء فيه ادام او طعام او شراب، فاذا هي اتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب. بشارة الى خديجة ببيت من لؤلؤة مجوفة في الجنة لا صخب فيه ولا نصب؛ يعني لا ازعاج لا ضجيج ولا نصب، أي لا عمل ولا تعب.
قال بعض اهل العلم: هذا لانها كانت رضي الله عنها وارضاها تهيئ بيتا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، اذا دخله لم يسمع فيه اي نوع من الصخب او الضجيج ولم يتعب فيه بعمل او يقم فيه بجهد، بل كانت هي تكفيه، هي تخدمه، هي تقوم بحاجاته كلها، فكان كالملك معززا مكرما صلى الله عليه وآله وسلم. من جنس العمل هذا الحب الذي كان في قلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لخديجة؛ لانها كانت السابقة الى الاسلام ولنصرتها له صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة لدين الله عز وجل.
اذا خديجة لا شك في حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها، لكن هنالك امرأة اخرى من زوجاته وهي امنا عائشة. هل كان يحب عائشة؟ الله اكبر! ان من حبه لعائشة وما جاء في فضلها ما جعل العلماء يختلفون: ايهم احب الى النبي عليه الصلاة والسلام؟ امنا خديجة ام امنا عائشة؟ عائشة هذه امرها عجيب، النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها ذات يوم: «اريتك في المنام مرتين، ارى انك في سرقة من حرير»، يعني ارى صورتك في قطعة حرير ويقول: «هذه امرأتك، فاكشف عنها فاذا هي انت»، فاقول: اياك! وهذا من الله يمضه. رواه البخاري في الصحيح.
اذا النبي عليه الصلاة والسلام اوري في المنام انه يتزوج عائشة، وعائشة كان لها من المحبة في قلب النبي عليه الصلاة والسلام ما لم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام يخفيه، يعني قد تحب احدا لكنك لا تظهر هذه المحبة ولا تخبر الناس بها، حب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة كان علنيا. ولذلك في حديث عمرو بن العاص الذي تقدم معنا في الدرس الماضي عندما سأله: اي الناس احب اليك؟ قال: «عائشة»، ما بدأ بابي بكر ولا بدأ بعمر او باحد، انما اول ما بدأ بهم كان عائشة.
يقول ابن القيم: انها كانت من احب ازواجه اليه، حتى ان مسروق رضي الله عنه كان يسميها حبيبة النبي او حبيبة رسول رب العالمين. فمكانة عائشة لدى النبي عليه الصلاة والسلام معلومة للجميع، حتى ان زوجات النبي عليه الصلاة والسلام كن يبعثن فاطمة ويطلبن منها ان تطلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يتقي الله عز وجل في ابنة الصديق، لانهم كانوا يشعرون بان الرسول يحبها اكثر منهن.
لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن ابدا ليظلم احدا من نسائه، نعم حبه في قلبه ولكنه كان اعدل الناس، وكان لا يظلم احدا، ولم يكن يجر في الحكم والقضية مع زوجاته صلى الله عليه وآله وسلم. لكن حبه لهم لم يكن يعدل حبه لعائشة. ولذلك عروة بن الزبير رحمه الله ورضي الله عن ابيه يقول: ان النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في مرضه جعل يدور بين نسائه، حتى في مرضه شف العدل، كان يدور بين نسائه، كل امرأة لها ليلتها وهو مريض ينقل نقلا الى بيت زوجته، لكنه كان يسأل: «اين انا غدا؟» حرصا على بيت عائشة. فلما كان يومي تقول امنا عائشة: سكن، اي لم يسأل اين انا غدا؛ استأذنت زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلبا لراحته ان يمرض في بيتها، واذن لذلك.
ولا شك ان مكانة امنا عائشة مكانة عجيبة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فمن خصائصها انها كانت من احب الناس الى نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن خصائصها انه لم يتزوج بكرا غيرها، ومن خصائصها انه كان ينزل الوحي عليه وهو في لحافها ولم ينزل في لحاف غيرها، ومن خصائصها انه عندما امر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بتخيير نسائه بين البقاء معه او ان يمتعهن ويسرحهن بدأ بها وخيرها. ومن خصائصها انه لما رماها المنافقون في حادثة الافك، برأها الله من فوق سبع سماوات، ولا ادري كيف يدعي وينتسب الى الاسلام هؤلاء الرافضة الذين يقعون فيها ويتهمونها بالزنا وقد برأها الله في سورة النور، يعني حتى القرآن ما سلم من طعنهم وتكذيبهم؛ هؤلاء العوام الذين يؤمنون بما اتى به اولئك المعممون.
أما في رؤوسهم شيء من العقل والإدراك، هذه التي برأها الله من سبع من فوق سبع سماوات ويطعنون فيها خصائصها. إن كبار الصحابة إذا أشكل عليهم أمر من الأمور في الفتاوى جاؤوها واستفتوها ووجدوا عندها علمًا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ من خصائصها.
كما تقول إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وآخر ما ذاق من الدنيا ريقها رضي الله عنها وأرضاها. ذلك أنه في اللحظات الأخيرة دخل عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده مسواك أو جريدة رطبة، فكأن الرسول عليه الصلاة والسلام نظر إليها واشتهاها فأخذته ولينته بريقها وبأسنانها حتى لان، ثم جعل الرسول عليه الصلاة والسلام يتسوك بها أفضل ما كان مستنًا.
ولذلك العلماء حاولوا أن يفاضلوا: أيهما أفضل؟ خديجة أم عائشة؟ أم فاطمة؟ والذي يظهر والعلم عند الله عز وجل أن المفاضلة بينهن ليست ذا قيمة لأن النبي عليه الصلاة والسلام يأتي عنه شيء صريح في فضل إحداهن على الأخرى. خديجة وفاطمة سيدتا جنة أو نساء الجنة، لكن عائشة جاء في فضلها الشيء العظيم الكثير.
فالأفضل الإمساك وعدم الخوض في الأفضلية، وإن كان رأيي الشخصي أنا أن خديجة رضي الله عنها وأرضاها لا يساويها ولا يوازيها في الفضل وفي المكانة أحد، ولكن ما نقول إلا رضي الله عن الصحابة أجمعين. وحشرنا الله وإياكم وإياهم معهم يوم الدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عاصم الحكيم