دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، بتقنياته ومجالاته ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ينبوعها صافي، الفقه الميسر عامدا للشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا زادنا كاذبين للعلم كالازهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما يا كريم. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السادس من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس التي نقولها ونسمعها، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، في القائمين عليها والعاملين فيها، وفي معلميها وطلابها يا رب العالمين.

إخواني وأخواتي، بدأنا هذا المستوى بالحديث عن المعاملات المالية وتحدثنا عن أهم المعاملات المالية، ألا وهي معاملات البيع. تحدثنا عن التحريمات الواردة على هذه المعاملات المالية، التحريمات الواردة على البيع، وقلنا إن الأصل في البيوع الحل والإباحة إلا ما جاءت الشريعة بتحريمه. ثم ذكرنا عددا من التحريمات.

ثم ذكرنا قاعدة ثانية في عقد البيع، وهي أن عقد البيع عقد لازم والأصل فيه اللزوم، إلا أنه قد يكون للعاقدين أو لأحدهما خيار فسخ البيع ورده، وذكرنا الأسباب التي تثبت هذا الخيار. فمنها المجلس، خيار المجلس ما معناه؟ معنى الرد بسرعة بعد العقد مباشرة وهما لم يتفرقا، فهذا يثبت له الخيار.

لو كان قد تفرقا واشترط أحدهما يثبت له الخيار؛ لأنه اشترط شرطا أن له الخيار، إذا هذا سبب ثاني. السبب الأول أنهما لا زالا في المجلس، والسبب الثاني إذا اشترط أحدهما الخيار فإنه يحق له الرد ولو كان بعد المجلس في المدة التي اشترطها.

السبب الثالث أن يجد في السلعة التي قبضها عيبا فله الخيار. السبب الرابع أن يجد أحد الطرفين أن الطرف الآخر قد غرر به ودلس عليه، مثلا أظهر له السلعة بشكل ما، هذا خيار تدليس. أحيانا يكون التدليس موجودا في بعض المعاملات، كأن يقول له إن هذه السلعة واردة من الدولة الفلانية المعروفة بجودة التصنيع مثلا وهي ليست كذلك، هذا نوع من التغرير. إذا ثبت وعلم المشتري أن السلعة ليست كذلك، له حق أن يردها؛ لأنه قد غرر به، لو قال له مثلا إن عليها الماركة الفلانية وإنها كذا.

ما المخرج من هذا؟ ما الذي يجب على البائع أصلا؟ يجب عليه دائما البيان والصدق: «البيعان إذا صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما». إذا قال البائع: يا أخي، ترى لا تغتر بما كتب على هذه السلعة أو الماركة الفلانية، ترى هي ليست كذلك، لا تظن أن هذه الماركة من تصنيع هذه المعركة.

لاحظوا الآن، هل يثبت للمشتري خيار أن يرد هذه السلعة؟ نقول لا، لا يثبت لك؛ لأنه بين لك البائع. لاحظتم؟ قال: ترى انتبه السلعة هذه ترى فيها العيب الفلاني، لكي لا ترجع تقول لي أريد الرد لآجل أن فيها العيب، اعرف أن العيب فيها وقيمها وثمنها وفقا لهذا العيب، لكي لا تنغش ولا تنخدع. نقول: جزاك الله خيرا أيها البائع، هذا هو الواجب عليك شرعا؛ أن تصدق وتبين.

وهذه في الحقيقة نصيحة للبائعين وللبائعات الذين يبعن مثلا من خلال محلات أو من خلال الإنترنت أو غيرها؛ هذه نصيحة لكل من يبيع أن يتقي الله سبحانه وتعالى في بيعه، وأن يتقي الله سبحانه وتعالى في الواجب عليه في هذا البيع، يجب عليه البيان، ألا يغش الناس، ألا يخدعهم. ترى إذا فقدت الأمانة -لا شك أيها الإخوة أن هذه علامة سيئة في المجتمع أن تفقد الأمانة وأن يوجد الغش- إخواني وأخواتي، إذا أردتم البركة في بيعكم الذي تبيعونه فاصدقوا وبينوا.

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما». ترى المال الذي تحققه بسبب كتمانك للعيوب الموجودة في هذه السلعة هو مال مؤقت ولكنه ممحوق البركة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كذب وكتم محقت بركة البيع». ما الفائدة من مال تحصله ولكنه ممحوق البركة والعياذ بالله؟

لا يلبث هذا المال -والله أنا نشاهد حقيقة بعض الناس- وإن كان عنده مال لكن ممحوقة بركة هذا المال، لا يدري أين ذهب ولا كيف ذهب، يذهب ماله سريعا وإن كان عنده مال كثير. وبعض الناس حقيقة وإن كان المال الذي عنده قليلا إلا أنه مبارك، تجد أنه يبقى معه وتجد أنه ينفعه وتجد أنه يحقق أغراضه على أتم الوجوه وأفضلها وأكملها، مع أن ماله أقل من صاحب المال الكثير الذي محقت بركة ماله.

فلنطلب دائما إخواني وأخواتي البركة في أموالنا وفي أعمالنا وفي أعمارنا وفي علومنا وفي تعليمنا وفي دروسنا، تتطلب البركة من الله سبحانه وتعالى. والله يا إخواني وأخواتي من حصلت له البركة من الله سبحانه وتعالى فإن حياته تكون حياة نعيمة، هذا في الدنيا، فظلا على الآخرة؛ لأن هذا النعيم نعيم في الدنيا قبل نعيم الآخرة، ومحق بركة البيع عقوبة في الدنيا قبل عقوبة الآخرة.

لذلك حقيقة ينبغي لنا أن نتأدب بالآداب الشرعية في البيع، وأن نعرف أهمية البيان والصدق في البيع. من التنبيهات التي ننبه عليها إخواننا الذين يبيعون وأخواتنا: ألا يحلفوا في بيعهم. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89]. احفظوا أيمانكم، لا يتخذ الإنسان الحلف منفقا للسلعة. نحن نتكلم عن الحلف صادقا، يعني لا تجعل هذا الحلف واليمين بالله سبحانه وتعالى -وإن كنت صادقا- فقط لكي تنفق بها سلعة؛ لا، الله سبحانه وتعالى أجل وأعظم من هذا الأمر، لذلك الله سبحانه وتعالى أمر بحفظ الأيمان.

نحن نقول وإن كان جائزا أن يحلف على شيء صادقا، ولكن ليس هذا من آداب البيع؛ أن الإنسان لا يستخدم الأيمان، ولا يحلف يقول: خلاص اشتريت السلعة بكذا، هذا وسعرها كذا، تبغى تشتريها؟ الحمد لله، أما أن يحلف: ترى والله هذه السلعة اشتريتها بكذا، والله إن هذه السلعة فيها المزية الفلانية، والله إن في هذه... ما يحتاج هذا، هذا كله حقيقة من اليمين على صاحبها الذي يريد أن ينفق بها السلعة بهذا الشكل. إذا كان كذلك، فهذا أدب من آداب البيع.

كذلك من آداب البيع إخواني وأخواتي أن يكون الإنسان سمحا في بيعه وفي شرائه، وسمحا في اقتضائه وسمحا في قضائه. كيف السماحة في البيع والشراء؟ إذا باع الإنسان شيئا لا مانع...

يعطي مهلة في السداد إذا أراد أن مثلاً اشترى منه الشخص الآخر كيلو، فوزن له كيلو وزيادة، جزاه الله خير. هذا السماح لا يدقق، لو مثلاً الفاكهة أراد أن يشتري ثلاثة كيلو طلعت ثلاثة كيلو ومئة جرام، يقول هذه المئة جرام. لكن لو قال تعال، هذه طلعت الفاكهة ثلاثة كيلو ومئة جرام، وإحنا حسبنا الكيلو مثلاً بعشرة ريالات، فالثلاثة كيلو قيمتها ثلاثين ريالاً والمئة جرام هذه قيمتها مثلاً ريال، ادفع لي ثلاثين ريالاً وريالاً، واحد وثلاثين ريالاً، هذا مهوب سمح، هو جائز، إحنا ما نقول ما هو بجائز، يجوز أنه يبيع ويأخذ حق المئة جرام الإضافية، له الحق.

لكن الناس اعتادت السماحة في هذه الأشياء التي هي قليلة القيمة، مثل الفواكه أو غيرها، أو البر والشعير، إذا الإنسان باعها فلابد الإنسان يكون عنده شيء من السماحة. كذلك في الشراء، الإنسان إذا اشترى يكون سمحاً في الشراء، أحياناً لا يماكس المماكسة البالغة على الشيء القليل اليسير، خلاص يكون سمحاً فيه.

سمحاً في الاقتضاء، لو إنسان عنده دين على شخص، حل عليه الإيجار: يا فلان سددني إيجار البيت أو سددني إيجار الشقة، قال يا أخي الحقيقة عندي ظروف هذا الشهر، ودي إنك تسمح لي بأسبوع أسددك الإيجار، ينبغي لصاحب البيت أن يكون سمحاً، يقول: طيب أبشر، الظروف التي عندك خذ هذه المهلة الإضافية. جاء بعد أسبوع قال: يا أخي الحقيقة استمرت ظروفي، أمهلني أسبوعاً، لابد أن يكون الإنسان سمحاً في الاقتضاء، يقول: طيب لا بأس أن نمهلك أسبوعاً. لكن لو تأخر يوم أو يومين قال: خلاص الآن يلا نروح المحكمة ونرفع عليك دعوى ونخرجك من البيت، نقول هذا دليل على عدم السماحة في الاقتضاء.

السماحة في القضاء والوفاء، كيف؟ إذا قال الإنسان: يا أخي جزاك الله خيراً، أنت الآن صبرت علي وأمهلتني أسبوعاً أو أسبوعين أو ثلاثة أو شهراً أو شهرين، فأنا أوفيك الدين هذا وتفضل هذه الهدية. هل هذا من الربا؟ تقول لا، إذا كان المقرض أو الدائن اشترط هذه الهدية فنقول هذا ربا، لكن إذا كانت سماحة من الشخص عند الوفاء، قال: يا أخي تفضل هذا دينك، وجزاك الله خيراً أنك صبرت علي وراعيت ظروفي، تفضل هذه هدية، نقول لا بأس، هذه من السماحة في الوفاء والقضاء. لكن إذا كان الشرط عليه هذه الهدية، فنقول هذا من الربا المحرم؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يشترط على شخص آخر عند التأخر زيادة، إما من خلال غرامة ولا تأخير ولا هدية ولا غيره، يمكن ما يجوز.

لكن إذا كان هذا سمحاً في بيعه وفي شرائه، لذلك لاحظوا لو كان المسلمون عندهم سماحة في البيع وفي الشراء وفي القضاء وفي الاقتضاء بهذه السماحة، والله يمكن تزول نصف قضايا المحاكم، ما عاد نحتاج ثلاثة أرباعها، لماذا؟ لأجل وجود السماحة بين الناس في بيعهم وفي شرائهم.

فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل. القرآن الكريم هو أصل الأصول، فمن علم أحكامه ووفق للعمل بها فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، ونورت في قلبه الحكمة وصار إماماً في الدين. وقد كان العلماء سلفاً وخلفاً يبدأون طلب العلم بحفظ القرآن. قال ابن عبد البر: «ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالماً فقيهاً».

وطالب العلم يحرص على فهم القرآن وتعلم معانيه، قال سعيد بن جبير: «من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي». وبالتدبر يستنبط الدقائق والأحكام، ويستطيع تطبيق القرآن على الواقع بشكل صحيح، وبه يحصل الخشوع، قال تعالى: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]. لذا ينبغي أن نهتم بمدارسة القرآن في المساجد والمدارس والدور المتخصصة في تحفيظ القرآن وتعليمه، وينبغي أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة بتعلم القرآن وتعليمه من خلال الإنترنت والفضائيات. فاعلم يا طالب العلم أن القرآن الكريم هو رأس ما لك وهو أربح التجارات، قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: 10].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد استفتحنا هذه الحلقة ببيان بعض الآداب التي ينبغي للمتبايعين أن يراعوها؛ هذه آداب السماحة في البيع والشراء وعدم اتخاذ الإيمان منفقة للسلع. نتكلم عن اليمين الصادقة، أما اليمين الكاذبة فهذه يمين غموس، والعياذ بالله، أن يحلف أن هذه السلعة مثلاً اشتراها بكذا وهو كاذب، العياذ بالله، هذه يمين غموس، حرام، بل إنها ما سميت غموساً إلا لأنها تغمس صاحبها في نار جهنم، والعياذ بالله. هذا في الحقيقة الإنسان عليه أن يجتنب هذا الأمر أشد الاجتناب. نحن نتكلم الآن عن اليمين الصادقة، الإنسان ينبغي له أن يجتنب اليمين الكاذبة وألا يتخذ الإيمان منفقة للسلع.

كذلك من الآداب التي تستحب للمتعاقدين الإقالة. وش هي الإقالة؟ الإقالة بمعنى أن أحد المتعاقدين طلب من الآخر فسخ البيع، قال: الحقيقة إني أطلب فسخ البيع. قال: يا أخي طيب، انتهى المجلس ما لك حق في الفسخ؟ قال: نعم أدري أنه انتهى المجلس. قال: طيب ولم يقع منك شرط. قال: أدري أنه ما وقع مني شرط. قال: طيب والسلعة ما فيها عيب؟ قال: أدري أن السلعة ما فيها عيب. قال: طيب ولا حصل مني تغرير ولا في غبن؟ قال: أدري أنه لا حصل لها تدليس ولا تغرير ولا غبن. لكن حقيقة أنا أطلبك طلباً أخوياً، لأن حقيقة ندمت على البيع، وكنت المفترض أني احتفظ بهذا المال ولا أريد أني أشتري هذه السلعة الآن في هذه المرحلة، ودي إنك تقيلني، إنك تعطيني هذا الخيار بالفسخ الآن، وإن كان لم يتحقق أي سبب من الأسباب التي تعطيني هذا الحق.

الأسباب الأولى التي ذكرناها في باب الخيار هذه أسباب تعطيه الحق إجبارياً، يعني له الحق ولو لم يرضَ الطرف الآخر، لكن الآن لم يتحقق أي سبب من أسباب الخيار، فهل له الحق في أن يطلب الإقالة؟ نقول نعم يطلب الإقالة، ونقول يستحب للعاقد الآخر أن يقيله إذا ما كان عليه ضرر، ولا شيء، مثلاً هذه السلعة التي باعها سوف يجد لها مشترياً آخر، ما المانع؟ «المسلم يقيل عثرة أخيه المسلم». ولو قال: لا، أنا حقيقة ما أريد أني أقيل البيع، وأنا أمضيت هذا البيع وأخذت الثمن وتصرفت فيه، أو سددت به ديناً علي، ولا أريد أني أقيل هذا، فهذا حق له.

كذلك إذا ما حكم الإقالة؟ نقول الإقالة جائزة، بل مستحبة في حق الشخص الآخر أن يقيل هذا الشخص عثرته، «ومن أقال مسلما عثرته وأقاله الله سبحانه وتعالى عثرته يوم القيامة». لذلك أنت عامل الناس بهذه السماحة حتى يتحقق لك عفو الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى يتجاوز عن هذا الشخص السمح في الاقتضاء، يقول إن هذا الشخص الذي كان يتجاوز عن المدين بسبب عثرته، أو يتجاوز عنه بسبب عدم وفائه، أو بسبب احتياج المال، فالله سبحانه وتعالى يعد نفسه أحق منه بالتجاوز، فيقول: «فلان هذا الذي كان يتجاوز عن عبادي فإني أتجاوز عنه في هذا اليوم يوم القيامة».

لماذا؟ لأنه كان يتجاوز عن عباد الله ويسمح لهم. ولذلك لا شك أن تجاوز المسلم وسماحته في بيعه وفي شرائه وفي اقتضائه، وسماحته في إقالة عثرة الناس، هذا من أهم الأسباب التي تحقق له سماحة الله في حقه وعفو الله سبحانه وتعالى عنه، وتجاوز الله سبحانه وتعالى عن عثراته وعن ذنوبه. وما أحوجنا في الحقيقة إلى رحمة الله سبحانه وتعالى بنا.

لذلك إخواني الكرام، هذه فرصة للتجار أن يحققوا الأسباب التي تحقق لهم سماحة الله معهم وعفو الله عنهم، فرصة للتجار أن يتجاوزوا عن الناس وأن يسمحوا للناس قدر المستطاع، طبعًا لا نريد أن يلحق بأحد ضرر، ولكن الإنسان يسمح بالقدر الذي يمكنه والذي يستطيعه، ولو تجاوز حتى في قدر تنازل عن شيء من حقوقه وتنازل عن شيء من ماله، فالله سبحانه وتعالى عفو كريم، ولا يضيع أحدًا ولا يضيع عنده شيء ولا عمل، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 278-280]. بهذه الآية ذكر الله سبحانه وتعالى الآن ثلاثة أحوال إذا حل الدين: الحالة الأولى، أن تزيد عليه لأجل تأخره، وهذا محرم، هذا حال مرابي، لذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، وقال قبلها: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.

الحالة الثانية، أن تنظره في حال كونه معسرًا مجانًا، تقول خلاص ما دامك معسرًا، وهذه الحالة هي حالة واجبة في حق الدائن إذا كان المدين معسرًا، يجب عليك أن تنظره بدون زيادة. ولو كان موسرًا، نقول يستحب لك الإنظار، وإذا أردت أن تطالب بحقك في المحكمة فلا بأس. الحالة الثالثة، أن يعفو الدائن لهذا المدين المعسر عن بعض الحق، يقول: «يا أخي أنا معسر وكذا»، فيقول: «أنا بصبر عليك شهرًا أو شهرين أو ثلاثة، وكذلك سوف أخفض لك من الدين ما تيسر»، تجود به نفسه جزاه الله خيرًا، هذه الحالة الثالثة، لاحظوا هذا المنفق، الله سبحانه قال: ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، يعني أنا أتصدق بشيء من ديني فهذا خير له إن شاء الله تعالى.

لاحظ هذا المتصدق كيف قابل الله سبحانه وتعالى بينه وبين المرابي -والعياذ بالله- في الجهة الأخرى؛ هذا المرابي يستغل المعسر، يقول: «لا خلاص بنزيد عليك»، والمتصدق يقول للمعسر: «هذا بنخفض لك في الدين وإن ييسر عليك». شوف كيف! في نظر الناس، من هو اللي عنده طلب فلوس أكثر وتحقق له فلوس أكثر؟ في الموازين الدنيوية هذا المرابي زادت فلوسه وهذا المتصدق نقصت فلوسه، لكن في الموازين عند الله سبحانه وتعالى، ماذا قال الله؟ ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. فهذا الشخص الذي طالب بهذا الربا يمكن يجيه أموال ربوية ولكنها ممحوقة البركة، والشخص الآخر الذي تصدق فالله سبحانه وتعالى يبارك له في هذه الصدقة والمال الذي يتصدق به، وينميها له، ويزيدها له، ويبارك له في ماله وفي أهله وفي ولده وفي عمره وفي عمله. ماذا نريد أكثر من هذه المزية وأعظم من هذه المزية؟

فلذلك لا تغرنكم إخواني وأخواتي، لا تغرنا الحياة الدنيا ولا يغرنا بالله الغرور، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. لا تغرنا هذه الأموال الإضافية التي نحصلها من هؤلاء الناس، ونريد أن نكثر الأموال بحلال أو بحرام، لا، وإنما نحرص على الحلال ونحرص على السماحة ونحرص على العفو والصدقة، والله سبحانه وتعالى سوف يبارك في هذا القليل فيجعله نافعًا كثيرًا بإذن الله تعالى.

فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل. هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: «ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك». ومن أهمية الوقت أن الله أقسم به في كتابه فقال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة. قال النبي ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه». وإذا أراد الله بالعبد خيرًا أعانه بالوقت، وإذا أراد به شرًا جعل وقته عليه.

وفي سيرة السلف أروع الأمثلة على استغلال الوقت، فقد كان داود الطائي يستلف الفتيت ويقول: «بين سلف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية». قال ابن القيم: «أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا وضع». ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتأخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات، فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت، فإن رسول الله ﷺ قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونرغب الحديث الآن كذلك عن شيء مشروع في البيع، وهو أدب من آداب البيع مهم فيه، ألا وهو توثيق البيع. أحيانًا تحصل نزاعات بين الناس يكون سببها عدم التوثيق، كيف يكون توثيق البيع؟ توثيق البيع بالإشهاد عليه، توثيق البيع بتدوينه وكتابته. فلو مثلاً إنسان باع أرضًا بمئة ألف دولار مثلاً، ثم بعد هذا البيع، نفترض أنه بعد سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات حصل مثلاً مشروع أو أي قرار أو أي شيء حول هذه الأرض، فصارت قيمتها بدل أن تكون مئة ألف دولار صارت قيمتها مثلاً مليون دولار أو مئتين ألف أو ثلاث مئة ألف.

إذا كان هذا البائع الذي قد باع الأرض لا يخاف الله، فربما ادعى وأنكر البيع وقال: لا ما حصل البيع والأرض لا زالت ملكي، فما الذي يضمن حق المشتري؟

لو كان هذا البيع موثقًا؛ أما بأنهم كتبوه عند القاضي، أو كاتب العدل، أو في المحكمة، أو كتابة العدل المختصة، أو وثقوه فيما بينهم بورقة وأشهدوا على هذه الورقة، فيأتي المشتري يوثق حقه. أما لو كان البيع تم بينهم شفويًا فقط وسلم له الثمن شفعًا، فقد يضيع حقه لأنهم لم يوثقوا هذا الحق، فلذلك الأشياء الكبيرة والأشياء المهمة يندب للمتبايعين أن يشهد فيها وأن يوثقوها بكتابة أو بغير ذلك من أنواع التوثيق.

لكن الأشياء الصغيرة مثلاً، لو إنسان أراد أن يشتري من البقالة حليبًا، أو أراد أن يشتري كيلوًا من اللحم، فلا شك أنه لا يحتاج هذه الأمور، خلاص يسلم الثمن ويستلم السلعة ويذهب، ما يحتاج أنه يأتي بتوثيق أو يطلب إشهادًا على هذا الأمر. وإن كان الآن بعض الأشياء السوبر ماركتات أو غيرها توثق هذه المبيعات من خلال فواتير إلكترونية تصدر مثلاً من خلال الكاشير، فهذا جيد. ولكن لو لم يحصل حتى هذا الأمر، ذهب الإنسان إلى بقالة صغيرة بدون فاتورة إلكترونية وبدون كاشير، فهذا الأمر إن شاء الله تعالى جائز ولا إشكال فيه.

لكن نحن حقيقة ننصح دائماً في الأشياء الكبيرة؛ الأراضي مثلاً، السيارات، الأشياء التي تكون أثمانها باهظة، الأسهم، العقارات؛ فدائمًا يحفظ المتعاقدان حقوقهما في هذا البيع من خلال التوثيق بالشهادة أو من خلال التوثيق بالكتابة والتوقيع على هذه الكتابة.

نريد أن ننتقل إلى مسألة أخرى وهي من المسائل التي انتشرت في هذا الزمان، ألا وهي مسألة بيوع التقسيط. بيوع التقسيط ما هي؟ أن يبيع البائع سلعته للطرف المشتري، والطرف المشتري يدفع ثمن هذه السلعة على أقساط مؤجلة لا يدفعها بشكل حال، هذا يسمى بيع تقسيط، فهو بيع يؤجل فيه الثمن.

صورة بيع التقسيط أن يبيعه السلعة مقسطة، فيقول له: كل شهر تدفع لي كذا مع الراتب. فنقول: الأصل في بيع السلع وتقسيط أثمانها وإجالها شهريًا، أو كل شهرين، أو كل ستة أشهر، أو كل سنة؛ كل هذا جائز إن شاء الله تعالى. انتشر هذا البيع على الراتب بشكل كثير وكبير جداً في مجتمعاتنا بسبب أن الإنسان لا يستطيع أن يتملك بيتًا مثلاً بشكل مباشر لأن قيمته عالية، ولكن يقول للبائع: أنا أقسط لك ثمن البيت كل شهر بكذا مع الراتب، وأنا من خلال العمل عشر سنوات أو خمس عشرة سنة بهذه الوظيفة سوف أسدد لك ثمن البيت، فنقول: بيع التقسيط جائز.

هنا مسألة ثانية في بيع التقسيط، وهي هل يجوز للبائع أن يزيد في ثمن السلعة نظير هذا التقسيط؟ فيقول: يا أخي الكريم، إن أردت أن تشتريها مني الآن، تريد أن تشتريها بثمن حال، ترى لو اشتريتها مني بثمن حال فإني ببيع عليك بمليون دولار، لو اشتريتها مني بثمن مؤجل فإني بقسطه عليك مثلاً كل شهر بألف دولار إلى أن أستوفي حقي كاملاً وقدره مثلاً مليون ومئتا ألف دولار، أي زيادة مئتي ألف دولار مثلاً، فيكون الثمن الإجمالي مليون ومئتي ألف دولار. نقول: هذا جائز إن شاء الله تعالى، إذا باعه بثمن مستقر معلوم محدد، وراعى في كون هذا الثمن زيادة لأجل الأجل، نقول هذا جائز ولا بأس به.

قد يقول قائل: ما الفرق بين هذا وصورة الربا؟ نقول: هناك حقيقة عدد من الفروق. الفرق الأول أن صورة الربا يتم فيها الزيادة في معاملة نقدية، ولا يجوز إقراض النقود بزيادة، أما بيع السلعة بزيادة لأجل الأجل فهذا جائز. الأمر الثاني أن الربا يتزايد، فهو كلما تأخر يزيد، أما عقد البيع فإنه يتم بثمن محدد معلوم لا يمكن أن يزيد فيه؛ ففرضًا أن عقد البيع كان على أن يبيع هذا المنزل بمليون ومئتي ألف دولار، فتأخر هذا الشخص المدين لكونه معسرًا أو لم يستطع السداد، نقول: ليس من حقك أن تزيد على هذا السعر ثمن البيع الإجمالي، ليس من حقك أن تزيد ولا دولارًا واحدًا ولا ريالًا واحدًا، لأن البيع قد وقع على هذا الثمن. ان لاحظتم هذا فرق بين القروض الربوية التي تتزايد وتنمو بالربا وبين البيوع التي لها ثمن محدد وإن روعي في الثمن التأخر في الأجل.

مسألة ثالثة متعلقة ببيع التقسيط: هل يجوز للبائع بسبب هذا الدين أن يشترط توثيقه؟ نقول: نعم. ما هي التوثيقة؟ أن يوثق هذا الدين، يقول: وثقه لي بكفيل غارم مسدد، أقول: جائز. أو يقول الدائن: وثقه لي من خلال تحويل الراتب بحيث إنك لا تستطيع أن تحول راتبك إلى جهة أخرى، نقول: هذا جائز. لو قال الدائن الذي سلف هذا الشخص أو باعه البيت: أريدك أن توثق لي برهن العقار، نقول: هذا جائز. وش معنى الرهن؟ الرهن معناه توثقة يستوفي منها هذا الدائن دينه، فإذا جاء حل الأجل مثلاً ولم يسدد المدين، فيقول الدائن للمحكمة: أنا قد رهنت العقار، هذا بيعوا العقار ووفوني حقي الذي لي والباقي أعطوه للمدين. إذاً هذا كذلك توثق بالرهن وهي جائز.

أصل بيع التقسيط أنه بيع جائز، لأنه بيع يحقق منافع للبائع ومنافع للمشتري؛ يحقق منافع للبائع إذ إنه ينفق سلعته من خلال البيع بالأجل، ويحقق منافع للمشتري كذلك. قد يقول قائل: إن الثمن قد زيد عليه في بيع التقسيط وصار عليه زيادة قدرها مئة ألف أو مئتا ألف بسبب أني اشتريت العقار بالتقسيط. نقول: نعم، ضرر عليك هذه الزيادة، وأنت لو اشتريته بثمن حال يعني كسبت المئة ألف أو المئتين ألف واشتريت بمليون دولار، ولكن لماذا أقدمت على هذا؟ لأنه يحقق لك منفعة، وهي أنه لا تملك الآن مليون دولار وإنما تملكها مع الراتب شيئًا فشيئًا، فأنت بدل أن تجمع راتبك الآن كل شهر ألف ألف دولار ثم تتملك بيتًا بعد عشر سنوات بمليون دولار، فأنت أفضل لك اشتره الآن بالتقسيط، ثم بدل أن تكون المدة عشر سنوات سدد بالتقسيط على مثلاً أحد عشر سنة أو اثنتي عشرة سنة، لكنك كسبت ملكية البيت الآن بدل أن تنتظر عشر سنين. إذاً هذا يتحقق فيه منفعة للمشتري، وإن كان هناك زيادة عليه في الثمن، ولكن المنفعة التي تحصلت له منفعة ظاهرة؛ لأنه تملك هذه السلعة الآن مع أنه لا يملك شيئًا من ثمنها.

هنا مسألة رابعة نريد أن ننبه إليها، وهي أن السلعة تنتقل ملكيتها بعقد البيع مباشرة للمشتري وإن لم يسدد الثمن. يعني انتقلت ملكيتها مباشرة، فإن كان البائع قد رهن هذه السلعة فمعنى ذلك أن المشتري لا يحق له أن يتصرف.

إن كان البائع قال: "لا خلاص، أنا أنقل لك الملكية ويكفيني تحويل الراتب، ما يحتاج أني أرهن هذا المبيع"، نقول للمشتري: له الحق أن يتصرف في هذه السلعة بالبيع؛ لأنه ملكها الآن ملكاً تاماً.

المسألة الخامسة وهي التي نريد أن ننبه إليها، وهي أن بيع التقسيط لا يجوز أن يشتمل على شروط الربا. ما هي شروط الربا؟ يقول: "إذا ما سددت القسط هذا ترى بزيد عليك غرامة قدرها كذا ريال أو كذا دولار، أو كل ما تأخرت يوم بزيد عليك غرامة".

نقول الربا هذا لا يجوز؛ لا يجوز الزيادة على المدين لأجل تأخره في السداد، بل الواجب على الدائن أن يمهل المدين إذا كان معسراً، وأن يطالبه بالوفاء إذا كان موسراً. وأما الزيادة لأجل التأخر، ولأجل المماطلة في السداد، ولأجل الزيادة على المعسر، فهذه كلها من الربا الذي يمنع شرعاً، وعلى المدين وعلى الدائن أن لا يدخلا فيه.

نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً، نوالاً ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان.