دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي أكاديمية زاد، ينبوعها صافي، الفقه الميسر عاملا للشرع دون تعصب لفلان، للعلم كالآزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما يا كريم، اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

أما بعد، إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الرابع والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه الأكاديمية، وأن ينفع قائلها وسامعها، وأن يبارك في من ساهم في نشرها ومن دعمها وأسسها.

كنا قد استعرضنا في سلسلة دروسنا السابقة أبوابا متعلقة بأحكام المعاملات المالية، بعد أن استعرضنا في المستويات السابقة أبوابا متعلقة بأحكام العبادات والقرب إلى الله جل جلاله. اليوم نستفتح شطرا مهما من أقسام الفقه الإسلامي، ألا وهو الأبواب المتعلقة بالنكاح وفقه الأسرة.

إخواني وأخواتي، إن دين الإسلام دين شامل لكل مناحي الحياة، فهو ينظم للمسلم والمسلمة أمر دينهما وتقربهما إلى الله جل جلاله، ينظم أمر معاملاتهم، ينظم الأمور الاجتماعية المتعلقة بالزواج والأسرة، والمتعلقة بصلة الرحم وبر الوالدين، والمتعلقة بالجار. وقد جاء في هذا عدد من الآيات الشريفة، وجاء في ذلك عدد من الأحاديث النبوية الكريمة؛ قال الله جل جلاله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163].

إن الإسلام كما نظم هذه الأمور كلها، قد نظم كذلك غيرها من شؤون الدولة والمجتمع، بل من شؤون الحرب والسلم، وكل ما يتعلق بشأن حياة المسلم. ذكرنا في بداية درسنا عن العبادات، ثم في بداية درسنا عن المعاملات، أن نظرة الشريعة الإسلامية لكل قسم من هذه الأقسام تتسم بطبيعة معينة، وكذلك الشأن في النكاح.

إن الله جل جلاله فيما يتعلق بعلاقة الاتصال بين الرجل والمرأة، التي هي أساس استمرار النسل البشري، فإن الله سبحانه وتعالى قد نظم هذا الاتصال بين الرجل والمرأة، وشرع فيه شرائع، وحرم فيه حدودا ومحرمات. شرع الله سبحانه وتعالى النكاح وحرم السفاح، والنكاح شرعه الله سبحانه وتعالى لأنه يوافق فطرة الله وخلقه التي فطر الله سبحانه وتعالى عليها عباده.

والله جل جلاله له الخلق والأمر، خالق الخلق وشارع الشرائع، جل جلاله هو الأعلم بمصالح عباده، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]. له الخلق، منفرد جل جلاله بالخلق والتقدير، كما هو منفرد بالأمر والتدبير للشؤون الشرعية والأحكام الشرعية التي شرعها سبحانه وتعالى. وخلقة الله وفطرته التي فطر الناس عليها، وشرعته التي أمر الناس بها، هما فيهما أتم التوافق؛ قال الله جل جلاله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].

فشرائع الله جل جلاله هي الحكمة، وهي التي فيها الخير والمصلحة للجنس البشري للوجود البشري إذا اتبعوها وأقاموها. شرع الله سبحانه وتعالى النكاح وحرم السفاح، والنكاح سنة نبينا محمد ﷺ وسنة الأنبياء من قبله، وفطرة الله التي فطر الناس عليها؛ لقد فطر الناس على مشروعية النكاح، وفطروا على استقباح السفاح.

لذلك لما تكلم الله سبحانه وتعالى عن الزنا في كتابه الكريم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]. «إنه كان فاحشة»؛ أي وصف مستمر فيه في الزنا، «إنه كان فاحشة»؛ أي وصف مستمر متجذر في الزنا. والفاحشة هي الفعلة الشنيعة التي تستقبحها النفوس وتُهرب من الاتصاف بها وتتستر عند عملها، والتي تعتبر من قبائح الأفعال عند ذوي العقول الراجحة وأولي الألباب والنهى. هذه هي الفعلة الفاحشة، «ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا»، فهو فاحشة من الجاهلية قبل الإسلام، وما زاده الإسلام إلا تقبيحا وبيانا وتحريما لسوء فعلته، وفي مقابل ذلك شرع الله سبحانه وتعالى النكاح الذي هو هدي الأنبياء والمرسلين.

إخواني وأخواتي، سؤال أسأله حتى تعلموا كيف فطر الله سبحانه وتعالى الناس على النكاح واستقباح السفاح: أرأيتم هؤلاء الأقوام الكفار الذين لا يعترفون بإله ولا برسالة، من أين نشأ عند البشرية جمعاء لفظ النكاح؟ إذا كانوا لا يعترفون بدين، فعلى أي أساس فرقوا في لفظهم بينما يسمونه نكاحا أو زواجا، وبين السفاح أو البغاء أو غيرها؟

أساس هذا التفريق هو الفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليها، لأن الناس قد فطروا أن الاتصال بين الرجل والمرأة ثمة منه نوع مشروع، وثمة منه نوع مستقبح فاحش بذيء. فلأجل هذا نشأ عند البشرية، حتى عند القوم الذين لا يعرفون رسالة ولا إلها ولا يعبدون الله، ليس عندهم هذا التفريق في ألفاظهم ومصطلحاتهم. لذلك نجد أن من الأشياء المشتركة، المفاهيم المشتركة عند البشرية مسلمهم وكافرهم، مفهوم الأسرة؛ الأسرة التي تنشأ بالعقد الشرعي الصحيح. لو لم تكن هذه فطرة فطر الناس عليها في خلقتهم، لما عرف هذا المفهوم أصلا، ولا اتصل الناس النساء والرجال بعضهم ببعض كالبهائم دون أن تكون ثمة أسرة كما هو حال البهائم أعزكم الله. هذا شيء من دلائل الفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليها، هذا شيء من محاسن الشريعة التي جاءت بكل جميل وأمرت بكل حسن، ونهت عن كل فاحشة وكل قبيح. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في دينه.

فاصل قصير ثم نعود إليكم بعد هذا الفاصل.

هل خطر على بالك وأنت على مائدة الطعام أنه رزق من الله؟ اعلم أن كل طعام مباح نافع، وأن كل محرم خبيث ضار؛ يأمرون بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث. الحبوب والثمار والخضر والبقوليات كلها مباحة إلا ما يضر، سواء كان ضرره عاما كالمخدرات، أم خاصا كالحلويات لمريض السكري، قال ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار».

والأشربة بأنواعها مباحة إلا ما أسكر، قال ﷺ: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». والحيوان البحري كله حلال حيا كان أم ميتا، قال النبي ﷺ عن البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». والأصل في الحيوان البري الحل إلا ما نص على تحريمه، مثل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ويحرم ما نهي عن قتله كالهدهد، وما أمر بقتله كالعقرب، وجميع الخبائث كالحشرات. وأما البرمائي كالتمساح فهو من المتشابه، فالأولى تركه، والمسكوت عنه الذي لا يدخل تحت سبب عام من أسباب التحريم ككونه ضارا أو نجسا.

فهو عفو. وقد يحرم الطعام من جهة الكسب كالمسروق، وإن كان أصله من جنس المباح، فتحرى الحلال من الطعام واشكر الله على فضله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾.

تعبدون بالعلم كالأزهار في البستان. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الأبواب المتعلقة بالنكاح وفقه الأسرة. سمى الله سبحانه وتعالى النكاح في كتابه بالميثاق الغليظ، وقال جل جلاله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَا مِنكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21].

إن النكاح بمفهوم الإسلام ارتباط بين الرجل والمرأة وفق كتاب الله وسنة رسول الله، وفق الفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليها، التزامًا بأمر الله وبأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. ارتباط يتسم بحقوق ومسؤوليات، ارتباط يعصم هذين الزوجين من الفتن، من النظر المحرم؛ يغضوا أبصارهم ويحفظوا فروجهم، يبعدهم عن المحرمات والفواحش، ويشكل أسرة، هذا هو السكن والرحمة التي ذكرها الله في كتابه الكريم: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، وهو الميثاق الغليظ الذي شرعه الله سبحانه وتعالى.

هذه المعلومة البسيطة التي يفقهها المسلم الصغير وهي مشروعية النكاح، هذه المعلومة الصغيرة البسيطة قد تعجبون أيها الإخوة والأخوات إذا قلت لكم إن كثيرًا من النظريات الغربية والشرقية المادية والرهبانية عجزت عن أن تدرك هذه الحقيقة البسيطة السهلة. ثمة أقوام في الغرب ادعوا العبادة لله، ألا وهم النصارى الذين ترهبوا رهبانية امتنعوا فيها عن النكاح.

الآن يزعم قساوسة النصارى وراهبات الكنيسة الابتعاد عن النكاح تعبدًا لله في زعمهم، وما شرع الله سبحانه وتعالى هذا الأمر، ابتدعوها هذه الرهبانية، ابتدعوها ما شرعها الله جل جلاله ولا كتبها عليه. ولكن هذه البدعة التي تخالف النفس البشرية، تخالف الخلقة التي خلق الله سبحانه وتعالى عليها الإنسان، تؤول إلى أثر سيئة؛ فمن آثارها السيئة انتشار الرذيلة، فإن من امتنع عن النكاح الذي شرعه الله وقع في الرذيلة التي حرمها الله.

وهذا ما نسمعه من أخبار الكنيسة من فينة لأخرى؛ عجز أهل الكنيسة أن يدركوا أن الله سبحانه وتعالى قد فطر الناس بفطرة وخلقة وشرع لهم عبادات، وأنه كما أراد منهم أن يعبدوه أراد لهم أن يقضوا وترهم وحاجاتهم وفق شرعه وأمره. تناقضوا بين مطالب الدين ومصالح الدنيا وجعلوا أحدهما نقيضًا للآخر؛ فإذا أراد الواحد منهم أن يتعبد الله فإنه يبتعد عن الدنيا، ولا يعمل بالتجارة ولا بالإجارة ولا وظيفة، ولا يقرب زواجًا ولا امرأة ولا غير ذلك. يزعمون أنهم يخلصون أنفسهم لله جل جلاله وهم في واقع الأمر إنما يرتكسون في البدعة بعد أن ارتكسوا في الكفر والشرك والعياذ بالله.

في مقابل هذه الطائفة في الغرب، طائفة أخرى في الغرب نظرت إلى هذا الزواج وحاولت أن تسوي بينه وبين السفاح، وأن تنظر إلى الجميع على أنه اتصال مشروع بين رجل وامرأة، بل بالغوا في ذلك فزعموا أن كل اتصال مسموح بين أي إنسان وأي إنسان من أي جنس كان مع أي جنس كان، والعياذ بالله، ولا زالوا يوغلون في هذه المادية القبيحة التي لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا، ولا تقدر فطرة ولا تعرف خلقًا ولا رحمة. لا ينظرون إلا إلى قضاء شهوة ووتر كيفما كان وبأي حال، إنهم ألا كالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ.

وكان هذا الأمر متدرجًا عندهم، فابتدأوا بالقبائح والرذائل شيئًا فشيئًا، فاستباحوا الزنا والسفاح والبغاء، ثم شيئًا فشيئًا استباحوا والعياذ بالله فعل اللواط والسحاق وغيرها، ثم استباحوا نسبة الأولاد إلى رجلين أو إلى امرأتين، ثم استباحوا بعد ذلك -ولا يعلم استباحوا قبائح بعد قبائح ولا يعلم إلى أين ستصل هذه الرذائل- وليس هذا بغريب، هذا الارتكاس شيئًا فشيئًا على من ابتعد عن شرع الله ونور الله وهدي الله، فصار الزواج عندهم أمرًا ماديًا يباع ويشترى، وصارت الشهوات عندهم تباع وتشترى، وصارت المرأة والزوجة لا فرق بين المرأة والخدينة، ولا فرق بين الزوج والصديق، استباحوا هذه المحرمات شيئًا بعد شيء حتى أصبح بعض هؤلاء القوم لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا.

أجيب عن شأن هذه الضلالات البشرية التي لم تعرف كيف جمع الإسلام بسهولته وسماحته وبساطته ويسره بين العبودية لله جل جلاله وبين أن يستمتع الإنسان مع زوجه، وأن يتاجر ويبيع في محله، وأن يتوظف في وظيفته، ثم إذا سمع النداء إلى الصلاة خرج إلى الصلاة وصلى في مسجده؛ لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، كما وصف الله سبحانه وتعالى رجالًا أحبهم جل جلاله في بيوته: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.

هذه الحقيقة التي يدركها المسلم الصغير البسيط عجزت عنها هذه النظريات وهذه الأديان الغربية والشرقية التي ابتعدت عن نور الإسلام. جاء رجال إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم يريدون أن يستدركوا ما فاتهم من الدين والعبادة بأن يضاعفوا الجهد والعمل، فسألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فأُخبروا بها، فتقالوها أي رأوا أنها قليلة وأرادوا أن يزيدوا على ذلك؛ فقال أحدهم: «أما أنا فأصوم ولا أفطر»، وقال الآخر: «وأما أنا فأقوم ولا أنام»، وقال الثالث: «وأما أنا فلا أتزوج النساء».

انظروا كيف قتل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الانحراف وقضى عليه قضاء مبكرًا، صلوات ربي وسلامه عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إني لأتقاكم لله وأعبدكم له وأخشاكم له، وإني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء». ثم قرر النبي صلى الله عليه وسلم القاعدة الشرعية التي تبعد المسلم عن الغلو والجفاء، التي تبعد المسلم عن الإفراط والتفريط، قرر القاعدة النبوية الكريمة: «من رغب عن سنتي فليس مني».

إذًا هذا كله يقودنا حقيقة إلى معرفة أمر مهم، ألا وهو مشروعية النكاح في الإسلام، وأن الدعوات التي تدعو إلى الرهبانية والعياذ بالله هذا نوع من الغلو في دين الله، والدعوات التي تدعو إلى المادية واستباحة البغاء والزنا وغيره من الأفعال والفواحش المستقبح، إنها انحراف عن دين الله. فالإسلام هو الدين الذي جمع بين العبودية لله وتحقيق مصالح الدنيا، الذي جمع بين تلبية حاجات الإنسان الطبيعية والفطرية التي خلقها الله سبحانه وتعالى فيه، وبين إرضائه لربه في محرابه وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة كما شرع الله جل جلاله.

فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل.

الحلف تعظيم للمحلوف به، لذا لا يجوز إلا بالله وأسمائه وصفاته. وفي الحديث: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت». والحلف بغير الله شرك، وهو شرك أكبر إذا قصد تعظيمه كتعظيم الله، وإلا فهو أصغر. ومن حلف على ترك شيء...

ثم رأى فيه الخير فليفعله وليكفر عن يمينه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 224]. أي لا تجعلوا أيمانكم مانعة من فعل الخير، ومن حلف بغير قصد فلا كفارة عليه. قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]. واليمين على نية الحالف، إلا أن يخشى ظالما فله أن يتأول. ومن فعل ما حلف على ترك كه ناسيا أو مخطئا أو مكرها فلا شيء عليه.

والكذب في اليمين من صفات المنافقين، وغصب المال به من الكبائر. قال صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة». والنذر عبادة وابتدائه مكروه، والوفاء به واجب. ومن نذر لغير الله كقبر أو ولي فقد أشرك شركا أكبر. ونذر الغضب والمباح يخير بين فعله وبين كفارة اليمين، ونذر المعصية يحرم فعله وتجب الكفارة، ونذر الطاعة المطلق يجب فعله. وكذا المعلق إذا حصل الشر، فاحرص على الوفاء لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7].

بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن فقه الأسرة: النكاح. النكاح في اللغة مشتق من جذر ثلاثي، والنون والكاف والحاء، وهذا الجذر الثلاثي أصل يدل على الضم والتداخل. وهو اصطلاحا: العقد الذي يجمع بين الرجل والمرأة وفقا لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتحل به هذه المرأة لزوجها، وتنشأ به الحقوق والمسؤوليات التي شرعها الله وأمر بها في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو مشروع كما قد ذكرنا.

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3]. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم به فقال صلوات ربي وسلامه عليه: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج».

والباءة المراد بها الجماع أو مؤن النكاح، أي من وصل إلى مرحلة وقويت شهوته وأراد أن ينكح وكان قادرا على مؤن النكاح فإنه يشرع له الزواج. وهذه المشروعية في واقع الأمر على رتبتين في حق هذا الشخص: على رتبته إذا خاف على نفسه من الوقوع في الحرام وكان عنده القدرة ومؤنة النكاح فإنه يجب عليه أن يتزوج؛ لأنه الطريق الذي شرعه الله سبحانه وتعالى له. ويستحب له إذا لم يخف على نفسه من الوقوع في الحرام فإنه يستحب له الزواج، وإذا كان قد قضى وتره وتزوج مثلا واكتفى ولا يخاف على نفسه من الوقوع في الحرام، فنقول إنه يباح له أن يتزوج الثانية أو الثالثة.

هذا فيما يتعلق بحكم النكاح، يبقى معنا سؤال حول كيف يختار الرجل امرأته وكيف تختار المرأة زوجها؟ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس ينكحون لأسباب كثيرة، فأخبر أخبارا عن أحوال الناس وقال: «تنكح المرأة لأربع: لجمالها، ولدينها، ولحسبها، وللمالها»، هذه أربعة أسباب موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للنكاح، ولكن ما هو السبب الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ودل الناس عليه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: «فاظفر بذات الدين تربت يداك».

فهو أمر بنكاح المرأة لدينها، ولا شك أن نكاح المرأة الدينة معين للرجل وللمرأة على طاعة الله والاستمرار في عبوديتهما لله. وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم جابر بن عبد الله أن يتزوج بكرا، فلما توفي عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، تزوج جابر رضي الله تعالى عنه وكان قائما على أخواته ثيبا لتقوم على أخواته، والنبي صلى الله عليه وسلم قال له: «هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟»، فاعتذر له لأخواته وأنه يحتاج للقيام عليهن وأنه يحتاج إلى امرأة تقوم عليهن. الشاهد: أخذ أهل العلم من هذا أن الشابة البكر يستحب له أن يتزوج الفتاة البكر.

وأما فيما يتعلق باختيار الزوجة لزوجها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك قد دل أهل المرأة على ما فيه الخير لهم في تزويجهم لبنتهم أو لأختهم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عظيم». إذا نلاحظ هنا أيها الأحبة معيار الدين والخلق، وكيف أنه أساس لقيام الحياة الزوجية، ولا شك أن من أقام أسرته على الدين والخلق وتحقق فيه وفيها الدين والخلق، لا شك أن هذه الأسرة إنما تسير على مرضاة الله سبحانه وتعالى وتقترب من الله جل جلاله أكثر فأكثر.

بعض الشباب وربما بعض الفتيات يركز على جانب من الجوانب فيغفل جوانب أخرى عند اختياره لزوجه أو عند اختيارها لزوجها، هذا التركيز على شيء ما ربما يجعل ثمة نسيان وإهمال لجوانب أخرى تكاملية في هذه الأسرة المسلمة. تخيل أنك عندما تختار هذه الفتاة، تخيل أنك سوف تختار أما لأولادك، تخيل أنك سوف تختار الفتاة التي ستعيش معها وتحصنك، فالتركيز على جانب دون جانب آخر لا شك أنه نوع من الإخلال والإهمال الذي ربما تظهر آثاره لاحقا.

هذه بعض المقدمات فيما يتعلق بالنكاح، أحببنا أن نبين فيها كونه من سنن المرسلين، وكونه فطرة ربانية وسنة إلهية شرعها الله سبحانه وتعالى إلى قيام الساعة. أحببنا أن نبين في هذه المقدمة هذه المذاهب الأرضية التي ابتعدت عن شرعة الله، وكيف أنها ناقضت الفطرة التي فطر الناس عليها، إما ناقضتها ذات اليمين أو ذات الشمال، وكلها مناقض لفطرة الله. أحببنا أن نبين كيف أن فطرة الإسلام توافق دين الإسلام، فطرة الله وخلقه توافق دين الإسلام، أحببنا أن نبين قول الله جل جلاله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].

وفي ختام هذا الدرس أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم، وأن يصلح لنا أهلنا وذرياتنا وأزواجنا، وأن يجعلنا وإياكم مباركين حيث ما كنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يأتيك ميسورا بأي مكان، صف اليوم غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر، عاملا بالشرع دون تعصب. بشرى لنا.