يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد. الفقه الميسر، عاملًا للشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زادنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث من سلسلة دروس الفقه في المستوى الرابع من مستويات أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه الأكاديمية قائلها وسامعها ومن عمل فيها ومن قام عليها. اللهم بارك لنا في هذه العلوم التي نتعلمها والتي نعلمها يا أرحم الراحمين.
إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في درسنا الماضي عن شروط البيع، وذكرنا أن الأصل في البيع الحل والإباحة، إلا أننا نخرج عن هذا الأصل لوجود عدد من المقتضيات التي تقتضي بطلان البيع وتحريمه ومنعه. فمن هذه المقتضيات الشرط الأول؛ ذكرنا التراضي، ويكون عدم التراضي مانعًا من موانع صحة البيع إلا إذا كان إجبار العاقدين بحق وإكراههم بحق، وذكرنا بعض الأمثلة لذلك.
ثم ذكرنا الشرط الثاني، وهو أن يكون كل من العاقدين جائز التصرف؛ فلو كان أحدهما غير جائز التصرف، ليس أهلاً للتصرف فإنه لا يصح بيعه ولا شراؤه. فمثلاً الصغير اليتيم الذي توفي والده، وإن كان هو قد ورث عن والده أموالاً كبيرة إلا أنه لا يصح تصرفه فيها، ولا يصح تعاقده مع الآخرين عليها.
هل معنى هذا أنه لا يصح البيع والشراء في ماله؟ نقول: يصح، ولكن ليس منه وإنما من وليه ووصيه. فإذا جاء وليه مثلاً وباع من أمواله سيارة واشترى له شيئًا آخر، اشترى له عقارًا، نفترض أن هذا اليتيم مثلاً ورث عن أبيه سيارة، ولي هذا اليتيم -نفترض أنه جده أو عمه- رأى الجد أو العم أن انتفاع هذا الطفل بهذه السيارة غير وارد، ولو أنهم تركوا له هذه السيارة حتى يكبر فإن قيمة هذه السيارة سوف تكون قديمة وسوف تضيع قيمتها المالية بسبب الانتظار.
فرأى الجد أو العم، الولي مثلاً، قال: من الأفضل لنا بحكم أن هذا الصغير الآن عمره مثلاً خمس سنوات أو ست سنوات ورث هذه السيارة، أن نبيعها لصالحه، ثم بعد ذلك الفلوس التي تأتينا نضعها في شقة مثلاً تؤجر لهذا الطفل حتى يأتيه بعض الإيرادات وتنمو أمواله شيئًا فشيئًا. نقول هذا تصرف حسن ومبارك من الجد أو العم، جزاهم الله خيرًا أنهم لم يتركوا هذه السيارة تضيع ماليتها ويصير موديلها قديمًا ويصبح لا ينتفع بها فيما بعد، وإذا أراد الصغير هذا لما يبلغ أن يبيعها فإنه سوف يبيع سيارة قديمة جدًا ببخس الأثمان، فلذلك هذا تصرف ممتاز ويعتبر نافعًا في حق الطفل الذي يملك هذه السيارة.
لاحظتم؟ إذاً التصرف في مال اليتيم أو مال الصغير أو المجنون أو السفيه تصرف نافذ إذا كان من الولي. ما هو الممنوع؟ الممنوع تصرف نفس الصغير، أو تصرف المجنون نفسه، هذا الممنوع. أما بيع وشراء ماله فهذا غير ممنوع، ولكن بشرط أن تكون التصرفات التي من الولي أو الوصي أن تكون لصالح هذا اليتيم، لا أن تكون لصالح المتصرف.
وهذا في الحقيقة نصيحة لأولياء اليتامى ألا يأكلوا أموال اليتامى ظلمًا؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]. إن الولي على اليتيم عليه مسؤولية عظيمة جدًا؛ يستطيع الولي أن يتصرف في ماله هو كما يشاء، أما في مال اليتيم فلا يستطيع أن يتصرف إلا بالأصلح لهذا اليتيم.
يستطيع الولي أن يحابي في ماله هو كما يشاء، ولكن في مال اليتيم لا يتصرف إلا بالأصلح لهذا اليتيم دون محاباة للآخرين. إذاً لاحظوا كيف عظم شأن الولاية على مال اليتيم؛ لأن بالفعل اليتيم ضعيف ولا يدرك شيئًا، وربما كان صغيراً أصلاً، ربما كان عمره شهورًا أو سنة أو سنتين أو ثلاثًا. فليتق الله أولياء اليتامى، وليعلموا أنهم مستأمنون على هذا المال، وأنهم إن أكلوا منه شيئًا دون وجه حق فإنما يأكلون في بطونهم نارًا والعياذ بالله.
إخواني وأخواتي، هذا الشرط الثاني؛ أن نقول إن التصرف لا يصح من الصغير أو المجنون أو السفيه، أما تصرف أولياءهم في أموال اليتامى والصغار فهو تصرف صحيح، وهو تصرف الولي بشرط أن يكون هذا التصرف لمصلحة هذا المحجور عليه، إما الصغير أو السفيه أو المجنون. متى نصحح تصرف الصغير في المال؟ نقول إذا كان شيئًا بسيطًا، يعني أن يشتري مثلاً طعامًا بسيطًا أو أموالًا بسيطة، هذا لا مانع منه، ويتدرج الإنسان لذلك.
الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]. معنى "ابتلوا اليتامى" يعني أعطوا المال شيئًا فشيئًا بتدرج، اختبروه حتى يرشد أمره؛ لأنه تخيلوا معي لا يمكن أن يكون هذا الصغير لا يتصرف في المال ولا بريال واحد ولا بدولار واحد إلى أن يصل إلى عمره خمس عشرة سنة أو ثمان عشرة سنة ثم نقول: أنت الآن رشيد، بسم الله تصرف في الأموال! لا يمكن هذا.
لماذا؟ لأن الرشد معنى تدرجي ينشأ شيئًا فشيئًا؛ فإذا صار يتقن المعاملات في مقدار خمسة ريالات وستة ريالات، بعدين عشرة دولارات، بعدين عشرين دولارًا، بعدين مئة دولار، بعدين خمس مئة دولار، بعدين ألف دولار، ثم إذا وصل إلى سن الرشد يصبح يدير شركة كاملة ويدير ثروات كاملة. إذاً هذا معنى تدرجي شيئًا فشيئًا.
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى الشرط الثالث؛ الشرط الثالث من شروط البيع أن تكون السلعة مباحًا نفعها. الشيء المبيع لابد -أو الشيء محل العقد، ومعنى محل العقد أي السلعة والمال- لابد أن يكون شيئًا مباحًا. هل يجوز للإنسان أن يبيع الخمر؟ نقول: لا، الأصل في البيع الإباحة ولكن هذا من الموانع.
جاء في حديث جابر في الصحيح: «أن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام»، لأن هذه الأشياء يحرم الانتفاع بها فكذلك يحرم بيعها؛ لأن الله سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث: «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه». فالآن لو جاء شخص وقال إنه لن يبيع الخمر، إنه لن يشرب الخمر ولكنه يريد أن يبيعها، نقول: لا يجوز، إن الله سبحانه وتعالى إذا حرم شيئًا حرم ثمنه.
قال هذا الشخص إنه لن يعبد الأصنام ولكنه سوف يبيعها، نقول: لا يجوز لك بيعها؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما حرم عبادة الأصنام حرم الانتفاع بثمنها، إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه.
فاصل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل.
يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم؛ فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم. لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم.
قال سفيان الثوري: «كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا». وقال عبد الله بن المبارك: «طلبت الأدب ثلاثين سنة وطلبت العلم عشرين سنة». وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديمًا يدفعون أولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم.
قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: «كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه»؛ وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق. ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب، وذلك حتى يتأكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء، وتحليه بأدبهم، ويظهر عليه سمت العلم وأدبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: «ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه».
ومما يدلك على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي ﷺ قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالأخلاق والأدب.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن شروط البيع. كنا قد توقفنا عند الشرط الثالث، وهو أن تكون السلعة مباحًا نفعها؛ ألا يجوز بيع الأشياء المحرمة. إخواني وأخواتي، المجتمع المسلم مجتمع متكاتف، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
حتى لو كان الإنسان لا يدخن، لا يجوز له أن يبيع الدخان؛ لأنه أصلاً لما يبيع الدخان يبتغي الربح، هو شخص ينظر أنانيًا، ينظر في مصلحته الذاتية فقط، يريد أن يحقق مالًا، لكن لا يهمه مثلاً إن كان الشباب يدخنون أو لا يدخنون. لذلك أمر الله سبحانه وتعالى بالتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان. ولا شك أن نبيع هذه الأشياء المحرمة لمن يقوم فيها بهذا الفعل المحرم هو نوع من إعانته على الإثم والعدوان، لذلك يحرم بيع هذه الأشياء التي تستخدم هذا الاستخدام المحرم.
قد يقول قائل: ما حكم بيع مثلاً الجوال أو التلفزيون الذي يستخدمه صاحبه استخدامًا مباحًا واستخدامًا محرمًا؟ نقول: لا، الأصل في الأشياء الحل والإباحة. إذاً متى يحرم البيع؟ نقول: يحرم البيع إذا وقع على عين لا ينتفع بها إلا هذا الانتفاع المحرم، هذا جانب، والأمر الثاني أنك تعلم أن هذا الشخص سوف ينتفع بهذا الانتفاع المحرم. أما إذا كانت العين مباحة النفع، مثل الجوالات أو التلفزيونات أو غيرها، فإن الأصل هو جواز بيعها؛ لأن لها أوجهًا من أوجه الانتفاع المباح، وإن كان هذا الشخص قد يستخدمها بعض الاستخدامات المحرمة، إلا أن هذا لا يؤثر إن شاء الله تعالى في أصل حلية البيع وجوازه.
دل على هذا الشرط حقيقة عدد من الأمور، ذكرنا منها حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، وكذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، وكذلك جاء في حديث النبي ﷺ: «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه». إذاً هذه كلها الأدلة تدلنا على أن هنا استثناء من أصل إباحة البيع، ألا وهو أنه لا يجوز بيع ما يستعان به في معصية الله، أو بيع ما يكون نفعه منحصراً في معصية الله والعياذ بالله، أصل التعاون على البر والتقوى في المجتمع المسلم.
الشرط الرابع من شروط البيع هو أن يكون المبيع مملوكًا لبائعه؛ حتى لا يعتدي على مال غيره بغير حق أو مأذون له في التصرف فيه. كيف نقول للشخص يجوز لك أن تبيع مالك أو ما أُذن لك بالتصرف فيه؟ فأما إذا لم يكن مالًا لك ولا مأذونًا لك في التصرف فيه، فإن الأصل أنه لا يصح تصرفك فيه. فمثلاً تخيلوا: هل يجوز لي أن أبيع سيارة جاري؟ نقول: لا، الأصل لا، الإنسان ما يجوز له أن يبيع إلا سيارته، إلا لو كان عندي وكالة من جاري بالبيع، كأن يقول لي: يا أخي بع لي سيارتي، فأنا آخذه إلى السوق وأبيعها له.
هناك استثناء من هذا الأصل، وهو إذا كان التصرف لمصلحة هذا المالك، ويعلم أنه سيأذن فيه ثم يأذن بعد ذلك بهذا التصرف. كيف؟ لو كنت جالساً مع جاري في مجلس فقال جاري: "إني حقيقة لي فترة وأنا أبحث عن مشتري لسيارتي، ما وجدت إلا شخص يشتريها مثلاً بثمانية آلاف وأنا حقيقة أرغب فيها بعشرة آلاف ولكن إلى الآن ما وجدت". فكنت جالساً في المجلس وسمعت هذا الحديث، فذهبت في اليوم الثاني مثلاً، أو كانت معي السيارة في اليوم الثاني وأنا أتجول بها استعرتها منه، وجدت شخصًا يريد أن يشتريها، فقلت له: بكم يا أخي تريد أن تشتري السيارة؟ قال: أنا حقيقة الآن في الحراج أبحث لي عن سيارة، لكن إذا أنت تبغى تبيعني هذه السيارة فأنا مستعد أن آخذها بعشرة آلاف.
فمباشرة اتصلت بمالك السيارة وهو جاري فوجدت جواله مغلقًا مثلاً، وهذا الشخص سيضيع الآن ويذهب ويشتري سيارة أخرى لو لم أبيعه السيارة هذه، فقلت له: خلاص، أنا سوف أبيعك هذه السيارة مقابل عشرة آلاف. فقال لي: يا أخي هل أنت مالكها؟ قلت: لا، أنا لست مالكها. قال: طيب يا أخي هل عندك وكالة بالبيع؟ قلت: أنا ما عندي وكالة، ولكن أنا حقيقة متأكد أن مالكها وكنت جالساً معه أمس يتمنى أنه يبيعها بعشرة آلاف، هو لم يكلني ولكن كان يتمنى أنه يبيعها بعشرة آلاف، أنا متأكد أنه سوف يوافق على هذا البيع، فخذها الآن وأعطني العشرة آلاف، وإذا ما وافق هو على البيع فنحن سنرجع له الآن، جواله مغلق وأنا راجع إلى بيتي وأكيد أني سأقابله في الليل، فإذا ما وافق على البيع سوف نرد لك العشرة آلاف.
فهذا يسميه الفقهاء تصرفًا بالفضالة، يعني تصرفًا بدون وكالة، تصرفًا بدون وكالة. فهل يصح هذا التصرف؟ نقول إن هذا التصرف على وجه الفضالة لا الوكالة، الأصل فيه أنه ممنوع إلا في هذه الحال، أن يعلم أن هذا لمصلحة الباب، وأنه قد سمع منه مثلا ما يدل على رغبتي بهذا البيع، أو أن هذا البيع لمصلحتي، ويعلم أنه يغلب على ظنه أنه سيجيزه لاحقًا.
يغلب على ظنه أنه سيجيز له لأي سبب من الأسباب، يعلم أو يغلب على ظنه أنه سيجيزه لاحقًا، فنقول في هذه الحال إنه يصح تصرفه. هل معنى هذا أنه يصح تصرفه خلاص إنه راحت السيارة؟ نقول لا، يقف هذا على إجازة المالك. فنقول للمالك لما يفتح جواله في آخر النهار: ترى بعنا سيارتك هذه، هل أنت موافق؟ إذا قال نعم، أنا أجيز هذا البيع وأنا موافق، نقول الحمد لله تم البيع.
إذا قال لا، أنا حقيقة غيرت رأيي، أنت سمعت مني هذه السالفة أمس إني أبغى أبيع السيارة بعشرة آلاف، لكن الآن أنا غيرت رأيي ولا أريد أن أبيعها ورد إلي سيارتي، فنقول في هذه الحالة البيع الذي قام به هذا الشخص تصرفًا بالفضالة عن جاره يعد باطلًا ولا يصح. هذا يسميه الفقهاء عقدًا موقوفًا، وش معنى عقد موقوف؟ يعني بمعنى أنه مراعى، ينتظر هل يصح أو لا يصح؟ العقد وقع واستلم المبلغ وسلم السيارة أو وعدوه بتسليم السيارة، ثم بعد ذلك يقف، ننظر موقوفًا على إجازة المالك، هل يجيز المالك هذا التصرف أو أنه لا يجيز هذا التصرف.
طبعًا لا يصح له أن يسلمه السيارة إذا كان هو مستعيرها من المالك لنفسه، فلا يحق له أن يعير إلا إذا استأذن المالك، فإن له الحق أن يعير السيارة أو أن يعطيها لشخص آخر. إذا لاحظتم هذا التصرف ماذا يسمى؟ تصرف بالفضالة أو تصرف فضولي، وما حكمه؟ حكمه أنه موقوف، ما نقول باطل ولا نقول جائز، نقول موقوف، فإذا أذن المالك الأصلي صح، إذا منع المالك الأصلي فإننا نقول إن هذا ممنوع وترجع إليه السلعة ويرد الثمن إلى صاحبه.
إذاً هذا معنى التصرف الموقوف. الشرط الخامس من شروط البيع والشرط السادس من شروط البيع يتعلقان بالعلم، الشرط الخامس يتعلق بالعوض الأول وهو السلعة أو المبيع، والشرط السادس يتعلق بالعلم بالعوض الثاني وهو الثمن، أن يكون الثمن معلومًا أو الشيء العوض الذي يقابل السلعة المبيعة. يعني قد يكون العوض الثاني سلعة أخرى مقابل سلعة، قد يكون ثمنًا مقابل ثمن، قد يكون مالًا مقابل منفعة، فنقول لابد من العلم بالعوضين جميعًا وهما شرطان من شروط يمكن أن ندمجها جميعًا هذه الشرطية، فنجعلها شرطًا واحدًا فنقول: العلم بمحل العقد، العلم بالثمن والمثمن بالسلعة والمال. وسوف نأتي إن شاء الله تعالى إلى تفصيل هذا الشرط ولكن بعد هذا الفاصل القصير.
العلم مراتب؛ فمنه فرض عين وهو تعلم ما لا يتأتى الواجب إلا به، كتعلم صفة الوضوء والصلاة. ومنه فرض كفاية كعلوم الحديث، ومنه نفل كاتبحر في أصول الأدلة، فلا بد من التدرج فيه خطوة خطوة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام. ونراعي الأولويات في التعلم؛ فنبدأ بالعلوم الأصلية كالتفسير والفقه قبل علوم الآلة كمصطلح الحديث وأصول الفقه، ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل.
وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، وقد قيل: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور». ونبدأ بالأسهل قبل الأصعب، وبالمختصرات قبل المطولات، قال تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ونبدأ بتعلم ما يترتب عليه ثمرة قبل المسائل النظرية البحتة، ونبدأ بالتعلم قبل التصدر للتعليم، فإن فاقد الشيء لا يعطيه. ونهتم بالفهم والتدبر ولا نقتصر على الحفظ والتلقين، فتدرج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين. قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين».
بشرى لنا زادنا كاذبية بالعلم كالازهار في البستان. نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد وقفنا عند الشرط الخامس والسادس، وقلنا إن هذين الشرطين يتعلقان بالعلم بالعوضين، العلم بالمبيع والعلم بالثمن، العلم بالسلعة والعلم بالمال المدفوع لأجلها، ويمكن أن ندمج هذين الشرطين فنجعلهما شرطًا واحدًا فنقول هو العلم بكل عوض من هذين العوضين.
ما معنى العلم؟ العلم بمعنى أنه يعلم ما هو الشيء المتعاقد عليه. هل يتعاقد إنسان على شيء مجهول؟ نقول نعم ممكن يتعاقد على شيء مجهول، كيف؟ يقول مثلاً: أدفع لك هذه الألف دولار مقابل أن تعطيني شيئًا ما، أو يقول مثلاً: في هذا الدرج هنا هناك شيء ثمين وأنا قد وضعت فيه بعض القطع الذهبية ووضعت فيه بعض الحجارة مثلاً، القطعة الذهبية التي فيه كل واحدة منها تساوي مثلاً عشرين أو عشرة آلاف دولار، والحجارة التي فيه تساوي صفرًا، فأعطني أنت الآن مثلاً ألف دولار أو ألفين دولار وهذا الطفل سوف يستخرج لك مثلا من هذا الدرج شيئًا ما مقابل هذه الألف دولار أو الألفين دولار.
قد تصيب قطعة ذهبية فيكون لك مثلاً عشرة آلاف دولار، قطعة ذهبية تساوي عشرة آلاف دولار، وقد تصيب قطعة فضية تساوي مثلاً ثلاثة آلاف دولار، وقد تصيب قطعة نحاسية تساوي مثلاً مئة أو عشرة دولارات، وقد تصيب حصى أو حجارة وتساوي صفرًا، ما رأيكم؟ نقول هذا بيع محرم لا يجوز، هذا نوع من أنواع القمار والميسر، لابد أن يكون معلومًا.
لاحظوا أيها الإخوة والأخوات دائمًا كلما كان هناك جهالة الثمن كلما زاد النزاع بين المتعاقدين. يعني أنا أضرب لكم مثالًا، لو جاء شخص عند شخص آخر عنده قطيع من الغنم فقال: يا أخي بعني رأسًا من هذا الغنم، بعني شاة منها، قال: خلاص أنا بعتك شاة منها مثلاً بمئتي دولار، قال: طيب. فذهب ولما رجع في آخر النهار يريد أن يستلم الشاة، مثلاً ذهب ليشتري بعض المقاضي وكذا ثم رجع يريد أن يستلم الشاة، لما رجع يستلم الشاة ماذا سيحرص المشتري؟ سيحرص المشتري أنه يأخذ أفضل شاة في هذا القطيع، فربما يأخذ شاة تساوي ثلاثمئة أو أربعمئة أو خمسمئة دولار ودفع مئتين، طيب في المقابل البائع ماذا سيحرص؟ سيحرص أنه يعطيه أردى شاة عنده حتى يكسب، فيعطيه شاة ربما تساوي مئة دولار أو خمسين أو أقل. لاحظتم؟
فسيقول المشتري: «أنا أريد هذه»، ويقول البائع: «لا، أنت خذ هذه»، فيتنازعان. أليس من الأفضل والأولى والأوجب عليهما أنهما حين عقدا البيع قال: «شوف يا أخي، أنا اشتريت منك هذه الشاة بمئتين دولار»، حددها، ما قال: «أشتري منك شاة من هذا القطيع»، وفيه شيء ممتاز وفيه شيء وسط وفيه شيء رديء.
يا أخي إذا كان في شيء ممتاز وفي شيء وسط وفي شيء رديء ممكن يحصل تنازع، أنت تطلب أحسن شيء وهو يبغى يعطيك أقل شيء، فهذا يحصل فيه تنازع وإشكال، ألا؟ يحصل فيه تنازع وإشكال. ما الذي يبعد هذا التنازع وهذا الإشكال؟ يبعد هذا التزاع والإشكال العلم بالمبيع، فأنا أعلم ما هي السلعة التي اشتريتها، وأعلم ما هو الثمن الذي سأدفعه، والبائع يعلم ما هي السلعة التي باعها، ويعلم ما هو الثمن الذي سيقبضه. إذا حصل العلم من الطرفين وكل واحد من الطرفين علم بالعوضين جميعًا، هل يحصل هناك نزاع؟ لا يحصل نزاع، غالباً لا يحصل.
وإن كان هذا لا يقضي على المشكلات الموجودة، فالمشكلات الموجودة تحصل حتى ربما في الأشياء الواضحة، ولكن هذا سوف يقلل ويخفف من النزاعات بين المتعاقدين. لذلك جاء في حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة رضي الله عنهما في الصحيح أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر.
بيع الغرر هو البيع الذي لا يُدرى حصوله من عدمه، على خطر لا يُدرى حصوله هل يحصل أم لا، وإذا علمنا حصوله لا يُدرى مقداره في جهالة؛ إذاً هذا نوع من أنواع البيوع المنهي عنها.
الشرط السابع من شروط البيع، ألا وهو القدرة على التسليم، فمن بيوع الغرر أن يبيع شيئًا هو على خطر من تسليمه، قد يسلمه وقد لا يسلمه. أضرب لذلك مثالًا: لو أن إنسانًا باع أرضًا مغصوبة منه، فباعها الشخص الآن، المشتري على خطر لا يدري هل يستطيع أن يحصل على هذه الأرض أو لا يحصل على هذه الأرض، إذاً هذا الآن على خطر من الحصول وعدمه.
القدرة على التسليم أصل في البيع، لماذا؟ لأن البيع المقصود منه ما هو؟ المقصود منه تسليم السلعة واستلام الثمن، فإذا كان البيع يُعلم فيه عدم القدرة على التسليم صار بيعًا باطلاً. ما معنى أنك تبيع شيئًا وأنت لا تقدر على تسليمه؟ أنا أبيع باطل. إذاً هذا هو شرط من شروط البيع، ألا وهو القدرة على التسليم.
هذه سبعة شروط من شروط البيع، هناك كذلك بالإضافة إلى هذه السبعة هناك موانع أخرى تمنع صحة البيع، أو محرمات أخرى تمنع صحة البيع. مثلاً: البيع بعد النداء الثاني يوم الجمعة، فالجمعة لها أذانان: الأذان الأول وهو الذي يكون قبل صعود الإمام على المنبر، ربما يكون قبل زوال الشمس بساعة أو ساعتين أو ثلاثة، يتفاوت الناس في هذا الأذان. والأذان الثاني وهو الذي يكون بعد صعود الإمام على المنبر، إذا صعد الإمام المنبر وقال: «السلام عليكم ورحمة الله»، فإنه يشرع عندئذ أذان، وهذا الأذان هو الأذان الذي كان في زمن النبي ﷺ، هذا نداء الجمعة.
جاء في القرآن الكريم: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]. ولذلك أي بيع يكون بعد نداء الجمعة الثاني فإنه لا يصح لأجل هذه الآية الشريفة الكريمة، ومثل البيع غيره من العقود؛ لأن هذا النهي معلل بماذا؟ المجيء لذكر الله سبحانه وتعالى وعدم الانشغال بالعقود التي تلهي الإنسان عن الحضور لخطبة الجمعة أو لصلاة الجمعة.
يُفهم من هذا أنه لو كانت هناك امرأة مثلاً تبايعت مع امرأة أخرى وهما لا يجب عليهما حضور الجمعة، فإن البيع في حقهما جائز وإن كان بعد النداء الثاني؛ لأنه لا يرد لهما أو عليهما خطاب بحضور الجمعة، إذاً من المخاطب بهذا؟ هو من يحضر الجمعة.
كذلك من البيوع المحرمة والمنهي عنها: البيع لمن يستعمل الشيء المباح استعمالًا محرمًا، كبيع السلاح في الفتنة؛ والمسلمون مأمورون فيها بالإصلاح وبإطفاء الفتنة، ولا يجوز للإنسان أن يبيع السلاح ويوقد الفتن، وإنما المسلمون مأمورون بإطفاء الفتنة وإصلاح ذات البين.
كذلك من الضوابط المحرمة التي تمنع صحة البيع وتحرمه: بيع الرجل على بيع أخيه، هذا يثير الشحناء والبغض والكراهية في النفوس. تخيلوا لو أنا أبيع سلعة بعشرة ريالات أو بمئة ريال، فيأتي شخص آخر بجوار يقول لهذا المشتري الذي أمامي والذي تعاقدت معه: «يا أخي لا تشتر من فلان، هذا أنا أعطيك نفس السلعة هذه أعطيك إياها بتسعين ريال، تعال عندي بدل لا تأخذها بمئة ريال»، ما قدر الشحناء التي ستكون بيني وبين هذا البائع الثاني! ستكون هناك شحناء؛ لأنه يرى أنه خسرني، ويرى أنه أخذ الزبائن من أمامي وأخذ العملاء، فلا شك أن هذا مما يثير الشحناء والبغضاء بين المسلمين. لذلك النبي ﷺ قال: «لا يبع الرجل على بيع أخيه ولا يشتري على شرائه».
إذاً هذا كله من المنهي عنه. كيف يشتري على شرائه؟ أريد أن أشتري السلعة أنا مثلاً من فلان، فقلت خلاص أنا أشتريها منك بمئة، فجاء مشتري آخر وقال: «يا أخي أنا أشتريها منك بمئة وعشرة، لا تجعل فلان هذا يشتريها، أنا أشتريها منك بمئة وعشرة»، لاحظوا الآن سوف يحصل هناك بغضاء وشحناء بين المشترين الاثنين كما حصل في المسألة السابقة بغضاء وشحناء بين البائعين الاثنين، لأن أحدهما باع على بيع الآخر.
هنا حقيقة عندنا تنبيه بالرجوع لبيع أخيه له عدة مراحل؛ إما أن يكون بعد العقد، تعاقدت وبعت واشتريت مع هذا الشخص، هذا لا يجوز. أو يكون قبل العقد بيسير بعد الركون، كيف الركون؟ بمعنى أنا تفاوضنا واتفقنا على السعر لكن باقي ما دفعت له وتقابضنا السلعة والثمن، لكن ركن بعضنا إلى بعض، يعني حصل اطمئنان للعقد ولو لم يحصل العقد فكذلك لا يجوز، هنا بيع الرجل على بيع أخيه ولا شراؤه، ولا صومه على صومه.
المرحلة الثالثة هي قبل الركون، يعني مرحلة تفاوض، مرحلة بحث عن الأسعار، المشتري يريد أن يبحث عن أفضل سعر، بكم تبيع؟ قال بكذا، راح للمحل الثاني قال بكم تبيع؟ قال بكذا، راح المحل الثالث بكم تبيع؟ هذا لا يعد من بيع الرجل بأخيه، لأنه إلى الآن مرحلة الحصول على الأسعار، مثلها مثل المزاد؛ لو جاء شخص وقال السعر بمئة، شخص آخر قال مئة وعشرة، شخص ثالث قال مئة وثلاثين، وهكذا، هذه مرحلة المزاد، باقي ما حصل ركون. طيب لما وصل مئة وثلاثين قال خلاص أنا أبغى أبيع.
بمئة وثلاثين، ما يجوز. أحد يقول: إيش؟ ترى خلاص أنا بعطيك الآن مئة وأربعين؛ لا، حصل الركون، حصل التراضي. لاحظتم ولا لا؟ إذا عندنا مرحلة بعد التعاقد وقبل التعاقد، وهي مرحلة الركون، والمرحلة الثالثة قبل الركون والرضا بالعقد، فهنا يجوز أن يزيد في سعر السلعة ولا إشكال.
أما في المرحلتين هذي، اللي هي الركون والبيع، فهذه لا يجوز أن يبيع الرجل بأخيه، ولا يصوم على صوم أخيه. إذاً هذه بعض التفصيلات المتعلقة بمنهيات المعاملات، نقف عند هذا القدر.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. تريد يأتيك ميسورًا بأي مكان، زاد أكاديمية ينبوعها.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي