يا راغبًا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي: أكاديمية زاد. الفقه الميسر بالشرع دون تعصب لفلان، بالعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا يا كريم. ربنا يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.
أما بعد، إخواني الكرام، هذا هو الدرس السادس عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية في معلميها وطلابها والقائمين عليها والعاملين فيها، وأن يجعلنا وإياكم جميعًا من المتعاونين على الخير والبر والتقوى.
أما بعد، إخواني الكرام، كنا قد بدأنا هذا المستوى بعدد من الموضوعات المتعلقة بالمعاملات المالية، وقررنا فيها عددًا من القواعد وبينّا أن الأصل فيها الحل والإباحة. ثم تطرقنا بعد ذلك إلى أهم عقود المعاملات المالية المباحة، ثم تطرقنا إلى أصول التحريم وتكلمنا عن الربا. ذكرنا فيها أن الربا إما أن يكون في الديون، وإما أن يكون في البيوع.
والربا في الديون أعظمه وجله وأشده خطرًا ربا الجاهلية، وهو الربا المسمى بربا «زدني أنظر». يقال عند حلول الأجل يتفق عليها بين الدائن والمدين. ويقع الربا كذلك في البيوع، وذكرنا أنه نوعان: الفضل والنسيئة. فالفضل ما جمع ثلاثة أوصاف: أن يكون العقد بين مالين ربويين متحدي الجنس مع زيادة أحدهما في المقدار. وأما ربا النسيئة فهو ما جمع ثلاثة أوصاف: وهو أن يكون المالان في العقد مالين ربويين واتحدا في العلة، وتأخر قبض أحدهما عن مجلس العقد أو تأخر قبض كليهما. وذكرنا بعض الأمثلة لوقوع ذلك.
وسنتعرض اليوم في هذا اللقاء لقواعد الصرف. قواعد الصرف ستكون تطبيقًا لربا البيوع فضله ونسيئته؛ لأن الصرف تعريفه هو مبادلة نقد بنقد. وقد ذكرنا من قبل في تعريف الأموال الربوية في ربا البيوع بأن الأموال الربوية هي ما كان نقدًا أو ما كان طعامًا قوتاً مدخرًا. فالأموال الربوية التي يجري فيها ربا البيوع نوعان: إما أن تكون نقودًا، ويدخل في هذا الوصف العملات الورقية بجميع أشكالها وأنواعها والذهب والفضة، أو ما كان طعامًا قوتاً مدخرًا، ويدخل في هذا الوصف البر والشعير والتمر والملح والأرز والذرة والفول والعدس؛ كل هذه أطعمة وأقوات مدخرة.
فالأموال الربوية جنسان أساسيان أو علتان أساسيتان يندرج تحت كل علة أجناس متعددة. أحد الأموال الربوية النقود، وذكرنا أنه من حيث التطبيق المعاصر فإن مبادلة الطعام بطعام مثله أصبح قليلاً في أزماننا المعاصرة بسبب انتشار العملات الورقية والنقود الورقية، فلذلك صار وقوع الربا -ربا البيوع- في مبادلة الطعام بمثله قليل الوقوع، بخلاف ربا البيوع فإنه كثير الوقوع في النقود؛ لأن النقود صارت متيسرة لكل أحد وصارت مبادلة النقد بالنقد كثيرة جدًا ومنتشرة بشكل كبير. وأما مبادلة التمر بالتمر فينبغي الحذر فيها من وقوع ربا الفضل أو الوقوع في ربا النسيئة، ولكن هذه المبادلة اليوم في حياتنا المعاصرة صارت قليلة كذلك، وكذلك مبادلة الشعير بالشعير أو الملح بالملح أو غيرها من أنواع الطعام.
أعني الصرف هو مبادلة نقد بنقد. يكثر الصرف في البنوك التجارية، كما يكثر في محلات الصرافة، كما يكثر في عدد من المواقع الإلكترونية التي تقدم لعملائها أو للمستثمرين فيها خدمة تبادل النقد؛ إذ لاحظوا الصرف كثير جدًا كثير الوقوع جدًا في حياتنا المعاصرة. كذلك يقع الصرف عند الحوالات المالية؛ لو أتى شخص إلى إحدى شركات التحويل أو مؤسسات التحويل أو أحد البنوك والمصارف وطلب تحويل نقد إلى بلد آخر، فالعادة أنهم يصارفون هذا العميل.
كذلك يقع الصرف عند سفر الإنسان من بلده إلى بلد آخر واستخدامه لبطاقة الائتمان أو بطاقة الصرف الآلي؛ فإننا نجد أنه سوف يستوفي ما له من أموال في حسابه الجاري أو يستوفي نقودًا قرضًا من البنك الذي أصدر له البطاقة الائتمانية، يستوفيها بعملة أخرى في البلد الجديد، وهذا نوع من المصارفة. إذ تطبيقات الصرف في حياتنا المعاصرة كثيرة جدًا: تتم في البنوك، محلات الصرافة، آلات التحويل، استخدام بطاقة الائتمان أو بطاقة الصرف الآلي في بلد غير البلد الذي أصدرها فيه، وكذلك التطبيقات الإلكترونية للمتاجرة في الصرف.
هنا يرد السؤال: ما هي الضوابط الشرعية والأحكام الشرعية للمصارفة؟ لمبادلة عملة بعملة أخرى؟ الصرف له حالتان: إما أن يكون مبادلة بين شيئين متحدي الجنس. يعني لو أردنا أن نطبق هذه القاعدة لقلنا إنها في الصرف تعني مبادلة عملة بعملة أخرى بشيء آخر ولكن من نفس العملة. فمثلاً إذا كان الجنسان من العملة نفسها، هذه هي الحالة الأولى؛ كأن أبادلك مئة ريال بعشرة ريالات من نفس الجنس، بعشر قطع أو عشر أوراق كل واحدة منها عشرة ريالات، هذه مبادلة اصطلح الناس على تسميته اليوم بـ «الفكة» مثلاً. أو مثلاً مبادلة عشرة ريالات بعملات معدنية ريالات من نفس الدولة صادرة من نفس الدولة؛ إذا كانت العملة صادرة من الدولة نفسها تعتبر جنسًا واحدًا، وكل دولة تصدر عملة تعتبر جنسًا مختلفًا عن عملة الدولة الأخرى.
فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل.
آمين، من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشًا ضعيفًا جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة لأبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة. فبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة.
فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم وألا يمنعها الحياء من ذلك، فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين». بالعلم كالازهار في البستان.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الصرف، وذكرنا أنه بيع نقد بنقد أو مبادلة نقد بنقد إذا كان النقدان من جنس واحد. ومعنى قولنا من جنس واحد أي صادران من البلد نفسه، عملتان في البلد نفسه؛ هذه مثلاً ورقية وهذه معدنية ولكن كلاهما مثلاً ريال سعودي أو كلاهما دولار أمريكي، وهكذا. فإذا كانت صادرة من البلد نفسه فهذه تعتبر جنسًا واحدًا.
فما هو المشترط حينئذ؟ دعونا نطبق قواعد ربا البيوع؛ قلنا إن العملتين المبادلة بين النقدين كلاهما يتحقق في أنه مال ربوي وكلاهما من الجنس نفسه؛ هذا ريال وهذا ريال، هذا دولار وهذا دولار. إذاً ما هو الواجب؟ الواجب هو الاتحاد في المقدار، الاتحاد في المقدار، وبناء عليه فلا يجوز مبادلة الدولار بالدولارين.
والريال بالريالين، يجب الاتحاد في المقدار خروجًا من ربا الفضل، ويجب التقابض في المجلس خروجًا من ربا النسيئة؛ لأن المالين كلاهما مال ربوي وكلاهما من نفس الجنس، وهذا يعني بالطبيعة ما دام من الجنس نفسه أن العلة متحدة. بل حتى لو لم يكونا من نفس الجنس، كأن يكونا من جنسين مختلفين ولكن علتهما متحدة، مثل هذا ريال وهذا دولار، لاشترطنا التقابض في المجلس. ولكن لما كان من الجنس نفسه، هذا ريال وهذا ريال، اشترطنا التقابض في المجلس والتماثل في المقدار كذلك؛ يعني مبادلة العملة بالعملة نفسها يشترط فيها شرطان خروجًا من ربا الفضل وخروجًا من ربا النسيئة.
الحالة الثانية المبادلة بين عملتين مختلفتين صادرتين من بلدين مختلفين، كالمبادلة مثلا بين الدولار الأمريكي والجنيه الإسترليني، أو المبادلة بين الريال السعودي والين الياباني مثلا، فهذه هنا عملتان من بلدين مختلفين، فما هي شروطها الشرعية؟ نقول ما دام المالين الآن ربويين، ما دام كلا المالين مالًا ربويًا، هذا تحقق الشرط الأول، والشرط الثاني اتحدت العلة كلاهما نقد؛ يعني ليس أحد العوضين طعامًا أو ملابس، لا، هذا نقد وهذا نقد، فنقول حينئذ يشترط التقابض في المجلس خروجًا من ربا النسيئة.
سؤال: هل يشترط التماثل في المقدار؟ بمعنى هل نشترط أن من باع ريالًا واحدًا مثلا أن يأخذ مقابله دولارًا واحدًا؟ نقول لا، لا يشترط التماثل في المقدار؛ لأنهما مختلفا الجنس. أما إذا اتحد جنسهما، هذا دولار أمريكي وهذا دولار أمريكي، أو هذا ريال سعودي وهذا ريال سعودي، أو هذا جنيه إسترليني وهذا جنيه إسترليني، فنقول إذا اتحد الجنس وجب التماثل في المقدار.
إذاً هذا فيما يتعلق بتطبيق قواعد ربا البيوع على مصارفة العملات؛ مصارفة العملات يحذر فيها من ربا الفضل والنسيئة، ويحذر فيها من ربا النسيئة دائمًا في كل الأحوال عند المبادلة بين أي عملتين، ولكن إذا كانت هاتان العملتان من البلد نفسه فينبغي الحذر كذلك من الوقوع في ربا الفضل. هذا باختصار ما يتعلق بقواعد الصرف الشرعية وتطبيق ربا البيوع عليها.
كيف ننظر إلى التطبيقات المعاصرة في الصرف؟ مثلا عند مبادلة عملة بعملة أخرى في محل الصرافة، فنقول لا بد من قبض العملتين في المجلس نفسه؛ فلو قال لك مثلاً محل الصرافة: أعطني الدولار الآن على أن أسلمك الجنيه الإسترليني مثلاً بعد يوم أو يومين أو ثلاثة، قلنا هذا لم يتحقق به التقابض في مجلس العقد.
لو أن إنسانًا طلب تحويلًا من أحد البنوك، ذهب إلى أحد البنوك وقال: أنا أريد أن أحول مئة دولار أمريكي إلى بريطانيا أو مصر أو الجزائر أو السعودية، فقال: حولوها لي وهناك شخص يستلمها عني في السعودية مثلاً، فهذه المئة دولار سوف تساوي -نفترض- ثلاث مئة وسبعين ريالًا سعوديًا، فقال: حولوها لي إلى السعودية وهناك شخص يستلمها في السعودية ثلاث مئة وسبعين ريالًا، فهل يجوز أن يصارفه الآن بحيث إنه يسلم الدولار الأمريكي مثلاً في أمريكا أو في بريطانيا أو في مصر، ويسلم في ذلك البنك الدولار الأمريكي وقال سيستلم طرف آخر نيابة عني في السعودية ثلاث مئة وسبعين ريالًا غدًا أو بعد غد؟ هل تجوز هذه المصارفة بهذا الشكل؟
نحن ننظر إلى نظرين: النظر الأول إذا قلنا بأن التقابض هو التقابض الحقيقي فقط، وهذا الآن سلم في يوم الأحد مثلاً الدولارات الأمريكية، ثم نفترض أن أخاه في السعودية استلم الريالات السعودية بعد يوم أو يومين، يوم الاثنين أو الثلاثاء، إذا نظرنا إلى التقابض بهذه الصورة، أن التقابض الحقيقي فقط، نقول إن هذا ممنوع ومحرم لأننا لم يحصل التقابض في مجلس العقد.
والنظر الثاني هو النظر إلى القبض الحكمي، وكيف طريقة النظر من حيث زاوية القبض الحكمي؟ أن نقول -وقد صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي- بأن القيد المصرفي لصالح العميل حين مبادلة الدولار بالريال يعتبر بمثابة القبض، هو قبض حكمي يحكم له بالقبض الحقيقي. كيف طريقة هذا الأمر؟ الآن الشخص إذا جاء إلى البنك وطلب أن يحول هذا الدولار إلى شخص آخر في السعودية بريالات سعودية، فجاء إلى البنك وأعطى البنك مئة دولار، فالبنك سيقيد له في حسابه قيدًا مصرفيًا ثلاث مئة وسبعين ريالًا، هذا القيد المصرفي يعتبر بمثابة القبض الحكمي، وبالتالي يتحقق القبض الحكمي في مجلس العقد.
لاحظتم هذا الأمر؛ لا نقول إن لحظة المصارفة تتم حين قبض أخيه في السعودية ثلاث مئة وسبعين ريالًا بعد يوم أو يومين، بل هذه الحالة معناها أن مجلس المصارفة انعقد أو وقعت المصارفة واختلف وقت التسليم، وبالتالي لا تحل المصارفة، لكن نحن نقول إن المصارفة وقعت في مجلس العقد لما سلم المئة دولار وقيد له حسابيًا ثلاث مئة وسبعين ريالًا.
قد يقول قائل: ولماذا كان القيد المصرفي قبضًا؟ وما الفرق بين القيد المصرفي وغيره من القيود؟ فلو أن إنسانًا مثلاً صارف شخصًا آخر وأعطاه مئة دولار، فالشخص الآخر كتب عنده ورقة في جيبه قال: حسناً سوف أعطيك بعد ثلاثة أيام ثلاث مئة وسبعين ريالًا، لقلت إن هذا ممنوع، وهذه الورقة في جيبه لا تقدم ولا تؤخر شيئًا، فما هي إلا نوتة أو ملاحظة وضعها لنفسه.
نقول إن هذا مختلف عن القيد المصرفي؛ فالقيد المصرفي اعتبره الناس في حياتهم المعاصرة وتعارفوا على أنه قبض، لذلك آتيكم بدليل على هذا العرف: أنت تفرق بين كون المصرف قيدًا في حسابك الجاري المصرفي التابع لك، قيد عشرة ريالات، خلاص تعتبر هذه العشرة ريالات مقبوضة لك، وبين فلان الذي قيد أنه سوف يعطيك عشرة ريالات باعتبارها دينًا عند فلان، لكن عند المصرف أنت تعتبرها مقبوضة لصالحك لأنها متاحة لك في كل وقت وفي كل حين، وتستطيع أن تأخذها بكل طريق وبكل وسيلة؛ تستطيع أن تأخذها بطاقة صراف، من خلال شيك، من خلال الإنترنت المصرفي أو الهاتف المصرفي أو من خلال الفرع أو غير ذلك.
فتعارف الناس على أن ما أودع في حساباتهم وقيده المصرف لصالحهم فإنه مقبوض لهم، والقبض لفظ لم يرد الشرع بتحديده، فصار مآل تحديده إلى العرف، وما دام الناس قد تعارفوا على أن القيد المصرفي والشيك المصرفي المصدق فإنه يعد بمثابة القبض الحكمي.
فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل، حنين لا ينقطع وشوق لا ينتهي، فأفئدة الناس إلى البيت تهوي، وماء زمزم للظمآن يروي، ومن فضل الله تعالى أن جعل الحبل بين عباده وبيته موصولًا.
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200]. فالعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
والعمرة إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير. وصفتها أن يحرم من الميقات، فيتجرد من ثيابه ويغتسل ويتطيب. يلبس الرجل إزارًا ورداء، والأفضل أن يكونا أبيضين، وتلبس المرأة ما شاءت من ثياب مباحة غير متبرجة بزينة، إلا النقاب والقفازين، وتستر وجهها عن الرجال بأن تسدل خمارها على وجهها. وينوي الدخول في النسك بعد صلاة الفريضة إذا كان وقتها، وإلا فبعد سنة الوضوء ونحوها.
وعلى المحرم أن يتجنب محظورات الإحرام؛ كالجماع، والتطيب، وقص الشعر، وصيد البر، والخطبة، وعقد النكاح للرجال والنساء، وتغطية الرأس، ولبس القميص والسراويل والجوارب ونحوها للرجال. ومن السنة التلبية بقوله: «لبيك اللهم عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». ولا يزال يلبي حتى يصل إلى مكة فيقطع التلبية ويشرع في الطواف.
فإذا وصل المسجد الحرام دخله مقدمًا رجله اليمنى قائلاً: «بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك». فيشرع في الطواف متطهرًا، يبدأ بالحجر الأسود يستلمه ويقبله إن تيسر له، وإلا أشار إليه قائلاً: «بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ».
ثم يجعل البيت عن يساره فيطوف سبعًا، يبتدأ بالحجر الأسود ويختتم به. ويسن للرجل أن يطبع في طوافه كله جاعلاً وسط ردائه تحت كتفه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر، وأن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى، وذلك بمسارعة المشي مع تقارب الخطى. وكلما حاذي الركن كبر، فإذا كان بين الركن اليماني والحجر قال: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، ويبتهل في بقية طوافه بما شاء من ذكر ودعاء وقرآن دون تخصيص دعاء خاص لكل شوط.
فإذا انتهى من طوافه أزال الإطباق وستر كتفه، ثم صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم إن تيسر له، وإلا ففي أي مكان من المسجد، يقرأ في الركعة الأولى بالكافرون وفي الثانية بالإخلاص. ثم يتجه للسعي بين الصفا والمروة، فإذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، فيبدأ بما بدأ الله به، وهذا في بداية السعي فقط.
ثم يصعد على الصفا فيستقبل القبلة ويرفع يديه، يكبر الله ويحمده ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». يكرر ذلك ثلاث مرات داعيًا بين كل مرة وأخرى بما شاء، ولا يدعو بعد الثالثة، ثم ينزل إلى المروة.
فإذا بلغ الملين الأخضرين سعى الرجل بينهما سعيًا شديدًا، فإذا جاوزهما مشى كعادته، فإذا وصل المروة صعد واستقبل القبلة وفعل مثل ما فعل على الصفا، ثم ينزل من المروة ساعيًا إلى الصفا يفعل كما فعل بين الصفا والمروة. فإذا أتم سبعة أشواط، من الصفا إلى المروة شوط ومن المروة إلى الصفا شوط آخر، فإنه يحلق شعر رأسه أو يقصره، والحلق أفضل، والمرأة تقصر من كل أطراف شعرها بقدر أنملة، فإذا فعل ذلك تمت عمرته وحل من إحرامه. نسأل الله تعالى أن يتقبل من المعتمرين عمرتهم وصالح أعمالهم.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن بعض تطبيقات الصرف المعاصرة؛ الحوالة المصرفية أو الحوالة البنكية، لما يحول البنك من بلد إلى بلد آخر أو شركة الصرافة أو غيرها. القيد المصرفي الذي يقيد لصالح العميل يعد بمثابة القبض؛ لأجل تعارف الناس على أنه يعد مقبوضًا وليس دينًا في الذمة. لا يعد بمثابة أنه دين في الذمة، وإنما لا شك أنه دين في ذمة البنك، لكننا نقول إنه رتبة أعلى اعتبرها الناس مقبوضة لصالحهم لتمكنهم من قبضها في كل حال.
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى تطبيق ثالث من تطبيقات الصرف؛ لو أن إنسانًا استوفى ببطاقة الصرف الآلي مثلا في بلد آخر، نفترض أن حسابه الجاري كان بالريال السعودي فاستخدم بطاقته في تركيا، فإنه لما أدخل بطاقته بجهاز الصرف الآلي استخرج منها ليرات تركية، هنا انعقدت عملية مصارفة. لماذا؟ لأن حسابه الجاري في السعودية بالريال السعودي، ولكن لما استخدم بطاقة الصرف الآلي استوفى بها ليرات تركية في تركيا.
إذًا هنا انعقدت عملية صرف، وما هي عملية المصارفة هنا؟ هي عملية مصارفة بين الريال السعودي وبين الليرات التركية. متى انعقدت عملية المصارفة؟ في واقع الأمر انعقدت عملية المصارفة عندما أدخل بطاقة الصرف الآلي في جهاز الصراف التركي، فإنه في هذه اللحظة قد انعقدت عملية مصارفة. هو الآن قبض هذه الليرات التركية، هل الطرف الآخر قبض منه الريالات السعودية؟ نقول في واقع الأمر والظاهر والله تعالى أعلم، إن هذه البطاقات التابعة للمنظمات العالمية يحصل فيها تقابل فوري؛ لأنه مباشرة من حين سحبه لهذه الليرات التركية من الصراف التركي، نجد أنه مباشرة قد سحبت منه الريالات السعودية من حسابه الجاري في اللحظة نفسها، وبهذا تتحقق المقابضة في مجلس العقد.
حصل التقابض في مجلس العقد في الوقت نفسه؛ لأنه قد حصل على الليرات التركية، وفي المقابل سحبت منه الريالات السعودية. هل استلم الطرف الآخر وهو البنك التركي الذي قدم له هذه الليرات التركية حقه مباشرة؟ نعم، قيدت لحسابه في هذا المصرف مباشرة مقدار كذا دولار، البنكين هذي الذي خصم الريالات والذي قدم الليرة التركية حتى يحصل بينهم عملية مصارفة أخرى في الخلفية بالدولار الأمريكي. وهذا هو الواقع الذي يحصل في هذه المنظمات العالمية، ولكن الذي يهمنا في هذه الحال أن المصارفة هي مصارفة مباشرة؛ طرف قبض الليرات التركية وفي المقابل خصم منه قيود مصرفية، والقيد المصرفي كما قد قررنا أنه يعتبر قبضًا.
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى تطبيق رابع من تطبيقات الصرف، وهذا التطبيق حقيقة مهم لنا أن نعرفه؛ لأنه قد يشكل على بعض الناس التفريق بينه وبين البنوك والقيود المصرفية. هذا المثال الرابع من تطبيقات الصرف المعاصرة هو شركات المتاجرة في الفوركس العالمية أو المنتشرة على الإنترنت التي يكون تخصصها هو المضاربة في العملات. هل هذه الشركات يتحقق فيها القبض الحقيقي أو الحكم؟ وهل يجوز تداول العملات من خلالها؟ كثير من هذه الشركات الموجودة على الإنترنت والتي تكثر إعلاناتها وتداولاتها والمتخصصة في تداول الفوركس أو المتاجرة في الفوركس، والتي تغري العملاء وتراقبهم لأنهم سوف يحصلون على الأرباح العالية جدًا من خلال أوقات يسيرة أو من خلال أموال يسيرة، كثير من هذه الشركات لا تنطبق عليها ضوابط المصارفة الشرعية، إن لم يكن كل هذه المسماة بالمنصات الإلكترونية لتداول...
في أوقات جلها، إن لم يكن كلها، لا تنطبق عليها ضوابط المصارفة الشرعية. قد يستشكل أحد فيقول: أليست القيود التي تحصل فيها هذه القيود بمثابة القبض؟ فإن الإنسان يودع، نفترض في أحد البنوك مثلاً ألف دولار، ثم يتاجر في العملات ويصفي مراكزه المالية في آخر المدة، نفترض أنه حصل مركزه المالي في آخر المدة تسعمئة دولار، أو كان ألفاً ومئة دولار، ومع ذلك أنه قد يربح مئة وقد يخسر مئة، ثم بعد ذلك يصفي مركزه المالي ويسحب ماله بربح أو خسارة.
في واقع الأمر، هذه المنصات الإلكترونية للتداول ما هي إلا منصات للمقامرة على أسعار السلع، وإن اتخذت شكل بيع وشراء العملات. لماذا؟ أولاً: هذه المنصات الإلكترونية لتداول السلع ليس فيها نقود حقيقية يتم تداولها، وإنما هي مجرد أرقام إلكترونية لا تمثل في خلفيتها نقوداً حقيقية. فكأنه أطراف عديدة، نفترض أنه هناك مثلاً عشرة آلاف شخص، فهذا الشخص يقيد لحسابه أنه اشترى مثلاً مئة ين، وهذا الشخص يقيد في حسابه أنه باع مئتين، وهذا الشخص يقيد في حسابه أنه باع مئة استرليني، وهذا الشخص يقيد في حسابه أنه اشترى مئة استرليني، وهكذا؛ قيود فقط، مجرد قيود، ولكن لا يمثلها في خلفيتها أموال حقيقية.
لذلك لو أن إنساناً في هذه المنصات الإلكترونية، نفترض أنه فتح حسابه بالدولار، اشترى منها ين ياباني وقال: خلاص أنا أريد أن أستلم الين الياباني، قالوا: لا لا، نسلمك يا أبو علي، وإنما لابد أن تغلق حسابك، أن تغلق مركزك المالي بالدولار، بالعملة التي فتحت بها الحساب، ثم بعد ذلك تسحب أموالك من حسابك. فإذا قال لهم هذا المستثمر أو المتداول: أنا اشتريت في المنصة ين واشتريت جنيهاً استرلينياً، فلماذا لا تسلمونني إياه؟ قالوا: لا، مجرد هذه قيود فقط، لابد أن تغلق مركزك المالي بنفس العملة التي فتحت بها الحساب، ثم بعد ذلك تسحب أموالك من الحساب بالعملة التي فتحت بها الحساب.
إذاً ما هو معقد المسألة؟ معقد المسألة أن هذه فقط متاجرة في القيود متأثرة بالارتفاع هبوطاً ونزولاً، فكأنها أشبه بالمقامرة التي لا تمثلها نقود في الخلفية. لا يوجد فيها شراء للين ولا للجنيه الاسترليني أو غيره، وإنما هي فقط مجرد قيود رقمية، ثم بعد ذلك يتم إغلاق المركز بنفس العملة التي فتح بها المركز المالي؛ يعني نفترض أنه فتح بالدولار، يغلق بالدولار ثم يسحب أموالهم.
لذلك هذه المنصات الإلكترونية لتداول العملات القائمة بهذا الشكل هي منصات محرمة، لا تتحقق فيها شروط التقابض الشرعي في العملات، وإن أوهمت المتعامل بأنها قيد، ولكن هذا القيد ليس قيداً مصرفياً؛ لأنه ليس ثمة عملة في الخلفية، ولأنه ليس صادراً من مصرف يعتبر الناس أو تعارف الناس على أن المال الموجود فيه مقبوض حكمه، مع أننا عندنا إشكالية أنه لا يوجد نقود في الخلفية تمثلها هذه القيود، والأمر الثاني أن هذه القيود ليست صادرة من مصارف بحيث تعتبر قيداً مصرفياً يعده الناس عرفاً. لذلك الأموال التي توضع في هذه المنصات في واقع الأمر ليست في حكم المقبوض، وإنما في حقيقة الأمر وواقعه هي في حكم المفقود.
الأمر الأخير الذي أحب أن أنبه إليه إخواني، أن هذه المنصات الإلكترونية التي تمني الناس بالربح السريع والأرباح الضخمة ما هي في واقع الأمر إلا متلفة للأموال ومحرقة لها. فهي بالإضافة لكونها لا تتحقق فيها شروط التقابض الشرعي عند تداول العملات وبيعها وشرائها، إلا أنها خسارة على الإنسان أن يتعامل فيها، ولا تحقق ربحاً سريعاً ولا غير ذلك، وإنما هي تمني الإنسان أماني ضخمة وعالية وعظيمة، ويفاجأ الإنسان بعد ذلك بأنه لم يتحقق منها شيء.
ولها أدواتها التسويقية، إنها تسوق على الناس من خلال قصة شخص واحد ربح من عشرة أشخاص أو من عشرين شخصاً، تبرز قصته وتظهر، فيدخل فيه هذه المسألة أو يدخل في هذا التداول غيره من الناس، فتتلف أموالهم وتحرق أموالهم.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم جميعاً للخير والبر والتقوى، وأن يجعلنا وإياكم مباركين حيثما كنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. متطلعاً بزيادة الإيمان، وتريد ميسوراً بأي مكان، صف اليوم غلة الظمان، وتعلم الفقه الميسر، عاملاً للشرع دون تعصب.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي