دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي: أكاديمية زاد. الفقه الميسرة، عاملا بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زادنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم بارك لنا في أهلنا وأموالنا وذرياتنا، وأصلح لنا نياتنا وذرياتنا يا رب العالمين.

هذا هو الدرس الخامس والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها، وأن يجمعنا وإياكم على الخير والبر والتقوى، وأن يجعلنا من المتعاونين على طاعته.

أما بعد، إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا في هذا المستوى بحديث عن المعاملات، وابتدأنا بالمعاملات المالية وأخذنا فيها عددا من اللقاءات والدروس، ثم بعد ذلك ابتدأنا في درسنا ولقائنا الماضي عن معاملة من المعاملات الاجتماعية، ألا وهي النكاح؛ تقوية الأسرة وفقه النكاح. وذكرنا أن النكاح هو عقد يجمع بين الرجل والمرأة وفقا لكتاب الله ولسنة رسول الله ﷺ، يرتب عليهما حقوقا ومسؤوليات يجمع بينهما، ويشكل بعد ذلك أسرة هي لبنة من لبنات المجتمع المسلم.

هذا هو عقد النكاح وحقيقته وتعريفه، وعقد النكاح حتى يقوم لا بد له من أركان يقوم عليها. أول هذه الأركان: الرجل والمرأة، الزوجان الخاليان من الموانع اللذان يباح لهما الزواج؛ لأنه سيأتينا إن شاء الله تعالى في درس من الدروس القادمة المحرمات في النكاح، أن ثمة نساء يحرم على الرجل أن يتزوجهن، كما قال الله جل جلاله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ...﴾ [النساء: 23]. فإذا كان الزوجان خاليان من الموانع التي تمنع صحة النكاح، حينئذ يصح لهما النكاح. ما هي الموانع؟ سنأتي لها إن شاء الله تعالى بتفصيل في دروس لاحقة.

بعد هذا الركن أو هذين الركنين (الرجل والمرأة)، ثمة ركن آخر ألا وهو صيغة النكاح: الإيجاب والقبول. الإيجاب والقبول في النكاح أي اللفظ الصادر من ولي المرأة، واللفظ الصادر من الزوج الذي يفيد بقبولهما لهذا النكاح. لاحظوا، هذا النكاح هو اجتماع بين رجل وامرأة، وسيأتينا إن شاء الله تعالى أن من شروط عقد النكاح أن يتولى ولي المرأة تزويجها وإنكاحها، وإلا تزوجت نفسها، فلا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها.

لو أردنا أن نعقد مقارنة بسيطة وسريعة بين عقد النكاح وعقود المعاوضات المالية التي قد درسناها في دروسنا في هذا المستوى، مثلا عقد البيع أو عقد الإجارة، يكون فيه طرفان ويكون فيه إيجاب وقبول ومبادلة، لكن لاحظوا في تلك العقود؛ لأنها عقود مالية (البيع والشراء والإجارة وغيرها)، المال فيها ركن من الأركان، فإذا تخلف المال ما صارت عقدا؛ يعني لو صار ثمن دون سلعة أو سلعة دون ثمن ما صارت عقدا. إذا المال فيها ركن من الأركان، ولو حصل في هذا المال غرر أو جهالة أو لم يعرف فإنه يبطل هذا البيع؛ لماذا؟ لأن المال مقصود أساس فيه.

أما في عقد النكاح، فليس المال هو المقصود الأساس فيه، لذلك يصح النكاح دون أن يسمى مهرا، وللمرأة حينئذ مهر مثلها. لا يجوز أن يخلو النكاح من مهر، للمرأة مهر، ويستحب أن يكون مسمى في العقد. ما الفرق؟ الآن يجب أن يكون للمرأة مهر في عقد النكاح، لكن لو لم يسموه فإنه يفرض لها مهر المثل؛ ما هو بمثل أمن أخواتها وبنات عمها والنساء حول عرف النساء يكون لها مهر المثل.

تسمية المهر ليست ضرورية في العقد، ألا يقال بكذا؛ لأن هذا عقد النكاح لا ينظر إليه شرعا على أنه عقد مثل عقد البيع لابد أن يسمى فيه الثمن؛ لأن عقد النكاح ليس كما ذكرنا بيعا أو إجارة أو شراء أو غير ذلك، بل هو عقد يتميز بأنه عقد اجتماعي. فلأجل هذا نلاحظ اتفاق أهل العلم على صحة النكاح بدون تسمية المهر، واتفاق أهل العلم في المقابل في البيع والشراء على أن العوض المجهول في عقد البيع والشراء يجعل العقد باطلا. إذا لماذا نشأ هذا الاختلاف في النظر؟ باختصار، لأن عقد النكاح عقد اجتماعي، بينما البيع والشراء وغيرها والإجارة هذه عقود مالية أو عقود اقتصادية المقصود فيها هو المال، هنا المقصود فيه هو الاجتماع بين الرجل والمرأة.

كيف نعرف التوافق بين الرجل وولي المرأة، اتفاقهم على هذا النكاح من خلال الإيجاب والقبول؟ مثل ماذا الإيجاب والقبول؟ مثل أن يقول ولي المرأة: "زوجتك ابنتي فلانة"، فيقول الرجل: "قبلت هذا الزواج". هل يشترط في الإيجاب والقبول أن يكون بألفاظ محددة معينة؟ نقول لا، لا يشترط أن يكون بألفاظ محددة ومعينة، إلا أنه يشرع ويستحب أن يخطب في هذا العقد خطبة الحاجة، وهي التي جاء في حديث ابن مسعود: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]».

ثم بعد ذلك يشرع أن يقول الولي: "أنكحتك ابنتي" أو "زوجتك ابنتي فلانة على كتاب الله وسنة رسول الله"، ويقبل الشاب هذا الزواج سواء كان بلفظ الإنكاح أو التزويج. أما لفظ الإيجاب والقبول فليس فيه ألفاظ محددة، وإنما مثلا الناس أحيانا يسمونها زواج، أحيانا يسمونها نكاح، أحيانا يسمونها ملكة؛ والملكة معناها أن عقد النكاح كان سابقا، يقولون "ملكتك"، هذا نوع من أنواع الألفاظ التي تستخدم.

هل يفضل أن يكون هذا الإيجاب والقبول باللغة العربية؟ نقول إذا كانوا يتحدثون العربية يجعلون الإيجاب والقبول باللغة العربية، ولكن لو كانوا أهل لغة أخرى فلا يشرع له أن يستخدموا ألفاظا عربية لا يعرفون معناها، بل يستخدم الألفاظ الدارجة في لغتهم التي تعطي معنى النكاح والزواج. فإما أن يقول الأعجمي الذي لا يعرف معنى اللغة العربية "زوجتك" وهو لا يفقه معناها، فهذا غير مشروع؛ المشروع هو أن يكون العقد بلغته ولكن يستخدم اللفظ الذي يوازي لفظ النكاح والزواج.

هذا فيما يتعلق بأركان النكاح: رجل وامرأة، وإيجاب وقبول. إذا حصل هذا الإيجاب والقبول والرجل والمرأة، فمعنى ذلك أن عقد النكاح قد تمت أركانه، ويبقى حينئذ شروطه وواجباته. هذه هي الأركان التي يقوم عليها العقد.

فاصل قصير ثم نعود إليكم.

للإيمان أركان لا يتم إلا بها، فإذا سقط منها ركن لم يكن الإنسان مؤمناً، وهي ستة: الإيمان بالله، ويشمل الإيمان بربوبيته، أي بأنه الخالق المالك المدبر، وبألوهيته، فلا معبود بحق إلا الله، وكل معبود سواه باطل، وبأسمائه وصفاته، فله الأسماء الحسنى والصفات العليا. ونؤمن بالملائكة، وأنهم مخلوقون من النور، وأنهم عابدون لله مطيعون لعبادته لا يستكبرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولهم أعمال كلفوا بها؛ فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل بالمطر والنبات، وإسرافيل بالنفخ في الصور.

ونؤمن بالكتب التي أنزلها الله على رسله حجة على العالمين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، ومنها التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وأعظمها وخاتمها القرآن العظيم، الكتاب بالحق لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه.

ونؤمن باليوم الآخر، وهو يوم القيامة، ونؤمن بما فيه من البعث والحشر، وصحائف الأعمال، والميزان، والحساب، والصراط، والحوض، والشفاعة، والجنة والنار. ونؤمن بالقدر خيره وشره، وهو تقدير الله تعالى للكائنات حسب ما سبق به علمه واقتضته حكمته، وله أربع مراتب: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، فثبت إيمانك بالعلم والعمل، واحذر من شبهات المشككين: ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ اعْلَمُوا بِهِ وَبَيِّنُوا وَاحْفَظُوا﴾، ﴿وَاتَّبِعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الجوانب المتعلقة بعقد النكاح. ذكرنا أولاً أركان عقد النكاح: الزوجين، والصيغة (الإيجاب والقبول) الصادر منهما من ولي المرأة ومن الزوج.

ننتقل بعد ذلك إلى شروط عقد النكاح؛ أولاً: تعيين الزوجين. تعيين الزوجين بمعنى أن يتعين الرجل الذي يريد أن ينكح، أنه فلان ابن فلان، وتتعين المرأة التي يريد الرجل أن ينكحها أو التي يريد وليها أن ينكحها. فمثلاً لو قال الرجل: «إنني جئت إليك يا فلان لأرغب أن أتزوج من بيتكم»، فقال هذا الرجل: «حسناً، سأزوجك إحدى بناتي»، نقول هذا ليس كافياً في انعقاد عقد النكاح.

لا بد أن يقول: «سأزوجك ابنتي فلانة»، أو يصفها وصفاً يعينها، كأن يقول: «سأزوجك أكبر بناتي»، بحيث تتعين هذه المرأة. أما الوصف المطلق الذي يشمل هذه البنت وغيرها فلا يصح، كأن يقول: «زوجتك واحدة من بناتي الأربع»، لا يصلح هذا، وإنما يجب تعيين الزوجة.

الشرط الثاني: رضا الزوجين. رضا الرجل يعرف بقبوله لعقد النكاح من هو الطرف المقابل له الذي يعقد معه عقد النكاح، وولي المرأة من مسؤولياته ألا يعقد عقد النكاح إلا بعد رضا موليته، فإن النبي ﷺ قال: «لا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ». فإذا رضيت الثيب والبكر وافقت عليه، وأذنت الثيب أن تنطق، وأذنت البكر أن تصمت، فحينئذ يجوز للولي أن يعقد عقد النكاح.

الشرط الثالث: الولي؛ بمعنى أن يعقد عقد النكاح ولي المرأة، فإنه لا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها. وهذا إن تزوجت المرأة نفسها يسميه بعض الناس نكاحاً مدنياً أو عرفياً أو أياً كانت الأسماء، هذا لا يجوز شرعاً سواء كانت هذه المرأة بكراً أو ثيباً، لا يجوز للمرأة أن يزوجها إلا وليها، وقد جاء في الحديث: «لا نكاح إلا بولي»، وجاء في الحديث كذلك: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها». وقالت عائشة رضي الله عنها: «أي ما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل». وروي مرفوعاً إلى النبي ﷺ.

الشاهد: لا شك أن من حرمة النكاح في الإسلام واحترامه وتقديره أن المرأة لا تعقد للرجل على نفسها، وهذا لا شك أنه يضفي على النكاح حرمة وهو نوع من تقديسه وتقديره واحترامه، بحيث كانت الناس ولا زالوا ينظرون إلى المرأة نظرة حياء وحشمة. ولا شك أن من تمام حياء المرأة وحشمتها وعفتها وصيانتها أنها لا تفاوض رجلاً على نفسها، لذلك شرع الله سبحانه وتعالى ونبيه الكريم ﷺ أن يتم النكاح من خلال الولي.

لذلك في القرآن الكريم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: 221]. ثم قال جل جلاله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221]. هذه الآية تلاحظون فيها إيماءً إلى أن المرأة لا تنكح نفسها، ولو كانت المرأة هي التي تنكح نفسها وتتولى العقد لقال الله جل جلاله كما أمر: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾، لقال للمرأة: «ولا تنكحي».

ولكن جاءت الآية كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، وهي ليست خطاباً موجهاً للمرأة مثلاً، مثل الخطاب الذي جاء في سورة النور: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾. مع هذه الآية وجهت للأزواج وللأولياء، لماذا؟ لأنهم هم الذين يتولون عقد النكاح. وما زال الناس على هذا الأمر سنة عملية من زمن النبي ﷺ إلى زماننا هذا؛ أن الذي يتولى تزويج المرأة وليها، وذكرنا أن هذا من تمام عفتها وحشمتها وحيائها وصيانتها، ومن الأمور المستهجنة أن تزوج المرأة نفسها.

يبقى عندنا بعض الأحوال، وهي مثلاً أن تكون المرأة مسلمة في بلاد الغرب ويكون وليها كافراً لا يتولى تزويجها، فحينئذ نقول حتى في هذه الحالة لا تزوج المرأة نفسها، وإنما تكون ولايتها مثلاً للحاكم المسلم لو كانت في بلد مسلم، أو القاضي المسلم لو كان في بلد مسلم. فإن كانت في بلاد الكفار مثلاً أو في بلاد غربية أو شرقية، فما هو الحل؟ نقول تنتقل أو تكون ولايتها لإمام المسجد أو رئيس المركز الإسلامي، أو شخص من الذين يتولون شؤون المسلمين هناك، ترجع إليه في ذلك الأمر. وقد حتى ولو عدم هذا الأمر، فإنه يشرع أن يتولى رجل مسلم إنكاحها بعد إذنها، ولكن لا يشرع بحال أن تزوج المرأة نفسها.

هذا فيما يتعلق بالولي. الشرط الرابع من شروط عقد النكاح: الإشهاد في عقد النكاح، وقد روي في الحديث: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل».

الشهود الذين يشهدون في عقد النكاح يقصد بهم إعلان النكاح وإظهاره حتى لا يكون هذا النكاح سراً مكتوماً لا يعرفه إلا الرجل وولي المرأة والمرأة، وهذا فيه نوع من الإشكال. وقد استحب أهل العلم إظهار النكاح وإعلانه، بل إن الإمام مالك رحمه الله تعالى أوجب هذا الإعلان والإظهار. وقد روي في الحديث: «فرق ما بين النكاح والسفاح أن يُعلن ويُضرب عليه بالدف».

هذا الإعلان يتخذ عدداً من المظاهر المعاصرة، فمثلاً أن يكون هناك وليمة أو حفل لعقد النكاح يحضره طائفة من الناس، وألا يتكاتم أهل النكاح. هذا العقد كذلك من صوره مثلاً أن يتم تسجيله كنكاح رسمي في الجهات الرسمية، وهذا صورة من صور الإعلان، وهذا مهم خصوصاً بالنسبة للأولاد إلى والديهم. كذلك من صور الإعلان كما جاء في الحديث أن يُضرب عليه بالدف، وهذه كانت طريقة من طرق الإعلان؛ أن تُزف المرأة إلى زوجها في مظهر احتفالي ويُضرب فيه بالدف، بحيث يعرف الناس أن فلاناً من الرجال قد نكح فلانة من النساء.

لاحظوا والحكمة ظاهرة في الإعلان سواء كان هذا الإعلان من خلال الشاهدين أو إعلاناً أوسع من الشاهدين، بحيث يظهر هذا الأمر ويتضح. الحكمة فيه ظاهرة أنه يفرق بين النكاح والسفاح، وحتى يُنسب الولد إليهم، وحتى إذا دخل الرجل بيتاً عن هذه المرأة لا تلحقه ريبة وتهمة وشك، فيعرف عند الناس وعند الجيران وعند أقارب المرأة أن هذا الرجل هو زوجها. هذه شروط عقد النكاح باختصار.

فاصل قصير ثم نعود إليكم بعد الفاصل. إذا انتشرت الفتن وكثرت المغريات، فخير وقاية منها للشباب النكاح، فهو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أغض للبصر وأحصن للفرج». والنكاح سنة، ويجب على من يخشى الوقوع في العنت. ويختار كل من الطرفين صاحب الدين، قال صلى الله عليه وسلم للرجل: «فاظفر بذات الدين تربت يداك»، وقال لولي المرأة: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه».

ومن أراد خطبة فتاة فله أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، ولا يصح النكاح إلا بولي وشاهدي عدل، ولا يجوز إكراه الفتاة على الزواج بمن لا ترغب فيه، كما لا يجوز منع من الزواج من الأكفاء. ويحرم نكاح المحرمات بالنسب كالأم والبنت، وبالرضاع كالمرضعة وأولادها، وبالمصاهرة كزوجة الأب وأم الزوجة. ويحرم نكاح المتعة وهو المؤقت، والمحلل بأن يقصد تحليلها لمن طلقها ثلاثاً، والشغار بأن يجعل أحدهما شرطاً لنكاح الأخرى.

وللزوج على زوجته الطاعة بالمعروف، وإجابته إلى الفراش، ورعاية أولاده وبيته، وعدم إرهاقه في النفقات الزائدة، وألا تدخل أحداً بيته إلا بإذنه. ولها عليه المعاملة الطيبة والإنفاق عليها بالمعروف وتحمل أذاها، وإذا نشزت فله تأديبها في حدود ما شرعه الله، فاستغنِ بما أحله الله عما حرمه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [النحل: 117].

للعلم كالأزهار في البستان، نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن شروط عقد النكاح. ذكرنا أن شروط عقد النكاح هي تعيين الزوجين ورضاهما، ثم الولي وشاهدي العدل، وتحدثنا عن كل شرط من هذه الشروط. نريد أن نتحدث عن بعض المسائل المتعلقة بهذه الشروط.

فمن المسائل المتعلقة بالولي مثلاً، وذكرنا أنه قد جاء ورُوي في الحديث: «لا نكاح إلا بولي». فإن ولي المرأة هو أبوها، هذا الأصل، والدها ووالدها وإن علوا، فإن كان والدها غير موجود أو توفي كذلك جدها، فتنتقل الولاية إلى ولدها وإن نزلوا، ثم إلى إخوانها الأشقاء، ثم إخوانها لأب، ثم عمومتها، ثم أبناء عمومتها، وهكذا العصبة الأقربون لها.

هنا عدد من المسائل المتعلقة بالولي، وهو أن الولي الأبعد لا يزوج المرأة عند وجود الولي الأقرب، والولي يؤخذ فيه بالترتيب. ومن شروط الولي أن يكون ذكراً، عاقلاً، بالغاً، عدلاً. ذكرنا الذكورية؛ لا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها ولا أن تزوج امرأة أخرى، وإنما يتولى عقد النكاح ولي المرأة الرجل، لما روي في الحديث: «لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها».

هذا فيما يتعلق بالشرط الأول. الشرط الثاني وهو العقل والبلوغ، وهذا هو أصل اشتراط الولاية؛ لأنه أصلاً إذا لم يكن عاقلاً ولا بالغاً فإنه يحتاج إلى ولاية عليها أصلاً، فكيف يكون ولياً على غيره؟ وإنما أصل الولاية أن يكون عاقلاً بالغاً. العدالة كذلك شرط، أن يكون مسلماً عدلاً، فلو كان فاسقاً غير عدل لا يراعي مصالح موليته أو يعضلها عن النكاح، فإن الولاية تسقط منه. والفسق يراد به الفسق الظاهر الذي يضر بموليته.

من المسائل المتعلقة وهي أنه يحرم على الولي أن يعضل المرأة، أي أن يمنعها من النكاح لأي سبب كان، إذا كان هذا النكاح في صالحها ولمصلحتها. الولي تصرفه على المرأة تصرف بمصلحتها ليس لمصلحته هو. بعض الناس للأسف ربما كان ولياً ولكنه لا يراعي حق الله سبحانه وتعالى ولا حق موليته في هذا الأمر، فينظر إلى مصالح نفسه، أو يأخذ من مالها وهو المهر الذي جُعل لها في عقد النكاح يأخذ من مالها، أو أنه يمنعها من النكاح، يمنع ابنته أو قريبته من النكاح لأجل أي سبب يعود إليه هو، وهذا فيه إشكال. لكن الواجب على ولي المرأة أن يراعي حق الله سبحانه وتعالى، ثم يراعي حق موليته في أن ينظر إلى مصلحتها وما يصلحه.

هذا الجانب الأول. الجانب الثاني عليه أن ينظر إلى مصلحتها في دينها وآخرتها قبل أن ينظر إلى مصلحتها في دنياها؛ فإن بعض الأولياء ربما نظر إلى مصالح ابنته الدنيوية وإن هلكت مصالحها الأخروية، وهذا لا شك أنه نوع تقصير وتفريط، مخالف لقول الله جل جلاله: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]. قال الله جل جلاله: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: 15].

فأعظم الخسارة التي تقع على هذا الولي، ولي المرأة، أن ينظر إلى ابنته تتردى في نار جهنم -والعياذ بالله- بسبب تفريطها في الصلاة مثلاً، أو تفريطها في الصوم، أو تفريطها في العبادات، ينظر إليها تتردى في نار جهنم وهو لا يستطيع أن يقدم ولا يؤخر شيئاً. لا شك أن هذه خسارة عظيمة يخسر الإنسان فيها أهله يوم القيامة.

أعظم شيء ينبغي على الولي أن ينظر إليه، أن ينظر إلى مصلحة موليته، وينظر إلى مصلحتها الأخروية قبل مصلحتها الدنيوية؛ كونه يزف بنته إلى من يراقب الله جل جلاله فيها، إلى من يأمرها بالصلاة، من يعينها على الصوم، من يعينها على الصدقة، من يزور بها بيت الله الحرام يحج بها ويعتمر بها، من يأمرها بالمعروف، من يحافظ على حجابها، من يكون خلقه معها خلقاً حسناً، وأن يحرص على عفافها وسترها وحيائها. هذا لا شك.

الولي الصالح الذي تهمه بنته أن تترقى في جنات النعيم، ليس معنى هذا أنه لا ينظر إلى شيء من مصالح الدنيا، لا، وإنما يقدم نظره إلى مصلحة الدين مصلحة الآخرة؛ يعلم أن هذه الدنيا زائلة وفانية، وأن الآخرة هي الباقية. وهذا بخلاف الولي الذي يلتفت إلى مصالح ابنته الدنيوية، فربما زوجها شخصًا لأجل أن عنده مالًا، أنه سيمتعها بالأسفار، ولكن لا يتحرى دينها، ولا يتحرى عبادتها، ولا يحثها ويأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر، ولا يراعي حجابها ولا صلاتها ولا صيامها. لا شك أن هذا نوع من التفريط من الولي.

ذلك الذي أوصي به إخواني جميعًا: لمن ولاه الله سبحانه وتعالى أمر بناته أو أخواته أو غير ذلك، أن يراقب الله جل جلاله في هذه الولاية، وأن يحرص أتم الحرص على أن يقي أهله ونفسه نارًا وقودها الناس والحجارة ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: 24] كما أمرنا الله جل جلاله، هذا فيما يتعلق بالولي.

من المسائل المتعلقة بالولي أنه يحرم على هذا الولي -كما ذكرنا- أن يعذر المرأة ويمنعها من النكاح، أو أن يزوجها ناظرًا إلى مصلحة نفسه. كيف؟ يريد مثلا أن يتقرب من فلان من الناس فيزوج بنته، مع أن بنته ليس الأصلح لها أن تتزوج فلانًا من الناس، هذا لا يجوز شرعًا للولي. الواجب شرعًا على الولي أن ينظر إلى مصلحتها هي، وهذا هو مقتضى الولاية الشرعية.

من المسائل المتعلقة بالشروط التي ذكرناها في النكاح، أو ذات علاقة وإن كانت ليست علاقة قريبة، وهي المهر. المهر يجب في النكاح أن يكون ثمة مهر، ولا يجوز أن ينعقد أو يقع نكاح بدون أن يكون للمرأة مهر. يستحب في المهور تخفيفها، ولا يستحب المبالغة فيها؛ لأن هذا فيه نوع من الإثقال، «أكثر النساء بركة أقلهم مؤونة» كما أخبر النبي ﷺ. الشاهد أن تقرير المهر وتخفيفه هو الموافق لسنة النبي ﷺ التي فعلها ﷺ مع زوجاته أو مع بناته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

هذا فيما يتعلق بالمهر، إن لم يسمى في عقد النكاح مهر، أي لم يسمى مقداره، فإن المهر حينئذ يكون بحسب مهر المثل، ولا يسقط، بل لا بد أن تأخذ المرأة مهرًا؛ الله سبحانه وتعالى أمر به: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء: 4]. لابد أن تأخذ المرأة مهرًا كما أمر الله جل جلاله في هذه الآية الشريفة الكريمة.

نقف عند هذا القدر ونواصل حديثنا -إن شاء الله تعالى- معكم في لقاء قادم عن بقية الأحكام المتعلقة بعقد النكاح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يا راغبًا في كل علم نافع متطلعًا إيمانيًا، وتريد ميسورًا بأي مكان، وتعلم الفقه الميسر عاملًا للشرع دون تعصب.