دخولتسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ينبوعها صافٍ، الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زادنا كاذبين للعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ربنا علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً يا رب العالمين، اللهم فقهنا في دينك يا رب العالمين، اللهم اجعل هذه العلوم التي نتعلمها ونعلمها حجة لنا يوم نلقاك ولا تجعلها حجة علينا يا رب العالمين.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السادس والثلاثون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها وناشرها ومن أعدها يا رب العالمين.

إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في درسنا الماضي عن الأطعمة، وذكرنا أن الأصل في الأطعمة الإباحة، وأن هناك قواعد للتحريم فصلت ما حرم الله سبحانه وتعالى في كتابه أو في سنة رسوله ﷺ، ﴿فَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119]. وإن هذه المحرمات كذلك أباحها الله في حال الضرورة إليها، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده.

نريد أن ندخل تفصيلاً في أنواع الأطعمة وأشكالها. الأطعمة من حيث تكون أطعمة نباتية، نحن نتكلم عن أصول الأطعمة؛ لا شك الأطعمة هذه بعضها يخلط ببعض، اللحم يطبخ بشيء من الخضروات مثلاً وشيء من المرق، نحن نتكلم عن الأصول التي هي أصول هذه الطبخات التي يطبخها الناس اليوم، وأشكالها وألوانها كثيرة جداً.

فأصول هذه الأطعمة، الغذاء أصل الغذاء، إما أن يكون من النبات وإما أن يكون من الحيوان. فالنباتات الأصل فيها الحل والإباحة في جميع أشكالها إلا إذا كان فيها شيء من قواعد التحريم التي ذكرناها؛ مثلاً يكون هذا النبات مسكراً كالحشيش مثلاً، أو يكون هذا النبات ضاراً بالبدن كبعض النباتات التي يكون فيها نوع من السموم مثلاً أو شيء من هذا. إذا طالما أنها خلت من قواعد التحريم التي ذكرناها في درسنا ولقائنا الماضي، فالأصل فيها الحل والإباحة، وهذا فيما يتعلق بالنباتات والأشجار والخضر والفواكه باختلاف أنواعها وأشكالها.

إذا أردنا أن ننتقل إلى الطعام الحيواني، هذه الحيوانات كذلك نقسمها إلى قسمين؛ نقول إما أن تكون مما يعيش في البحر أو مما يعيش خارج البحر، وسيأتينا فيما بعد أن ثمة قسماً من الحيوانات وهو المسمى بالبرمائيات، هذا فلنؤجل الحديث عنه الآن. لكن نحن نتحدث الآن عن حيوان البحر وهو السمك أصالة، وغيره من الحيوانات التي لا تعيش إلا في البحر، والظاهر والله تعالى أعلم أن هذا الذي يعيش في البحر أن كل نوع فيه إنه حلال إلا ما ذكرنا، ما كان فيه أضرار بالبدن أو ما كان فيه نوع من السموم أو شيء من هذا، إذا خلا من قواعد التحريم التي قد ذكرناها من قبل في درسنا الماضي.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96]. وصيد البحر ما صاده الإنسان، وطعامه ما ألقاه البحر ميتاً. وهذا سؤال: هل ميتة البحر تؤكل؟ يعني لو الإنسان وجد مثلاً حوتاً أو سمكاً قد ألقاه البحر ميتاً هل يحل أكله أم لا؟ نقول نعم يحل أكله؛ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، الصيد ما صاده وطعامه ما ألقاه البحر ميتاً، بل أصلح من هذا جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في السنن أن النبي ﷺ سئل عن ماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». فهو الطهور ماؤه، الحل ميتته، فميتة البحر ما ألقاه البحر ميتاً فإنه حلال.

هذا بخلاف ميتة البر، سيأتينا أن الله سبحانه وتعالى حرم ميتة البر، حُرِّمت عليكم الميتة التي هي ميتة البر وليست ميتة البحر التي يلقيها البحر ميتة. إذاً سمك البحر لا يحتاج إلى ذكاة شرعية، بل كله حلال. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: 14]. اللحم هو السمك الذي امتن الله سبحانه وتعالى به على عباده.

إذاً هذا فيما يتعلق بصيد البحر وطعامه، ننتقل بعد ذلك إلى أحكام الحيوانات التي هي خارج البحر، هنا فيها عدد من التفصيلات؛ أحكام الحيوانات البرية أو الطيور أو غيرها. قبل أن ندخل في هذا نقول أحكام الحيوانات البرمائية التي تعيش بين البحر والبر؛ أحكام الحيوانات البرمائية يغلب فيها والله تعالى أعلم حكم جانب البر، يعني ما تكون حلالاً مباحة. نضرب مثالاً لذلك مثلاً التمساح أو الضفدع أو غيرها مما يعيش هنا وهنا، الظاهر والله تعالى أعلم أنه يأخذ حكم حيوانات البر ويكون محرماً، التمساح مثلاً ذو ناب، وسيأتينا أن من قواعد التحريم في الحيوانات البرية أن يكون له ناب وسبع يفترس.

إذاً الحيوانات البرمائية يغلب فيها جانب البر، وسيأتينا أن من قواعد التحريم في الحيوانات البرية أن يكون فيه جانب إباحة وجانب تحريم مثل البغل؛ يتولد من خيل وحمير فإنه متولد بينهما، فيغلب فيه جانب التحريم. الخيل يباح أكلها والحمير الأهلية يحرم أكلها خلافا للحمر الوحشية، الحمير الأهلية -أي الحمير المستأنسة غير المتوحشة- يحرم أكلها، والبغل متولد منهما فغلب فيه جانب الحرمة. نقول نفس هذه القاعدة نطبقها في الحيوانات البرمائية؛ الحيوانات البرمائية فيها جانب إباحة وهو كونها في البحر، وفيها جانب تحريم كونه مثلاً من حيوانات البر غير المباحة ذات ناب أو غير ذلك، فيغلب فيها جانب التحريم كما قد غلبنا ذلك في البغل.

إذاً هذا الحكم فيما يتعلق بالحيوانات البرمائية، يأتي بعد ذلك الحيوانات البرية والطيور. الآن تكلمنا عن النبات ثم تكلمنا بعد ذلك عن الحيوان، ابتدأنا بالبحر وقلنا الصحيح أن كل ما في البحر مما يعيش فيه أنه جائز، هذا الأصل فيه إلا ما اشتمل على قاعدة من قواعد التحريم التي قد ذكرناها. طيب الحيوانات البرمائية قلنا يغلب فيها جانب البر، طيب ما هي الأحكام المتعلقة بالحيوانات البرية وبالطيور؟ هذا حقيقة فيه تفصيل ونحتاج أن نذكر فيه عدداً من الأنواع والتفاصيل.

أول شيء نبدأ بالأنعام التي أباحها الله جل جلاله ثمانية أزواج؛ من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين. هذه ثمانية أزواج من الأنعام: الضأن والمعز والبقر والإبل، من كل واحد ذكرنا أنثى. هذه أباحها الله سبحانه وتعالى لعباده وسخرها لهم ليطعموها وليأكلوها، الله سبحانه وتعالى جعلها مستأنسة ومسخرة للإنسان، الإنسان إذا تأمل في هذا كما قال الله: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17]، يتأمل في هذا.

البعير، الجمل الكبير الضخم، كيف يذل ويسخر لطفل صغير يقوده، ثم ينحر ويذبح ويؤكل؛ لا شك أن هذه نعمة من الله جل جلاله أن سخر هذه الأنعام لعباده حتى يأكلوها، ولذلك هذه الأنعام هي أصل مطاعم الناس الحيوانية. سوف نأتي إلى الأنواع الأخرى من الأطعمة الحيوانية ولكن بعد فاصل قصير إن شاء الله تعالى.

الأزهار في البستان أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة، إنها تربية الأهل والأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: «أدبوهم وعلموهم فنعلمهم العقيدة الصحيحة». قال تعالى: ﴿تُشْرِكُونَ بِاللَّهِ وَهُوَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].

ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه؛ فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن. ونعلمهم الصلاة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». ونعلمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب؛ قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك».

ونعلمهم شيئًا من القرآن بأنفسنا، أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى. قال نافع: «كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن». فاحرص على تعليم أهلك، واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن؛ قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».

بشرى لنا، زاد أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الأطعمة الحيوانية. ذكرنا أن المائية مباحة، والبرمائية يغلف فيها جانب البر والبرية والطيور. وذكرنا أن أصل الأنعام التي سخرت، وأصل الطعام الحيواني المسخر للإنسان، هو الثمانية الأزواج التي قد ذكرت في سورة الأنعام.

دعونا نستعرض بعض أنواع المحرمات من الأطعمة؛ أطعمة الحيوانات البرية. أول هذه الأنواع المحرمة ما كان له مخلب وناب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السباع. إذاً الضابط وهو كون هذا الحيوان مفترسًا له ناب أو له مخلب، سيخرج لنا عددًا من الحيوانات مثل النمور والفهود وغيرها من الحيوانات التي تفترس، أو التمساح مثلا لأنه يفترس.

القاعدة الثانية أن يكون لحم خنزير، وهذه القاعدة حقها التقديم كذلك لأن الخنزير منصوص عليه باسمه تحريمًا في كتاب الله سبحانه وتعالى. القاعدة الثالثة من قواعد التحريم في الحيوانات البرية أن ما أمر الشارع بقتله، مثل ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم»، فإن ما أمر الشارع بقتله لا يحل أكله، وهي الفأرة، والعقرب، والحدأة، والغراب، والكلب العقور.

القاعدة التي تليها في محرمات الأطعمة كذلك ما نهى الشارع عن قتله، كالنملة والنحلة والهدهد والسرد، فإنه لا يحل أكلها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتلها. إذاً عندنا قاعدة لحم الخنزير، وعندنا قاعدة ما كان له ناب من السباع أو مخلب من الطير، وعندنا قاعدة المنهي عن قتلها، وعندنا قاعدة المأمور بقتلها: الخمس الفواسق التي تقتل في الحل والحرم. وعندنا كذلك الحيات ينهى عن أكلها لما فيها من السم.

وعندنا كذلك قاعدة من قواعد التحريم وهي ما تولد من مباح ومحرم؛ الخيول أبيح أكلها كما جاء في حديث أسماء أنها قالت: «نحرنا فرسًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم». أما الحمر جاء النهي عنها كما جاء في حديث خيبر: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأنسية». فما تولد منهما كالبغل فإنه لا يحل أكله تغليبًا لجانب المحرم فيه.

هل يباح أكل لحوم الحمر الوحشية؟ نعم، النبي صلى الله عليه وسلم قد أكلها؛ لحوم الحمر الوحشية، حمار الوحش غير الحمار الأهلي، فهذا غير المستأنس غير الأهلي، وهذا يحل أكله. ومن قواعد التحريم أيضًا ما كان يتغذى على الجيف والنجاسات؛ فقد جاء في الحديث النهي عن أكل لحوم الجلالة، وهي التي تتغذى على الجيف، مما يدخل في هذه القاعدة أكل الضفدع، فالضفدع غالبًا يأكل الحشرات والنجاسات أو غيرها، فلذلك ينهى عن أكله.

ومما يباح أكله الضب، وقد أكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأكله؛ إذاً نستفيد إباحة الضب من تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من فعله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكله وقال: «إني أعافه»، وعلم ذلك أنه لا يؤكل بأرض قومه إن لم يكن يؤكل الضب بمكة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أقر من يأكله.

إذاً هذه أنواع أو قواعد للتحريم. في ثناياها ذكرنا بعض الفوائد في قضية اللحوم المباحة؛ من اللحوم التي ورد النص على إباحتها اللحوم الحمر الوحشية. وقلنا هذا فيه فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والفرس الذي نحر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فيه إقرار في زمن النبوة لأن أسماء رضي الله عنها حكت هذه الواقعة في عهده صلى الله عليه وسلم. كذلك في الضب فيه تقرير من النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أكل على مائدته وهو يرى صلى الله عليه وسلم ولم ينه عنه من أكله، وإنما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن أكله لا تحريمًا ولا ورعًا، وإنما قال إنه يعافه صلوات الله وسلامه عليه.

كذلك من المحرمات الميتة والدم، والدم المسفوح جاء في القرآن الكريم، وهو الدم الذي يخرج من الذبيح عند تذكيتها، هذا دم مسفوح بخلاف الدم الذي يكون في العروق في اللحم، فهذا ليس دمًا مسفوحًا، ويباح للإنسان مثلاً أن يأكل لحمًا فكان في بعض اللحم بعض عروق الدم، هذا لا بأس به. لكن الدم المسفوح وهو الذي يكون عند ذبح بهيمة الأنعام، فهذا كذلك من المحرمات، وقد جاء في آية سورة المائدة تفصيل لها: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ...﴾ [المائدة: 3]. والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم. المنخنقة هي التي تموت خنقًا لاحتباس الهواء.

منخرقة، والموقوذة هي التي تموت ضربًا، يعني تموت بسبب قوة الضربة. لذلك جاء من ضوابط الصيد أن يكون ما يصاد به محدداً، لا يكون كالكرة التي تضرب الذبيحة أو التي تضرب الصيد فتقتله بسبب الضربة، فهذا موقودة. ما مات بسبب الضربة فهو موقودة، أما ما أنهر الدم فهذا هو الذي يباح.

أما ما مات بسبب الضربة فهو داخل في الموقوذة مع ما كان بسبب الخنق، فهذا من المنخنقة، والمتردية التي تردت من مكان عال فسقطت، هذه ماتت بسبب السقوط، والنطيحة ما ماتت بسبب نطح غيرها لها، وما أكل السبع، يعني ما افترسه سبع، نفترض أنه النمر أو الفهد اعتدى على حمار وحش مثلاً أو غزال فافترسه فمات، فنقول إن هذا الغزال وإن كان بقي فيه لحم إلا أنه يعد من الميتة المحرمة وما أكل السبع.

في القرآن الكريم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3]، هذا استثناء للمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع. هذه الأنواع الخمسة إذا أدركها المسلم وبها حياة مستقرة فزكاها، فإن هذه الذكاة تبيحها له. فلنفترض أن ثمة منخرقة مثلاً خُنقت لكن لم تمت، لكنها داخت أو سقطت ولكن لا يزال بها حياة مستقرة، فجاء إنسان فزكاها، نقول هذه يحل أكلها. مثل هذه الخمس في التحريم: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع.

اليوم القتل للحيوانات بالصعق الكهربائي هذا لا يحل، هذا الحيوان من المسائل المعاصرة التي قد تأتي، أو بالتغريق، الإغراق هذا نوع من أنواع المنخنقة؛ لأن كونها تغرق في الماء هذا كأنه داخل في لفظ المنخنقة لأنه احتبس عنها النفس فماتت. الشاهد أن من الأنواع المعاصرة اليوم الصعق الكهربائي هذا لا يحل، لا يحل الذبيحة.

فاصل قصير ثم نعود إليكم بعد هذا الفاصل.

﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]. من منّة الله تعالى بعباده أن رخص لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلاً من غسل الرجلين، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى وأعلى الخف الأيسر باليسرى، مفرجا أصابعه، مبتدئاً من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه. يمسح على الخفين معاً أو يبتدئ بالخف الأيمن ثم الأيسر، فالأمر في ذلك واسع بشرط أن يكون الخف طاهراً من النجاسة، وأن يكون ساتراً للقدم مع الكعبين، وأن يلبسهما على وضوء كامل.

ومدته يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء. فلو توضأ لصلاة الفجر مثلاً ولبس الخفين، ثم انتقض وضوؤه الساعة التاسعة صباحاً وتوضأ في الساعة الثانية عشرة ومسح على الخفين، فيبدأ احتساب المدة من الساعة الثانية عشرة لا من الساعة التاسعة، ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل.

ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح فوضوؤه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر. فإن أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضأ أولاً وضوءاً كاملاً يغسل فيه قدميه، ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة. بشرى لنا زادنا أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم. الحيوانات التي أباحها الله سبحانه وتعالى، أي إباح لحمها، تحل إذا ذكر اسم الله عليها وأنهر دمها وكانت من ذكية، في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3]. قد يسأل سائل فيقول ما حكم مثلاً صيد الكلاب؟ نقول هذه الكلاب يباح صيدها، كلاب الصيد يباح صيدها بضوابط منها أن هذا الكلب لا بد أن يكون كلباً معلماً، إذا أرسله صاحبه استرسل، وإذا أمسكه أمسك، فيكون هذا الكلب كالآلة لحامله، فهذا في واقع الأمر يباح صيده.

أما إذا كان هذا السبع يأكل لنفسه فإنه داخل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. إذا كان هذا الكلب يعتدي يأكل لنفسه أو يأكل من الصيد الذي صاده الطريدة يأكل منها لنفسه، إذا وجدته قد أكل هذا معناه أنه قد صاد لنفسه وهو داخل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. أما إذا كان لم يأكل وكان كلباً معلماً إذا أرسل استرسل وإذا أمسك فإنه يمسك، فهذا مما يباح صيده.

نهى الله سبحانه وتعالى عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وأباح الله سبحانه وتعالى الأكل مما ذكر اسمه عليه، فكلوا مما ذكر اسم الله عليه. أباح الله سبحانه وتعالى ذبيحة المسلم والكتاب كما قال الله جل جلاله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: 5]. إلا أن من شرط حل ذبيحتهم أن يذكروا اسم الله جل جلاله، بل إننا نقول إن ذبيحة المسلم لا تحل حتى يذكر اسم الله جل جلاله، فكيف بالكتاب؟ لأن الإنسان قد يسأل، خصوصاً بعض الذين يقيمون في بلاد اليهود أو النصارى، قد يسألون فيقولون إنهم يذبحون الذبائح ولا يذكرون اسم الله عليها لكنهم من أهل الكتاب، نقول هذه لا تؤكل كذبيحة المسلم التي لا يذكر اسم الله عليها، فإنها لا تؤكل، وإذا ذكر عليها اسم المسيح فهذه أولى بأن لا تؤكل لأنها قد ذبحت لغير الله، وما أُهل لغير الله به، هذا من الذبائح التي لا تقبل.

هذا فيما يتعلق بمجمل أحكام الطعام والشراب، أوصي نفسي وإخواني بأن نطيب مطاعمنا ومكاسبنا ومآكلنا ومشاربنا، فإن هذا لا شك سبب من أسباب رضا الله جل جلاله وشكر نعمة الله.

إخواني وأخواتي الكرام، في ختام هذا المستوى أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعلنا وإياكم ممن يتعلم العلم وينتفع به، ويكون حجة له يوم القيامة ولا يكون حجة عليه.

إخواني وأخواتي، أوصيكم بعدد من الوصايا في ختام هذا المستوى، أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعني وإياكم بها. أول وصية أوصي بها إخلاص النية لله سبحانه وتعالى، فإن طالب العلم إذا أخلص النية لله سبحانه وتعالى في طلبه للعلم كان هذا العلم في حقه عبادة وعبودية لله جل جلاله، وإذا طلب الرياء والسمعة، طلب العلم ليماري به العلماء أو السفهاء أو الجهلاء، أو ليظهر به على الناس، فإن هذا العلم لا يكون مباركاً في حقه ويحرم من خيره وبركته.

الوصية الثانية التي أوصي بها نفسي وإخواني أن الإنسان عليه أن يستمر في طريق طلب العلم وأن يسأل المزيد منه، فإن الله سبحانه وتعالى قد أمر نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بأن يدعو الله ويسأله المزيد من العلم: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. اللهم زدنا علماً يا رب العالمين.

إخواني وأخواتي، إن الوصية بطلب الله سبحانه وتعالى المزيد من العلم وصية مهمة؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يتعلم العلم الشرعي إلا إذا علمه الله جل جلاله، فإن الله سبحانه وتعالى هو المعلم: ﴿وَاللَّهُ يُعَلِّمُكُمْ﴾ [البقرة: 282].

يسأل الله سبحانه وتعالى فيقول: اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا؛ فإن العلم الشرعي نور يؤتيه الله سبحانه وتعالى من يشاء من عباده، يؤتيه الله سبحانه وتعالى يقذفه في قلب العبد المسلم، فيستوعب هذا العلم الشرعي ويعمل به ويعمل بمقتضاه، ويكون في حقه سبباً من أسباب خشية الله والعبودية لله وطاعة الله جل جلاله.

وأما من ظن أنه ينال العلم بذكائه وتحصيله وفهمه، فإن هذا مخطئ؛ فإن الله سبحانه وتعالى لو شاء أن يحجب عنك هذا العلم، أو أن يجعل هذه المعلومات التي درستها وعرفتها حجة عليك، ما شاء سبحانه وتعالى. فالإنسان عليه أن يسأل الله سبحانه وتعالى، وأن يذل لله، وأن يخضع لله سبحانه وتعالى.

من أوصاف العلم في القرآن يقول الله سبحانه وتعالى إن الله سبحانه وتعالى آتاهم العلم، أعطاهم العلم، وأما الذي يزعم أنه هو الذي حصل العلم وأخذ العلم فهذا شأنه شأن قارون؛ قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]. وليس شأنه شأن أولياء الله المتقين الذين يؤتيهم الله العلم؛ لذلك الله سبحانه وتعالى فرق بين علم قارون وبين علم أولياءه وأصفياءه. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يَقُولُونَ لَهُمْ لَا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَابْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30]. وقوت العلم يعني أتاهم الله سبحانه وتعالى هذا العلم.

الوصية الثالثة التي أوصي بها نفسي وإخواني جميعاً أن نستمر في طلب العلم وألا نركن إلى ما قد أخذناه. من ظن أنه بإنجازه لمستوى من مستويات أو كتاب من الكتب أو إنجازي لشيء وركن إليه وظن أنه قد أخذ علماً كثيراً، فهذا الوقوف هو بداية الجهل، والإنسان لا يزال متألماً حتى يدخل إلى قبره. الإمام أحمد رحمه الله تعالى أثر عنه كلمة طيبة يقول: «مع المحبرة إلى المقبرة».

الإنسان ينبغي له ألا يتوقف عن سؤال الله المزيد من العلم، وعن تعلم العلم، وعن بذل الأسباب في طلب العلم. متى ما توقف الإنسان عن بذل الأسباب في طلب العلم، فهذه هي بداية الجهل وبداية النهاية.

الوصية الرابعة التي أوصي بها نفسي وإخواني أن نعمل بالعلم؛ فإن الإنسان المسلم، طالب العلم وطالبة العلم، إذا عملوا بما علموا أورثهم الله علم ما لم يعلموا، ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً، ﴿وَإِذَا لَقِينَاهم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾. لو أننا نفعل هذه العلوم التي نعمل بها، فلا شك أن هذا من أعظم أسباب الثبات، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَكَانَ خَيْرًا لَّهُ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [الكهف: 10].

كثير من الناس يسأل: كيف الثبات عند الفتن والمحن وعند هذه الابتلاءات؟ الإنسان عليه أن يعمل بعلمه، هذا من أسباب الثبات عند المحن والابتلاءات وعند الفتن، وما أكثر هذه الفتن التي تزداد مع مرور الأيام وتكثر. الإنسان عليه أن يسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبته، ويسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقه للعمل بالعلم.

الوصية الخامسة على المسلم وطالب العلم وطالبة العلم أن يتقوا الله جل جلاله؛ فإن من اتقى الله أتاه الله المزيد من العلم: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]. والعلم نور، ونور الله لا يؤتى لعاصٍ.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

يا راغباً في كل علم نافع بعلم زيادة الإيمانية، وتريد ميسوراً أي مكاني زاد زاد أكاديمية ينبوعها صافي، صف اليوم غلة الظمان، وتعلم الفقه الميسر عاملاً للشرع دون تعصب، بالعلم كالازهار في البستان.