يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد. الفقه الميسر، عاملًا بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زادنا، كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اهدنا ويسر الهدى لنا، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثاني عشر من سلسلة دروس الفقه بالمستوى الرابع في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها وناشرها، وأن يبارك في هذه الأكاديمية والقائمين عليها ومعلميها وطلابها، يا رب العالمين.
أما بعد، إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا عددًا من اللقاءات على المعاملات المالية، ثم انتقلنا إلى أسباب التحريم، ثم ذكرنا السبب الأهم من أسباب التحريم، ألا وهو سبب الربا، وذكرنا تحريمه في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ، بل تحريمه الوارد في الشرائع السماوية قبل بعثة نبينا محمد ﷺ. ذكرنا كذلك حكمة تحريمه، والتي جاءت في كتاب الله سبحانه وتعالى واضحة وبينة من خلال المقابلة بين الربا وبين الصدقة.
نريد أن نتحدث الآن عن أقسام تحريم الربا، أقسام الربا وأشكاله وصوره، وهذا في الحقيقة دخول إلى حقيقة الربا؛ ما معناه؟ وما أشكاله؟ أولًا: الربا مأخوذ من أصل ثلاثي، ألا وهو الراء والباء والواو، يربو ربا، يربو. هذا الأصل الثلاثي إذا نظرنا إلى تصرفاته واشتقاقاته بالألفاظ المختلفة نجد أنه يدل على زيادة ونماء. فمثلاً كلمة الربوة تدل على الارتفاع. مثلاً الأرض إذا قلنا ربت يعني نمت، نما فيها الشجر، لذلك الناس بعض المرات يسمون الصخرة أو الجبل أو الهضبة المرتفعة يسمونها الرابية لأنها مرتفعة.
فصار هذا الأصل الثلاثي تستقبل اشتقاقات تدل على زيادة وارتفاع. نقول نحن في حياتنا اليوم المعاصرة: تربية الطفل يعني تنميته، تربية الطفل يعني تنميته سواء التنمية الحسية البدنية بنمو الطفل، أو الزيادة السلوكية الأخلاقية، تزيينه بالأخلاق الحسنة؛ هذي كلها نوع من اشتقاق ثلاثي: تربية، رابية، ربوة، يربو. القرآن الكريم يقول: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5]، يعني الأرض إذا نزل عليها الماء اهتزت وربت يعني نمت يزرع الثمار.
الربا فيه نوع من النماء والزيادة التي قد ذكرنا من قبل أنها زيادة حسية ورقمية فقط، زيادة حسية ورقمية يظنها هذا المرابي، فهذا اللفظ نشأ عند الناس باعتبار أن المرابي يرون ماله كان مئة صار مئة وعشرة، لكن هي في الحقيقة الأمر حسب تقرير الله جل جلاله ووعده أنها ممحوقة، فهي في واقع الأمر وحقيقة الشأن نقص للمؤمن بوعد الله سبحانه وتعالى، لكن من ناحية الأرقام لا شك أنها زيادة. هو الإنسان يقول كان معه صار باله مئة وعشرة من حيث الأرقام، لكنها ممحوقة، حُكم عليها بالمحق.
كما الصدقة في المقابل، هي من حيث الأرقام كان عنده مثلاً مئة صار التسعين، وهي من حيث الأرقام -لا قصد الأرقام- لكن محكوم عليها بالنماء والزيادة والمضاعفة، كما أخبر النبي الكريم ﷺ: «كما يربي أحدكم فلوه»، مثل ما أخبر النبي الكريم ﷺ تربو وتنمو حتى تكون هذه الصدقة الصغيرة مثل الجبل العظيم.
إذاً هذا هو أصل الاشتقاق اللغوي. الربا بالمعنى الاصطلاحي هذا معروف من قديم حتى عند الأمم الكتابية قبل أهل الإسلام، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: 161]، يعني كانوا منهيين عن الربا ويعرفون مصطلح الربا ومفهوم الربا، كذلك أهل الجاهلية في جاهليتهم؛ أما تعاهدوا عند إعادة بناء الكعبة ألا يدخلوا في بناء الكعبة ما لم ينشأ من بيع ربا، هذا معروف عندهم.
لذلك النبي ﷺ في خطبة الوداع، التي خطب فيها الناس في حجة الوداع خطبة عرفة، قال النبي ﷺ: «كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع»، وأول دم أضعه؛ كان هناك ثأر بين قريش وهذيل، فأخذ من هذيل اللي هو دم ابن ربيعة بن الحارث، قال: «وأول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث»، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل. ثم قال النبي الكريم ﷺ: «وأول ربا أضعه، ربا العباس»، الربا كان معروفًا في الجاهلية، وكان العباس عم النبي ﷺ قبل إسلامه طبعًا أحد هؤلاء الذين كانوا يرابون في الجاهلية.
النبي ﷺ وضع ربا العباس، ما معنى وضع الربا؟ معنى أبطله. ووضعه النبي ﷺ تحت قدمه يعني أنه باطل. والنبي لما أراد إبطال ربا الجاهلية أخبر الناس أن أول ربا يبطله هو الربا الذي لعمه العباس، فوضعه النبي ﷺ تحت قدمه. فبعد تلك الخطبة الشهيرة لم يحق لأحد من الناس أن يطالب بشيء من دماء الجاهلية أو من ربا الجاهلية لأن النبي ﷺ قد وضعها يعني أبطلها، صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً الربا كان معروفًا حتى في الجاهلية، مصطلح الربا معروف عند أهل الكتاب قبلنا والجاهلية، والنبي ﷺ والصحابة يعرفونه حتى قبل الإسلام. لذلك جاء الإسلام بتحريم شيء معروف معهود عندهم يعرفونه ويعلمونه. لماذا ننبه هذا التنبيه؟ حتى لا يظن أحد أن تحريم الربا فقط جاء به النبي الكريم ﷺ، جاء به النبي الكريم ﷺ مؤيدًا ومؤكدًا لتحريمه في الشرائع التي قبله، ومؤكدًا هذا التحريم، مؤكدًا لفطرة استبشاعه في النفوس التي كان يعرفها الناس في جاهليتهم مع أنهم لم يكونوا أهل كتاب.
سؤال قد يتبادر للذهن: كيف ذهب تحريم الربا وزال عند هذه الأمم الكتابية؟ كيف انتشر الربا اليوم عند اليهود والنصارى وما صار عندهم هذه البنوك التي تقدم المعاملات غير الربوية، وإنما صار الربا عندهم أصلًا؟ بل قد تعجبون لو قلت لكم إن الكنيسة اليوم، كنيسة النصارى، هي ممن يرابون اليوم ويودعون ويأخذون ويستثمرون بالربا. كيف تحول هذا التعليم وهذا التحريم؟ مر بعدد من المراحل في دين النصارى وفي دين اليهود، تغير هذا التحريم عندهم شيئًا فشيئًا حتى استباحوا ما حرم الله سبحانه وتعالى، ولهذا قصة ولكن لعلنا نذكرها بعد هذا الفاصل القصير.
استاذي، هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿وَلَٰكِن لِّيَسْتَبِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ﴾ [آل عمران: 29]، وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، ألا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]، وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط. قال ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي.
علامة المخلص أنه إذا عاتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: «رحم الله من أهدى إلي عيوبي». ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف؛ قال أبو داود الطيالسي: «ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف، فأخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهرة، أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل». قال تعالى: ﴿أَمْ عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ لَهُمْ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن حقيقة الربا وأقسامه وأنواعه. ذكرنا أن حقيقة الربا حقيقة معروفة قبل بعثة النبي الكريم ﷺ، وكان محرما ببعثة موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام، إلا أن الملاحظة اليوم على من ينتسب إلى دين موسى وعيسى عليهما سلام الله وصلواته عليهما وسلامه، أن من ينتسب إلى دينهما لا يلتزم هذا التحريم. وهذا بسبب تحريف دين اليهود والنصارى الذي استدعى بعثة النبي محمد ﷺ ليجدد الحنيفية والدين، ويجدد دين الإسلام الذي أراده الله جل جلاله والذي شرعه سبحانه وتعالى.
ولا شك أن التحريف قد دخل على هذه الأديان السابقة؛ فإن دين موسى عليه السلام الذي بعث به، ودين عيسى عليه السلام الذي بعث به، لم يكن فيه شرك البت، ولكن دخل الشرك على دين اليهود والنصارى، لذلك هذا التثليث لا شك أنه نوع من الشرك بالله. قال الله جل جلاله: ﴿قَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ [المائدة: 73]. وإن لم ينتهوا عما يقولون يستمر فيهم عذاب أليم. كما قال الله جل جلاله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72]، هذا لا شك أنه من الشرك والكفر بالله الذي دخل على هذه الأديان السابقة.
فإذا كان قد تحرف التوحيد، عبادة الله وحده لا شريك له، قد تحرفت عند هؤلاء في أديانهم السابقة، فكيف بما هو غير التوحيد من الشرائع؟ الصلاة كذلك تحرفت عندهم في دينهم؛ فإن الله سبحانه وتعالى قد شرع في دين موسى وعيسى عليه السلام الصلاة. ألم ينزل النبي ﷺ في الإسراء بعد أن شرع الله له خمسين صلاة، فرأى موسى عليه السلام فقال له موسى عليه السلام: «ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فإني قد جئت قومي بأقل من هذا فلم يقدروا عليه»؟
إذن الصلاة كانت في شريعة موسى عليه السلام. ألم تكن مريم ابنة عمران تدعو الله سبحانه وتعالى وتصلي: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]؟ كانت صلاة ذات سجود وركوع مفروضة في مواقيت في اليوم والليلة. كذلك ألم يكن زكريا عليه السلام يصلي في المحراب؟ والزكاة، ألم يكن إسماعيل عليه السلام يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا؟ والحج، ألم يحج موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام إلى هذا البيت؟
هذا كله قد جاء في سنة النبي ﷺ، ومن تحريم ومن الشرائع تحريم الربا، ولكن هذا التحريم تنازلت عنه الأمتان الكتابيتان قبل بعثة محمد ﷺ، حرفوه شيئًا فشيئًا. لماذا؟ لأنه قد تحكم في دينهم الأحبار والرهبان الذين اشتروا بآيات الله وشريعته ودينه ثمنًا قليلاً، تحرفوا دين الله جل جلاله إرضاءً لأرباب الأموال أو أرباب السلطة أو غيرهم؛ حرفوا دين الله جل جلاله فتحرفوا في الأمتين السابقتين.
ولكن الله جل جلاله قد تكفل بحفظ القرآن الكريم على هذه الأمة التي أراد الله لها أن تكون خير الأمم، وأن تكون شاهدة على الأمم، كما قال الله جل جلاله في كتابه الكريم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. بعث الله نبينا محمدًا ﷺ خاتم الرسل، وجعل رسالته خاتم الرسالات، وجعل كتابه خاتم الكتب، وتكفل الله بحفظه كما جاء في سورة الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
وكما هو مشاهد معلوم معروف، أن القرآن الكريم بفضل الله سبحانه وتعالى لم يدخله تحريف ولا تغيير ولا تبديل، وإنك لا تجد نسختين من القرآن الكريم إحداهما عن الأخرى زيادة لحرف من الحروف، وهذا من حفظ الله جل جلاله لكتابه الكريم، بخلاف التوراة والإنجيل التي اليوم تعترف الكنيسة في الإنجيل بأن ثمة أربع نسخ اليوم المعتمدة يناقض بعضها بعضًا.
إذن من أنواع تحريف الدين الذي دخل على الأمم الكتابية قبلنا هو استباحتهم للربا بعد أن كان محرمًا عندهم، وتحريفهم لمفهوم الصلاة والصيام والزكاة والحج. حتى الصيام، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183]، فحرفوا مفاهيم الصلاة والزكاة والصيام والحج، وأعظم ما حرفوه توحيد الله جل جلاله.
فكيف ننتظر منهم أن يحفظوا صلاة أو زكاة أو صيامًا أو حجًا أو تحريم ربا أو غيرها، وهم قد حرفوا توحيد الله؟ الألوهية والربوبية حرفوها، جعلوا ونسبوا لله الابن، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 90-91]، ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 92]. وحرفوا العبودية لله جل جلاله فعبدوا معه غيره، عبدوا المسيح وعبدوا أمه، وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: 73].
الشاهد أن هذا التحريف قد دخل بسبب أن الأحبار والرهبان، كما قال الله جل جلاله: ﴿قَدْ اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: 41]، إن كثيرًا من الأحبار والرهبان لا يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلاً؛ هذه كلها من أوصاف هؤلاء الأحبار والرهبان في الأمتين الكتابيتين الذين كانوا سببًا لتبديل الدين وتحريفه.
نريد أن نتطرق بعد ذلك إلى الربا في شريعة الإسلام وفي الشرائع السابقة، ما معناه؟ وما حقيقته؟ وما تعرفه الربا؟ له أقسام وأنواع. أول أنواعه وأعظمها خطرًا ربا الجاهلية، وهو الربا في الدين عند حلول أجله. والعلماء عمومًا، الفقهاء لهم تقسيمات شكلية في أشكال الربا؛ هناك معانٍ للربا متفق عليها، بمعنى الأقسام العامة للربا، أنه ثمة ربا في الديون وثمة ربا في البيوع، هذه متفق عليها، وإن كان أشكال التقسيم بعضهم يجعلها قسمين وبعضهم يجعل القسم الثاني ينقسم إلى قسمين، وبعضهم يجعلها ثلاثة أقسام سوية، هذه تقسيمات مختلفة في الأشكال والأنواع، لكن الحقائق العامة والقواعد العامة في باب الربا يكاد يكون متفقًا عليها بين الأمة. وإن كان ثمة خلاف في بعض الأموال الربوية أو علتها أو أحكامها أو بعض أحكام التقابض، لكن الحقائق العامة متفق عليها. فأعظم أنواع الربا وأشدها خطرًا ربا الجاهلية، وهو أحد أقسام ربا الديون.
كتقسيم، نذكر بعض التقسيمات التي يذكرها أهل العلم؛ يقسمون الربا إلى قسمين: ربا الديون وربا البيوع. ثم ربا الديون يقسمونه إلى قسمين، فيقولون: ربا الديون عند حلول الآجال وهو ربا الجاهلية، وربا القروض وهو الربا في الديون عند ابتداء الدين، واصطلح أهل العلم على تسميته بربا القروض.
النوع الثاني ربا البيوع، ويقسمونه إلى قسمين: ربا الفضل وربا النسيئة. هذا مثال لربا الفضل في البيع، وربا النسيئة في البيع. هذه أمثلة للتقسيمات، وبعضهم يقسم إلى ربا النسيئة وربا الفضل، ويدرج ضمن ربا النسيئة مثلا ربا الجاهلية وهو ربا الديون عند حلول آجالها، وربا القروض وهو ربا الديون عند ابتداء آجال الديون، وربا البيوع النسيئة؛ هذا يجعلونه قسماً واحداً تحت مسمى ربا النسيئة، ثم يجعلون قسيماً لها ربا الفضل.
هذا مثال آخر لتقسيمات أخرى، فبعضهم ربما جعل هذه الأربعة أقسام شكل ثلاثة منها في قسم وواحد في قسم، وربما جعل بعضهم اثنين في قسم واثنين في قسم. هذه كلها تقسيمات، المهم أن نتعرف على الحقائق على المعاني، وأما التقسيم والتنويع فلا بأس به إن شاء الله تعالى.
فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل.
علمك الأزهار في البستان؛ هل كان أجدادنا يتخيلون أن يرسلوا رسالة من المشرق إلى المغرب في لمح البصر؟ هل كان أسلافنا يتصورون أن يلتقوا بالعلماء في أقصى الأرض دون أن يرحلوا إليهم؟ إنها التقنية الحديثة، باستخدامها في طلب العلم ميزات منها: سرعة ويسر الوصول إلى المعلومة، وضخامة المعلومات وتنوعها، والتواصل مع العلماء حيثما كانوا.
ومن ميزاتها الكبيرة تيسير طلب العلم على المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة، فلا غنى لطالب العلم عن الحاسوب بما عليه من مكتبات ضخمة، حيث يمكنه البحث في آلاف الكتب في ثوانٍ معدودة، لكن عليه الحذر من التصحيف والتحريف. ولا غنى له عن استخدام الإنترنت في أبحاثه، لكن عليه أن يوثق المعلومات من المصادر المتخصصة ولا يكتفي بالمنتديات ونحوها.
والتعليم عن بعد من خلال الإنترنت يسر طلب العلم للمشغولين بالوظائف والأعمال خاصة، والأجهزة اللوحية بتطبيقاتها وبرامجها سهلت التعلم، حيث إنها في كف طالب العلم حيثما حل وارتحل. وكذلك الفضائيات، لا سيما العلمية المتخصصة، سهلت الطلب العلمي في البيوت، فهي من أنسب الوسائل التعليمية للنساء، فلتستفد بميزات التقنية ولتحذر من شرها.
قال النبي ﷺ: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطى، ومن يتق الشر يوق».
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن أقسام الربا وأنواعه. وقلنا إن تقسيمات أهل العلم للربا متفاوتة، لنصطلح على أحد هذه التقسيمات وهو تقسيمه إلى ربا الديون، ثم ربا الديون ينقسم إلى ربا الجاهلية وهو الربا في الديون عند حلول آجالها، ثم النوع الثاني من ربا الديون هو ربا القروض وهو الربا في الديون عند ابتداء آجالها.
أول الأنواع الذي نرغب في الحديث عنه هو ربا الجاهلية، وهو يسمى بعدد من الأسماء؛ يسميه بعض أهل العلم ربا الديون، وبعضهم يسميه ربا نسيئة، وبعضهم يسميه ربا الجاهلية أو ربا الدين عند حلول الأجل. ما صورة هذا الربا؟ صورة هذا الربا أن يكون ثمة مدين لشخص آخر، يكون هذا الدين قد نشأ بسبب قرض، أو بسبب بيع، أو بسبب إجارة، أو بسبب أي سبب، أو بسبب دية أو غرامة أو أياً كان ثبت على إنسان دين.
طبعاً نحن لا نتكلم الآن عن طريقة ثبوت هذا الدين، إن هذا الدين نشأ بطريق شرعي، نحن نتكلم عن مثلاً قرض؛ أقرض شخص إنساناً مئة وقال له سددني مئة، هذا لاحظ أنه ثبت بطريق شرعي. أو ثبت ببيع، مثلاً أن يقول إنسان بعتك هذه السيارة بعشرة آلاف تحل بعد سنة، تلاحظوا أن الدين هذا ثبت بطريق شرعي. وقد يكون هذا الدين ثبت كذلك بطريق غير شرعي، مثلاً أن يقرض إنسان شخصاً مئة من مئة وعشرة، هذا الآن دين انتبهت عليه بطريق غير شرعي.
فالآن ما هو ربا الجاهلية؟ ربا الجاهلية أن الدين عند حلول أجله يأتي الدائن للمدين فيقول: أوفني الدين الذي لي، قد أقرضتك أو قد بعتك أو أياً كان، يقول: أوفِ الدين الذي عليك. فيقول: ما عندي وفاء، فيقول: إذاً أؤجله بزيادة عليك. أن يأتي الدائن للمدين فيقول له: هل عندك وفاء؟ قال: لا، قال: ما عندي وفاء؟ قال: إذاً أؤجله بزيادة.
إذا كان الدين مئة، يقول: أنا أؤجله، أو مئة وعشرة، أو مئة وعشرين، أو ثلاثين، أو مئتين، يقول: أنا أؤجل الآن، لك كم تبغى التأجيل؟ قال: أبغى تأجيلاً مثلاً سنة، يقول: خلاص، إذاً أنا نؤجل لك سنة، لكن لا أؤجل لك سنة بمئة، بل سنة بمئة وخمسين. طيب، إذا جاءت السنة الثانية قال: عندك وفاء؟ قال: ما عندي وفاء، يعني إذا نؤجل لك سنة أخرى بمئة وتسعين أو مئتين أو مئتين وخمسين وهكذا. فينشأ الدين صغيراً ثم ما يلبث أن يكبر.
لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130]. يضاعف هذا الدين ويزيد شيئاً فشيئاً، لاحظتم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130]. يتضاعف هذا الدين في ذمة المدين بسبب عدم قدرته على الوفاء في أي مرحلة من هذه المراحل.
هذا هو ربا الجاهلية، هذا الربا الذي كان معروفاً عندهم في الجاهلية. وقد قال النبي ﷺ: «ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع»، وقال: «وربا الجاهلية تحت قدمي موضوع». إذاً ربا الجاهلية وضعه النبي ﷺ. ما معنى ربا الجاهلية أو مصطلح ربا الجاهلية؟ ما هو؟ أن يأتي الدائن للمدين عند حلول أجل فيقول له: تقضي أم تربي؟ تقضي أم تربي؟ فإن كان عنده قضاء ووفاء قال: هات القضاء. وإن لم يكن عنده قضاء ووفاء قال: عجّل بزيادة.
نفس الفكرة؛ لو جاء المدين للدائن فقال له: زدني في الأجل أزيدك في الدين، لو جاء المدين وقال: يا أخي ترى أنا ما عندي وفاء، زدني في الأجل، أجلني سنة وأنا أزيدك في الدين، هذا كذلك صورة من صور الربا. طبعاً اعترض الجاهليون المشركون على تحريم هذه الصورة، وقالوا إنهم لو اتفقوا في البيع الأول عند ابتداء الأجل على أن البيع مؤجل إلى سنتين لكان هذا مباحاً. ما هي صورة اعتراض الجاهلين؟ يقولون مثلاً: نفترض أن هذا القلم باعه شخص بعشرة إلى سنة، ثم كان لو باعه إلى سنتين سيبيعه بعشرين فرضاً، ولكن اتفق هو والمدين أن يبيع إلى سنة بعشرة، فلما جاءت السنة قال المدين: ما عندي وفاء، فاتفقوا على تأجيله سنة بعشرين. أهل الجاهلية قالوا إن هذا الربا الذي هو تأجيل المدين الذي ليس عنده وفاء.
كونه ما يدري على الوفاة، وأجّله إلى سنة بعشرة إضافية، هذه الزيادة هذي مثل الزيادة في الأول لما لو اتفقوا على أنه يكون سنتين بعشرين، أو مثل الزيادة في السنة الأولى لما زاد عشرة. يقولون إن هذه الزيادة الثانية مثل الزيادة الأولى، مثل ما لو اتفقوا عليها في أول العقد.
فالله سبحانه وتعالى بين أن الله جل جلاله قد أحل البيع وحرم الربا. في واقع الأمر هناك فروق ظاهرة بين الزيادة على المدين عند حلول الأجل، وبين الاتفاق على سعر محدد في بداية الأمر. من هذه الفروق أن المدين المعسر الذي لا يقدر على الوفاء عند حلول الأجل يكون محتاجًا، فالمضاعفة عليه نوع من الإضرار به ونوع من مفاقمة مشكلته.
الأمر الثاني أو الثالث أن إرادته منقوصة في هذا الوقت، الآن ليس عنده أي خيار إلا أن يطلب من دائنة التأجيل؛ لأنه لما أعسر وصار معسرًا في نهاية هذه المدة لا أحد سيقرضه، صارت إرادته وقوته التفاوضية والتعاقدية منقوصة في هذا المقام، بخلاف الأمر عند ابتداء المدة.
الآن من الفروق كذلك أنه مدين لهذا الشخص، بخلاف إذا كان عند ابتداء المدة، فمن حق هذا المستدين قبل أن يأخذ دينه أن يرفض إذا كان السعر غاليًا عليه مثلاً، ومن حق الدائن أن يرفض إذا كان السعر غير مناسبًا له، فأرادتهما مكتملة عند ابتداء العقد وهما طرفان متكافئان. لكن عند حلول الأجل وعدم قدرة المدين على السداد والوفاء، فأرادته منقوصة ولا يستطيع إلا أن يذعن لما يفرضه عليه الدائن.
إذًا هناك في واقع الأمر فروق كثيرة، ولكن هذا نوع من مكابرة المشركين ومجادلتهم بالباطل، قالوا: «إنما البيع مثل الربا»، يعني إن الزيادة عند ابتداء العقد في أول الأمر هي مثل الزيادة التي يزيدها الدائن على المدين عند حلول الأجل وإعطائه مزيدًا من المهلة مقابل ثمن. في واقع الأمر هذه ليست من جنس واحد؛ هذه الزيادة تفاقم مشكلته وتضره وتظلمه، هذه زيادة على شخص في واقع عسرة وإرادته منقوصة، هذا فيه إشكال.
فلذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ ۖ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275].
الآن قال الله سبحانه وتعالى في آخر الآيات: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، يعني لابد من إنظاره مجانًا. قولوا: أنظر مجانًا. إذا المدين صار عنده قدرة واستطاع أن يوفي فهذا واجب عليه ويجب عليه أن يوفي. إن أراد أن يحسن بدون شرط عليه مقابل هذا الإنذار، أراد أن يحسن للدائن كما أحسن الدائن إليه فلا مانع، لكن إلزامه بهذا بشرط عليه نوع من أنواع الربا.
إذا لاحظوا الآن الشريعة أعطت هذا المدين الفرصة لرد إحسان الدائن دون شرط، حفظًا له وحقًا عليه، حتى لا يظن من نفسه القدرة على الوفاء فيزيد الدين؛ فإن لم يستطع وفاءً فإنه يزيد عليه الدين، فإن لم يستوفَ فنزيده. لكن نحن نقول: لا يحق ولا يجوز لأحد من العاقدين، الدائن والمدين، أن يزيد الدين على المدين، أن يشترط عليه الزيادة إذا لم يجد وفاءً، ولكن هذا المدين إن أراد أن يحسن دون شرط عليه فإن هذا الأمر جائز، والله تعالى أعلم.
نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي