دخولتسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي؛ أكاديمية زاد، الفقه الميسر بالشرع دون تعصب لفلان، كالأزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم فقهنا في الدين، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا رب العالمين.

أما بعد، إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الخامس والثلاثون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه الأكاديمية، وأن يجعل هذه الدروس علماً نافعاً في حق قائلها وسامعها وفي حق ناشرها ومن ساهم فيها.

إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في عدد من اللقاءات الماضية عن باب الأيمان والنذور، وذكرنا أنها من جملة العقود التي يجب على المسلم أن يوفي بها، وهذا حكم في الجملة. نريد أن ننتقل اليوم إلى باب آخر من أبواب الفقه، وهو باب مهم يمس حياة كل مسلم ومسلمة، ألا وهو الأطعمة.

الأطعمة هي ما يدخل جوف الإنسان، ما تقوم به حياته، ما يقوم به بدنه وحركته ومعاشه. الطعام جعله الله سبحانه وتعالى وأودعه في الأرض، ومن الله سبحانه وتعالى على عباده بهذه النعمة العظيمة التي أودع خزائنها سبحانه وتعالى في هذه الأرض، وأمرهم الله سبحانه وتعالى بأن يأكلوا مما جعله لهم في الأرض وأن يعبدوا الله سبحانه وتعالى ويشكروه على نعمته: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: 114].

كذلك قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۖ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32]. في الحياة الدنيا هذه الطيبات يأكلها المؤمن والكافر، ولكنها خالصة للذين آمنوا يوم القيامة.

إخواني، إن هذه المنة العظيمة بأن جعل الله سبحانه وتعالى وأودع في هذه الأرض هذه الطيبات التي نأكل منها، وتنوع المطاعم والمشارب، منة عظيمة تستوجب منا شكراً لله سبحانه وتعالى قولاً وفعلاً. وقد جاء في الحديث الشريف: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمده عليها». يحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة أن يسرها له، يحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة أن جعلها مستساغة له، يحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة أن جعل بدنه ينتفع منها، يحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة أن بدنه يخرج منه ما لم ينتفع به.

لو تأملنا في هذه النعم، نعم عظيمة، لكن كون الإنسان ليأكل وهو غافل عن شكر الله جل جلاله، هذا لا شك أنه حال الغافلين الكافرين بنعمة الله. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا أَكَلَتِ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [المؤمنون: 71]. بل ربما كانت الأنعام خيراً منهم -والعياذ بالله- لأنهم غافلون، يأكلون ويتمتعون ويلهون وهم سادرون، نائمون غافلون عن الحق الذي أوجبه الله سبحانه وتعالى عليهم.

حق هذه النعمة عليك هو عبادة الله جل جلاله؛ هذا الحق الذي وجب عليك بهذه النعمة التي وجدتها، وهذا الطعام الذي طعمته، وهذا الأكل الذي أكلته. وشكر الله جل جلاله يكون بطاعة الله، ويكون بالثناء على الله وحمده سبحانه وتعالى قولاً وفعلاً، وعبادة الله فعلاً، والثناء على الله قولاً، وأن يقوم اعتقاد القلب بالقلب؛ هذا الاعتقاد أن هذه النعمة من الله: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].

كل نعمة يعيشها المسلم يجب عليه أن يقيم في قلبه هذا الشكر لله سبحانه وتعالى. لكن إذا قام بالقلب الاعتقاد بأنه هو الذي جلب هذه النعمة لنفسه وليس الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطاه، فهذا شكل من كفران بنعمة الله سبحانه وتعالى، أن يظن أن هذا الأكل الذي يأكله هو بسبب عرقه وعمله. هذا حال حال قارون، إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: 76]. إذ قال له قومه: «لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين». قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]. قال أي قارون؟ قال: «إنما أوتيته على علم عندي»، نسب الفضل لنفسه ونفى الفضل عن الله جل جلالة. ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: 78].

إخواني وأخواتي، إن قيام هذا الاعتقاد بالقلب أن يعتقد المسلم أن الله سبحانه وتعالى هو المنعم المتفضل، وأن في قدرة الله جل جلالة أن يزيل هذه النعم، وهذا ليس على الله بعسير، بل هو والله من أيسر شيء عليه جل جلاله، ولكن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده رؤوف بعباده؛ الشر إلى عباده صاعد ورحمته سبحانه وتعالى إليهم نازلة. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: 30]. لو كان هذا الماء الزلال الطيب، أبعده الله في الأرض كيف نصل إليه؟

أرأيتم هذا المطر والغيث والرحمة التي ينزلها الله جل جلاله على عباده من السماء، لو منعها الله جل جلاله؛ هل تظنون أن البشرية سوف تستمر؟ لو أن الله سبحانه وتعالى أوقف هذا القطر من السماء، أوقف هذه الرحمة النازلة من السماء، توقفت الأنهار وتوقف هذا الغيث الذي ينزل على العباد، كيف تنبت النباتات؟ كيف ستعيش الحيوانات؟ ربما تبقى الحياة على الأرض شهراً أو شهرين ثم تنقطع؛ لأنه لا معاش للحيوانات إلا بالنبات، ولا معاش للنبات إلا بالماء، ولا وجود للماء إلا بأن ينزل الماء العذب الزلال الذي ينبت النبات ويسقي الحيوان، إما أن ينزل من السماء أو يخرج من الأرض.

معادلة بسيطة وسهلة، لكن العباد عنها غافلون، يظنون أنهم بقدرتهم سيستطيعون إنزال الغيث من السماء. كلا، الله سبحانه وتعالى ينزل كل شيء بقدر، وإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يعاقب عباده وأن يقحطهم عن الغيث ما ذلك على الله بعزيز، بل هو من أيسر شيء عليه سبحانه وتعالى. وقد أوكل بالأرزاق الملك ميكائيل عليه السلام، أو كلف الله جل جلاله أن ينزل بامر الله جل جلاله وباذن الله هذا الغيث، فيصب على الناس فتفتح للناس أرزاقهم ومعايشهم. هذا القطر من السماء الذي ينزل أساس الطعام أساس الوجود البشري والحياة البشرية، لا حياة للحيوان ولا للنبات إلا بهذا الماء العذب الزلال الذي ينزله الله جل جلاله فتمتلئ به الآبار.

وتجري به الأنهار، وتستودع به الأرض هذه المياه العذبة التي يستخرجها الإنسان. إخواني الكرام، إننا إذا عرفنا نعمة الله جل جلاله، كان الواجب علينا حينئذ أن نشكره، وأن نعظمه، وأن نذل له، وأن نعبده سبحانه وتعالى العبادة التي تليق به.

فارق كبير بين من يسافر لنزهة سياحية أو لمشاهدة مباراة، وبين من يسافر لطلب العلم؛ فالرحلة لطلب العلم موصلة إلى سعادة الأبد. قال النبي ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». وبالرحلة يلقى الطالب العلماء، وينوع المشايخ، ويقارن بين الأهل والأوجه، ويجدد نشاطه ويزيد خبراته.

قال الشعبي: «لو أن رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه، رأيت أن سفره لا يضيع». وهل من شيء أشرف من العلم يرحل في طلبه؟ وقد رحل موسى عليه السلام في ذلك رحلة شاقة، قال تعالى: ﴿قَالَ سَأَبْغِي مَزَاجًا حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60]. ورحل الصحابة والعلماء من بعدهم في طلب العلم المسافات، حتى سافر بعضهم شهرًا في طلب حديث واحد، وقطع بعضهم في طلبه أكثر من خمسة آلاف كيلو سيرا على قدميه. فإن عجزت عن الرحلة في طلب العلم، فلا أقل من التعلم عبر الشبكات والشاشات. قال النبي ﷺ: «سددوا وقاربوا»، والقصد القصد تبلغ. بشرى لنا زاد أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الأطعمة من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده وتيسيره عليهم. إن الله سبحانه وتعالى أباح لهم هذه الطيبات من الرزق يأكلون منها. فالأصل فيما وجد في هذه الأرض أن الله سبحانه وتعالى خلقه للناس ينتفعون منه وبه، إلا ما حرمه الله سبحانه وتعالى. وتحريم الله جل جلاله على عباده إنما يعود لصالحهم في الدنيا والآخرة، وهو سبحانه وتعالى الغني في تشريعه الحكيم في أمره ونهيه، والغني عن عباده سبحانه وتعالى.

الله سبحانه وتعالى أباح لعباده الطيبات من الرزق، كل ما في هذه الأرض الأصل فيه الإباحة. هذه قاعدة عظيمة وجليلة، فلو قال لنا قائل: ما هو الدليل على إباحة الشاي مثلا أو القهوة مثلا؟ نقول: ليس هذا السؤال سؤالًا صحيحًا، بل نقول: الأصل في الأشياء الإباحة، والمانع من هذا الشيء عليه أن يأتي بالدليل على منعه. المانع من شيء المحرم له عليه أن يأتي، إذاً لا نحتاج إلى دليل لإباحة التفاح والبرتقال والموز والطماطم والخضروات والخيار والبطاطس؛ كل هذه الأشياء أباحها الله جل جلاله. كل هذه النباتات، كل هذه الطيبات من الرزق أباحها الله جل جلاله، وما حرمه ومنعه معدود ومحصور ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، أو ذكره النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه مبلغا عن الله جل جلاله.

هذه هي القاعدة، أو الأصل في الطعام والشراب والتداوي كذلك. هذا الأصل في الأطعمة والأشربة والتداوي والانتفاع بالأشياء كالأثاث أو غيرها من الزينة، الأصل فيها الإباحة إلا ما حرمه الله أو حرمه رسوله ﷺ، فإنه حينئذ يلتزم هذا التحريم. إذا أردنا أن ننظر نظرًا فقهيًا في هذه الأطعمة، فما الذي يتجه إليه نظرنا؟ نقول: ينبغي أن يتجه نظرنا إلى قواعد التحريم في هذه الأطعمة حتى نتحاشى المحرمات.

لاحظتم كما ذكرنا نحن من قبل لبداية هذا المستوى عن المعاملات المالية، البيوع والشراء والإجارة وغيرها من العقود الأصل فيها الحل والإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه. لذلك عند نظرنا نحن في قواعد المعاملات، ونظرنا في قواعد الأطعمة، نقول إننا ننظر نظرًا إلى القواعد التحريمية التي تستثنى من أصل الإباحة العامة. هذا ذكرناه في قاعدة في المعاملات، ونذكر كذلك هنا في قاعدة عظيمة.

ما هي قواعد التحريم في الأطعمة؟ من أهم قواعد التحريم ألا يكون هذا الطعام مضرًا بالبدن، فإن الله سبحانه وتعالى حرم الإضرار بالبدن: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]. من أمثلة هذه الأشياء المضرة بالبدن مثلا السم، يحرم على الإنسان أن يتناولها بأنواعها وأشكالها، أو ما كان فيه ضرر بالأذن مثلاً يشل عضوًا من أعضائه أو يتلف عضوًا من أعضائه أو غير ذلك؛ كل ما فيه ضرر بالبدن فإن الله سبحانه وتعالى حرمه حفظًا لهذا البدن.

هذه قاعدة من قواعد التحريم. من قواعد التحريم كذلك ألا يكون أكل الطعام على وجه الإسراف والمخيلة. الإسراف في الطعام محرم، ولا يجوز للإنسان الإسراف في الطعام، فإن هذا الإسراف أولًا نوع من كفران هذه النعمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها على العبد: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 26-27].

كون الإنسان يقتصر في النعمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها على حاجته وعلى قدره، لا شك أن هذا من تمام شكر الله على هذه النعمة، ومن تمام العبودية لله سبحانه وتعالى. كل إنسان يأخذ هذا الطعام يأكل منه قدر الذي يحتاج إليه بدنه، ثم بعد ذلك يرمي بالباقي من الطعام في القمامة أو في غيرها، أو إنه يسرف في هذا الطعام إسرافًا مبالغًا فيه، وهذا بالحقيقة للأسف -أوصي نفسي وإخواني جميعًا وأخواتي جميعًا- أن نبتعد عن مظاهر الإسراف في الطعام.

والله أيها الإخوة والأخوات، أم من قوم أسرفوا في نعم الله ثم بعد ذلك أصبحوا يتمنون فتات هذه النعم، عاقبهم الله سبحانه وتعالى بزوال هذه النعم عنهم. لقد كان لسبأ في مسكنهم آية، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ سَبْلِهِمْ سَدًّا وَعَلَىٰ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ يَسَارِهِمْ ۖ وَغَشَّيْنَاهُمْ بِنِعْمَةٍ ۖ قَالُوا رَبَّنَا أَتْعَمْتَنَا هَٰذَا الْحَوْلَ وَالْحَوْلَ الَّذِي قَبْلَهُ ۖ وَأَخْلَدْتَنَا فِي الْمَتَاعِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ ۚ سُبْحَانَكَ فَبِالْعَدْلِ أَصْبَتْنَا وَأَصْبَبْتَ عَلَيْنَا ۖ قَالَ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنَا عَلَى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: 15-17].

عافانا الله وإياكم من كفران النعم، عافانا الله وإياكم من الكفر بالله، عافانا الله وإياكم من أن لا نقوم بحقوق الله جل جلاله في هذه النعم. إخواني وأخواتي، هذا حقيقة حكاه الله لنا في القرآن وشاهده الناس؛ والله لقد شاهد الناس من كان فردًا أو أسرة أو عائلة أو بلدًا أو طائفة أو قومًا كانوا مبذرين في هذه النعم، مسرفين فيها، غير قائمين بحقوق الله جل جلاله فيها، فبدل الله أحوالهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. هذه وصية لكل من أنعم الله عليه نعمة، فردًا أو أسرة أو طائفة أو قومًا أو مدينة أو بلدًا أو دولة أو غير ذلك، أن ينعم الله عليهم بنعمة أن يقوموا.

بحق الله جل جلاله في شكر هذه النعمة، فإن من لم يشكر الله فإن الله قد هدده بزوالها، ومن شكر الله في هذه النعمة فإن الله سبحانه وتعالى قد وعده المزيد من فضله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]. ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34].

فالشاهد إخواني وأخواتي هو أن لا نبذر وإلا نسرف في هذه النعم. للأسف حقيقة، إن من المظاهر الموجودة في بعض البلدان أنهم اتخذوا الطعام -وهو بصدد حديثنا الآن عن الطعام- إلا أن هذه الآفة موجودة في الطعام وفي اللباس والشراب وفي غيرها. للأسف بعض البلدان اتخذوا هذا الطعام نوعًا من أنواع السرف والخيلاء؛ تجد أن هذا الشخص يذبح عشرات النعاج لأجل ذلك، وهذه الحقيقة نوع من كفران هذه النعم ونوع من السرف والخيلاء الذي يكرهه الله جل جلاله.

فاصل قصير ثم نعود إليكم بعد هذا الفاصل.

من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشًا ضعيفًا: جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها؛ فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة أبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة.

فبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم وألا يمنعها الحياء من ذلك، فإنه لا حياء في طلب العلم. كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين». بشرى لنا، زادنا كآبية بالعلم كالآزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الأطعمة. ذكرنا أن الأصل في الأطعمة الحل والإباحة إلا ما حرمه الله جل جلاله، ثم بعد ذلك استعرضنا بعض قواعد التحريم. الله سبحانه وتعالى قد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه، إذ الأصل هو الإباحة، والحرام مفصل ومبين برحمة الله سبحانه وتعالى وفضله، وهذا من توسعة الله سبحانه وتعالى على عباده.

من قواعد التحريم: الإضرار بالبدن أو بجزء من البدن. وكذلك من قواعد التحريم السرف والخيلاء في الطعام والتبذير بالطعام. كذلك من قواعد التحريم ما كان مسكرًا؛ فإن الله سبحانه وتعالى قد حرم على عباده المسكرات، وجاء هذا التحريم في عدد من آيات القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَن الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 90-91].

حرم الله سبحانه وتعالى الخمر، وهذا التحريم كان بالمدينة بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بسنين وبعد مهاجرته صلوات الله وسلامه عليه إلى المدينة. ولم تحرم الخمر في أول الإسلام، بل كانت من عادات العرب أنهم كانوا يتعاطون الخمر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وطائفة من الصحابة لم يشربوا الخمر في جاهلية ولا في إسلام، قبل بعثته ولا بعد بعثته صلوات الله وسلامه عليه، ما شربها صلى الله عليه وسلم ولا طائفة من أصحابه.

وكذلك كان بعض حكماء العرب وعقلائهم يجتنبونها؛ لأن الخمر فيها لذة ونشوة تذهب بشيء من العقل وتسكره، مما يعيق الإنسان بسبب هذه النشوة التي يشعر بها، فكان فيها نوع من توالي عقله مع نشوة هذا. حرمه الله سبحانه وتعالى كما ذكر في هذه الآية الكريمة، وأخبر أن من حكم تحريمه ما يوقعه من العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة.

وقد جاء تحريمها في الإسلام على مراحل؛ ففي أول الإسلام لم تُحرم، وإنما جاء بعد ذلك التحريم في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]. وهذا التحريم أخذ منه أهل العلم أن التحريم كان أولًا في حرم الصلاة، يعني قبل الصلاة لا يجوز للإنسان أن يدخل الصلاة وهو سكران؛ لأجل حرمة عبودية الله وطاعته، ثم بعد ذلك حرمها الله جل جلاله تحريمًا قاطعًا كما في الآية التي ذكرناها في سورة المائدة.

إذن المسكرات بشتى أنواعها والمخدرات بشتى أنواعها، سواء كان منها ما ظهر أو ما سيظهر، كلها محرمة وفقًا لهذه القاعدة. فقد جاء الحديث بأن: «كل مسكر خمر، وما أسكر كثيره فقليله حرام». أي إنما كان مسكرًا بقدر معين، فلو افترضنا أنه مسكر بقدر الكأس، فنقول القليل منه كذلك محرم، وهذه قاعدة نبوية شريفة بينت لنا قاعدة التحريم.

كذلك من أنواع المحرمات قواعد التحريم: لحم الخنزير؛ فإن الله سبحانه وتعالى قد حرمه على عباده: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فُسُوقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145]. سنأتي بهذه القواعد، إذاً لحم الخنزير حرمه الله سبحانه وتعالى على عباده، ولحم الخنزير فيه حقيقة من الآفات التي على الإنسان في دينه وربما كانت في بدنه.

وكذلك من قواعد التحريم: «أو فسوقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ»، فإنما ذبح لغير الله لا يجوز للإنسان أن يأكله؛ ما ذبح باسم المسيح مثلاً، أو ما ذبح باسم الوثن الفلاني أو الصنم الفلاني، فإنه لا يجوز أن يؤكل منه.

كذلك من قواعد التحريم في الأطعمة أن يكون هذا الطعام ميتة؛ والميتة هو ما مات حتف أنفه ولم يذكر اسم الله سبحانه وتعالى عليه، أو في حكمه ما لم يُذكى الذكاة الشرعية التي أباح الله سبحانه وتعالى بها ذبائح الحيوان. فإن الله سبحانه وتعالى قد أمر عباده أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه من الحيوان، ونهى عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121].

كما جاء في سورة الأنعام، إذاً من قواعد التحريم أن يكون ميتة؛ فلو وجد الإنسان مثلاً شاة أو بقرة قد ماتت حتف أنفها دون أن تُذكى الذكاة الشرعية، فإنه لا يجوز للإنسان أن يطعمه، وكذلك ما ذُكي دون استيفاء شروط الذكاة الشرعية؛ كأن يذبحه مثلاً كافر لا يؤمن بالله، فهذا لا يعد مذكى ذكاة شرعية تبيح أكله للمسلم، أو ذبح بدون أن يذكر عليه اسم الله.

فهذا كذلك لا يحل للمسلم أن يأكله؛ لأن هذه كلها من قواعد التحريم، إلا أن الله سبحانه وتعالى في هذه المحرمات قد خفف عن عباده حال الضرورة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119].

فإن الله سبحانه وتعالى برحمته قد أباح تناول الميتة مثلا عند الضرورة؛ إذا كان الإنسان مثلا في سفر أو في انقطاع من الطريق ولم يجد شيئًا يأكله، أو كان في حصار في مكان أو شيء من هذا، فإنه إذا لم يجد طعامًا مباحًا يطعمه، فإن الله سبحانه وتعالى تخفيفًا عن عباده قد أباح لهم أن يأكلوا شيئًا مما حرم عليهم ليقيموا به أبدانهم، فيأخذوا منه قدر كفايتهم وقدر حاجتهم حتى يتبلغوا به إلى الطعام المباح الذي أباحه الله جل جلاله.

هذه بعض قواعد التحريم في الأطعمة وفي الأشربة وفي الأدوية كذلك، فالله سبحانه وتعالى لم يجعل الشفاء فيما حرمه الله سبحانه وتعالى على عباده؛ لذلك الخمر لا يستشفى بها، الخمر لا يجوز الاستشفاء بها، كذلك لحم الخنزير، كذلك الميتات لا يجوز أن يؤخذ منها ما يكون دواء، الميتة أو الخنزير أو غيرها؛ هذه إذاً قواعد عامة.

تحريم الأطعمة سوف نأخذ إن شاء الله تعالى في لقائنا القادم عددًا من التفصيلات المتعلقة بالأطعمة النباتية والأطعمة الحيوانية، وما يحل من هذه الحيوانات وما يحرم من هذه الحيوانات. أكثر الحيوانات التي يأكلها الناس هي الأنعام التي أباحها الله سبحانه وتعالى، ثمانية أزواج: من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، والبقر اثنين. هذه الأنعام التي سخرها الله سبحانه وتعالى لعباده، هي أكثر طعام الناس اليوم.

يبقى عندنا بعض الأشياء أو التفصيلات في غيرها من الحيوانات أحكامها الشرعية، سنتطرق لها إن شاء الله تعالى بتفصيل في لقائنا القادم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يأكل الحلال الطيب ويمتنع عن الحرام الخبيث. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلًا نواله، ميسرًا يأتيك ميسورًا بأي مكان؛ زادٌ ينبوعها صافٍ، اليوم غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملًا بالشرع دون تعصب.