دخولتسجيل الدخول

يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي: أكاديمية زاد. الفقه الميسر، عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا، زادنا كاذبين بالعلم كالازهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا يا رب العالمين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

أما بعد، إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس التاسع والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها وناشرها، وأن يجعلنا جميعًا من المتعاونين فيها على الخير والبر والتقوى، وأن يجعل ما فيها من علم حجة لنا لا حجة علينا.

إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في عدد من الدروس السابقة عن النكاح وأحكامه وشروطه وآدابه، ثم محرماته المرتبطة بأشخاص الزوج والزوجة والمرتبطة بصفة النكاح. ننتقل الآن إلى موضوع آخر، ألا وهو موضوع الطلاق.

الطلاق لغة من الإطلاق، أي التسريح والتخلية؛ فإن الإنسان إذا أطلق شيئًا أي كأنه قد خلاه وسرحه، وهو موافق للمعنى العرفي الشرعي المعروف، ألا وهو حل عقدة النكاح. فإن النكاح كما قد ذكرنا مشتق من الضم والجمع، وعكسه الطلاق المشتق من التسريح والتخلية.

الطلاق هو حل عقدة النكاح أي فكها، وهذا الحل لعقدة النكاح على رتبتين: إما حل لها بشكل جزئي، وهو ما اصطلح أهل العلم على تسميته بالطلاق الرجعي، وإما أن يكون حلاً لعقدة النكاح حلاً تامًا، وهو ما اصطلح أهل العلم على تسميته بالطلاق البائن. وسيأتينا إن شاء الله تعالى تفصيل الطلاق الرجعي والطلاق البائن؛ الطلاق الرجعي هو الطلقة الأولى والثانية، والطلاق البائن هو الطلقة الثالثة.

حكمة مشروعية الطلاق: إن من محاسن دين الإسلام أن شرع الله سبحانه وتعالى فيه الطلاق وأباحه، وإن كان الطلاق مبغوضًا ومكروهًا ولا يقدم عليه الإنسان إلا إن احتاج إليه، إلا أن إباحته وشرعيته من محاسن دين الإسلام.

قد يقول قائل: ما دام أن الطلاق مكروه ومبغوض، فلماذا أباحته الشريعة؟ وهو سؤال سنأتي إن شاء الله تعالى إلى جوابه. إلا أننا قبل أن ندخل في جواب هذا السؤال نقول إن الطلاق مطلب يحبه إبليس، إذ إن من أهم مقاصده التفريق بين الزوجين. وإبليس كما قد جاء في الحديث يجلس على عرشه ويأتي إليه الأبالسة ويفتخرون عنده بما صنعوا، إلا أنه يقرب منهم من فرق بين زوجين، ويقول له: «أنت من فرق بين زوجين»، فإنه يكون قد حقق هدمًا لأسرة، ويكون قد سبب ربما ضياعًا لأولاد أو غير ذلك؛ لذلك فإن الطلاق مبغوض ومكروه إلا إن احتاج إليه.

كما جاء في القرآن الكريم: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [النساء: 129]، فقد يكون أحيانًا مطلوبًا، لكن نحن نقول إن الأصل في حكمه الكراهة إلا إن احتاج إليه، فإنه يكون مباحًا، بل قد يكون مستحبًا إذا كثر الشقاق والنزاع ولم يمكن حله إلا بهذا الطريق. لكن نحن نقول إن الأصل هو اجتماع البيوت ولم الشمل والاجتماع والنكاح؛ تحقيق النكاح تحقيق السكن والمودة والرحمة، هذا هو الأصل في شريعة الإسلام.

يبقى السؤال: لما كان الطلاق مكروهًا ومبغوضًا فلماذا أباحه دين الإسلام؟ ولماذا لم يحرمه ويمنع منه؟ نقول إن من محاسن دين الإسلام تشريع الطلاق وإباحته. تخيلوا لو أن الطلاق كان محرمًا أو ممنوعًا كما هو عند بعض مذاهب النصارى، فإن بعض مذاهب النصارى تمنع الطلاق منعًا تامًا، فإذا وقع الزواج بين رجل وامرأة لم تبح لهم الكنيسة أن يفترقا إلا بعد موتهما. لكن من محاسن دين الإسلام أن أباحت الفرقة كما أباحت عقدة النكاح.

تخيلوا معي لو لم يبح في دين الإسلام مشروعية الطلاق؛ الطلاق أحيانًا قد يكون حلاً لمشكلة موجودة وليست مشكلة مصطنعة، حيث يكثر الشقاق والنزاع بين الرجل والمرأة بسبب راجع إلى طبيعتهما، أو بسبب راجع إلى مشكلة حصلت بينهما، أو إلى قضية من القضايا ولا يمكن حلها. فلو بقيا متزوجين إلى الأبد كما تقرره الكنيسة، لبقيت حياتهما ومعيشتهما ضنكًا، وربما كانت المرأة في هذا أسوأ حالًا من الرجل.

وهناك مفسدة أخرى؛ لو كان الرجل والمرأة يعلمان أن الطلاق ممنوع ومحرم ولا يمكنهما الطلاق بعد ذلك، فهل يمكن أن يتزوجا بعد ذلك بسهولة؟ لا شك أن من أعظم أسباب انتشار السفاح والعياذ بالله والزنا وعدم الإقبال على الزواج في الغرب هو تحريم الكنيسة للطلاق. لذلك صار عند كثير من هؤلاء النصارى في الغرب أنهم يفضلون الاقتران على جهة أن تكون خدينة له وعلى جهة الصداقة لا على جهة الزواج؛ لأنهم يعلمون أن الزواج إذا وقع فلا يمكنهم أن يخرجوا عنه، فلذلك نفر هؤلاء النصارى من الزواج.

بل قد شاهدنا ورأينا وسمعنا عن شخصين يقترنان ببعضهما على جهة الصداقة والعياذ بالله، ويبقيان على هذه الحال فترة طويلة جدًا، ولا يقدمان على الزواج إلا ربما بعد عشرين أو ثلاثين سنة، أو قبل وفاتهما بيسير فيقدمان على الزواج في الكنيسة. هذا لماذا؟ لأن الكنيسة قد حرمت ما أباحه الله من الطلاق بالنكاح، فلذلك أعرض الناس عن النكاح جملة وانصرفوا والعياذ بالله إلى السفاح والزنا والصداقة وغيرها مما حرمه الله جل جلاله.

انظروا كيف كان تشريع شرع في دين الإسلام مفتاحًا لحل كثير من القضايا الاجتماعية والمشكلات التي تحصل في عدد كبير من المجتمعات. لا ينبغي لنا أبدًا أن نستهين بحكم شرعي شرعه الله جل جلاله، بل نعرف أنما شرعه الله والحكمة لبني الإنسان والحكمة للبشرية؛ التي إن قاموا بهذه الشريعة فإنه سوف تصلح أحوالهم، وإن أعرضوا عن هذا الشرع أو هذا التشريع أو قدموا عقولهم وآراءهم وأهواءهم فهو الفساد الذي يبقى عليهم والذي ينكد ويكدر عليهم معايشهم.

أعرض النصارى والغرب والشرق، أعرضوا عن الزواج بسبب يعود إلى منع الطلاق أو بأسباب أخرى، لكن لما أعرضوا عن الزواج ما الذي حصل في حياتهم؟ من المادية والانحراف الشهواني والانحراف الجنسي والعياذ بالله، والانحراف في العلاقات وفي غيرها من انتشار الخيانات وانتشار الاختلاط والتبرج والسفور الذي حرمه الله. كل هذه مفاسد حصلت، ربما لا أقول إنها بسبب منع الطلاق، لكن هذا أحد الأسباب التي أثرت في هذا الأمر وأثرت في إعراض الناس عن النكاح الذي شرعه الله، تضافر مع غيره من الأسباب المادية وأسباب الانحراف والشهوات وغيرها، إلى أن صارت بعض هذه المجتمعات مجتمعات بهيمية تتعامل مع هذه الشهوات تعامل الحيوانات، لا تتعامل كإنسان، ولا تقدس هذه الرابطة الأسرية وهذا النكاح الذي شرعه الله، ولا تتعامل معه إلا كتعامل شهوات الفروج التي تقضى.

بين رجل وامرأة، أو بين امرأة وامرأة، أو بين رجل ورجل، على أي جهة أو على أي طريق، والعياذ بالله؛ انظروا كيف انتكست هذه الفطرة بسبب الإعراض عن شرع الله وعن دين الله.

القرآن الكريم هو أصل الأصول، فمن علم أحكامًا ووفق للعمل بها فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، ونورت في قلبه الحكمة وصار إمامًا في الدين. وقد كان العلماء سلفًا وخلفًا يبدأون طلب العلم بحفظ القرآن. قال ابن عبد البر: «ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالمًا فقيها».

وطالب العلم يحرص على فهم القرآن وتعلم معانيه؛ قال سعيد بن جبير: «من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي». وبالتدبر يستنبط الدقائق والأحكام، ويستطيع تطبيق القرآن على الواقع بشكل صحيح، وبه يحصل الخشوع، قال تعالى: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

لذا ينبغي أن نهتم بمدارسة القرآن في المساجد والمدارس والدور المتخصصة في تحفيظ القرآن وتعليمه، وينبغي أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة في تعلم القرآن وتعليمه من خلال الإنترنت والفضائيات. فاعلم يا طالب العلم أن القرآن الكريم هو رأس مالك وهو أربح التجارات، قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 10]، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].

نعود إليكم ونتابع حديثنا عن الطلاق؛ ذكرنا تعريف الطلاق وحقيقته، وذكرنا شيئًا من الحكم في مشروعيته وإباحته، وإن كان في الأصل مكروهًا أو مبغوضًا إلا أنه مباح في دين الإسلام، شرعه الله سبحانه وتعالى. جاء تفصيل أحكام الطلاق بعدد من الآيات الكريمة في سورة البقرة وفي سورة الطلاق.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 228].

﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۖ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229].

في هذه الآيات الشريفة الكريمة وما يليها من الآيات تذكير للزوجين بمراقبة الله جل جلاله، ونهي من الله جل جلاله أن يعتدي أحد منهما حدود الله: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وقال الله جل جلاله قبلها: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.

بين الله سبحانه وتعالى حكم الطلاق، وأن المرأة تتربص بعد الطلقة ثلاثة قرؤ، وبين أن الطلاق يكون مرتين: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وهو الذي اصطلح أهل العلم على تسميته بالطلاق الرجعي؛ هاتان الطلقتان الأوليان، الطلقة الأولى والثانية فيها الحق للرجل إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، إما أن يمسك بمعروف وإما أن يطلق، أي يسرح ويطلق بإحسان.

لاحظوا قيد "الإمساك بمعروف"؛ هو قيد الطلاق، "تسريح بإحسان" هذه هي زينة الشريعة وحكمتها وجمالها، ليس فيها عدوان ولا ظلم، وإن حصل تصرف وخطأ من بعض الأزواج أو بعض الزوجات فهو عدوان واعتداء على حدود الله، وختم الله الآية الشريفة بقوله: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

ثم بين الله جل جلالة بعض أحكام الطلاق فقال: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 230]. بين الله وأكد حدوده جل جلاله في النكاح وفي الطلاق وفي الرجعة، وفي الرجعة بعد الطلقة الأولى والثانية، وفي الرجوع للمرأة إذا بانت بينونة كبرى بعد الطلقة الثالثة، بين حدوده: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۖ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 231].

حرم الله سبحانه وتعالى إمساك المرأة ضرارًا بعد الطلقة الأولى أو الثانية، ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه. ونهى الله سبحانه وتعالى عن أن تتخذ حدوده وآياته التي شرعها في هذه الآيات لأمر النكاح والطلاق والرجعة وغيرها من حدوده سبحانه وتعالى هزواً، فقال: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 232]. نهي للأولياء عن عضل المرأة وردها: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾.

اقترنت هذه الآيات الشريفة، اقترنت فيها أحكام الطلاق بالموعظة البليغة؛ الموعظة البليغة الموجهة للزوج، والموعظة البالغة الموجهة للزوجة، والموعظة البالغة الموجهة لأولياء الزوجة والنهي عن عضلها. لماذا اقترنت بها هذه المواعظ؟ لأن أحكام الطلاق غالبًا تقع عند عدم الرضا، وعند الاستياء، وعند حصول الشقاق والنزاع بين الرجل والمرأة، أو بين أسرة الرجل وأسرة المرأة، أو بين الرجل والمرأة وأوليائها.

إذا حصل هذا الشقاق والنزاع، هذه الظروف تكون بيئة للخروج عن الحدود الشرعية، وإهمال أوامر الله، والبحث عن الانتقام، والبحث عن تلبية رغبات النفس. فلذلك قطع الله سبحانه وتعالى هذه الرغبات وهذه الانتقامات وهذه الأهواء الشخصية من حب أو بغض أو عداوة أو نزاع أو شقاق، وفرض فيها حدوده جل جلاله، ونبه وذكر وأمر وزجر ونهى عن أن يتعدى أحد حدوده في مثل هذه الأحوال.

لا شك أن أحكام الطلاق في كتاب الله سبحانه وتعالى فيها بيان للحكم وفيها بيان للحكمة، بها اقتران بين الموعظة وبين الشرط والحكم، وبيان محاسن ذلك ومفاسد مخالفته. كذلك جاء في سورة الطلاق قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1].

بهذه الآية في ختامها بيان لحكمة من حكم الطلاق وكون هذا الطلاق طلاقًا رجعيًا: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾. إذا طلق الإنسان امرأته الطلقة الأولى والطلقة الثانية، ربما كانت هذه فرصة للمراجعة ولتصحيح الأوضاع ولتحسينها، لا يدري الإنسان لعل الله سبحانه وتعالى يحدث أمرًا. إذاً هذه بعض الأدلة الدالة على مشروعية الطلاق وكيف طريقة عرض القرآن.

سأعرض أحكام الطلاق في عرضه، شروطه وبيان أحواله، كيف أنها قد اقترنت بالزجر والترغيب والترهيب.

هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: «إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك». ومن أهمية الوقت أقسم الله به في كتابه فقال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: 1]، وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه». والحديث. وإذا أراد الله بالعبد خيرا أعانه بالوقت، وإذا أراد به شرا جعل وقته عليه.

وفي سيرة السلف أروع الأمثلة على استغلال الوقت، فقد كان داود الطائي يسف الفتيت ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. وقال ابن القيم: «أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب وضعه». ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتأخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم وهم في المسامرات، فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

نعود إليكم ونتابع حديثنا معكم عن الطلاق وتعريفه وأحكامه وحكمة مشروعيته. ذكرنا جملة من آيات الطلاق التي جاءت في سورة البقرة، وجاء كذلك شيء من أحكام الطلاق في سورة النساء، وشيء من أحكام الطلاق في سورة الطلاق. إذا تأملنا هذه الآيات وجدنا فيها اقتران الحكم بالحكمة والشروط الشرعية والأنواع الفقهية الشرعية بالموعظة البليغة والزجر والترغيب والترهيب وبيان حدود الله سبحانه وتعالى.

من حكم هذا في القرآن الكريم كذلك أن شأن الطلاق وأسباب الطلاق ودوافع الطلاق بين الزوجين غالبا تكون أمورا خاصة بينهما، لا أحد يطلع عليها. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد ربط كثيرا من أحكام الطلاق والرجعة بإرادة الإصلاح في المشروع، وذكر في الممنوع إرادة الإضرار، وبين الله سبحانه وتعالى وجه الإمساك المشروع ووجه الإمساك الممنوع؛ فقال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228]. انظر كيف علق الحكم بإرادة الإصلاح.

وقال سبحانه وتعالى عن الرجعة الممنوعة: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]. والضرار نوع من أنواع الإمساك الممنوع في الشريعة الإسلامية المخالف لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾؛ فمن لم يمسكها بمعروف وإنما أمسكها مرارا ليعتدي -والعياذ بالله- فكذلك.

إذن هذه الأحكام الشرعية كثير منها ربط بإرادات القلوب. لاحظوا هنا أيها الأخوة والأخوات الأكارم، كثير من أحكام الزواج، كثير من أحكام البيت والأسرة لا يطلع عليها الناس، ولا يمكن أن يؤتى عليه بالشهود. فالرجل يخلو بامرأته في غرفته وعلى فراش واحد، ولا يتأتى لأحدهم أن يستشهد شهودا على الآخر أنه فعل كذا أو قال كذا أو حصل كذا، ولا يمكن لهم أن يأتوا في هذه العلاقات فيما بينهم بالقرائن التي تكون مثلا مثل غيرها في المعاملات المالية التي غالبا تقع بشهود وإشهاد وعقود وغيرها. لا، البيوت كما قد قيل لها أسرارها.

فلذلك كان جل الاعتماد على هذه الأحكام الشرعية وبيانها على موعظة بليغة زاجرة للزوج والزوجة ولأولياء الزوجة وأهلها؛ أن يتقوا الله جل جلاله وأن يراعوا حدوده لكثرة ما يحصل فيها من العدوان وكتمان الحقائق. لذلك كان علاج القرآن بهذه القضية أبلغ علاج للواقع. الأمر من أراد أن يطلق أو من أرادت أن تختلع من زوجها، فإن أهم ما عليهم أن يقرأوا أحكام الطلاق كما جاءت في القرآن الكريم؛ لأن القرآن الكريم عالج هذا الموضوع معالجة أخرى غير معالجة الفقهاء مثلا، الذين يبينون بعض الشروط الشرعية أو بعض الأحكام الشرعية من خلال بعض الكتب أو الفتاوى أو غيرها. القرآن عالجه معالجة بواقع الأمر من زوايا نفسية وقلبية وفقهية واجتماعية.

وقع الطلاق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ووقع من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في السنة الشريفة، وهذا مما يدل على إباحته ومشروعيته، إلا أنه قد جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه مشروع ووجه ممنوع، سوف نبينه إن شاء الله تعالى تفصيلا في درس لاحق؛ فليس الطلاق كله مشروعا.

إنما ثمة أنواع منه محرمة، وهي من اتخاذ آيات الله هزوا، كالطلاق الثلاث بلفظ واحد؛ فإن الله جل جلاله قد جعل الطلاق على مرتين، قال سبحانه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. وبين الله جل جلاله حكمته في ذلك فقال: ﴿لَّا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1]. لذلك فإن جمع الطلاق نوع من مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى. وكذلك قال الله جل جلاله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]. فإن طلاق المرأة في حيض أو في طهر قد جامعها فيه هو طلاق محرم مخالف لما أمر الله جل جلاله به.

هذا نوع من أنواع الطلاق المحرم، غيره من الطلاق إذا تجنب الإنسان هذا النوع المحرم من أنواع الطلاق يكون طلاقا مباحا، إلا أن هذه الإباحة كذلك تتفاوت؛ فمنه طلاق مكروه وهو الطلاق الذي إن ضبط بهذه الضوابط الشرعية إلا أنه لا يحقق مقصود الشارع من اجتماع وسكن ومودة، وصار مفرقا ولا يوجد داع من الدواعي التي تستدعي الفراق. فهذا طلاق مكروه، وهذا هو الأصل في الطلاق.

وهناك طلاق قد يكون مستحبا، كيف يكون هذا الطلاق مستحبا؟ إذا كان بالفعل اجتماع الزوجين صار اجتماعا على شقاق ونزاع أو لا يرضي الله سبحانه وتعالى، وصار فراقهما خير لهما من اجتماعهما لأي سبب من الأسباب، سواء كانت هذه القضية راجعة إلى طبيعتهما أو راجعة إلى ظروف أو إلى أحوال أيا كان، هنا إذا خاف ألا يقيما حدود الله فإنه يشرع لهما حينئذ الطلاق.

هل يكون الطلاق واجبا؟ نقول نعم، الطلاق قد يكون واجبا على الرجل في حالة، وهي حالة الإيلاء؛ والمولي هو الذي يحلف اليمين الذي يحلف ألا يطأ أهله، ففي الشريعة يجعل له أمد أربعة أشهر: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226-227]. لا يجوز للرجل أن يستمر في هذا الحلف وفي هذا اليمين أكثر من أربعة أشهر، لذلك يلزم بالطلاق إذا أراد الاستمرار في هذا الإيلاء، أو يلزم بالرجعة إلى زوجته.

ويكفر عن هذا الإيلاء كما جاء في القرآن الكريم. هذا مثال لوجوب الطلاق، واستحبابه، وكراهته، وتحريمه. وإن كنا قد فرضنا هذه الأحكام التكليفية الخمسة في الطلاق، إلا أننا نقول إن الأصل في الطلاق الإباحة مع الكراهة. هذا الأصل فيه إذا عرض عليه شيء من هذه العوارض، فإنه يكون إما واجبًا، أو مستحبًا، أو مباحًا، أو يكون محرمًا إذا اقترن به أمر من المحرمات الشرعية.

هذا فيما يتعلق بحكم الطلاق باختصار. وسنتطرق إن شاء الله تعالى في دروسنا القادمة لصيغة الطلاق وكيف ينعقد الطلاق، ونتطرق كذلك لأحوال الطلاق وكيف تكون عدة المرأة بعد الطلاق، وما هي العدة، وما هي الطلقة الرجعية؟ وما هي الطلقة البائنة؟ كل هذه أحكام إن شاء الله تعالى سوف نفصلها في درسنا القادم.

نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. لزيادة الإيمان وتريد ميسورًا، صف اليوم غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر، عاملًا بالشرع دون تعصب، للعلم كالأزهار في البستان.