دخولتسجيل الدخول

أدعى شخص على آخر أنه صدم سيارته أو كسر يده وليس عنده بينة، فهل يلزم المدعى عليه شيء إذا أنكر؟ بيمينه. لا يندرج تحت أي قاعدة صحيح، ولكن أريد شيئاً أدق: الأصل براءة الذمة، لا يلزمه، الأصل براءة الذمة.

اختلف الدائن والمدين في قدر الدين؛ قال الدائن: أعطيتك عشرة آلاف، وقال المدين: بل خمسة، وليس عند الدائن بينة، فَالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ؟ قول المدعى عليه صحيح؛ لأنه ينكر الزائد، والأصل براءة الذمة من الزائد.

شك إنسان هل نذر أن يصوم أو لا، فهل يلزمه شيء؟ لا؛ لأن الأصل براءة الذمة.

أدعى صاحب رأس المال على شريكه المضارب فيه، الذي يعمل فيه -أي ضارب معه، الذي يعمل فيه، أي في هذا المال- وجود ربح ولا بينة عنده، وأنكر المضارب، فالقول قول من؟ قول العامل أو صاحب المال؟ ها، أنتم فهمتم المسألة؟ رجل عنده مال، هذه ستدرسونها في أنواع الشركات، شركة المضاربة، يعطي هذا مالاً وذاك الثاني يأخذ المال يشتري به أجهزة وبيبيعها، والربح بينهما بالنصف، رأس المال ألف ريال، ربح ألف ريال، فرأس المال ألف والربح الآن ألف فيقسم بينهما الربح بالنصف، صح؟ يعود رأس المال لصاحب المال، والربح يقسم بينهما خمسون بالمائة خمسون بالمائة.

هكذا الذي حصل أن صاحب المال قال: أنت ربحت، قال هذه المرة أنا لم اربح، قدر الله أني ما ربحت بل خسرت، قال: بل ربحت ولا بد أن تعطيني من الربح ما اتفقنا عليه، قال: لم أربح، اختلف، هل عندك بينة؟ قال: لا بينة، فالقول قول من؟ العامل ولا صاحب المال؟ أحسنتم، العامل.

لماذا؟ لأن -لا أريد قاعدة فقهية، أريد تعلل بقاعدة- لأن الربح أمر عارض، والأصل في الأمور العارضة العدم.

ثبت أن شخصاً استدان من آخر مالاً، ثم أدعى الوفاء وأنكر الدائن، فالقول قول من؟ قول الدائن؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، ويمكن أن تقول: الأصل في الأمور العارضة، يمكن هذا، ويمكن هذا، ها، كتب هذا، ممكن، كلاهما يصح.

ادعت زوجة كتابية، أخذناها، ننتقل بسرعة، نقل بعض الأشياء نأخذها سريعا.

آكل يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين له أن الشمس لم تغرب، فهل عليه القضاء؟ نعم عند جماهير أهل العلم؛ لأنه لا عبرة بالظن البين خطؤه.

لماذا أقول لكم بعض المسائل عند جماهير أهل العلم؟ لأني أعلم أن بعضكم لربما سمع من يفتي بأن صومه صحيح ويجزئه، فهذا إن سمعتموه فبها، يقول قوماً، إلا أن الجمهور والمذهب على أنه يلزمه القضاء.

طلق رجل إحدى زوجاته ثلاثاً ثم نسي -ها، هذه مسألة مهمة، انتبهوا لهذه المسألة، هذه رقم كم عندكم؟ كم مئة وتسع وعشرون؟- هذه مسألة مهمة يا إخواني؛ لأنها أنا ذكرت لكم مثالاً واحداً فقط لهذه القاعدة، وحسن أن تأخذ مثالاً آخر. طلق رجل إحدى زوجاته ثلاثاً ثم نسي من هي منهن؟ فلانة أو فلانة أو فلانة، يقول: متاكد أني طلقت واحدة منهن، فاشتبهت عليه المطلقة، ما ندري من غيرها، فهل له وطء إحداهن قبل أن يتبين له الامر؟ لا؛ لأن الأصل في الأبضاع التحريم.

رجل يريد أن يتزوج بنت آخر، وهو يعلم أن إحدى بناته قد رضعت من أمه، ولا يعلم عينها الآن، فهل له أن يتزوجها؟ لا؛ لأن الأصل في الأبضاع التحريم.

الحمد لله، ناتي الآن إلى القاعدة الثالثة من القواعد الكبرى الكلية، تقول لك القاعده: المشقة تجلب التيسير. وقبل الشروع في بيان ما يتعلق بهذه القاعدة من معنى وأدلة، ينبغي الإشارة إلى أمر مهم جداً، وهو أشياء:

الشيء الأول: أن الأصل في تكليفات الشرع أنها داخلة تحت قدرة المكلف، هذا أصل مهم.

الأصل الثاني: أن كل ما كلف به الشرع وفيه مشقة، فإن المشقة فيه مشقة يسيرة، هذا الأصل، أو نقول مشقة داخلة في وسع المكلف وقدرته.

الأصل الثالث: كل مشقة عظيمة فإنها لا تقع إلا في بعض الأحوال وبعض الأوقات عند بعض المكلفين، يعني هذا تأكيد في الحقيقة لما سبق، يعني لا يوجد عندنا في الشريعة مشقة عظيمة تقع لجميع المكلفين، لا يوجد في جميع الأحوال. لا يوجد، مثلاً: رجل لا يستطيع أن يصلي قائماً لأنه سيسقط ويمرض ويتعب، هذه مشقة عظيمة بالنسبة لشخص واحد أو أشخاص، وليست لعموم الناس، يعني إذا لاحظنا الصلاة كلها مقدورة في حقنا، وكذلك الصوم، وكذلك الحج، نعم قد يوجد شيء من المشقة، لكنها مشقة محتمله، يعني يمكن أن يتحملها الإنسان.

القاعدة تقول: إن الصعوبة والعناء الذي يجدها المكلف في تنفيذ الحكم الشرعي تصير سبباً شرعياً صحيحاً للتسهيل والتخفيف عنه. يعني المراد بالمشقة هذه الصعوبة والعناء، أي المشقة الزائدة عن الأصل، فهمتم؟ يعني لو أن رجل قال: إني الآن أنا مرهق بعد الدرس الطويل وأريد أن أصلي قاعداً، فهل يجزئه هذا؟ نقول: لا، نقول: لأن هذه المشقة مشقة محتملة، يعني يمكن أن يقدر عليه المكلف.

ما الذي يوجب التخفيف؟ المشقة الزائدة عن المعتاد، كان يمرض ويقول له الطبيب: إن صليت قائماً ربما يزيد عندك المرض وتهلك، هذه مشقة زائده عن المعتاد، انتقلت من كونها مشقة يتحملها المكلف إلى مشقة زائده عن هذا القدر، فهذه هي التي توجب التيسير.

هذه القاعدة لها أدلة في الكتاب، منها قول الحق سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين».

ننتقل إلى الأمر الثالث المتعلق بالقاعدة، وهو: أسباب التخفيف.

أسباب التخفيف سهلة ميسورة، ذكرها طائفة من العلماء، ونأخذ بسرعة:

السبب الأول: السفر، مما من الأشياء التي حصل فيها تخفيف في السفر ما هي؟ الصلاة والصوم ومسائل عديدة منها، ومنها أيضاً المسح على الخفين ثلاثة أيام وهي لياليها، فهذا سبب للتخفيف أيضاً، في زيادة في زيادة المده.

الثاني: المرض، فإذا مرض الإنسان فهو سبب للتخفيف، من أمثلته: أن يصلي قاعداً، وأن يجمع بين الصلاتين -نعم عندنا في المذهب صحيح- والفطر في رمضان، إلى غير ذلك.

الثالث: الاكراه، أن يكره إكراهاً ملجئاً حقيقياً، اكتب من أمثلته هذه التي قد تعزب عن ذهن، اكتب: كالطلاق وكلمة الكفر، كلمة الكفر رجل أكره على كلمة الكفر، وضع على رأسه السلاح والعياذ بالله ليكفر بالله، فقال كلمة الكفر فهل يكفر؟ لا بنص القرآن: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106].

السبب الرابع للتخفيف: النسيان، من أمثلته: أحسنتم رجل أكل وشرب ناسياً في نهار رمضان فصومه صحيح، «من نسي فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». قد نسي وقت الصلاة لا كفارة عليه، إذا تذكر صلى، «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك».

وقل مثل ذلك ما درستم في كتاب الحج، لو غطى رأسه ناسياً أو ايش أو لبس مخيطاً ناسياً؟ لا، هذا ما ينفع في النسيان، ما هو هذا الذي تجرها؟ لا، هذا فيه إتلاف، الذي فيه إتلاف في المذهب عندنا وعند الشافعية الذي فيه إتلاف تلزم الفدية ولو كان ناسياً أو جاهلا، والنسيان ماذا ينفعه؟ ينفعه في سقوط الإثم فقط.

لكن لو غطى رأسه أو تطيب أو انتقبت المرأة أو لبس مخيطاً ناسياً، ففي هذا كله، هذا ليس فيه إتلاف، بمعنى لو ذكرته أزال ولا شيء عليه، قلت له: يا اخي أنت محرم لا تغطي راسك، أزال ما على رأسه، قلت له: أنت محرم كيف لبست مخيطاً؟ قال: جزاك الله خير وتركه، هذا يمكن تداركه، فهذا الذي تسقط فيه الفدية عن الناسي والجاهل.

أما أخذ شيئاً من شعره وهو محرم، قلت له: يا اخي أنت محرم، ماذا يفعل؟ يأخذ الشعر ويرده، قلم أظفاره، ماذا يفعل؟ يأخذ الأظفار يأتي بغراء ويردها يلصقها، ما ينفع، فهذا لا يمكن تداركه، فهذا فهذا لا يعذر فيه الناسي ولا الجاهل.

إذاً من هذا من أسباب التخفيف منها: الجهل، رجل يجهل أن تغطية الراس محظور من محظورات، علمته، بعد التعليم يؤاخذ؟ قبله لا يؤاخذ.

العسر وعموم البلوى، العسر وعموم البلوى هذا قد يشتبه على بعضكم، فاكتب عنده: كسقوط الجمعة والجماعة عن بعض الأطباء والعسكريين عند الحاجة إليهم، لو أن كل العسكر وكل الدوريات كلهم دخلوا المسجد وصلوا مع الناس في وقت عند المسجد النبوي ولا قدر الله تسرق المحلات، والناس لا ينظمون الطرق ونحو ذلك، إذاً هؤلاء يعذرون في ترك الجمعة والجماعة كذلك، طبعا، طيب لماذا هو يقف؟ يقول: ليس أنا المكلف وحدي خليني أدخل وأصلي، نقول: لو فعلت هذا لفصلت من عملك، صحيح، فهذا عسر عليك، وكذلك الطبيب في المستشفى الذي عنده مناوبة لو أنه كله كل أطباء قالوا نذهب نصلي ولم يبق أحد في الطوارئ لفصلوا من المستشفى، وإذا فصلوا تضر وتضرر المسلمون، فهذا مما كذلك مما يستثنى مما يوجب الترخيص والتخفيف.

كذلك المطر إذا كان يبل الثياب يوجب الترخيص، فماذا يسقط؟ يسقط الجماعة، تسقط الجماعة نعم.

النقص من أسباب التخفيف، النقص، اكتب، كما يكون للصبي والمجنون، فالصبي والمجنون عنده نقص في العقل، وبالتالي لا يؤخذ بكثير من المسائل.

إذا حصل سبب التخفيف فكيف يكون التخفيف؟ له صور:

الصورة الأولى: بالاسقاط، هاتي مثالاً على الإسقاط؟ الحائض يسقط عنها الصلاة، أحسنتم، والصوم تقضي الصوم.

الثاني: تنقيص، مثل قصر الرباعية.

الثالث: ابدال، اكتب، أحسنتم، اكتب: كالتيمم بدلاً عن الماء.

الرابع: تقديم، تقديم الصلاتين، تقديم الصلاة إلى وقت الأولى.

الخامس: تاخير، تأخير الصلاة هذا ترخيص.

السادس: ترخيص، ترخيص يعني شيء محرم صار رخصة لك، مثل ماذا؟ أكل الميته للمضطر.

السابع: تغيير، اكتب صلاة الخوف، صلاة الخوف إذا كان العدو أمامنا مثلاً فاننا نحتاج أن نصلي، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، ونخاف من أن يقتلنا الكفار، فما الحل؟ شرعت صلاة الخوف بطريقه معينة، اختلفت تغيرت الصفة عن الصفة المعتاد من أجل تخفيفاً عن المسلمين.

ما هي أنواع المشقة؟ المشقة لا تخلو من ثلاثة أنواع:

النوع الأول: مشقة يسيرة لا تنفك عنها العبادة غالباً وهي غير معتبرة، كما ذكرت لكم في الأصول التي قدمتها في بداية الشرح، بداية شرح هذه القاعدة، قلت لكم: إن الأصل في المشاق التي وردت في العبادات أنها معت- أنها غير معتبرة ولا يلتفت إليها؛ لأنها مشقة يسيرة.

أما المشقة الزائدة عن العبادة التي زائده عن هذا القدر، فهذه لا تخلو إما أن تكون عظيمة فادحة فهي معتبرة وتوجب التيسير -خلّك معنا- وإما أن تكون خفيفه كرجل يقول: عندي ألم خفيف في الضرس لا أستطيع أن أصلي، فهذا كلام لا عبرة به ولا يلتفت إليه؛ لأن هذه صحيح زائده عن تنفك عنها العبادة، إلا أنها مشقة خفيفة.

الثالثة: مشقة متوسطة، أحياناً تنظر إليها وتتامل تجد أنها تلتحق بالعظيمة، وأحياناً تقول: لا، بل بل تنزل إلى الخفيفة، فهذا محل اجتهاد، فربما ارتفعت للعظمة وربما انخفضت إلى الخفيفة.

هذه القاعدة تندرج تحتها قواعد، كما اصطلح على تسميتها بالقواعد المندرجة:

القاعدة الأولى: إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق.

القاعدة فيها شقان:

الشق الأول: إذا ضاق الأمر اتسع، هذا الشق ذكر بعض العلماء وهو الإمام الزركشي رحمه الله الشافعي، أن بعض علماء الشافعيه نسبوا هذه اللفظة للإمام الشافعي، أن الإمام الشافعية هو أول من نطق بهذا اللفظ: إذا ضاق الأمر اتسع.

وأما التتمة: وإذا اتسع ضاق، فقد ذكر أيضاً عن بعض أئمة الشافعية، وهو الإمام ابن أبي هريرة -ابن أبي هريرة وليس ابناً لأبي هريرة الصحابي، إنما هو عرف بهذا-.

هذه القاعدة قال بعض العلماء: هي عين قاعدة المشقة تجلب التيسير، ولا فرق.

ناخذ عليها أمثله بعد بيان معناها: إذا ضاق الأمر اتسع، يعني إذا أصابك ضيق وحرج في شيء، فالشريعة توسع عليك، فجر فرض فيجب فيها القيام، بل القيام فيها ركن، فبينما هو قائم ضاق عليه الأمر ومرض واشتد به المرض فلم يستطع أن يكمل قائماً، ضاق الأمر، فماذا يحصل؟ يتسع الأمر، الشريعة توسع عليه، فليجلس.

بعدما جلس والامام يقرأ وانتهى من الصفحة الأولى والصفحة الثانية، الرجل شعر بنشاط، ماذا يجب عليه؟ وجوباً يجب عليه أن يقوم، اتسع الأمر فضاق، واضح؟

مثال آخر: رجل عليه دين مقداره مئة ألف ريال، مئة ألف ريال، نقول له: يجب عليك أن تسدد الدين، قال: ليس عندي شيء، ما عنده شيء، هذا معسر، والمعسر تحرم مطالبته ويجب إنظاره بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] يعني أنظروه إلى ميسرة. فهذا ضاق الأمر فاتسع.

بعد فترة الرجل أُهديت له خمسمائة ألف ريال، خمسمائة ألف، هذا ماذا نسميه عند الفقهاء؟ ايش نسميه؟ مفلس، الأول ماذا نسميه؟ معسر، والثاني مفلس، من هو المفلس؟ الذي دينه أكثر من ماله، هذا نسميه مفلساً، فهل تجوز المطالبه بالحجر عليه وأن يمنع من التصرف في هذه الأموال؟ نعم، وهذه الأموال توزع على الدائنين على حسب حصصهم من الدين.

طيب، فرض أنه أُهدي له مئة ألف ريال، هذا الآن تجوز مطالبته أو لا؟ هذا ماذا نسميه؟ نسميه موسراً أو غنياً. إذاً

تجوز مطالبته لما اتسع الأمر ضاق عليه، فجاز مطالبته. واضح يا إخواني هذه لا تنسوا هذا، أن الناس إما غني وإما مفلس وإما معسر.

طيب، القاعدة التي بعدها تقول لك القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات. هذه قاعدة مهمة أيضاً، وبعض العلماء جعلها تحت هذه القاعدة، وبعضهم جعلها بمعناها، وبعضهم جعلها تحت قاعدة لا ضرر ولا ضرار، والأمر سهل. تقول لك القاعدة: إن الإنسان إذا وقع في ضرورة، فإن الضرورة تجعل المحظور عليه والمحرم مباحاً. والمراد بالضرورات جمع ضرورة، واكتب معناها سليماً، اكتبه في البياض الذي في اليمين، سأملي خمسة أسطر أو أكثر: الضرورة بلوغه حدا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب الهلكة، كالمضطر إذا لم يأكل مات. رجل اصابه جوع شديد، إذا لم يأكل مات، فيوجد ميتة أو طعام محرم، فهذا إن لم يأكله مات، فهذه هي المراد بالضرورة، أو مثلاً قيل له مثلاً سيمرض ويزداد عليه المرض هذه ضرورة.

أما الحاجة فهي أخف من هذا. اكتب: وأما الحاجة فكالجائع الذي لو لم يأكل لم يهلك لم يمت، لم يهلك ولم يمت، لكن كان عليه مشقة وعنت. عرفتم الفرق بين الضرورة والحاجة؟ إذاً أيهما أشد؟ الضرورة. وما الذي يبيح المحظور؟ الضرورات. الضرورات هي التي تبيح المحظورات. من أمثلتها ما ذكر لك هنا: أكل الميتة للمضطر.

اكتب أيضاً مثالاً آخر: ذكر عيوب الخاطب. رجل خطب امرأة وأتى رجل يستشيرك في هذا الخاطب ويقول لك: هل أزوج فلاناً أو لا أزوجه؟ فهل يجوز للإنسان أن يذكر معايب المسلمين؟ الأصل الشرعي لا يجوز، حرام، لكن هذا ذكره الفقهاء أنه من باب الضرورة يجوز أن تذكره له؛ فتذكر له المساوئ التي تنفعه في قبول فلان أو عدم قبوله، وحينئذ يكون ذلك جائزاً.

إلى أمثلة أخرى، كذلك الحيوان إذا صال على الإنسان، صال على الإنسان يعني هجم عليه وكاد أن يهلكه، فهل يجوز له أن يدفعه ولو بالقتل إذا لم يندفع إلا بالقتل؟ الجواب: نعم، لأن الضرورات تبيح المحظورات.

القاعدة الثالثة: إذا قلنا إن الضرورة تبيح المحظور، فهل تبيحه مطلقاً؟ لا، وإنما تقدر الضرورة بقدرها. تقول لك القاعدة: ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها. مثال ذلك: أكل الميتة للمضطر، فإن الرجل إذا كان في الصحراء وخشي على نفسه الموت والهلكات، وليس أمامه إلا ميتة، فهل له أن يأكل منها حتى يشبع؟ لا، وإنما يأكل ما يسد رمقه.

اكتب أيضاً مثالاً آخر: دفع الغصة بشرب الخمر. كيف دفع الغصة بشرب الخمر؟ رجل ذهب إلى بلد كافر ودخل مطعماً وطلب طعاماً حلالاً يأكل سمكاً، وبينما هو يأكل وإذا بالطعام غص في حلقه حتى خشي الموت والهلكات، ولا يوجد على طاولة المطعم إلا وعاء خمر، فهل يجوز له أن يشرب الخمر حتى يروى؟ لا يجوز، وإنما الضرورات تبيح المحظورات. درس هو في التأهيل الفقهي، نقول: صحيح، لكن انتبه للقاعدة التي بعدها: إن ما أبيح للضرورة فتقدر بقدرها، فلا تأخذ منه إلا ما يزيل الغصه فقط، وما زاد فهو حرام. قل مثل ذلك.

اكتب أيضاً مثالاً: كشف العورة للعلاج. إذا اضطر الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، إلى كشف ما لا يجوز كشفه للطبيب من أجل العلاج، فانه يحرم عليه أن يكشف ما زاد عن ذلك؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها. وهنا أنبه إلى أمر يحصل أحياناً عند النساء، عند بعض النساء: بعض النساء تذهب للطبيبة وتضع شيئاً يضعه بعض النساء اليوم من أجل منع الحمل أو نحو ذلك، ويكون رتب على هذا كشف للعورة، وهذا الأصل فيه أنه حرام ولا يجوز. ثم إن هذا الذي يضعه بعض النساء ثبت وشاع وذاع أنه يسبب أضراراً صحية، وأنه أحياناً يسبب اضطراباً في العادة عند المرأة، وإذا اضطربت العادة يترتب على هذا صلاة وصيام، أمر ليس سهلاً. والادهى والامر والأعظم والاشر أنه يترتب على هذا كشف العورة بلا موجب شرعي، فإن قالت أنها بحاجة إلى تنظيم النسل أو نحو ذلك، نقول: هناك حلول أخرى يمكن سلوكها، أما أن يلجأ إلى مثل هذا ويترتب عليه ضرر في البدن ويترتب عليه اضطراب للعادة ويترتب عليه كشف للعورة المغلظة بلا حاجة شرعية، فهذا حرام ولا يجوز.

القاعدة الرابعة: الاضطرار لا يبطل حق الغير. ما تقولون في رجل كان في الصحراء وخشي على نفسه الموت والهلكات، فلم يجد فصاح نادى لم يجد، فهل يجوز له أن يأخذ من هذه الشياه ويذبحها وياكل حتى يبقى حيا؟ الجواب: نعم، والضرورات تبيح المحظور. الحمد لله، اتى صاحب الغنم وقال له: يا اخي أنت ذبحت من غنمي فأعطني قيمتها، فهل له أن يقول: يا اخي أنا خلاص الحمد لله مشيت على قاعدة فقهية درستها في التأهيل الفقهي؟ هل ينفع هذا؟ فذاك إن كان قد حضر معك الدورة يرد عليه بهذه القاعدة، يقول له: الاضطرار لا يبطل حق الغير، الاضطرار لا يبطل حق الغير. نعم، اشرف على الهلاك فأكل من مال غيره.

اكتب أيضاً مثالاً آخر: صدم سيارة تفاديا لطفل راه. رجل يقود سيارته، وبينما هو في الطريق وقد ضاق الطريق وإذا بطفل هجم على السياره، فحتى يتفادى هذا الطفل ماذا فعل؟ اضطر وصدم سيارة أخرى. فهل هذا يبطل حق صاحب السيارة تلك؟ لا، لكن الذي يستفيده هذا الرجل أنه لا يأثم بهذا الفعل، لا يأثم بهذا الفعل.

وهنا في الحقيقه قاعده لو كان الوقت متسعا لذكرت لكم قاعده ذكرها الحافظ ابن رجب رحمه الله تضبط لك المساله. في الحقيقه أحيانا الإنسان يضطر لاتلاف مال الغير ويضمن، وأحيانا يضطر لاتلاف مال الغير ولا يضمن. الذي قبل قليل قلت لكم لما كان في الصحراء ذبح شاه من شياه هذا الرجل، وقلنا يضمن أو لا يضمن؟ بعدما أكل وشرب خرج ومشى في الصحراء، فبينما هو يسير في الصحراء وإذا بجمل هائج قد هجم عليه وكاد أن يقتله، فحاول أن يبتعد عنه فلم يستطع، فتذكر القاعدة تقول الضرورات تبيح المحظورات، وقلنا من أمثلتها دفع الحيوان الصائل، فأخذ سلاحه فقتل البعير، يضمن أو لا يضمن؟ قبل قليل قلتم يضمن الشاه والآن تقولون لا يضمن البعير، ما الفرق؟ فهمتم المسألة؟

الفرق في المسألة الآن: يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: من أتلف شيئاً لدفع أذاه به ضمن، ومن أتلف شيئاً لدفع أذاه له لم يضمن. ما الفرق بين الجمله الأولى والثانية؟ الأولى: من أتلف شيئاً لدفع أذاه به بالباء ضمن، والثانية: من أتلف شيئاً لدفع أذاه له لم يضمن. ما معنى هذا؟ معناه الشاة التي قبل قليل هل آذت هذا الرجل في شيء؟ هل أزعجته؟ هل قتلته؟ هل هجمت عليه؟ لا، إنما هجم عليه الجوع وأراد دفع الجوع بذبح الشاة المسكينة التي لم تصنع له شيئاً، فيضمن أو لا يضمنها؟ يضمنها. وأما الصورة الثانية: البعير هو الذي آذاه، فإذا قتله هل يضمنه؟ لا. فهمتم الفرق؟

مثال آخر: رجل اصابه قمل وهو محرم. القمل دويبة صغيرة تأتي بعض الشعر إذا لم يكن نظيفاً، فأراد أن فحلق الرجل كما حصل لأحد الصحابه في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يحلق شعره وأمره بالدية. لماذا؟ هل الشعر كان مؤذياً له؟ لا، إنما أذاه القمل، فلذة أذاه القمل، فحلق الشعر فالشعر ما أذاه فعليه الفدية. لكن لو أن شعره تدلت على عينه فآذته فقصها، فهل عليه كفاره وهو محرم أو لا؟ لا كفارة ولا فدية. ليش؟ لماذا؟ ما الفرق بين هذا وبين الشعر الذي في رأسه مع القمل؟ أحسنتم، الشعرة نفسها آذت، وبالتالي لو قصها كالبعير الذي صال عليه فهمتم؟ أما الشعر الذي على رأسه الذي حلقه من أجل القمل، مثل ايش؟ مثل الشاة المسكينة التي ما آذت في شيء، الشعر ما أذاه في شيء، فهمتم هذا؟

إذاً أحياناً الاضطرار يبطل حق الغير وأحياناً لا يبطله. لا يبطله متى؟ إذا كان حق الغير لم يؤذي الشخص فلا يبطله، وأما إذا كان قد آذاه كالبعير الذي صال عليه فقتله من أجل صيانه عليه، فانه يبطل حق الغير ولا يجب عليه في ذلك شيء.

ناخذ التدريبات هذه بسرعة. ضع الرقم أمام المناسب مما يأتي: مشروعية صلاة الخوف بصفة مختلفة عن الصلاة في الحضر، هذا ماذا سميناه؟ تغيير. أحسنتم. جواز جمع الصلاتين في السفر في وقت الثانية: تأخير. عدم إيجاب قضاء الصلوات الفائتة على الحائض: إسقاط. إلى غير ذلك، بسرعة نأخذه هذا سهل جداً لا يحتاج إلى أن نطيل فيه. جواز تاخير الصيام الواجب للمرض: تأخير.

السؤال العاشر: بين نوع المشقة وهل تجلب التيسير أو لا. مشقة إقامة الصلاة في الحر والبرد لا سيما صلاة الفجر: هذه لا توجب التخفيف لأنها لا تنفك عنها العبادة. طيب، رجل عليه جنابة في شدة برد، لو اغتسل لمات بالماء: تجب التيسير؛ لأنها فادحة عظيمة. شخص يشق عليه السجود على الأرض بسبب خشونه السجاد: هذه لا تنفك وهي خفيفة لا توجب التيسير. مشقة السفر الطويل والتغرب عن الأهل لأداء الحج: هذه لا تنفك عنها العبادة ولا توجب التيسير. مشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار: متوسطة. في الحقيقة هذه لا تنفك عنها العبادة، وقد يقال إن هذا يختلف باختلاف أحوال الناس. أنا لا أدري لماذا كتبوا لكم هذا، لكن قد يقال تختلف باختلاف أحوال الناس، فربما كانت في حق بعض الناس، لكن هذه في الحقيقة تنفك عنها العبادة، ولذلك قول متوسطة يجي فيه إشكال من خلال ما درسته في المشقة.

بين الأحكام في المسائل التالية: إذا صال على المرء حيوان أو انسان ولم يندفع إلا بقتل، فهل يجوز قتل الصائل؟ نعم، للقاعدة الضرورات تبيح المحظورات. من لم يقدر على وفاء شيء من دينه، فهل يطالب به وهل يجوز حبسه؟ لا، إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق، وهذا سميناه المعسر إلى غير ذلك نقفز. واضطر أثناء قيادته أن يصدم بسيارة أخرى لطفل عرض له: الاضطرار لا يبطل حق الغير. من استشير في خاطب ووجد أن التعريض يكفي، هذا في الحقيقه لم أذكره لكم أثناء الشرح. قال الإام النووي رحمه الله إنه إذا جاءك شخص واستشارك في خاطب وقال لك: أنزوج فلاناً أو لا؟ فان كان بمجرد ما يقول له لا يصلح لكم يندفع بهذا، يقول الإمام النووي: فلا يجوز له أن يذكر مساويه، أما إذا كان لا يندفع به يقول: لا، فسر لي أنا أرك أن تفسر لي، أنا ما اقتنعت بهذا، فيجوز له أن يذكر بعض ما يحتاج إليه فقط، وحينئذ يكون داخلا تحت أي قاعدة؟ الضرورة تقد بقدرها.

إذا اضطر انسان لحركه كثيرة في الصلاة، فهل تبطل صلاته؟ يهجم عليه أسد وهو يصلي يتحرك ويذهب ويفر ويغلق الباب على نفسه، كل هذا يجوز، وهل تبطل صلاته؟ لا تبطل صلاته، كما ذكر للشيخ أحد المشايخ فضيلة الشيخ عبد الله المطلق أنه سئل عن شيء من هذا فقال: إذا بقي على طهارته، هذا إذا تصور، ما أطف الشيخ الله يحفظه. المسح على جبيرة: هل يجوز بعد برء الجرح؟ برئ وخلاص والجبيرة ما يحتاج إليها، هل يجوز؟ لا، طبعا. لماذا؟ إذا اتسع الأمر ضاق، إلى آخره. من اضطر إلى كشف العورة للمعالجة: يكشف ما أبيح بقدر الضرورة.

وقفنا عند القاعدة الرابعة من القواعد الكبرى، وهذه القاعدة هي نص حديث للنبي صلى الله عليه واله وسلم، إذ جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا ضرر ولا ضرار». وهذه القاعدة يعبر عنها بعض العلماء بقولهم: الضرر يزال. إن التعبير بحديث النبي عليه الصلاة والسلام أولى وأحسن وأجمل لسببين: السبب الأول: كونه من قوله عليه الصلاة والسلام. والسبب الثاني: أنه أشمل، إذ أن الضرر يزال يتعلق بالضرر بعد وقوعه كيف يزال، وأما إذا اخذنا بهذا اللفظ لا ضرر ولا ضرار فهو يتعلق بدفع الضرر قبل وقوعه، ويتعلق برفع الضرر بعد وقوعه، فهو أشمل من أن يقال الضرر يزال.

وهذه القاعدة الكلام عنها عن معناها مبني على معنى الضرر ومعنى الضرار، وهذا اختلف فيه شراح الحديث على أقوال. فمن أهل العلم رحمهم الله من قالوا: إن المراد بالضرر ما فيه منفعة، والضرار ما لا منفعة فيه، فإذا ضر شخص آخر بما يعود عليه هو بمنفعة فهذا ضرر، وأما إذا ضره بما لا يعود عليه بشيء من النفع فهو ضرار.

قال به من الأئمة ابن عبد البر والإمام ابن الصلاح رحمهم الله جميعاً. ومن أهل العلم رحمهم الله من قال: إن الضرر ما كان ابتداءً والضرار ما كان مقابلةً، أي لو أن شخصاً ابتدأ بالإضرار بشخص ما فهذا ماذا نسميه؟ ضراراً، وأما ذاك إذا قابل الضرر بالضرر فهو ضرار. وهذا ذهب إليه ابن الجوزي رحمه الله وابن الأثير.

والقاعدة على كل حال تشمل هذا كله، فنقول: إن المراد من القاعدة إزالة الضرر ابتداءً ومقابلةً، ودفعه قبل وقوعه، ودفعه ورفعه بعد وقوعه، فكل هذا داخل في القاعدة. وينبه إلى أمر مهم؛ هو أن القاعدة هنا جاءت بلفظ الخبر أنه: «لا ضرر ولا ضرار»، ويقصد منها الإنشاء، يعني يقصد منها النهي، يعني يا عباد الله لا تضروا أحداً، فالضرر حرام عليكم أن تضروا المسلمين. هذا مما يدخل في معنى القاعدة، ومما يدخل فيها أيضاً: أن الشريعة لا تأتي بالضرر، لا تأتي بما فيه ضرر.

إذا خلصنا من هذا أن القاعدة تدل على شيئين: الشيء الأول: رفع الضرر إذا وجد؛ فإن الشريعة ترفعه وتدفعه قبل أن يقع. والشيء الثاني: النهي عن الإضرار بالمسلمين. فهمنا هذا؟ إذاً كل هذا داخل في معنى القاعدة. وينبه إلى تنبيه آخر، وهو تنبيه مهم، وهو أنه لا يدخل في القاعدة الضرر بحق. وكيف يكون الضرر بحق؟ إذا كان مثلاً جلداً للقاذف أو جلداً لشارب الخمر، فإن الجلد ضرر يلتحق به، أليس كذلك؟ بلى، إلا أن هذا الضرر جاء به الشرع، بل إن الله عز وجل قال في الزاني والزانية: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: 2]. فهذا ضرر، إلا أنه ضرر بحق، وهذا جاء في الشرع لما فيه من مصلحة، وبالتالي هذا ليس داخلاً في مسألتنا.

إذاً نبهت إلى تنبيهين: التنبيه الأول: أن المراد بالقاعدة هنا الضرر بغير حق، وأما الضرر بحق فليس داخلاً في القاعدة. التنبيه الثاني: أن القاعدة خبر ويقصد منها شيئان؛ الشيء الأول: خبر وهو أنه ليس في الشريعة إضرار، وكل ما يأتي من الأحكام فيه ضرر فالشرع يرفعه إن وقع أو يدفعه قبل أن يقع. والشيء الثاني: النهي عن الضرر، إذ أتى الشرع بنهي المكلفين عن الإضرار بأحد من عباد الله المسلمين.

الأمر الثاني: دليل القاعدة هو حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما ذكرت لكم، وأخرجه ابن ماجه، وحسنه الإام النووي رحمه الله. يندرج تحت هذا جملة من القواعد، منها: الضرر يزال. لماذا اعتبرنا الضرر يزال قاعدة متفرعة؟ لأنها أخص، وإن كان بعض من كتب في القواعد من المعاصرين يعتبره القاعدة الأم هي الضرر يزال، لكن الذي مشينا عليه لعله أحسن إن شاء الله، والسبب في هذا أن: «لا ضرر ولا ضرار» أعم، تشمل دفع الضرر قبل وقوعه ورفعه بعد وقوعه، أما الضرر يزال فظاهر لفظها يتعلق بالضرر بعد الوقوع.

ومن أمثلته الحجر على المفلس، ألم ندرس قبل الصلاة المعسر والمفلس والغني الموسر؟ فقلنا إن المعسر ليس عنده شيء، والمفلس من دينه أكثر من ماله، فهذا يشرع الحجر عليه. لماذا يشرع الحجر عليه؟ رفعاً للضرر الذي لحق بالدائنين الذين أعطوه أموالهم، فدفعاً لهذا الضرر نحجر عليه أن يتصرف في المال الموجود عنده، نحجر عليه فلا يصح له أن يتصرف فيه.

واكتب أيضاً ومنه مشروعية خيار العيب والتدليس والغبن. درستم مشروعية خيار العيب؟ مشروعية خيار العيب: إذا لو أن انساناً اشترى من آخر جهازا كهذا الجهاز ثم وجد به عيباً، هذا ضرر وقع، صحيح؟ فأتى الشرع بطريقة يمكن أن يرفع هذا الضرر بعد وقوعه، فشرع الله عز وجل خيار العيب، فلك أن تطالب بالعرش كما درستم في كتاب البيوع، أو أن ترد سلعته وتسترد الثمن. وكذا في خيار التدليس، وكذا في خيار الغبن؛ لو أن هذا الجهاز يباع بمائة ريال فباعه إياه رجل بألف ريال، فانه وقع عليك ضرر، فلك شرعاً أن تزيل هذا الضرر وأن تطالب برد المال ورد السلعة، وهذا كله من قبيل إزالة الضرر بعد وقوعه.

القاعدة الثانية من القواعد المندرجة تحت: «لا ضرر ولا ضرار»، قاعدة تقول: الضرر يدفع بقدر الامكان. أحياناً تستطيع أن ترفع الضرر كله وتدفعه كله، وأحياناً لا تستطيع أن تدفع الضرر كاملاً. مثال ذلك: لو أن رجلاً دخل على آخر ليقتله وليأخذ ماله، فكيف يتخلص من الضرر كاملاً؟ بأن يخرج هذا الرجل دون أن يلحقه بأي ضرر، لكن لو أنه لم يندفع إلا بدفع مال، فهذا يمكن، لكنه دفع ليس لكامل الضرر بل لبعض الضرر، فنقول: يدفع بقدر الإمكان؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. وكذا من أمثلة ذلك: من وجد متاعه عند من أفلست؛ قال عليه الصلاه والسلام: «فهو أحق به». فكونه وجد ولو بعض متاعه عند رجل قد أفلست، فإنه يمكنه أن يرفع كامل الضرر عن نفسه.

اكتب أيضاً من الأمثلة: خيار المجلس وخيار الشرط. خيار المجلس: رجل باع شخصاً هذا الجهاز، فله أثناء المجلس أن يختار أن يفسخ العقد ولو بعد حصوله؛ لماذا؟ لأنه يمكن أن يدفع ضرراً يخشى منه لاحقاً. وكذا خيار الشرط: لو قال له أشتري منك هذا الجهاز، لكن أحتاج أن أجربه وأن أتشاور الناس فيه لمدة ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو أسبوع، فيصح وهو خيار الشرط، فهذا كله لدفع ضرر قد يمكن أن يقع، فهذا داخل في الضرر يدفع بقدر الإمكان.

القاعدة الثالثة من القواعد المندرجة تحت: «لا ضرر ولا ضرار»: الضرر لا يزال بمثله. الضرر إذا وقع، فإما أن يزال بضرر أكبر منه، وإما أن يزال بضرر مساوٍ له، وإما أن يزال بضرر أقل منه. فهل يقبل أن يزال بضرر أعظم منه؟ لا. هل يقبل أن يزال بمساويه؟ لا فائدة، إذاً نبقي هذا الضرر الموجود بدل أن نأتي بضرر مساوٍ له. هل يمكن أن يزال بضرر أخف؟ نعم. القاعدة نصت بمنطوقها على أي واحد من الثلاث؟ على المساوية. ألا تقبل الأولى من باب أولى؟ لا تقل لهما أف، منطوقها تحريم التأفي ومن باب أولى تحريم الضرب. فهمتم؟ هل يدخل في القاعدة جواز دفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر؟ نعم بمفهوم مخالفة القاعدة.

إذاً نقول: الضرر لا يزال بمثله. واكتب ومن باب أولى باعظم منه؛ يعني لا يزال بمثله. مثال ذلك: هل يجوز للمضطر أن يأكل طعام مضطر آخر؟ الجواب: لا يجوز. هذا المثال الذي قلت لكم قبل الصلاة في مسألة الاضطرار لا يبطل حق الغير، ذهب ذهني إلى هذا في الأول، فهذا هو المثال هنا يكون لا يجوز؛ لأنه لا يدفع الضرر بضرر مثله.

وذكر لك في الكتاب من أكره على قتل مسلم، ليش أكره على قتل مسلم حتى يستبقي روحه؟ قيل له: اقتل فلاناً المسلم وإلا قتلناك، فأراد أن يدفع ضرر القتل عن نفسه، فهل يجوز له أن يقدم على قتل مسلم مثله؟ الجواب: لا؛ لأن الضرر لا يزال بمثله.

القاعدة التي بعدها هي مفهوم المخالفة لهذه القاعدة، قلنا قبل قليل: لا يجوز دفع الضرر بما هو أعظم ولا بالمساوية، ومفهوم المخالفة: يجوز بما هو أخف، فاتت القاعدة هذه تبين لك هذا المعنى، فتقول لك القاعدة: الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف. من أمثلته: صلاة العاري جالساً، لو أنه صلى قائماً لكان انكشاف العورة أكثر وأشد، صحيح؟ ولو صلى جالساً إن سترت شيء من عورته، لكنه فوت القيام. وأيهما أشد؟ يفوت القيام أو أن يزيد انكشاف العورة؟ أشد أن يزيد انكشاف العورة، فلا بأس أن يرتكب الضرر الأخف لدفع الضرر الأشد.

واكتب ومن أمثلتها: دفع الغصة بالخمر. هذا درسناه في قبل الصلاة في أي قاعدة؟ الضرورات تبيح المحظورات، وفي موضع آخر: الضرورة تقدر بقدرها وندرسها الآن هنا. ما سببه هنا؟ الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف. ما هو الضرر الأشد في هذا المثال؟ الهلاك أو السكر ها؟ هذا صحيح، هذا الضرر الأشد. الضرر الأشد هو الهلاك، والضرر الأخف هو السكر مثلاً، وطبعا إذا كان يسيرا فالغالب ألا يسكر، خاصة أنه قصد دفع الغصة فقط. هذا من أمثلته، وهناك أمثلة أخرى لولا ضيق الوقت ذكرناها.

القاعدة التي بعدها: إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما بارتكاب أخفهما. هذا في الحقيقة كالقاعدة التي قبله تماماً، مفسدتان تعارضا، فإذا تعارضت مفسدتان، تعارض عندنا كشف العورة وتعارض عندنا الجلوس، فقدّمنا الجلوس، كشف العورة واضح، كذلك نقول في مفاسد أخرى. من أمثلة ذلك: السكوت على المنكر إذا ترتب عليه منكر أعظم، فعندنا مفسدتان؛ بقاء المنكر، والمفسدة الثانية لو أنكرنا حصول منكر أعظم، فتعارضت مفسدتان، فأيهما نقدم؟ نقدم الأدنى دفعاً للأعلى.

واكتب ومن أمثلة ذلك أيضاً مثال لطيف: من يشق عليه الصوم، فإن أفطر صلى قائماً، وإن صام صلى قاعداً. فهمتم؟ واحد كبير في السن لو صام تعب في الصيام، يستطيع أن يكمل إلى الغروب، لكنه لا يستطيع أن يصلي وهو صائم وهو قائم، فيصلي جالساً. وإذا أفطر قوي الحمد لله وصلى قائماً. فهل نقول له افطر وصلي قائماً، أو نقول له صم وصلي جالساً؟ صم وصلي جالساً؛ لأنه إذا صام وصلى جالساً حصلت مفسدة وهي عدم صلاته قائماً، صحيح؟ لكن المفسدة الأخرى أعظم، وهي أن لا يصوم أصلاً. فكونه يجمع عبادتين مع نقص في إحداهما خير له من أن يأتي بعباده ويترك عبادة أخرى.

القاعدة التي بعدها: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. هذه المسيلة هذه القاعدة قاعدة جليلة مهمة، إلا أنه يشترط فيها شرطان، اكتبهما بشرطين. اكتب: بشرطين، الشرط الأول رقم واحد: تعذر الجمع. كيف؟ رجل إذا عنده شيئان، لا خيار بينهما؛ إما أن يأتي بمصلحة وإذا أتت المصلحة وجدت مفسدة معها، معي أنتم أو لا؟ وإما أن يدفع المفسدة. المعذرة، أما أن يجلب المصلحة مع وجود المفسدة، وأما أن يترك المصلحة وتزول المفسده، فأيهما يققدم؟ فنقول: درء المفسدة ودفعها مقدم على جلب المصلحة، فنقول: ادفع المفسدة حتى لو زالت معها المصلحة، حتى لو زالت مع المصلحة؛ لأن المفسدة درؤها مقدم.

هذا إنما يقال به إذا تعذر الجمع، أما إذا أمكنك أن تدفع المفسدة وتجلب المصلحة في وقت واحد فهذا هو المطلوب، هذا هو المطلوب. مثال ذلك: قبل قليل لما قلنا في إنكار المنكر، المنكر هذا مفسدة، فلو أنكرت المنكر على هؤلاء وذهبوا للصلاه، ماذا صنعت الآن؟ دفعت المفسدة وجلبت المصلحة، إن تحققت هذا فهو مقدم، لكن إن كان لا مناص؛ إما أن تدفع المفسدة وإما أن تجلب المصلحة ولا يمكن الجمع، تحققت هذه القاعدة التي معنا، هذا هو الشرط الأول.

الشرط الثاني: الشرط الثاني أن تكون المفسدة مساوية للمصلحة أو أعظم منها. ما معنى هذا؟ معناه لو أن المفسدة كانت يسيرة والمصلحة كانت عظيمة، فأيهما أولى؟ دفع المفسدة أو جلب المصلحة؟ جلب المصلحة ولو وقعت هذه المفسدة؛ لأن المفسدة هنا يسيرة. فهمتم؟ نعم. أما لو كانت المصلحة والمفسدة متساويين -لو تصور هذا- فأيهما أولى؟ درء المفسدة، يعني دفع المفسدة. وأما إن كانت المفسدة أعظم فلا شك أن درءها أولى.

طيب، سب آلهة الكفار، أليس فيه مصلحة إهانة آلهتهم وإذلالهم؟ بلى، لكن إذا كنا نعلم أو يغلب على الظن أننا إذا سببنا آلهة الكفار، سب الله والعياذ بالله، فأيهما أعظم؟ المفسدة، فدرؤها أولى. ولذا قال الله: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108].

لما بعث الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، كان الكفار من قبله عليه الصلاة والسلام قد بنوا الكعبة، ولما بنوا الكعبة قصرت النفقة فلم يكملوا الكعبة على بناء أبينا على بناء إبراهيم، وقصرت بهم النفقة، وحينئذ بنوا ما يسمى الآن بالحجر، اسمه إسماعيل، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يرغب ويتمنى أن يهدم الكعبة وأن يعيد بناءها على قواعد أبينا إبراهيم عليه السلام، إلا وهذه مصلحة، إلا أنه عليه الصلاة والسلام خشي من مفسدة أعظم، وكان يقول لأمنا عائشة رضي الله عنها: «لولا أن قومك حدثاء عهد -أي بإسلام- لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم». إذاً عليه الصلاة والسلام ترك المصلحة، لماذا؟ دفعاً للمفسدة.

ومن أمثلة ذلك في بلادنا، في بلادنا هنا مصلحة قيادة المرأة للسيارة، فالمرأة إذا ركبت السيارة وذهبت وتقضي حوائجها بنفسها، فيه مصلحة أو لا؟ فيه مصلحة لها، إلا أننا في بلادنا وما نراه من أحوال الناس، نرى أن هذا -وهو الذي كان يفتي به بعض مشايخنا، وكان ممن كان يفتي به الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى مفتي الديار السعودية قديماً لما ترى- محمد بن إبراهيم، مما لما يترتب على ذلك من مفاسد أكبر يتوقع حصولها؛ من انفلات النساء ومن تعرض الشباب لهن وما إلى ذلك، فإن المفاسد المتوقعة أعظم، فإننا نمنع منه درءاً للمفسدة المتوقعة من حصول هذا وإن كان فيه مصلحة، ونقول: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.

وقل مثل ذلك في المثال الذي ذكر عندكم: ترك المبالغة في المضمضة للصائم، فالمالغة في المضمضة...

مستحبة، لكنها للصائم فيها مفسدة؛ يخشى أن يدخل شيء إلى جوفه، فدفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة.