دخولتسجيل الدخول

نتناول في هذا الجزء قاعدة ثانية من القواعد الفقهية الخمس الكبرى، وهي قاعدة اليقين لا يزول بالشك. هذه القاعدة التي تعتبر من الأمهات، كما تعرفنا على المقصد من عبارة الفقهاء القواعد الفقهية أو القواعد الخمس الكبرى، فهي تعتبر من أمهات القواعد؛ أي أنها من أكثر القواعد دخولاً في كثير من الأبواب.

وهذه القاعدة تحديدا من بين القواعد الخمس الكبرى، كما رأينا في الأمور بمقاصدها أنها تدخل في عدد كبير من الأبواب، هذه كذلك تعتبر من أوسع القواعد الفقهية؛ أي من حيث التطبيق. أي أن تطبيقاتها تدخل في أبواب كثيرة، وهي أكثر امتداداً من غيرها من القواعد الخمس الكبرى، بل ذكر بعض العلماء أنها تدخل في جميع أبواب الفقه، وأن ما يتخرج عليها من الفروع أو من المسائل المندرجة تحتها يبلغ ثلاثة أرباع الفقه، كما ذكر بعض الفقهاء الذين تصدوا للكتابة في القواعد الفقهية، وأن هذه القاعدة أيضاً لا يكاد باب من أبواب الفقه أن يخلو من التعرض إليها أو الاستدلال بها في بعض الفروع.

إذاً، هذه قاعدتنا «اليقين لا يزول بالشك». نتناول فيها أولاً معناها، وقبل الدخول في معناها نستذكر ما تعرفنا عليه سابقاً في مقررات الفقه، ولكن لا بأس بإعادته على اعتبار أن هذا استئناف جديد لمقرر جديد، وهو مقرر القواعد الفقهية. تعرفنا فيما مضى وفيما سبق على مصطلح أو ما يتعلق بمراتب الإدراك، وهذا مر معنا في أبواب كثيرة، وأن منها إذا قلنا بأننا لو أعرْضنا مؤشراً بنسبة من صفر إلى مئة بالمئة، إن ما يكون تحت الخمسين بالمئة إلى واحد بالمئة هذا يسمى وهماً.

هذه رتبة من مراتب الإدراك؛ أي ما يدركه الإنسان من درجة واحد إلى درجة تسع وأربعين، هذا يسمى وهماً. هذه رتبة من الرتب، تحتها إن قلنا إن مرتبة صفر تعتبر جهلاً جهلاً بسيطاً، وما تحت الصفر إذا أيضاً ساغ لنا التعبير أو جاز لنا التعبير يمكن أن نسميها أو نطلق عليها ما يصطلح عليه العلماء بقولهم الجهل المركب. الجهل المركب معرفة الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع، والجهل البسيط عدم إدراك الشيء أصلاً؛ لا يعرفه أو لا يعلمه، فعدم الإدراك هذا يعتبر جهلاً بسيطاً، هذه رتبة صفر.

من واحد إلى تسع وأربعين وهم، وإذا وصلنا إلى رتبة خمسين بالمئة أي أنني عند أو عند هذا الشخص شك؛ أي مستوى الطرفين في إدراكه لشيء من الأشياء، موجود أو غير موجود، حاصل أو غير حاصل، كما سنتعرف في بعض الفروع التطبيقية لهذه القاعدة: هل هو متوضئ متطهر أو غير متطهر؟ بنسبة خمسين في المئة هذه رتبة الشك. إذاً، هذه رتبة مهم أن نضبطها؛ لأنه متعلق بهذه القاعدة «قاعدة اليقين لا يزول بالشك»، فما معنى اليقين؟ وما معنى الشك؟

إذاً، هذه رتبة من الرتب وهي الشك، أي أنه مستوي الطرفين لا توجد كفة أرجح من الأخرى. متى ما ارتقينا درجة واحدة عن الخمسين أي أننا بلغنا رتبة واحد وخمسين، ودرجة واحد وخمسين إلى تسع وتسعين، هذه الرتبة تسمى ظناً. أي أن إحدى الكفتين ترجحت على الأخرى ولو كانت بدرجة واحدة، يعني درجة واحد وخمسين يقابلها تسع وأربعون، هذه بداية درجة الظن. قد تزيد هذه الدرجة أو هذه الرتبة، فتصل أو يصل الظن إلى ستين بالمئة، ثمانين بالمئة، تسعين بالمئة، هذه كلها أقوى مما قبل، هذه رتبة أعلى، ودرجة العلم فيها أو الإدراك فيها أقوى مما هو قبلها.

فدرجة الظن ليست درجة واحدة، هنالك غلبة ظن إلى تسع وتسعين بالمئة، حتى نصل إلى درجة مئة بالمئة، وهي درجة اليقين التي يسميها العلماء ويطلق عليها العلماء رتبة العلم. فهذا هو المقصود باليقين؛ العلم، والمقصود بالشك هو ما يقابل اليقين أو نقيض اليقين، وهو اضطراب أو عدم إدراك برتبة أعلى، وإنما هو مستوي الطرفين.

مما يهمنا هنا -وهذا أمر لابد أن ندقق فيه- أن اليقين ها هنا في هذا الباب وفي هذه القاعدة لا يقصد به الفقهاء الأمر المتيقن مئة بالمئة فقط، وإنما مراد الفقهاء في هذا المصطلح يشمل كذلك المظنون. أي أن رتبة اليقين هنا عند الفقهاء أعم مما هي عند المناطقة؛ المناطقة رتبة اليقين عندهم أعلى من الظن وهي تخالف الظن، وأرجو أن نستوعب ذلك. لما تبين عندنا ما هي رتبة الظن، وأن أعلاها رتبة اليقين التي هي علم مئة بالمئة، الفقهاء حينما يطلقون في بعض المواضع كلمة اليقين فانهم لا يحصرونها على اليقين بمعنى العلم القطعي، وإنما يشمل هذا الكلام وهذا المصطلح يشمل كذلك الظن.

إذاً، حينما نقول «اليقين لا يزول بالشك» فهو يعني العلم، وكذلك يعني غلبة الظن. ما معنى هذه القاعدة؟ تعني هذه القاعدة أن المرء إذا كان عنده جزم بالقلب بثبوت شيء أو انتفائه -الآن نقول جزم؛ أي علم يقيني في قلبه بثبوت شيء بأنه مثلاً متطهر أو انتفائه، أو مثلاً بأنه غير متطهر- فلا يصح أن يتركه، أي يترك ماذا؟ يترك هذا الجزم الذي بقلبه في ثبوت شيء أو انتفائه مثلاً، فلا يصح أن يتركه لوجود ماذا؟ لوجود شك طرأ عليه.

فما الذي يعمله؟ قال: بل يعمل بيقينه الأول، الذي هو متيقن حالة العلم الموجودة المتيقنة الموجودة الحاصلة، أو ظنه الغالب، وفي كثير من المسائل أو في كثير من الحالات الحالة التي تكون عندنا في الحقيقة هي حالة ظن وليست حالة يقين غلبة ظن، فهذا حينئذ يعمل بيقينه الأول أو ظنه الغالب ولا يلتفت للشك الطارئ. إذاً، هذا هو معنى القاعدة: لدي شيء متيقن فلا التفت بعد هذا اليقين، لا التفت إلى الحالة المشكوك فيها، لذلك كانت صياغة العبارة «اليقين لا يزول بالشك»، أي أن اليقين ثابت ويعمل به ولا يزول بالشك الطارئ أو الشك الحاصل.

من أدلة هذه القاعدة ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فاشكل عليه» المعنى: أخرج منه شيء أم لا؟ «فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً». إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فاشكل عليه وشك: أخرج منه شيء من نواقض الوضوء؟ خرج منه ريح مثلاً أم لم يخرج منه ريح؟ هذه حالة شك الآن؛ خرج أو لم يخرج؟

ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم والتي استند الفقهاء إلى كلامها هنا في تأصيل هذه القاعدة؟ «فلا يخرجن من المسجد» يعني لا يقطع صلاته ولا يذهب لكي يتوضأ «حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً». هذا يقين أو غلبة ظن، على الأقل لنقل غلبة ظن أو يقين؛ يسمع صوتاً ويجد ريحاً. وهذا أيضاً لا يراد به لفظه، ليس بالضرورة أن يجد صوتاً أو يسمع ريحاً، وإنما المقصود حتى يتيقن أنه قد وقع شيء منه من نواقض الوضوء. فهذا هو المقصود، ليس محصوراً كما ذكر الفقهاء، وإن كان هذا اللفظ خاصاً ولكن يراد به العموم، حتى لو كانت هنالك نواقض وضوء أخرى، المهم هو ما المراد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؟ ألا يلتفت هذا الذي وقع له الشك، لا يلتفت لهذا الشك وإنما يبقى على يقينه.

ومن أدلتها كذلك ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى، ثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك وليبنِ على ما استيقن». ما هي الحالة التي هي حالة تيقن وهي الأقل؟ ثلاثاً أم أربعاً، «وليَبنِ على ما استيقن». فإذاً، اليقين لا يزول بالشك الطارئ.

من مسائل هذه القاعدة ما يتعلق بالعمل بالظن؛ هنالك مسائل يعمل فيها بالظن ومسائل لا يعمل فيها بالظن. تبين معنا قبل قليل أن مراد الفقهاء رحمهم الله تعالى من اليقين واسع، وهو يشمل الظن، فهنالك مسائل يعمل فيها بالظن وهنالك مسائل لا يعمل فيها بالظن. يعني يكتفى فيها بالظن وهنالك مسائل لا يعمل فيها بالظن. ماذا يعني؟ يعني لابد فيها من اليقين، وهذه فروعها أو هذه الجزئية تحديداً العمل بالظن فروعها كثيرة جداً في الفقه، بمعنى وهي هي قاعدتنا الآن هي لب قاعدتنا أو صلب قاعدتنا.

يعني هنالك مسائل يذكر فيها الفقهاء أنه لابد فيها من التحقق أو لابد فيها من اليقين، يقولون بل حتى يؤكدون ذلك يقولون لا يكفي حتى فيه غلبة الظن، لم يقولوا لا يكفي فيه الظن، يعني أول درجات الظن بل حتى لو كان هذا الظن غالباً فانه لا يكفي لكي تبرأ الذمة بل لابد من اليقين، أي لابد من تحقق هذا الشيء.

مسائل هذه الجزئية كثيرة، مثلاً على سبيل المثال دخول الوقت؛ هنا يذكر الفقهاء أنه لا يكتفى فيه بغلبة الظن، بل لابد فيه من التحقق من اليقين. يعني غلب على ظنه أن الشمس زالت، هل يكتفي بذلك أو لابد فيه من تحقق دخول الوقت؟ هنا لابد من تحقق دخول الوقت ولابد من اليقين ولا يكفي في ذلك غلبة أو لا يكفي في ذلك لنقل الظن ونعمم حتى لا نقول غلبة الظن.

مثلاً من المسائل هذه مسألة خلافية وأنا لن أقرر فيها شيئاً، وإنما أعرض مثلاً خلاف الفقهاء رحمهم الله تعالى في إحدى واجبات أو فرائظ الوضوء وهي الدلك؛ فبعض الفقهاء ها هنا ذكر أنه لابد من تحقق الدلك ولا يكفي فيه غلبة الظن. لاحظوا الآن العبارة حينما يذكرون هذه المسألة يقولون، وهذه ذكرها العلامة الخرشي رحمه الله وكذلك ذكرها العلامة الزرقاني رحمه الله تعالى واتبعوا فيها من سبقهم من الفقهاء: أنه لابد في الدلك من تحقق الدلك، وقالوا ماذا؟ لا يكفي غلبة الظن. في حين أن المعتمد الذي قرره غيرهم من الفقهاء، كما ذكر ذلك الدرديري رحمه الله وغيره، أنه هنا يكفي غلبة الظن بالدلك. فهذه مثلاً من المسائل التي هي مندرجة تحت هذه القاعدة «قاعدة اليقين لا يزول بالشك»، أن من المسائل يكفي فيها الظن -سواء كنظن أنه ظناً غالباً- وهنالك مسائل لا يعمل فيها بالظن بل لابد فيها من اليقين.

ننتقل الآن إلى القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة الكبرى؛ من القواعد المندرجة تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك قاعدة «الأصل بقاء ما كان على ما كان». الأصل له معان في اللغة وله كذلك عدة معان في الاصطلاح؛ فمن معانيه في الاصطلاح الدليل وكذلك القاعدة المستمرة وكذلك الراجح والمستصحب. وهذه المعاني الثلاثة الأخيرة هي أقرب المعاني الاصطلاحية لهذه القاعدة أو لشرح هذه القاعدة.

يعني حينما نقول الأصل، لنطبق ذلك في معاني الكلمة: الأصل في الاصطلاح حينما نقول من معانيها القاعدة المستمرة؛ انه القاعدة المستمرة بقاؤه ما كان على ما كان، أو الراجح بقاء ما كان على ما كان، أو المستصحب فهي هذه أيضاً من قواعد الاستصحاب، وسيأتي ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى فيما سنتناوله في أصول الفقه. فالاستصحاب هو بقاء ما كان على ما كان.

ماذا تعني هذه القاعدة حتى نستوعب معناها؟ معناها بصفة إجمالية أن ما ثبت في الزمن الماضي يبقى أو يحكم ببقائه وثبوته في الزمن الحاضر، سواء كان طبعا ذلك نفياً أو إثباتاً. بمعنى أن ما ثبت وحصل في الزمن الماضي لنفترض أنه تم إثبات حكم أو نفي حكم في الزمن أو كان هنالك حكم منفي في الزمن الماضي، سيبقى هذا النفي لهذا الشيء كذلك مستمراً في الزمن الحاضر، كما ذكرت أو كما يذكر الفقهاء سواء كان ذلك نفياً أو إثباتاً. إذاً، الأصل بقاء ما كان في الزمن الماضي على ما كان عليه -أي على ما كان عليه في الزمن الماضي- في الزمن الحاضر. البقاء ما كان في الزمن الماضي أين سيثبت ذلك؟ سيكون في الزمن الحاضر. لكن كيف؟ على ما كان عليه في الزمن الماضي.

من أمثلة ذلك ما هو مسطور في هذه في هذه المشجرة أو في المقرر: إن وقع الاختلاف بين المتبايعين، فالاصل بقاء السلعة في يد البائع والثمن في ذمة المشتري. الآن شخص اشترى سيارة من آخر، الأصل ماذا؟ الأصل بقاء السيارة في يد البائع والثمن في يد المشتري، هذا هو الأصل. اختلف لنقل مثلاً أن المشتري استلم السيارة، طيب، هذه في يده الآن هذه ليس ليس هو محل حديثنا، جاء البائع وقال: أنا لم أتسلم الثمن، الآن هذا هو الأصل أنه لم يتسلم الثمن. لماذا؟ لأن الأصل بقاء الثمن في يد من؟ في يد المشتري الذي اشترى السيارة.

فهذا الآن من الذي يوافقه الأصل؟ أو من الذي يعضده الأصل في دعواه هذه هو البائع؛ لأن الأصل بقاء السلعة في يد البائع، وإن كنا قد أو ذكرت قبل قليل بأن السلعة على سبيل المثال التي هي السيارة قد أخذها المشتري، لكن بقي الثمن في ذمة من؟ في ذمة المشتري، فلا يزال الثمن باقياً في ذمة المشتري. إذا كنتم تتذكرون في باب القضاء، علمنا الفرق بين المدعي والمدعى عليه، وأن المدعي من كان قوله مجرداً عن الأصل أو مجرداً عن العرف الذي يشهد له، وأن المدعى عليه من كان متمسكاً بالأصل، فالمدعي من قوله مجرد من أصل أو عرف بضد يشهد.

فالآن حينما يترافعان مثلاً عند القاضي، ويأتي البائع ويدعي بأنه سلم السيارة، وهذه دعوة سيقر بها المشتري، فقد يكون كل واحد صادقاً فيما يدعيه صادقاً، وقد حصل الوهم أو غير ذلك. المهم، فالبائع سيقول: أنا سلمت السيارة، وهذا هو الدليل أو هؤلاء هم الشهود، لكنني لم أتسلم الثمن. فالآن هو لا يحتاج إلى بينة بمجرد دعواه، هو متمسك بماذا؟ متمسك بالأصل، وهو بقاء ما كان على ما كان. البينة ستكون على المدعي، الذي هو في الحقيقة المشتري؛ إذا كان يذكر بأنه قد سلم البائع الثمن، يطالب من؟ سيطالب المشتري بالبينة بأنه سلم البائع الثمن. لو لاحظنا أن الذي ترافع في الحقيقة أو رفع شكواه أو أمره للقاضي هو البائع، لكن هو لا يطالب بالبينة، الذي يطالب بالبينة من؟ يطالب بها المشتري، لأن قوله مجرد عن الأصل أو قوله مخالف للأصل. إذاً، هذه أيضاً من القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة: قاعدة اليقين لا يزول بالشك، وهي: الأصل بقاء ما كان على ما كان.

من القواعد المندرجة كذلك: الأصل براءة الذمة. الآن حينما نقول الأصل، يعني القاعدة أو الراجح أو المستصحب، كذلك الأصل براءة الذمة. هذه أيضاً قاعدة بهذا التعبير، بتعبير الفقهاء. أولاً، ما هي الذمة؟ مر معنا كذلك تعريفها؛ فالذمة في اصطلاح الفقهاء: ما يقبل الالتزام والالزام. يعني هي وعاء اعتباري بالإنسان يقبل الالتزام والالزام، يعني يقبل تحمل الأشياء. فالاصل أي القاعدة المستصحبة أن الذمة بريئة، وهذه توافق أو هي قريبة مما اصطلح عليه الآن القانونيون في هذا الزمن، مما نحفظه: المتهم بريء حتى تثبت إدانته. الأصل في المتهم إذا اتهم بشيء -حتى في المحاكم حينما نسمع هذه- هذه قاعدة صحيحة: المتهم بريء مما ادعي عليه أو مما اتهم به حتى تثبت إدانته، فهذا هو الأصل، الأصل براءة الذمة.

الأصل براءة الذمة من كل شيء لم يكن واجباً عليه، أو الأصل في ذلك براءته. الأصل براءة الذمة من الديون، الأصل براءة الذمة من صلاة سادسة على سبيل المثال، الأصل براءة الذمة من وجوب مثلاً نفقة أو التزام أو أي شيء من هذه الأشياء التي يلتزم بها الإنسان. من أمثلة هذه القاعدة أو الأمثلة المتعلقة بهذه القاعدة: اختلاف الدائن والمدين في قدر الدين. لنفترض أن اختلاف الدائن والمدين حتى في الدين نفسه؛ لنفترض أن أحدهم يدعي على شخص آخر بأنه اقترض منه مالاً، إذا نفي أصلاً هذا الدين، فالاصل براءة الذمة. لكن لنفترض مثالاً آخر؛ لنفترض أنه أقر بالدين، لكن أحدهما -مثل المدعي- يقول بأنني أقرضته عشرة آلاف، والمدعى عليه ذكر بأنني نعم اقترضت منه، لكن اقترضت منه ماذا؟ اقترضت منه في الحقيقة خمسة آلاف وليس عشرة آلاف. الآن هذه الخمسة بما أنه أقر بها، فالزائد على هذه الخمسة يعتبر أو تعتبر الذمة بريئة منها، فالأصل براءة الذمة من هذا المقدار الزائد. فهنالك أمثلة كثيرة على هذه القاعدة، أو على هذه القاعدة المندرجة تحت القاعدة الكبرى قاعدة اليقين لا يزول بالشك، لكن هذا مثال واحد من هذه الأمثلة.

من القواعد كذلك: الشك في الشرط مؤثر. وكذلك من القواعد: الشك في المانع غير مؤثر. حتى نستوعب القاعدة الأولى، سنستوعب إن شاء الله تعالى كذلك معها في المقابل القاعدة الثانية. ما هو المقصود بالشك؟ تعرفنا قبل قليل أنه الإدراك مستوي الطرفين للشيء. ما هو الشرط؟ ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. لكن دعونا من التعريف الاصطلاحي، هل تذكرون أمثلة كثيرة للشروط؟ من شروط الصلاة، في شروط صحة الصلاة وشروط الوجوب؛ من شروط الصحة مثلاً طهارة الحدث، كذلك طهارة الخبث، هذا يعتبر شرطاً، أليس كذلك؟ والشروط كثيرة، هذه أحد أمثلة الشروط، وفي كل باب من الأبواب كانت هنالك -أو جل الأبواب التي مرت معنا- هنالك شروط من شروط تلك الأحكام والعبادات. وفي المقابل المانع: مثل ما يلزم من وجوده العدم، مثل نواقض الوضوء، هذا مانع من الصلاة، كذلك الجنابة، وكذلك الطلاق. الطلاق يعتبر مانعاً من ماذا؟ مانعاً من الاستمتاع، ومن حين الاستمتاع، ومانعاً من رؤية الزوجة وغير ذلك.

الفقهاء قرروا في مذهبنا أن الشك في الشرط مؤثر، يعني إذا شك المكلف في الشرط، فهذا الشك في الشرط يعتبر مؤثراً، في حين أن الشك في المانع غير مؤثر، أو يعبرون عنه بأن الشك في المانع ملغى. مثل الشك في الطهر؛ الطهر الآن أو الطهارة، طهارة الحدث الوضوء، هذه الآن شرط وليس بشرط؟ شرط من شروط الصلاة، شرط من شروط صحة الصلاة. ماذا لو شك هذا المكلف، شك في الطهر؟ فالشك في الطهر مؤثر، فما معنى مؤثر؟ يعني أنه مؤثر في الاعتبار ومؤثر في الاعتداد بهذه العبادة، فهأنا نقول: الشك في الشرط مؤثر، فينبغي أن يترك هذا ولا تبرأ ذمته إلا باليقين، فيذهب إلى ما هو متمسك به باليقين، وهو أنه محدث؛ لأن الشك في الشرط مؤثر، فينبغي عليه -أو يجب عليه إذاً- أن يتوضأ.

في حين أن الشك في المانع غير مؤثر؛ من الموانع مثلاً الطلاق، إذا شك هل طلق زوجته أم لم يطلق؟ المقرر في المذهب عندنا أنه لا يلزم أصلاً بالطلاق، لا يلزمه القاضي ولا هو أيضاً كذلك يجب عليه. ما معنى هذا؟ معنى أنه شك في طلاقه، شك أنه طلق زوجته أو لم يطلقها، فالشك في المانع ملغى ولا يلتفت إليه. هنالك طبعا تفصيلات لو شك في عدد الطلاق، في عدد الطلقات، هنا يكون الخلاف؛ أنه يحكم لأجل حفظ الأعراض وكذلك صيانة الفروج، يحكم بأنه طلق ثلاثاً؛ لو شك هل طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً، فيحكم بأنه طلق ثلاثاً. لو شك هل كان الطلاق رجعياً أو غير رجعي، أنا لا أتحدث عن هذه، فقط اردت أن ألفت انتباهكم إلى الفروق فقط بين هذه المسألة ومسائل أخرى. لكن الذي يعنينا هنا أنه شك هل طلق أو لم يطلق، فهأنا لا يلتفت إلى هذا الشك، لأنه شك في ماذا؟ شك في المانع، والشك في المانع غير مؤثر.

من القواعد المندرجة كذلك: الشك في النقصان كتحققه. كيف الشك في النقصان؟ يعني الشك في نقصان، لو افترضنا أن عبادة فيها عدد، عدد مطلوب كعدد الركعات مثلاً: من لم يدري ما صلى؟ أثلاث ركعات أم أربعاً؟ هذا شك في ماذا؟ شك في نقصان، فإذاً هذا كتحقق النقصان. هنا أنا الآن شككت أنني صليت ثلاثاً أم أربعاً، سأبني طبعا على اليقين، اليقين لا يزول بالشك. لكن القاعدة الأدق -تحتها هذه القاعدة الكبرى- أن نقول: الشك في النقصان كتحققه، يعني كتحقق النقصان. أنا شككت صليت ثلاثاً أم أربعاً، كتحقق النقصان، كأنني فعلاً تحقق لدي أنني صليت ثلاثاً ولم أصلي أربعاً، فهأنا أبني على اليقين. مشابهة لهذه المسألة تحتها هذه القاعدة لمسألة الصلاة، كذلك عدد الأشواط في الطواف؛ شككت هل طفت ست أشواط أم سبعة أشواط؟ ستة أشواط أم سبعة أشواط؟ فهنالك كذلك الشك في النقصان كتحققه، فأبني على الأقل وأقول بأنني طفت مثلاً ستاً أو خمساً.

كذلك من القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة: لا عبرة بالظن البين خطؤه. يعني ظن أنه صنع شيئاً، أو ظن أن عليه شيئاً مثلاً في ذمته وأداه، ثم تبين خطؤه. من أمثلة هذه: من صلى يظن نفسه متطهراً فبان محدثاً. هنا الآن هو أصلاً لما صلى، صلى بناء على غلبة ظن أنه كان متطهراً، ولكنه بعد أن صلى، أو حتى داخل صلاته، تبين له أنه لم يكن متوضأ، لم يكن متطهراً. فهأنا نقول: لا عبرة بالظن البين خطؤه، وهذه أيضاً تذكرنا بما ذكرناه قبل قليل من أن هنالك مسائل لا يعمل فيها بالظن، هذه أيضاً وإن كانت تختلف عما ذكرته وقررته من كلام الفقهاء، لكن لا عبرة بالظن البين خطؤه.

من الأمثلة التي يذكرها الفقهاء كذلك في هذا الموضع: مثلاً من دفع مبلغاً من المال كان يظن بأنه دين عليه، فدفع مثلاً زيد إلى خالد خمسة آلاف ريال ظناً أن عليه دين، بسبب ظن، غلبة الظن أنه كان يظن بأنه مدين لخالد، فهأنا نقول: لا عبرة بالظن البين خطؤه، فإذا تحقق أنه لم يكن هنالك دين، فيجب على خالد أن يرد المال لزيد. فإذاً لا عبرة -يعني لا عبرة إلى اعتداد من الناحية الشرعية، أو لا اعتداد من الناحية الحكمية، يعني من ناحية براءة الذمة أو من ناحية التكليف الشرعي- لا عبرة بالظن الذي تبين أنه خاطئ، في حين أنه لو لم يكن هذا الظن خاطئاً، فإن عدداً كبيراً من فروع الشريعة مبنية على الظن، أو مبنية، أو يكتفى فيها بالظن أو غلبة الظن.