دخولتسجيل الدخول

الدرس 2 - الأمور بمقاصدها ومايندرج تحتها

الشيخ نايف آل الشيخ مبارك
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نتناول في هذا الجزء إحدى القواعد الفقهية الخمس الكبرى. نحن قد تعرفنا في الجزء السابق أن من أنواع القواعد قواعد كلية كبرى، أي أن غيرها يندرج تحتها من القواعد، وأن كثيراً من مسائل الفقه مبنية عليها، وأنها داخلة في جل أبواب الفقه. نتناول في هذا الجزء أولى هذه القواعد؛ قاعدة الأمور بمقاصدها. ونتناول فيها ما يتعلق بمعناها والأدلة التي بنيت عليها، وكذلك مسائلها والقواعد المندرجة تحتها، لأنها قاعدة كلية كبرى، أي أن بعض القواعد تكون مندرجة تحت هذه القاعدة الكلية.

الأمور بمقاصدها. قبل أن نتحدث عن معنى القاعدة، نتناول معنى كلمة أمر؛ الأمور جمع أمر، والمقاصد جمع مقصد. ماذا تعني هذه الكلمات؟ الأمور كما ذكر علماء المعاجم وعلماء اللغة رحمهم الله تعالى، ذكروا لها معان كثيرة، لا نريد أن نفصل أو نسرد تلك المعاني، فقد أرجعها الإام ابن فارس في مقاييس اللغة إلى خمسة معان، لكن الذي يهمنا هنا من هذه المعاني التي جاءت في اللغة أن كلمة الأمور أو الأمر يشمل أو يعم ما يكون فعلاً ويكون قولاً، يعني أن كلمة الامر في اللغة حينما نرى في الآيات التي جاءت في كتاب الله تعالى أو حتى في كلام العربي من كلمة الأمر، فإنها تعم الفعل والقول والشيء والشأن والحال.

والذي يهمنا تحديدا ها هنا ونحن نتحدث عن المادة الفقهية، أنها تعم القول والفعل، حينما نقول الأمور بمقاصدها يعني نحن نقول مثلاً الاقوال أو الافعال بمقاصدها. ماذا تعني كلمة مقصد؟ كذلك هي لها عدة معاني في اللغة، لكن من معانيها اللغوية أنها تعني إتيان الشيء، أو كما رأى العلماء رحمهم الله تعالى في الاصطلاح، أنها هي الإرادة المتوجهة إلى الأمور. يعني الآن الأمور بمقاصدها يعني الأفعال والأقوال بمقاصدها، يعني بالإرادة المتوجهة إليها. هذا هو المعنى العام لهذه القاعدة، بعد قليل شيئاً من التفصيل لهذه القاعدة ومعناها الإجمالي. إذاً هذا أو هذا هو المدلول الذي يمكن أن نصل إليه من كلمة الأمور بمقاصدها، وأنها تعني أو أن هذه القاعدة تعني أن أحكام الأقوال والأفعال مبنية على النيات.

هنا أولاً لابد أن نذكر أن العلماء ذكروا أن هاهنا تقديراً في كلمة الأمور بمقاصدها، أي أن حكم الأمور أو الثواب على الأمور أو الجزاء على الأمور يكون بمقاصدها. كما أن هذه القاعدة من أدلتها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، أي إنما ثواب الأعمال، أو إنما أحكام الأعمال، أو إنما الجزاء على الأعمال، إنما يكون بالنيات. الأمور بمقاصدها تعني إذا أحكام أن أحكام الأقوال والأفعال مبنية على النيات. هذا يبعثنا إلى مسألة مهمة، وهي الجزء الثاني مما نريد توضيحه في هذه القاعدة، أن من أدلتها، وليس دليلها فقط، أن من هذه القاعدة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات».

بعض العلماء الذين كتبوا وألفوا في القواعد الفقهية ترجموا لهذه القاعدة، أو أنهم أخذوا ما اللفظ النبوي الشريف كلمة النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات عنواناً لهذه القاعدة، والأكثر من العلماء لجأوا إلى هذا التعبير الذي نحن بدأنا به بقولهم الأمور بمقاصدها. ما الفرق بين هذين التعبيرين؟ ولماذا العلماء أو الفقهاء وبعض الفقهاء لجأوا إلى هذا التعبير؟ أولاً لابد كذلك أن نتذاكر أو نعرف أن النية أو القصد، حينما نقول بمقاصدها أو النية الإرادة القصد العزم، هذه ألفاظ متقاربة من حيث اللغة. نحن لا نريد أن نفصل كما رأينا قبل قليل، الأمور لها عدة معاني في اللغة، وكذلك النية لها عدة معان في اللغة، لكن الإرادة أعم من الجميع، فكلمة الإرادة أعم من الجميع، وكذلك المقصد أعم من النية. ماذا يعني هذا الكلام بعبارة أو بتوضيح أكثر تبسيطاً؟

رأى العلماء رحمهم الله تعالى في المعاني الاصطلاحية أن النيات أخص من المقاصد، لذلك لجأوا إلى هذا التعبير، لأن هذا التعبير الأعم تدخل تحته أمور ومسائل وفروع فقهية كثيرة. النية خاصة بالعبادات والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، النية كذلك هذا من حيث اصطلاح الفقهاء، نحن الآن لا نتحدث عن اللغة وإنما نتحدث عن الاصطلاح الخاص داخل دائرة الفقه، أن النية كذلك خاصة بالعبادات لا علاقة لها بالمعاملات، إنما الأعمال يعني أن الأعمال العبادات الصلاة والوضوء والغسل والصيام والحج، هذه هي العبادات وهذه هي التي تتعلق بها النية، أما المعاملات ليست فيها نية.

وكذلك حتى ما جاء في لفظ النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، هل الأعمال تشمل الأقوال؟ كذلك على من يرى أن القول كذلك عمل، أو أن الأعمال فقط لفظ يشمل الأعمال التي تخرج كلمة الأقوال. لذلك وعلى كل حال يعني هذه نوعاً ما تقريب كما ذكر بعض العلماء المعاصرين، الذين تحدثوا عن سبب التعبير بهذا اللفظ في هذه القاعدة بالأمور بمقاصدها عن قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات، أن الأمور بمقاصدها ستكون أعم، لأن المقاصد أعم من النيات، فالنيات مندرجة تحت المقاصد، وأن المقاصد ستشمل العبادات والمعاملات، ستشمل الأعمال والأقوال، ستشمل العقود، ستشمل التصرفات، حتى تصرفات الإنسان، كل ذلك حتى المباحات تشمل هذه الأمور كلها، لذلك عبروا بهذا التعبير الأمور بمقاصدها عوض حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو اللفظة النبوية الشريفة، التي رأى الإمام ابن السبكي رحمه الله تعالى في الأشباه والنظائر أن التعبير بها أولى لا يعدله شيء.

هذا إذاً معناها أحكام الأقوال والأفعال مبنية على النيات، يعني بتعبير آخر أن ما يصدر من المكلفين من أقوالهم من أفعالهم يكون محكوماً بنياتهم، أو يكون محكوماً بمقاصدهم في هذا القول أو هذا الفعل. يعني التوجه القلبي الذي سيكون متعلقاً بهذا القول أو بهذا الفعل هو الذي سيحكم عليه، أو سيحكم بناء عليه، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم». أي أن لدينا قد تكون صورة واحدة لعدة أعمال، والنية هي التي ستميز هذا العمل، كما سنرى بعد قليل أن من فوائد النية تمييز العبادات عن العادات، وتمييز العادات بعضها عن بعض كذلك.

فإذاً الصورة واحدة والعمل واحد، وقد تكون هنالك أيضاً نية فاسدة، يعني يدخل الإنسان ما يعبر عنه فقهاؤنا بالقصد الفاسد، وهذا القصد الفاسد كذلك يؤثر في الحكم. إذاً أحكام الأقوال والأفعال مبنية على النيات، هذا هو المعنى الإجمالي يتضح إن شاء الله أكثر وبصفة أجلى وأوضح مع التطبيقات والتمثيل الذي سيأتي بعد قليل. دليلها، أو لنكون أكثر دقة من أدلتها، حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». وهذا الحديث الذي لا يخفى علينا معاشر المسلمين الذين يقرؤون أو يستمعون إلى شرحه، ما جاء في بيانه من كلام العلماء أن عليه مدار الإسلام، أو أنه عليه ثلث الإسلام كما عبر بعضهم، أو أنه كما ذكر الإمام الشافعي ونقل عنه أو نسب إليه أنه يدخل في سبعين باباً من أبواب العلم، أو أن عليه مدار حتى نصف الإسلام، لأن الأعمال أو العبادات أما أعمال ظاهرة وأما أعمال باطنة، فالأعمال الباطنة المتعلقة بالنيات إنما هي في هذا الحديث في هذا الشق المهم، حديث من أحد الأحاديث الكبرى التي بني عليها أو عليها مدار الأحكام، هي أحد الثلاثة، ومنها هذا الحديث كما ذكر العلماء.

ولكن ليس هو الحديث الوحيد، أو ليس هو الدليل الوحيد لهذه القاعدة، الآيات والأحاديث التي تتحدث عن اثر النية وأثر القصد ذلك بالعمل وأثره أحد آيات وأحاديث كثيرة، كما جاء في قول الله تعالى في آيات كثيرة منها قوله تبارك وتعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228]، يعني أن قصد الإضرار مؤثر في هذا العمل. وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]. وكذلك في قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 54]. الصلاة حصلت والإنفاق حصل، لكن ليس بقصد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

وكذلك حتى فيما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، يكفي ما نقرأه في التبويبات التي يخصصها العلماء في كتب الصحاح والسنن، حتى في رياض الصالحين في أول باب باب الإخلاص والنية في جميع الأعمال والاقوال البارزة والخفية، أو في باب الإخلاص والنية في أول باب، فهي أحاديث كثيرة، منها ما جاء في بيان أن من المجاهدين من يعاقب أو من يعذب يوم القيامة والفرق، بأن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، أي أن من قاتل لا لأجل هذا المقصد، أو حتى من قرأ القرآن أو من جاهد ليقال قارئ، ليقال ليقال شجاع، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة.

فإذاً النية أو المقصد أمر مؤثر في الفعل أو مؤثر في العمل، يتعلق به الثواب، يتعلق به العقاب، يتعلق به صحة العبادة أو فساد العقود أو صحة العقود، كما سيتبين إن شاء الله تعالى بعد قليل ذلك مفصلاً ومبيناً. أما من موضوعات هذه القاعدة أيضاً أننا نتحدث عن مسائل النية، ومن كتب المذهب البارزة، بل هي من كتب الإسلام عموماً، التي تصدت لهذه المسألة وفصل فيها صاحب هذا الكتاب تفصيلاً دقيقاً، وفيها تحريرات رائقة وفائقة، كتاب الأمنيّة في إدراك النية للإمام القرافي رحمه الله تعالى، فهو من أوائل من تحدث عن هذه القاعدة وهذه المسألة، وإن لم تكن بتعبير قاعدة الأمور بمقاصدها، وإنما تحدث عن النية وأركانها وأنواعها وغير ذلك مما هو من مسائل هذه القاعدة ومن مسائل النية عموماً.

فائدتها، ما هي فائدة النية؟ ومن فوائدها عند الفقهاء تمييز العبادات عن العادات، وكذلك تمييز العبادات بعضها عن بعض. لدينا تمييز العبادات عن العادات لنقل مثلاً على سبيل المثال الغسل، هذا الغسل فعل، فقد يكون تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى، أو يكون أو لا يكون واجباً لرفع الجنابة، قد يكون مسنونا لغسل الجمعة، قد يكون مندوباً، وقد يكون غسلاً للتبرد، وقد يكون غسلاً للنظافة. هذه النية هي التي ستميز هذا العمل أو هذا الفعل ليكون قربة إلى الله تعالى أو لا يكون، إنما يكون مجرد عادة، فقد يستيقظ الإنسان من نومه ويغتسل كما هو معتاد على ذلك لأجل تنظف أو تبرد أو غير ذلك، ثم بعد ذلك يكتشف أنه كان على جنابة، أو أنه تذكر أن هذا اليوم يوم جمعة، فقال هذا الغسل إذاً الذي اغتسلته قبل قليل إنما هو لسنة الجمعة، هذا لا يفيده في الثواب، أو إذا كان على جنابة لا يفيده في رفع الجنابة، لأن النية لم تقع، أي أن هذه النية أو هذا قصد الفعل لم يقترن بالفعل، فلا ثواب إذاً ولا حكم ترتب على هذا الفعل.

إذاً تمييز العبادات عن العادات، وهذه الأمور مرت معنا كثيراً، هذا المقرر مقرر أصول مقرر القواعد الفقهية ينبغي أو هو في ترتيبه يكون بعد ما مر المشاركون في التأهيل على مقررات الفقه الأربعة العبادات والأسرة المعاملات وكذلك القضاء، ومرت معنا مسائل كثيرة جداً في هذه الأمثلة. تمييز العبادات عن بعضها عن بعض كذلك. العبادات ليست في رتبة واحدة، هنالك عبادات واجبة، هنالك عبادات، حتى العبادات الواجبة أيضاً قد تكون الصورة واحدة، صورة صلاة سرية بأربع ركعات، لكنها أما أن تكون ظهراً وأما أن تكون عصراً. فالنية كذلك نية القضاء أو الأداء، هي واجبة الصلاة هي الآن واجبة سيصلي الظهر، لكن هل هي قضاء أم أداء؟ قضاء عن أي يوم؟ إذاً هذه تميز العبادة بعضها عن بعض، وكذلك تمييز الواجب عن المسنون إذا كان سيصلي تحية المسجد أو غير ذلك. إذاً هذه أيضاً من فوائدها أو من ثمراتها.

أما عند علماء التزكية رحمهم الله تعالى الذين عنوا بجانب القلوب، فهي تمييز المقصود بالعمل، من هو المقصود بالعمل؟ هو الله سبحانه وتعالى، فهم يتحدثون دائماً في تنظيرهم وفي كتبهم عن هذه القضية، أن الإنسان لا يعمل هذا العمل إلا ويرى الله سبحانه وتعالى، أي التخليص تخليص القلب عما سوى الله سبحانه وتعالى في كل شيء في الأعمال والحركات والسكنات وغير ذلك، هذه فائدتها عندهم رحمهم الله تعالى.

أما حكمها، أي نحن الآن نتحدث عن قاعدة كبرى، نتحدث عن أثر لهذه القاعدة في مسائل الفقه، فحكمها أن هنالك مسائل تشترط له أو تشترط فيها النية، وهنالك مسائل لا تشترط فيها النية. أما ما تشترط له النية، أي أن النية واجبة فيها، رأينا الوضوء الغسل التيمم الصلاة حج الصيام، هذه كلها تشترط، حتى التذكية الذكاة والعقيقة، هو ما تشترط له النية، ما تمحض للعبادات أو غلبت شائبته. ماذا يعني هذا الكلام؟ دعونا الآن نبين هاتين العبارتين هذين المصطلحين، حتى نفهم ما سيأتي في هذه العبارة وكذلك حتى فيما لا تشترط له النية. هنالك عبادات وهنالك أعمال عفواً متمحضة للعبادات (يعني غير معقولة المعنى)، أي أن المكلف لا يدرك المعنى أو الحكمة منها، أي أنه مأمور بفعلها تعبداً لله سبحانه وتعالى، هو يصلي أربعاً لماذا عند الزوال؟ ولماذا سرية؟ ولماذا يصلي ثلاث ركعات عند غروب الشمس؟ لماذا لا يقيس عليها عند طلوع الشمس ثلاث ركعات أخرى؟ لماذا يتوضأ إلى مرفقيه فقط؟ لماذا؟

لا يمسح؛ هذه كلها تمحضت للعبادات، فلابد فيها من النية، وهذا أمر واضح. هذا ربما لا يخفى أو لا يحتاج إلى مزيد بيان.

وكذلك ما ذهبت عليه شائبة؛ يعني أن هنالك كذلك عبادات فيها جزء من التعبد، أي أن جانب التعبد فيها موجود، وكذلك فيها جزء معقول المعنى. هذا كما سأبينه الآن أو سأمثل عليه بغض النظر هل هو مترجح لهذا الجانب أو لهذا الجانب.

مسألة إزالة النجاسة على سبيل المثال؛ هي فيها أمر معقول المعنى، وهو إزالة النجاسة. أي أن النجاسة لابد أن تزال عن الثوب على سبيل المثال. ولكن فيها جزء كذلك جانب متعبد فيها، فما هو الجانب المتعبد فيها؟ أنها لا تصح إلا بالماء الطهور، كما رأينا أن الماء الطهور يجب استعماله في إزالة النجاسة. فها هنا هذه المسألة، هل هي في جانب التعبد، أو فيما غلبت عليه شائبته؟ طبعا الفقهاء يرون أنها غلبت عليها شائبة المعقولية، فلذلك لا تشترط فيها النية كما سيأتي بعد قليل، لكن أنا فقط اردت أن أمثل بهذه المسألة هذا هو المقصود.

كذلك حتى الزكاة مما فيها جانب تعبد بالمقادير وكذلك النية، وفيها جانب كذلك معقول المعنى في إغناء الفقير وغير ذلك. إذاً، مما تشترط له النية؟ ما تمحض للعبادات. تمحض يعني كان خالصاً للعبادات أو غلبت عليه شائبته.

وكذلك ألفاظ الكنايات. لفظ الطلاق الصريح كما تعرفنا على ذلك سابقاً لا يحتاج إلى نية، فإن المرأة تطلق بمجرد النطق وقصد النطق بهذا اللفظ. لكن لو كان هنالك مثل لفظ آخر فيه كناية، سواء كانت ظاهرة أو خفية، فإنها تشترط له النية حتى يقع الطلاق بهذا اللفظ، لابد أن تكون هنالك نية. إذاً، هذا مما تشترط له النية، وكذلك حتى في غير الطلاق.

وما لا تصح فيه النيابة؛ العبادات الخالصة: الصلاة، الوضوء، والغسل، التيمم، والصلاة. هذه كلها لا تصح فيها النيابة، لا يصح لإنسان أن ينوب عن غيره في وضوءه أو في صلاته، فهذه أيضاً مما تشترط له النية.

وكذلك من مسائل هذه القاعدة ما لا تشترط له النية. أولاً: النواهي والتروك، أي الأمور المنهي عنها المحرمة؛ الزنا، شرب الخمر. هذه لا تشترط لها نية، يعني لو ترك ذلك فإن ذلك لا يحتاج إلى نية. وكذلك التروك عموماً حتى الغيبة والنميمة؛ هذه أمر الإنسان أو المسلم المكلف أن يتركها وأن يتجنبها أو نهي عنها، هذه لا تشترط لها نية.

ما معنى هذا الكلام؟ أي لا تشترط له النية لأجل الترك. نحن لا نتحدث عن ثواب وعقاب، نتحدث عن صحة العمل. نتحدث عن كما رأينا قبل قليل فيما تشترط له النية، ما تمحض للعبادات، أي أنه ها هنا تشترط النية حتى تصح هذه العبادة. الحديث عن الثواب وعقاب أو الثواب وعدم الثواب أمر آخر. هذا الذي ذكره العلامة سيدي عبد الله العلوي في مراقي السعود في قوله:

وليس في الواجب من نوال عند انتفاء قصد الامتثال فيما له النية لا تشترط غير ما ذكرته فغلط

أي أن المكلف قد يعمل أعمالاً لا تشترط له فيها، لا تشترط فيها النية، لكنه لا يثاب على ذلك. ما هي هذه الامور؟ قال: فيما له النية لا تشترط، قد يعمل أعمالاً لا تشترط فيها النية فلا يثاب عليها. فإذاً لابد أن يقصد فيها ثواب الله سبحانه وتعالى. فيما له النية لا تشترط، وغير ما ذكرته فغلط.

رحمه الله تعالى ذكر بيتاً فيه عن التروك:

وليس في الواجب من نوال عند انتفاء قصد الامتثال فيما له النية لا تشترط غير ما ذكرته فغلط ومثله الترك لما يحرم من غير قصد ذان عم مسلم

ومثله يعني في عدم الثواب، ومثله الترك لما يحرم؛ هذا لا تشترط له النية لكن ليس فيه ثواب من غير قصد، يعني من غير قصد تركه، يعني إذا ترك الإنسان الزنا أو ترك شرب الخمر احتساباً لله تعالى، ولم يتركه لأنه مريض أو أن نفسه تعاف الخمر مثلاً أو لحم الخنزير، وإنما قصد أن يتركه امتثالاً لأمر الله تعالى، ها هنا يثاب. طيب، لم يقصد ذلك ولم يقصد تركه امتثالاً لأمر الله؟ قال: هو مسلم من الإثم، وترك هذا الأمر أو ترك هذا الفعل، وهو مسلم من الإثم. هذا أمر لا خلاف فيه، لكن هنا نتحدث عن الثواب، إذاً لابد أن ينوي أو يقصد الامتثال لله تعالى.

إذاً، وليس في الواجب أي الأمور الواجبة من نوال عند انتفاء قصد الامتثال، في ماذا؟ فيما له النية لا تشترط. مثل ماذا؟ يعني مثل رد الودائع أو رد الديون، هذه لا تشترط له النية، أو النفقة كذلك حتى على الزوجة والأولاد، هذه واجبة كما تعرفنا في فقه الأسرة، لو أنفق إنسان دون أن يقصد امتثال أمر الله تعالى، وإنما أنفق يعني هكذا كما يقال بالعادة أو أنها اخذت منه جبراً أجبره الحاكم، هذا لا يثاب عليه. نعم، هو مسلم من الإثم، لكنه لا يثاب على ذلك.

فيما له نية لا تشترط وغير ما ذكرته فغلط، ومثله الترك لما يحرم من غير قصد ذان عم مسلم. إذاً النواهي والتروك مما لا تشترط له النية، كذلك اللفظ الصريح في الطلاق ونحوه فالظهار والطلاق هذا كله لا تشترط فيه النية، كذلك الألفاظ الصريحة في كل باب، في الهبة، في الوقف وغير ذلك.

وأيضاً ما تمحض للمعقولية أو غلبت عليه شائبته؛ ما تمحض للمعقولية يعني أنها كانت عادة ليس فيها شائبة، أو كان كذلك أو كان فيه الأمران، فيه جانب التعبد وفيه جانب المعقولية، لكن غلبت عليه شائبته. وهذا كما مثلت له قبل قليل ها هنا موضعه، وازالة النجاسة. إزالة النجاسة في مذهبنا أو عند الجمهور كذلك لا تشترط له النية، فلو غسلت النجاسة دون علمي أو أنا غسلتها أو أنا لا أعلم كذلك أو لم أنوي، فهذا كله لا يلغي رفع إزالة النجاسة وحكمه إزالة حكم النجاسة، لا يلغي رفعها وإنما ترتفع بمجرد الغسل ولو لم تكن هنالك نية.

إذاً، ما تمحض للمعقولية أو غلبت عليه شائبته كذلك مما لا تشترط له النية. القربات التي ليس فيها لبس؛ يعني حينما يذكر الإنسان الله سبحانه وتعالى لا إله إلا الله، هذه ليس فيها لبس، لا تنصرف لغير الله تعالى، بينما الصلاة والسجود والصيام قد يكون فيها اشتباه، قد يكون صائماً لأجل الحمية أو نسي الطعام والشراب أو أو غير ذلك. فإذاً القربات التي لا لبس فيها لا تفتقر إلى نية. وكذلك ما تصح فيه النيابة، يعني ما كان فيه شبه من كلا القسمين، فهذا فيه كذلك، هذا عذراً لا تشترط له النية.

أما وقتها؛ أي وقت النية أول العبادة أو قبلها بيسير. أول العبادة يعني أنك تقصد الفعل، تقصد يعني القصد المتوجه إلى الفعل مقترناً بهذا الفعل، يعني من أراد الوضوء فإن النية تكون مقترنة بهذا الوضوء في أوله، أو كذلك الصلاة، وكذلك يجوز أن تكون النية أو القصد المتوجه لهذه العبادة قبلها بيسير، ليس هنالك فاصل طويل، كما ينسب ذلك أو ذكر ذلك الإمام القرافي رحمه الله تعالى منسوبة للإمام ابن القاسم تلميذ إمامنا رحمه الله تعالى أنه مثل في هذه المسألة بمن خرج عازماً على أداء الصلاة، فإن هذه النية أو هذا القصد عند خروجه يكون فيه تحقق معنى النية أو القصد لهذه العبادة.

إذاً وقتها أول العبادة أو قبلها بيسير، لا بكثير، فإن هذا الكثير يعتبر فاصلاً عن النية. من مفسدات النية رفضها أو قطعها، أي أن النية ترفض أثناء الصلاة مثلاً أو أثناء الصيام كذلك أو قطعها، هذا كله مما يفسد النية أي أنه يفسد العبادة. وهنالك طبعا عبادات لا تفسدها النية، لكن الرفض أو أن من رفض هذه العبادة أو الذي تلبس به وقطعه فإن هذا يعتبر مفسداً للنية أي مفسداً للعبادة.

وكذلك التردد فيها، أي عدم الجزم، فهذا مر معنا في مسائل كثيرة في الصيام، وكذلك في مسائل كثيرة لابد فيها من الجزم، وكان الفقهاء يطلبون فيها الجزم، وهنالك مسائل طبعاً فيها أو يذكرون فيها أنه يكفي فيها غلبة الظن، لكن هذا الموضع مما لا خلاف فيه أن التردد أي عدم الجزم أو عدم تحقق النية أيضاً يعتبر مفسداً لها.

من مسائلها كذلك محل النية، ومحلها القلب، لا تعلق لها باللسان. مسألة اللسان هذه مسألة أخرى، قضية النطق هل يجوز يكره خلاف الأولى هذه قضية أخرى، لكن أين محل النية؟ محلها القلب. أي محلها القلب من الناحية الفقهية في رأي العلماء رحمهم الله تعالى. ومما يمكن أن يذكر حتى في هذه المسألة هل محلها القلب أو محلها الدماغ؟ وهنا يفصل الفقهاء حتى خارج المذهب في الاستدلال لكل من الموضعين بالآيات، وكذلك حتى لو فسد العقل وأثر ذلك على القصد أو إرادة الإنسان، وكذلك حتى عند غير الفقهاء من الفلاسفة وغيرهم مما يذكره الفقهاء في مثل هذا الموضع في قضية كذلك حتى في قضية النية التي هي أيضاً في أين موضع العقل؟ هل هو في الرأس أو في الدماغ وغير ذلك؟ لا نريد التفصيل.

المهم الذي يعنينا ها هنا أن محل النية القلب ولا تعلق لغير القلب النية أو بالقصد أو بالعزم، فإن هذه المسائل لو هذه الأمور كلها محلها القلب.

من القواعد المندرجة تحت قاعدة الأمور بمقاصدها؛ من القواعد يعني أن هنالك قواعد أخرى كثيرة مندرجة تحت هذه القاعدة، يعني ليست هي قواعد كلية وإنما هي قواعد قد تكون أيضاً هي كبرى ولكن ليست كلية أو أنها تخص باباً معيناً. المهم أن هنالك قواعد كثيرة أكثر من هذه القواعد الثلاث المندرجة، وإنما نأتي بهذه القواعد الثلاث على سبيل التمثيل والتووضيح والتبيين.

من القواعد المندرجة قاعدة هل العبرة بهذا التعبير الخلافي أو نقول العبرة بالعقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني. فبعض الفقهاء في مذهبنا يأتي بصيغة أو يأتي فيها بصيغة خلافية، هل العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني؟ وإنما نعبر بالتقرير لها وبصيغة الخبر: العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.

إذاً نحن نتحدث عن العقود لا نتحدث عن العبادات، ولأن العبادات ألفاظها فيها توقيف، وكذلك ما يتعلق العبادات له حكم وله أحكامه الخاصة، فنحن هنا نتحدث عن العقود، وتشمل كلمة العقود تشمل كل ما يكون من العقود في أبواب المعاملات وغيرها.

العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني. المقاصد على معناها قبل قليل، وأنها ما يكون من الإرادة المتوجهة عند المكلف. فإذاً العبرة في العقود لنقل مثلاً فعل أو عقد أو بيع أو معاملة أو هبة، العبرة فيها بماذا؟ بالمقاصد، يعني بالذي قصده أو توجهت إليه إرادته أي المكلف التي أرادها من هذه الكلمة ومن هذا المصطلح ومن هذا الفعل، لا بالألفاظ والمباني. لا بالألفاظ والمباني هذه تتمة للتأكيد، يمكن أن نقتصر في القاعدة بأن نقول العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، هذه تتمة أو هذه تتمة وتأكيد، يعني ليست بالألفاظ المنطوقة ولا بالمباني أي الحروف التي بنيت منها الكلمة أو الجملة، وإنما المقصد، إنما العبرة عذراً بالمقصد الذي قصده بهذه.

يعني كما سنرى بعد قليل في الأمثلة أنه قد ينطق كلمة ويريد بها شيئاً آخر. وبالمناسبة هذه العبارة عذراً هذه القاعدة من العبارات التي وردت عن إمامنا مالك رحمه الله تعالى، وإن كانت بصياغة أخرى، يعني أن هنالك عبارات تقعيدية وردت أو نسبت إلى إمامنا مالك، من ذلك ما جاء في المدونة عن ابن القاسم المدونة الكبرى الأم في المذهب أن ابن القاسم رحمه الله تعالى روى عن إمامنا مالك رحمه الله أنه قال: إنما ينظر في البيوع إلى الفعل، ولا ينظر إلى القول.

لاحظوا الآن هذا التقارب، ينظر في البيوع إلى ماذا؟ إلى الفعل، ولا ينظر إلى القول. ما الذي فعله هذا العاقد أو المتعاقد؟ إنما ينظر في البيوع إلى الفعل ولا ينظر إلى القول، فإن قبح القول وححسن الفعل فلا بأس به، المهم هو الفعل. إذاً العبرة بماذا؟ بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، لذلك قال إمامنا: فإن قبح القول وحسن الفعل فلا بأس به، وإن قبح الفعل وحسن القول لم يصح.

وأيضاً جاءت بتعبير آخر عن الإمام المازري رحمه الله، المازري رحمه الله تعالى في شرح التنقيح، في شرح عذراً التلقين في قوله بهذه العبارة أو في هذه القاعدة بتعبير آخر: القصود معتبرة في العقود. القصود جمع قصد معتبرة في العقود. إذاً هذه تعبيرات مختلفة، المؤدى والنتيجة والثمرة واحدة: العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.

مثالها المكتوب ها هنا في المقرر وفي هذه المشجرة؛ مثالها هبة الثواب. الهبة تعرفنا عليها وتعرفنا كذلك حتى على هبة الثواب، وهي أن يهب إنسان إلى غيره شيئاً لا بقصد الهبة التي يريدها للتقرب إلى وجه فلان، ويريد بها فقط التودد أو حتى لو كانت مثلاً لرضا الله سبحانه وتعالى، وإنما قصد بها الثواب، أي أن يثيبه المهدى إليه شيئاً آخر. هذه اسمها هبة، لكنها بالواقع بيع. إذن هي من ناحية الشكل ومن ناحية الألفاظ والمباني هبة، لكنها في الواقع بيع.

وإن سميت هبة كأن حتى لو أرادنا أن نعبر تعبير آخر الإعارة أو العارية، لو أراد إنسان أن يعير غيره مثلاً أو يعير صديقه أو يعير جاره سيارته وقال: سأعيرك هذه السيارة التي تريد أن تسافر بها مثلاً إلى مكة أو إلى مثلاً المدينة الفلانية بألف درهم. الآن هذه إعارة أو إجارة؟ صارت إجارة وإن كان لفظ: سأعيره هذه السيارة. إذاً العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني.

كذلك يمكن أن نمثل لها بتمثيل آخر وقد ذكرته أيضاً في موضعه في باب القرض أو ربما باب الوديعة، الآن المصطلح الذي اصطلح عليه اصطلحت عليه المصارف المعاصرة كلمة الوديعة: سأذهب لأودع هذا المال. هذه من حيث اللفظ والمبنى مبنى الكلمة اسمها وديعة لكنها ليست وديعة، قلنا بأن لها تعبير أو لها تكييف فقهي آخر. إذاً هذا هو المقصود حتى لا نفصل المهم أن نستوعب مدلول هذه القاعدة أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني.

وأن ذلك أيضاً مما من القواعد المندرجة تحته وهي من قواعد المذهب: أن القصد الفاسد مؤثر. بمعنى أنه لو كان هنالك في العقود قصد فاسد لدى أحد المتعاقدين فإن ذلك مؤثر، هذي أيضاً قاعدة أخرى مستقلة. وأيضاً من القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة أي الأمور بمقاصدها: من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، القاتل الذي يقتل مورثه كي يستعجل ميراثه منه يعاقب بنقيض قصده لا يرث من مال موارثه.

كذلك كم المطلق في طلاق في مرض الموت المخوف؟ وهذه مرتنا على مسألة كثيراً، يقع طلاقه ولكن المرأة ترث منه لأنه يعامل بنقيض قصده وهكذا. إذاً هذه عقود عقد طلاق أو عقد بيع أو عقد هبة أو غير ذلك فإنما العبرة فيها بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.

كذلك من القواعد المندرجة: النية تخصص العام المطلق وتعمم الخاص إذا صلح اللفظ لها. العام اللفظ المستغرق لجميع الأفراد تحته، لما يكون تحته من الأفراد التي تدخل في هذا العموم، إذاً النية تخصص العام يعني أن بعض الكلمات قد تنطق وهذه الكلمة يندرج تحتها أنواع وأفراد كثيرة، لكن النية تخصص هذا العام على بعض أفراده وتقيد المطلق كذلك، يعني مطلق نكرة على سبيل المثال والنية قيدته. وكذلك تعمل العكس وتعمم الخاص إذا صلح، وتعمم الخاص يعني أنه قد ينطق بكلمة خاصة لكن في نيته ماذا؟ أنه قصد بهذه الكلمة التي مدلولها خاص قصد بها العموم.

كل ذلك تؤثر فيه النية، فإما أن تخصص العام وتقيد المطلق وكذلك تعمم الخاص، وهذه من المسائل المعتمدة عندنا في المذهب، أما غيرنا يرى ربما أن النية تخصص العام وتقيد المطلق فقط ولا تعمم الخاص. إذاً وفق مذهبنا المالكي أن النية تخصص العام، تقيد المطلق، تعمم الخاص؛ متى؟ إذا صلح اللفظ لها.

ماذا تعني هذه العبارة أو هذا القيد؟ وهذا قيد مهم. الإمام ابن عبد السلام رحمه الله تعالى شارح جامع الأمهات ذكر في هذا المعنى: إذا صلح اللفظ لها؛ أي ألا يكون هذا اللفظ صريحاً فيما نواه الحالف. يعني إذا حلف الإنسان على شيء وكان قد استعمل في يمينه لفظاً صريحاً، هذا اللفظ الصريح لا تتعلق به النية، هذا لفظ صريح يعني واضح لا تخصصه النية. ماذا يعني هذا الكلام بعبارات أخرى؟ أن النية تدخل في الألفاظ المحتملة، تدخل في الألفاظ التي يكون فيها عدة احتمالات، فالنية تدخل وتخصص هذا اللفظ الذي يحتمل العموم فخصصته، أو كان مطلقاً فقيدته، أو كان خاصاً فعممته.

عبر عنها أو بين الشرط هذا الإمام القرافي بعبارة أو بتأصيل أكثر دقة، حينما ذكر أن الألفاظ منها نصوص وظواهر. هذي مصطلحات علمية ربما إن شاء الله تعالى تتضح معنا أكثر في مقرر أصول الفقه. النص هو ما لا يحتمل معنى غيره، نص إذا أفاد ما لا يحتمل. هنالك مراتب للدلالة في المصطلحات عموماً، هنالك ألفاظ تكون نصوصاً يعني لا تحتمل معنى آخر، وهنالك ألفاظ تكون ظاهرة، يعني لو قلنا بنسبة مئة بالمئة أنها تحتمل مثلاً شيئاً وشيئاً، لكنها تحتمل الشيء الأول بنسبة ستين سبعين ثمانين بالمئة، وتحتمل المعنى الآخر بنسبة قليلة جداً، هذي يسمى ظاهر.

وهنالك المؤول، وهو أخذ النسبة القليلة هذه التي كانت ثلاثين وجعلها هي المقصودة بهذا المعنى. لا أريد أن أشتت أذهانكم، لكن مرة أخرى إذا عرفنا أو علمنا الآن أن النص هو المعنى الذي لا يحتمل أو اللفظ الذي لا يحتمل معنى آخر، لا يحتمل إلا معنى واحداً، هذي الفاظ الأعداد: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196]، فصيام ثلاثة أيام، هذه كلها في صيام شهرين متتابعين، هذه لا تحتمل معان أخرى، إنما هي نصوص كما ذكر الفقهاء.

من أين جاءت كلمة نص؟ من منصة العروس، لأن العروسة حتى تتميز عن أقرانها وعن قريناتها تتميز بهذه المنصة التي تطلع عليه، لذلك سمي هذا اللفظ نصاً. الإمام القرافي يقول: الألفاظ هنالك ألفاظ نصوص وظواهر. ماذا تعني كلمة نصوص؟ يعني لا تحتمل معنى آخر. وظواهر فيها احتمال واحتمال وإن كان أحد الاحتمالين أرجح من الآخر. النصوص لا تقبل المجاز ولا التخصيص، وهذا الذي ذكر في هذه القاعدة: أن النية تخصص العام وتقيد المطلق، إنما تقيد المطلق وتخصص العام في ماذا؟ في الظواهر، يعني في الألفاظ التي تحتمل معنيين أو ثلاثة معان أو أكثر من معنى، فإذا كانت تحتمل عدة معان يعني صلح اللفظ، أي صلح هذا اللفظ الظاهر لأن تخصصه النية.

أرجو أن يكون الآن المعنى قد اتضح ولو بصفة نسبية كما يقال أو ولو بصفة جزئية. أن النية تخصص العام اللفظة العامة الذي يشمل أفراداً كثيرة. مثل ماذا؟ هذا المثال الذي هو ماثل أمامنا: من حلف غاضباً لا يأكل لحماً وقصده هو لحم البقر. قد يكون إنسان مثلاً أكل في يوم من الأيام لحماً وأوجعه بطنه وحلف: والله لا آكل لحماً، وهو ماذا يقصد بهذا اللحم؟ اللحم طبعا كلمة اللحم لفظة عامة تشمل لحم البقر ولحم الغنم ولحم الإبل وتشمل كذلك حتى السمك، ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ وتشمل اللحم الطري ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَلْبَسُونَ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: 14]، فسماه الله سبحانه وتعالى في كتابه لحماً طرياً، فاذا هو يشمل السمك.

هل هذا الحلف حينما يحلف إنسان ويقول: والله لا آكل لحماً بعد اليوم؛ إذا بناء على هذا اللفظ العام ينبغي أن لا يأكل أي شيء يصدق عليه كلمة أو مسمى لحم في اللغة؟ لكن لو كان قصده لحم البقر على سبيل المثال، لأنه مثلاً معروف بأنه داء أو أنه مثلاً معروف بأنه يسبب له تلبكاً في الأمعاء أو أنه يسبب له إسهالاً. هذا القصد أو هذه النية حين الحلف، هذا الذي يسمى بساط اليمين عند الفقهاء وهذا مر معنا كذلك في مقرر الفقه.

إذاً الآن ماذا صنعت النية؟ خصصت، نعم خصصت العام وقيدت المطلق، إذا كان أيضاً جاء بهذه الكلمة على سبيل الإطلاق. أما من الأمثلة التي يذكرها الفقهاء كذلك: لو حلف مثلاً لا يلبس ثوباً، وكان قصده الكتان على سبيل المثال، لبس يوماً قطناً أو شيئاً من الأنواع من أنواع المنسوجات وأصابته حساسية في جلده فحلف: والله لا ألبس ثوباً. الثوب في المشرقة غير معناها في المغرب، طبعا المغاربة يقصدون بالثوب القماش، لكن لننتحدث الآن عن الاصطلاح العام: أي ثوب الذي هو الجلابة أو القميص أو الثوب عموماً أو السراويل، المهم الملابس التي هي مخيطة وتلبس. حلف كذلك ألا يلبس ثوباً وكان قصده نوع معين من الثياب حارة أو تسبب له حساسية. هذه النية تخصص العام وتقيد المطلق وتعمم الخاص كذلك إذا صلح اللفظ.

كذلك من القواعد المندرجة: قاعدة «لا ثواب إلا بنية». الثواب من معانيه أو مما يقصد به في الاصطلاح: الجزاء والعطاء، كما في قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: 195]. فلا ثواب إلا بنية؛ أيضاً هذه القاعدة فيها حصر: لا ثواب نكرة في سياق النفي وبعدها إثبات فهي تفيد الحصر، يعني أنه لا يوجد ثواب على أي عمل أي هنالك جزاء أخروي إلا إذا كانت هنالك نية.

فالثواب الأخروي مقرون بالنية، وهذا كما مر معنا قبل قليل، وقد أوردت أبيات العلامة العلوي في مراقي السعود: ومن لم يعمله فيما كانت له النية ليست واجبة أو ليست شرطاً فلا ثواب له. مثل ماذا؟ مثل من رد وديعة غافلاً عن النية، رد الوديعة واجب ولا تشترط فيه النية، أو رد ديناً كذلك، أو كما مثلت قبل قليل: أنفق على زوجته مجبراً هو ممتنع بخيل أو يريد الإضرار به زوجته وحكم عليه القاضي بأنه يجب عليه النفقة، فانفق على زوجته مكوهاً ومجبراً. هذا الآن من حيث الترتب الشرعي هذا سقط عنه الإثم، لكنه لا يثاب على ذلك.

بينما لو نوى بهذه النفقة على زوجته التقرب إلى الله سبحانه وتعالى كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى ما تضعه في في امرأتك صدقة» فهذا فيه ثواب. فإذاً هذا هو المقصود بهذه القاعدة «لا ثواب إلا بنية»، وهي من أوائل القواعد التي تذكر في هذا الموضع وفي هذه أو أنها مندرجة تحت هذه القاعدة.

إذاً هذه ثلاث قواعد فقط على سبيل كما ذكرت على سبيل التمثيل ليست على سبيل الحصر، القواعد كثيرة. هنالك من القواعد أولاً ما هو منازع في كونه قاعدة مندرجة، ويرى الفقهاء أنها قاعدة كلية أخرى مستقلة وإن كانت لا تدخل في جميع الأبواب، وبعضهم يرى أن هذه القاعدة لا تندرج تحت الأمور بمقاصدها. بعضهم يرى أن بعض القواعد تندرج تحت بعض القواعد المندرجة أيضاً، مثل: العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني هل تندرج تحتها قاعدة من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، أو أنها قاعدة مستقلة؟

ومن الأمثلة كذلك: كل ما تمحض للتعبد أو غلبت عليه شائبته، وهذي رأيناها قبل قليل في التعداد في مسائل النية، لكنها قاعدة يذكرها الفقهاء، وهذه كل لو لاحظنا أنها مصدرة بكلمة كل، أنا الآن أسرد إليكم بعض القواعد من قواعد الإمام المقري رحمه الله تعالى، فهذه القاعدة رقمها تسع وثلاثون يقول فيها: كل ما تمحض للتعبد أو غلبت عليه شائبته فانه يفتقر إلى النية، كالصلاة والتيمم، وما تمحض قولية أو غلبت عليه شائبته فلا يفتقر كقضاء الدين وغسل النجاسة عند الجمهور، فإن استوت الشائبتان فقيل كالاول لحق العبادة، يعني تجب فيه النية لحق العبادة، وقيل كالثاني لحكم الأصل، يعني الأصل عدم التعبد، وعليه الطهارة. وعليهما في هذه المسألة وهذه الجزئية الطهارة والزكاة.

القاعدة أربعون: كل ما كانت صورته فعله كافية في تحصيل مصلحته فانه لا يفتقر إلى نية، كغسل النجاسة. التي بعدها الحادية والأربعون: القربات التي لا لبس فيها كالذكر والنية لا تفتقر إلى نية. الثانية والأربعون: النصوص لا تفتقر إلى نية، لاحظوا النصوص لا تفتقر إلى نية ما فيها بصراحتها إلى مدلولاتها بخلاف الكنايات والمحتملات، ولذلك لا تخصصها النية. هذه هي التي جاءت في القاعدة الثانية: النية تخصص العام والتقييد المطلق، لكن بتعبير آخر حتى يختلف عن تعبير الإمام القرافي رحمه الله تعالى أن النصوص منها أو أن الألفاظ منها نصوص ظواهر.

القاعدة الثالثة والأربعون: مقاصد الأعيان إن كانت متعينة استغنت عما يعينها كالقدوم، وإلا افتقرت كالدابة، طالب كالمتعين وغيره كالمحتمل. المهم هنالك قواعد كثيرة في هذه أو أنها مندرجة تحت هذه القاعدة الكلية الكبرى، يمكن أن تراجع ويمكن أن تطالع في مواضعها ومصادرها. وهذا ما يمكننا الإشارة إليه وتناوله في مثل هذا الموضع وفي مثل هذا الحيز لهذه القاعدة، والله تعالى أعلم.