بسم الله الرحمن الرحيم. نتناول في هذا الجزء قاعدة فقهية أخرى من القواعد الفقهية الكبرى، وهي قاعدة المشقة تجلب التيسير. هذه القاعدة التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، إنه يتخرج عليها جميع رخص الشرع وتخفيفاته.
أي أن الآيات والأحاديث التي جاءت في بيان التخفيف والتيسير على المكلفين، إنما تتخرج تلك الأحكام على هذه القاعدة الكبرى: المشقة تجلب التيسير. المشقة ماذا تعني في اللغة؟ تعني التعب، تعني الجهد والعناء، حينما يقال يشق على الإنسان هذا الشيء أي أتعبه، كما في قول الله تعالى: ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. إذا تعني هذه القاعدة أن الصعوبة والعناء التي يجدها المكلف في تنفيذ الحكم الشرعي، هذه الصعوبة والعناء التي تترتب على تنفيذ الحكم الشرعي ماذا ستنقلب وكيف ستتحول؟ تصير سبباً شرعياً صحيحاً للتسهيل والتخفيف عنه. أي أن هذه الصعوبة نفسها تتحول إلى سبب للتخفيف عن المكلف. لها أدلة كثيرة، هذه القواعد الخمس الكبرى لها أدلة كثيرة، وإلا لم تكن كبرى إلا بسبب تظافر الأدلة، ولكن من أدلتها ما جاء في قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. وكذلك من أدلتها الآيات النافية للحرج، فهي آيات كثيرة من بينها ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». وقوله صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا، بشروا ولا تنفروا». والآيات الأخرى التي فيها: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وغير ذلك أيضاً من الآيات والأحاديث التي هي دليل أو تعتبر من أدلة هذه القاعدة.
أما أسباب التخفيف، يعني أن أسباب التخفيف من حيث الاستقراء، أي أن الفقهاء حينما بحثوا في الأسباب التي جعلها الشارع سبباً يحصل عندها -أي عند تلك الأسباب- يحصل عندها التخفيف، أو قام الدليل في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن هذا السبب كان أيضاً أو أن هذا الأمر كان سبباً للتخفيف، فهذه من حيث الاستقراء، يعني من حيث استقراء الفقهاء هذه الأسباب. أولها السفر، أي أنه هنالك آيات جاءت، أحكام كثيرة جاءت كان السفر سبباً فيها للتخفيف، كما في الصيام، كما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]. فهذا السفر إذاً من أسباب جواز الفطر أو اباحة الفطر في رمضان، وهو صوم واجب. وكذلك في جواز، تأملوا الآن، حاولوا أن تستذكروا لو التسجيل، تستذكر ماذا كان السفر فيه سبباً للتخفيف في أبواب الفقه التي درسناها سابقاً. استذكروا معي الآن، نحاول كما يقال أن نصنع مسحاً، أو أن نقوم مسحاً للمعلومات التي أخذناها. إذاً هذا الآن الحالة الأولى في جواز الفطر في رمضان، كذلك في قصر الصلاة أيضاً في كون السفر سبباً لقصر الصلاة الرباعية، كذلك بجواز عدم حضور الجمعة لمن كان مكلفاً ذكراً بالغاً. فالسفر كذلك مبيح لعدم حضور الجمعة وأحكام كثيرة.
من أسباب التخفيف كذلك المرض، فالمرض أيضاً من أسباب التخفيف في رمضان بجواز الفطر، وكذلك إن اعتبرنا مثلاً الحيض أو النفاس أيضاً كان مرضاً، أو الحمل كذلك حينما أن الحامل رأى حكم الفقهاء بأنها مريضة فيجوز لها حينئذ الفطر في رمضان، وتعاملوا معها بأنها مريضة، أسقطوا عنها الفدية.
ومن أسباب كذلك التخفيف الاكراه، من أكره على كلمة الكفر، أو كذلك أو كذلك أكره على الطلاق، أو أكره على البيع، مسائل كثيرة مرت معنا في الإكراه، أكره على البيع أو على سبب البيع، ومرت معنا تفصيلات للإكراه وما يترتب عليه من أحكام.
من أسباب التخفيف كذلك النسيان، «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، يكون في الصلاة، يكون في نسيان بعض الفرائض أو بعض التكاليف.
كذلك الجهل، والجهل ليس على إطلاقه، فقد يكون سبباً للتخفيف في بعض الحالات، وقد لا يعذر بالجهل كما قرر الفقهاء، لكن في العموم أن الإنسان من حيث التكليف كما ذكر الأصوليون أنه بالقدرة والعلم، فالتكليف يكون، يكون الإنسان به مكلفاً بالقدرة، أي بالقدرة على أداء المكلف به أو الفعل المكلف به، وكذلك العلم.
من أسباب كذلك العسر وعموم البلوى، يعني ما يكثر وقوعه أو تكثر الحاجة إليه أيضاً، هذا من أسباب من أسباب من أسباب التخفيف: العسر وعموم البلوى. مثلاً إذا كنتم تتذكرون في إزالة النجاسة، كما ذكر صاحب أسهل المسالك الشيخ البشار: وكل ما شق فعنه يعفى لعسره، والدين يسر اللطف. كثوب قصاب، وثوب المرضعة، وبلل الباسور أو ما ضارعه، أحد الأحكام المتعلقة بالسلس والاستنكاح والقذف، وما يتعلق بتلك الأحكام، هذه من أسباب التخفيف، يعني أنه ينتقل من حكم واجب كان عليه وهو إزالة نجاسة إلى عدم وجوبها.
الأسباب كذلك التخفيف النقص، يعني النقص في الحالة، حينما مثلاً النوم، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة»، فالنوم من حالته نقص، كذلك الإغماء، السكر، الصغر من أسباب أو من أمثلة النقص كذلك الجنون، بل حتى الأنوثة والعبودية كذلك من حالات النقص؛ الأنثى لا يجب عليها كل شيء من الأحكام التي تجب على الرجال، ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]. العبد لا يجب عليه حضور الجمعة، ولا يجب عليه، وكذلك أيضاً من أسباب التخفيف حتى في الحدود على العبد فإنه ينصف له ما يكون من الحدود المقدرة شرعاً، ينصف على العبد، فهذا أيضاً من أسباب التخفيف، وهو حالة نقص. الآخرس، الأعمى، كذلك هذه بسبب الحالات في يعني أو أو العرج حتى فيما يتعلق ببعض التكاليف الشرعية أو حتى وجوب الجهاد وغير ذلك.
ويمكن أن يزارع عليها كذلك الخطأ، والخطأ يعتبر من أسباب التخفيف: عفي عن أمتي الخطأ والنسيان. منها العجز كذلك، وإن أردنا أن نجعل العجز متفرعاً من حالة النقص، المهم هي هذه الأسباب، إن أدخلنا تحتها أسباباً أخرى أو ضممنا معها كذلك أسباباً أخرى، المهم هي ما جاء فيها في الشرع ضبط وربط هذه الأسباب مع كونها أو كون هذه الأسباب من أسباب التخفيف ورفع المشقة الحاصلة عند المكلفين أو على المكلفين بهذه الأسباب.
أما أنواع التكليف التي تقابل أسباب أسباب أنواع التخفيف، عفواً، التي تقابل أسباب التخفيف، فاما أن يكون التخفيف بالإسقاط، ومثلا الإسقاط يكون لماذا؟ إسقاط الجمعة، أي أي وجوب حضورها، كذلك إسقاط الصوم على الحائض مثلاً أنه لا لا تصوم، وإسقاط الحج عمن لا يستطيعه، إسقاط الجهاد كذلك للعاجز عنه أو لمن كان مثلاً ملازماً لأبويه أو كان يعني من أصحاب الأعذار، الجمعة ذكر الفقهاء أنها لا تسقط وانه يجب عليه بدلها وهو الظهر، لكن في كل الأحوال هي هي رخصة، هو كان مطالباً بحضور في الجامع وحضور الخطبتين، وخفف عنه، هي إذاً إسقاط أو حالة إسقاط، أنا أذكر ذلك لأن مثلاً بعض الفقهاء تحفظ كما يقال أو استدرك أن الجمعة وإن لم يجب الحضور لكنها لم يعني يسقط عن المكلف أداء صلاة الظهر، نعم لم يسقط عنه لكن سقط عنه كذلك تكليف وهو حضور صلاة الجمعة. إذاً، أما أن يكون التخفيف بالإسقاط، واما أن يكون بالتنقيص، أي إنقاص قدر العبادة وهذا مثل قصر الصلاة من أربع ركعات إلى ركعتين، كذلك حتى أفعال الصلاة يعني إن قلنا بأنها هي فيها تنقيص، لم يجب عليه القيام عند عجزه، جاز له الجلوس أو جاز له الاستناد أو جاز له الإيماء، كذلك هذا تنقيص.
من الأسباب أو من الأنواع عفواً كذلك الأبدال، أي يعني إبدال من عبادة إلى عبادة أخرى، كما يكون في الوضوء مثلاً حينما يكون من أصحاب التيمم الذين يجوز لهم الانتقال إلى التيمم سواء كان من وضوء أو من غسل، فينتقل إلى عبادة أخرى وهي التيمم، أو لنقل كذلك ما ذكرته في التنقيص إن أردنا أن نبدل القيام مثلاً بالقعود، أو حتى الكفارات في بعض الكفارات بأنها مثلاً في حالة، أو كما يذكر مثلاً الفقهاء أيضاً في حالة الأبدال إن كانت كفارات الحج مثلاً في في من لم يستطع الاتيان بواجب من واجبات الحج، فانه بكفارة من الكفارات عليه دم، أو كذلك كما ذكرت يعني الانتقال من بعض الكفارات حين العجز عن الرتبة الأولى.
كذلك من أنواع التخفيف التقديم، وهذا يكون في الجمع بين الصلاتين، أنه يجوز له حينئذ تقديم الصلاة بسبب المطر فيقدم العشاء إلى وقت المغرب، كذلك بسبب السفر، أو بسبب ما يذكره الفقهاء من حالات الخوف، الميت أو أو كان مبطوناً مثلاً فيجوز له حينئذ أن يقدم الصلاة، وكذلك تقديم الزكاة، يجوز تقديمها بكليومين كما ذكر الفقهاء، فهذا أيضاً من أنواع التخفيف.
من أنواع التخفيف كذلك التأخير في المقابل للتقديم، وهو الجمع مثلاً على سبيل المثال أو قضاء، ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]، فهذا أيضاً من أنواع التخفيف الذي فيه رفع للمشقة.
وكذلك هنالك الترخيص، الترخيص يعني أنه رفع للحرج بسبب فعل محرم مثلاً، أو بسبب ترك شيء كان ثقيلاً من التكليفات إلى شيء أخف، لكن من من الترخيص مثلاً جواز شرب الخمر لأجل إذهاب الغصة، أو مثلاً أكل الميتة للمضطر، أو كذلك حتى قول كلمة الكفر لمن أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان، هذه كلها تعتبر ترخيصات، أي أنه جاز لمن وقع في تلك المشقة أن يترخص بفعل هذه الأفعال.
كذلك يكون التخفيف بالتغيير، ومن أمثلتها صلاة الخوف، فهي هيئة صلاة جماعة بهيئة مخصوصة، فهذا أيضاً من من أنواع التخفيف.
أما أنواع المشقة التي تندرج تحت هذه القاعدة التي نريد أن نتعرف ما هي المشقة التي يترتب عليها جلب التيسير المشقة تجلب التيسير. هنالك مشقة، هنالك مشقة لا تنفك عن العبادة. هذه المشقة التي لا تنفك عن العبادة غير معتبرة، هنالك أصلاً تكليف الشرعي لماذا سمي تكليفاً؟ لأن فيه كلفة، يعني فيه فيه نوع من التكليف على على المكلف الذي كلف بهذه العبادة، فإذا كانت هذه المشقة لا تنفك عن العبادة فهذه مشقة غير معتبرة. هل الصيام ليس فيه مشقة؟ الصيام فيه مشقة، فيه امتناع عن الطعام والشراب وعن شهوة يعني شهوة البطن والفرج في نهار كامل، يعني من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هذه مشقة ليست بالأمر اليسير، لكنها مشقة لا تنفك عن العبادة، الصلاة كذلك والوضوء فيها مشقة، هي تكاليف شرعية، لكن هذه التكاليف أو هذه المشقة لا تنفك عن العبادة، هذه كما قال الإمام رحمه الله تعالى بهذا التعبير قال: قاعدة الحرج اللازم للفعل، أي أنه ملازم للفعل، هو من لوازمها وهو من أساسياته، لا يسقطه كالتعرض إلى القتل في الجهاد لأنه قدر معه، هذا الجهاد هل يأتي إنسان ويقول مثلاً إن الجهاد الذي صار مكلفاً به مثلاً في الدفع حينما يكون الجهاد عينياً هذا يؤدي إلى قتل النفس، هل يقول بأن هذه مشقة؟ الجهاد هو عبادة قائمة على القتل أو على التعرض لذلك، فهذه المشقة إذاً لا تنفك عن العبادة، فإذاً هذه المشقة تكون غير معتبرة.
وهنا في المقابل مشقة تنفك عن العبادة غالباً، فهذه أما أن تكون عظيمة وأما أن تكون خفيفة وأما أن تكون متوسطة، هذا كان مجالا كبيراً للفقهاء والاصوليين رحمهم الله تعالى في معرفة هذا النوع وهذا الضرب من المشقة، أن هنالك مشقة لا تنفك عن العبادة كما بينت قبل قليل، ومشقة تنفك عن العبادة. هذه المشقة التي تنفك عن العبادة منها ما هو مشقة عظيمة فادحة، فتكون هذه المشقة العظيمة الفادحة معتبرة. ماذا تعني كلمة معتبرة؟ أي أنها معتبرة لأجل جلب التيسير، هذه كمشقة مثلاً، وهذه حتى هم رحمهم الله جعلوا منها رتبة الضروريات ورتبة التحسينيات ورتبة الحاجيات.
الضروريات في تعريفهم رحمهم الله تعالى، كما ذكرها الإمام الشاطبي، أنه ما لا تقوم، ما لا يقوم الشيء بدونه، يعني حينما نقول ضروريات خمس كما هم يعبرون رحمه الله: ضرورة حفظ الدين والنفس والعقل والمال، هذه هنا هذه هذه الأمور أو المقاصد الخمسة، فمنها ما هو ضروري يعني أنه لا تقوم الحياة بدونها، أو لا تقوم، لا يقوم هذا الشيء بدونه فهو أمر ضروري، يعني أنه لا ينفك عن هذا الشيء.
وأما أن يكون تحسينياً وأما أن يكون حاجياً. الحاجي في تعبيرهم هم رحمهم الله تعالى أنه ما يمكن أن ينفك عن الشيء، لكن يلحق المكلف به حرج، أو يلحق المكلفة به نوع من الضيق والعنت. وهنالك التحسينيات وهي يمكن أن نعبر عنها بدرجة الكماليات، فهي تحسينيات أي أن وجودها أو عدم وجودها لا يترتب عليه لا حرج ولا كذلك مشقة.
نرجع الآن مرة أخرى حينما علمنا أن هنالك مرتبة الضروريات ومرتبة التحسينيات ومرتبة الحاجيات، إذا كانت هذه المشقة عظيمة فادحة، كشقة مثلاً ماذا؟ مشقة حصول ضرر على الإنسان بسبب مثلاً عبادة من العبادات، قد يطلب منه الوضوء، الوضوء قلنا بانه.
مشقة فيه مشقة لا تنفك عن العبادة، لكن قد يكون هذا الوضوء بوقت من الأوقات أو بسبب تزامنه مع مرض من الأمراض سيؤدي وضوءه إلى مشقة فادحة عظيمة، يتسبب مثلاً في قطع عضو أو بتر عضو من أعضائه، أو حتى الذهاب ببدنه كاملاً حينما مثلاً يترتب على غسله من الجنابة مشقة عظيمة تؤديه أو تؤدي به إلى الهلاك. هذه المشقة العظيمة تعتبر أو تكون في رتبة معتبرة، أي أنها تجلب التيسير، فينتقل إلى ماذا؟ ينتقل إلى التيمم، أو ينتقل إلى المسح مثلاً، أو جزئياً بالمسح على الخفين مثلاً، أو بالمسح عفوًا على الجبيرة.
إذاً، هذه مثلاً مشقة لو تأملنا مشقة عظيمة، الصيام كذلك الجوع والعطش فيه مشقة لا تنفك عنه، لكن ماذا لو كان مريضا؟ كان مريض سكر، كانت حامل وتخشى على نفسها أو تخشى على جنينها. إذاً هذه الآن مشقة لا تنفك عن العبادة غالباً، غالب الناس لا يأتيهم مثل ذلك، لكن هذه المرأة تحديدا أو هذا المريض الزمن أو الكبير في السن سيترتب على صيامه أو على عبادته هذه مشقة عظيمة فادحة، فحينئذ تكون هذه المشقة العظيمة الفادحة معتبرة عليها أنها تجلب التيسير.
الرتبة الثانية: التحسينيات التي هي مشقة خفيفة غير معتبرة، هذه لا يلتفت إليها الفقهاء، كما يمثل هم رحمهم الله كأدنى وجع يأتي مثلاً من وضوئه، أن يرتجف مثلاً من البرد أو أن يلسعه الماء مثلاً، أو أن يشعر بعطش شديد جداً في الصيام، هذه كلها أو الصلاة مثلاً أنه سيتعب، هذه كلها نعم فيها مشقة ولكنها مشقة خفيفة غير معتبرة، فلا تؤدي أو لا تنقله من الأصل إلى التيسير، يعني لا تنقله من الفعل المكلف به إلى التيسير وهو ما يكون مقابلاً.
الرتبة الثالثة: هي رتبة مختلف فيها، أي أنها تتعلق بالحاجيات، هذه المشقة تكون متوسطة، فما معنى متوسطة؟ يعني أنها مترددة بين الضروريات والتحسينيات، بين المشقة العظيمة المعتبرة وبين المشقة الخفيفة غير المعتبرة، هذه اختلف فيها الفقهاء، فمنهم من يلحقها بالأول، يلحقها بأنها تكون سبباً للتخفيف وسبباً لجلب التيسير، ومنهم من لا يلحقها، وهذه محل نظر بحسب الحالة، وبحسب حالة المشقة وكذلك بحسب حالة المكلف، هل يكون مستحقا للتخفيف والانتقال إلى الرخص أو لا يكون مستحقا؟ هذا هو المقصود، والاكما ذكرت قبل قليل، هذا كان مسرحاً لنظر الفقهاء رحمهم الله تعالى والاصوليين في المشقة أولاً، ما هي أنواعها؟ وكذلك فيما يعتبر منها وما لا يكون معتبراً.
ننتقل للقواعد المندرجة تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير، وهذه بعض القواعد وإلا فالقواعد المندرجة أكثر من هذا العدد، أولى هذه القواعد قاعدتي: إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق، الشق الأول قاعدة وكذلك أو إذا اردنا ان نعتبرها قاعدة واحدة، لكن الشق الأول حالة ويقابلها الحالة الثانية، إذا ضاق الأمر اتسع، ما معنى ضاق؟ يعني إذا اشتد الأمر أو صعب الأمر أو كان في الامر حرج، اتسع، يعني إذا كانت هنالك مشقة، أو كان هنالك قد تكون هذه المشقة أيضا حسية، الحالات التي تكون في بعض العبادات بسبب الوضوء مثلاً، وإما أن تكون معنوية كذلك كالشك، بعض الأمور المعنوية.
فإذا ضاق الأمر، يعني لحق المكلف في هذا الأمر ضيق وحرج اتسع، ما معنى؟ هو الآن لن يطالب بتكليف معين، وإنما ستكون له عدة حالات، أو سيكون له يجوز له أن ينتقل إلى حالة أخرى من الحالات التي يكون فيها اتساع في تكليفه، والعكس بالعكس، إذا اتسع ضاق، فإذا اتسع الأمر وصار ليس فيه حرجاً وليس فيه شدة وليس فيه صعوبة، ضاق عليه، فصار مخيراً بأحكام أو مجبراً على أحكام. القاعدة الأولى من أقوال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، إذا ضاق الأمر اتسع، لو طبقنا على المثال ستتضح إن شاء الله تعالى بصورة أكبر، المعسر بالدين هذا الذي أحاطت به الديون، فهذا الآن ضاق عليه الأمر، فإذا ضاق الأمر اتسع، بمعنى أنه يذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى، أنه لا يسجن ولا يلزم بشيء طالما أنه كان معدماً ليس لديه ما يؤدي به الأموال التي يطالبه بها دائنوه.
فإذا ضاق الأمر اتسع، بمعنى أنه لا يطالب بشيء، في حين العكس، إذا اتسع ضاق، إذا كان لديه ما يباع المفلس، إذا كنتم تذكرون هذه المسائل فيما مضى في باب الفلس، فإذا كان لديه مثلاً عدة سيارات ولديه عدة بيوت، هو الآن يعطى أو يمنح في الناحية الشرعية ما يناسبه مما يكون لا يلحقه به أذى أو ضررا أو مشقة أو ضيق، يقال: سيارة واحدة وبيت واحد، ويباع ما زاد عن ذلك حتى توفى ديونه. فإذا ضاق الأمر عليه اتسع، بمعنى أنه لا يمروا على شيء، وإذا اتسع بمعنى أنه كان لديه لم يكن لديه نقد أو سيولة كما يعبر الآن في التعبير المعاصر، لكن لديه من الأموال ما يمكن أن فبتلك الأموال إذا بيعت عليه أن يوفى بديونه، بل حتى لو كان يملك بيتاً واحداً، لكن هذا البيت كبير، وهو أكبر مما يكون فيه مستوى هذا الشخص نفسه، يعني في رتبته الاجتماعية ومكانته الاجتماعية، فيباع عليه ويشترى بجزء من هذا المال بيت يناسبه في الحجم وفي المقدار، والزائد من ذلك يعطى للدائنين، فإذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع الأمر ضاق.
من القواعد المندرجة كذلك قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، هذه قاعدة قال عنها الإمام المقري رحمه الله تعالى أنها من الاقوال الجمهورية، الضرورات تبيح المحظورات، يعني أنها من أقوال الجمهور ومن أقوال المنتشرة عند الفقهاء رحمهم الله تعالى، ومن أشهر أمثلتها أكل الميتة للمضطر. فالضرورات ودققوا الآن معي في المصطلحات، الضرورات يعني أن ما يكون في تركه مشقة لا نقل فادحة بل تؤدي حتى إلى إتلاف النفس، هذا هو المقصود بالضرورات، بخلاف الحاجيات والتحسينيات التي يكون في الحاجيات مشقة، لكن لا يلحقها بها ضرر في الضرورات.
إذاً التي ألجأته إلى هذه الحالة تبيح له المحظورات، أي المحظورات شرعاً، فمن المحظورات الشرعية حرمة أكل الميتة، فلا يجوز أكل اللحم إلا إذا كان مذكى وكان من مباح الأكل، ماذا إذا وجد هذا المضطر الذي يخشى على نفسه الهلاك ووجد ميتة أو وجد خنزيرا فيجوز له حينئذ أكل هذه الميتة لأنه مضطر، فالضرورات تبيح المحظورات. من الأمثلة كذلك أو القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة: قاعدة ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها. المثال الموجود قد قدر الأكل من الميتة للمضطر، هذا على قول في المذهب حتى تتضح الصورة ثم أبين الخلاف، بمعنى أنه أبيح للضرورة، قبل قليل الضرورات تبيح المحظورات، أبيح أكل الميتة، إذاً الضرورة تقدر بقدرها، إذا كان المقدار الذي سيحفظ به الإنسان نفسه من الهلاك مقدارا معينا، فلا يجوز له حينئذ أن يتعدى ذلك إلى أن يأخذ زيادة على ذلك من الميتة أو من الطعام المحرم، حتى إذهاب الغصة كذلك في شرب الخمر، فإنه تقدر بقدرها.
لكن المعتمد من المذهب أن ما روي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى عن إمامنا أنه يجوز لهذا المضطر أن يتزود وأن يشبع كذلك من أكله للميتة. هذا الخلاف أو هذا الفرع فيه خلاف داخل المذهب بين الفقهاء رحمهم الله تعالى في نسبته للمذهب، المهم عندنا هو أن هذه القاعدة: ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، على فارض أن هذا المثال قدر الأكل من الميتة للمضطر في نسبته للإمام، لكن لأعطيكم مثالاً أفضل أو أكثر دقة لهذه القاعدة: ما يتعلق بالجبيرة هذه مرت معنا، فمن كان مضطرا لوضع جبيرة على موضع مألوم في بدنه، فإن هذه الجبيرة يجب عليه أن يضع بقدرها، أو إذا احتاج أن تزيد أن تزيد بمقدار يسير، بمعنى أنه لو كان في إصبعه فقط كسر، هل يحتاج أن يجبر يده كلها إلى مرفقه؟
طبعا الأطباء لهم نظر فيما يحتاج إليه، فقد يضعون الجبيرة على الكف كاملاً، لكن المهم إذا كان محتاجاً إلى وضعها على الكف كله، لا يجوز له أن يزيد عن هذا المقدار مثلاً ويضع شيئاً على ساعده، أو حتى يصل بذلك إلى مرفقه، لأن الضرورة تقدر بقدرها، أنت في حالة ضرورة في وضع الجبيرة، فلا بد أن تقدر هذه الضرورة قدرها، فلا يزيد عن المحل المألوم، أو ما يحتاج إلى لفه أو شده بالعصابة أو بالجبيرة.
من القواعد المندرجة كذلك: الاضطرار لا يبطل حق الغير. الضرورة تبيح المحظورات، ماذا إذا أشرف على الهلاك وكان بجانبه بستان أو ماء مثلاً لشخص بجانبه، لا نتحدث عن بئرنا، ما نتحدث عن مثلاً ماء محفوظ، أو مزرعة فيها طعام، أو وجد شاة حتى ندقق أكثر، وجد شاة فاضطر إلى أكلها، لو لم يأكلها لترتب على نفسه الهلاك، فها هنا الآن يجوز له، إذا الضرورة تبيح المحظورات، من المحظورات الاعتداء على مال الغير، ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه»، فهذا الآن محرم عليه أن يعتدي على مال غيره.
فإذا اضطر إلى ذلك جاز له أن يأكل مال غيره لدفع ضرر آخر، الآن عندنا مرتبتان في الضرر، مرتبة أكل مال الغير ومرتبة النفس، الآن هنا نقدم حفظ النفس على حفظ مال الغير، لكن هذا الاضطرار الذي اضطر إليه ورفع عنه الحرج لا يبطل حق الغير، لأن الضرر لا يزال بالضرر كذلك، فهذا الذي أخذت شاته أو ناقته أو ما كان من طعام لديه، لا يبطل حقه بأن يعطيه أو بأن يعطيه هذا المضطر عوضه، أي عوض هذه الشاة وعوض هذا المال، أو لو كما مثلت قبل قليل، لو كان مثلاً ماء محفوظاً، طبعا إذا كان هذا الماء زائدا عن الحاجة وإلا فصاحبه أولى به، لكن أنا أقصده ماء مثلاً كان محفوظاً في قوارير أو غير ذلك، فهذا يعتبر مالاً، فهذا لا يبطل حق الغير. فالاضطرار لا يبطل حق الغير، لماذا؟ لأن الضرر لا يزال بضرر مثله.
الشيخ نايف آل الشيخ مبارك