دخولتسجيل الدخول

الدرس 5 - قاعدة الضرر يزال

الشيخ نايف آل الشيخ مبارك
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. نتناول في هذا الجزء قاعدة فقهية أخرى من القواعد الخمس الكبرى، وهي قاعدة الضرر يزال. ومنهم من عبر -أي من الفقهاء- من عبر عن هذه القاعدة مستنداً للفظ النبوي الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا ضرر ولا ضرار»، ومنهم من عبر بقوله نفي الضرر.

الضرر في اللغة له عدة معان، من بين تلك المعاني أنه خلاف النفع. فمن عبر بهذا التعبير أو التعبير الثاني أو التعبير الثالث، فخلاف النفع الوارد في الآيات أو في الأدلة الشرعية من الآيات والأحاديث كلها تدور حول هذا المعنى، أي معنى خلاف النفع، أي ما يكون فيه ضرر أي خلاف للنفع.

هذه التعبيرات الثلاثة: لا ضرر ولا ضرار، الضرر يزال، أو نفي الضرر، كلها تعني عند الفقهاء على اختلاف تلك التعبيرات؛ إزالة الضرر ابتداء ومقابلة، ودفعه قبل وقوعه، ورفعه بعد وقوعه.

لا ضرر ولا ضرار على من رأى من العلماء أو بناء على من قد رأى من العلماء أن الضرر له معنى مغاير لمعنى الضرار، أي أن الضرر أي لا يضر الرجل أخاه، والاضرار أو الضرار -عفواً- لا يكون إضرار من كل واحد من الطرفين لصاحبه، لأن الضرار فيه مقابلة، فيه صيغة، هذه الصيغة تعني أن هنالك طرفين، فعلى هذا التعبير أو على التعبير الآخر أن الضرر يزال؛ ما معنى يزال؟ يعني يدفع ويرفع.

أو على تعبير من رأى من الفقهاء أن يعبر بقوله نفي الضرر، أي أن الضرر منفي ابتداء. كلها بهذه التعبيرات تعني هذا المعنى، أي إزالة الضرر ابتداء بأن لا يقع ومقابلة في من يقابله من الطرف الآخر، ودفعه قبل وقوعه يعني أن يدفع وينفى قبل وقوعه، وكذلك يرفع بعد وقوعه أن يزال بعد وقوعه. من أدلة هذه القاعدة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، وكذلك ما جاء في آيات وأحاديث أخرى من بينها قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].

هذه القاعدة لها قواعد مندرجة تحتها، من بين تلك القاعدة في تعبيرها الأصلي في قولهم -أو في قول الفقهاء- ضرر يزال على اعتبار أن ضرر يزال تعبير آخر، أو أنها مندرجة تحت القاعدة بالتعبير الآخر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». وهذا أصلاً لأنه هنالك خلاف بين قال أيهما أعم يعني يشمل الحالتين في قضية الابتداء والمقابلة والرفع بعد الوقوع أو الدفع قبل الوقوع.

من هذه القواعد المندرجة: الضرر يزال، ومن الأمثلة على هذه القاعدة الحجر على المفلس. من هو المفلس؟ الذي حكم القاضي بفلسه، هذا الشخص الذي حكم القاضي بتفليسه أو بفلسه سيحجر ويمنع من التصرف في ماله؛ لماذا يحجر؟ لكي يزال الضرر عن الدائنين، هذا سيكون فيه صيانة لحقوقهم، سيكون فيه صيانة لأموالهم مما قد يقع عليهم من الضرر فيما لو تصرف هذا المفلس في ماله. لذلك هذا الضرر الواقع بهم أو الذي يمكن أن يقع بهم يدفع قبل وقوعه بأن يحجر على المفلس ويمنع من التصرف في ماله صيانة لتلك الحقوق.

ومن تلك القواعد أيضاً ومثالها مشابه للمثال السابق: الضرر يدفع قدر الامكان. ما معنى يدفع؟ يدفع يعني ينحى يبعد. وبقدر الإمكان يعني بقدر الاستطاعة وبقدر اليسر، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وكما قال المولى تبارك وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِه عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60].

إذاً، هذا الضرر الذي يمكن أن يتوقع من العدو يدفع بقدر الإمكان، يعني بقدر القدرة أو بقدر الطاقة وبقدر اليسر والاستطاعة. فمن وجد متاعه عند من أفلس -يعني أن من باع إنساناً أو أقرضه شيئاً من المال وحكم على هذا المقترض بأنه قد أفلس- الأصل بأن هذا المقرض سيكون أسوة الغرماء، أي إنه يذهب ويحاصص الغرماء في المال الذي سيأتيهم جميعاً من هذا الشخص الذي قد أفلس.

لكن لو وجد متاعه عنده، يعني عينه، فهذا الضرر يدفع بقدر الإمكان بمعنى أنه لا يحاصصهم وإنما يأخذ متاعه مباشرة؛ فلو باعه شيئاً دون أن يؤدي المفلس ثمنه، باعه سيارة مثلاً، فيأخذ السيارة لأنه هو أحق بها كما ورد في ذلك، وكما وردت في ذلك الأدلة الشرعية.

من القواعد المندرجة كذلك: الضرر لا يزال بمثله. الضروري ينبغي أن يرفع ابتداء ومقابلة، يدفع قبل وقوعه، لكن ماذا لو كان هذا الضرر يترتب عليه ضرر مثله؟ لو كان يترتب عليه ضرر أقل منه، نعم هنا سنتحدث عن القاعدة التي ستأتي بعد قليل، وهي أن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف. لكن نتحدث عن ضرر سيرفع سيزال بماذا؟ بضرر مثله، كمن أكره على قتل مسلم؛ أتى إنسان وهدد شخصاً وقال له: اذهب واقتل فلاناً وإلا ساقتلك.

الآن هذا الضرر الذي سيقع على هذا الشخص المهدد ما هو؟ هو قتل لنفسه وازهاق لروحه، في مقابل ماذا؟ في مقابل أنه سيذهب ويزهق روح إنسان غيره. فهذا الضرر الواقع به لا يزال بمثله، بمعنى أنه صيانة لروحه أو صيانة لنفسه من القتل يهدر أو يضر بغيره بمثل هذا الضرر الذي وقع به. نعم لو هدد مثلاً بأنه لو لم يذهب ويسرق مال فلان أو سيارة فلان ويذهب ويؤذي فلاناً سيقتل؟ نعم هنا الآن كما سيقال سنقدر ما هي المفسدة أو الضرر الأكبر ونذهبه من خلال ارتكاب الضرر الأخف، طالما أن الضرر الذي سيرتكب لأجل دفع ضرر مثله فهذا إذا لا يكون، كما مر معنا أيضاً في القواعد أو في الدرس الماضي بأن الضرر لا يزال بمثله.

كذلك من القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة: الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف كما بينت قبل قليل. ومن أمثلة ذلك: اخذ السلع من المحتكر الذي يجمعها وقت قلتها ليبيعها بالغلاء. هذا الذي يحتكر سلعة يقوم عليها الناس وعليها قوام عيشهم، ويجمعها ويجعلها في المخازن -كما يقال يخزنها- حتى إذا اشتدت حاجة الناس إليها باعها، باعها ماذا؟ باعها بالغلاء.

هذا سيجبر على البيع؛ لماذا يجبر على البيع؟ كي لا يشتد ضرر الناس. أليس إجباره على البيع فيه ضرر؟ نعم فيه ضرر، فيه ضرر من عدة أمور، فيه ضرر بإجباره على البيع، قد يكون هو كما يقال من الناحية التجارية يريد التصريف في أوقات مختلفة وسيكون كذلك بثمن وسعر معين، لكن هذا كله هذا الضرر كله يرتكب ولابد من ارتكابه في مقابل دفع ضرر أشد، وهو عدم الإضرار بالناس، وعدم تفويت مصلحتهم، وعدم الإخلال -كما يقال حتى لو قلنا مثلاً تعبيرنا المعاصر بالأمن الغذائي في المجتمعات- فالضرر الأشد الذي سيلحق مجتمعاً كاملاً يزال بارتكاب ضرر أخف.

ويمثل الفقهاء لها كذلك بمن كانت داره أو كان مثلاً جزء من داره محتاجاً إليه في الناس ولتوسعة طريقهم أو للمسجد، فإنه يجبر على بيع بيته، سيرتكب في حقه ضرر، لكن هذا الضرر أخف من إبقاء الناس في ضيق وفي مشقة بسبب عدم البيع. فإذاً الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.

ومن القواعد كذلك المندرجة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ما معنى درء؟ يعني دفع. المفاسد درؤها أولى من جلب المصالح، يعني في فعل واحد قد يترتب عليه مصلحة في فعله، أي مصلحة شرعية، والشريعة جاءت لرعاية المصالح وتقريرها وجلبها وكذلك جاءت لدفعها.

والمثال الموجود: مثل ترك المبالغة في المضمضة للصائم. ما الذي سيترتب على المبالغة في المضمضة؟ تحقيق أمر النبي صلى الله عليه وسلم: «وبالغ في المضمضة إلا أن تكون صائماً». المبالغة في المضمضة فيها تحقيق للإسباغ لإسباغ الوضوء وامتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في تتمة الحديث: «إلا أن تكون صائماً».

ما الذي يمكن أن يحصل من هذه المضمضة والمبالغة في المضمضة؟ قد يصير الماء إلى حلقه، فإذا وصل الماء إلى حلقه ترتب على ذلك القضاء، لأن وصول الماء إلى الحلق يعتبر من الأمور المنهي عنها أي التي ينهى عنها الصائم بأن يوصل شيئاً من تلك الأشياء إلى حلقه وإلى غير ذلك من المنافذ أو من المفطرات التي مرت معنا في أحكام الصيام.

إذاً هذه فيها مصلحة، فيها تحقيق لإسباغ الوضوء، فيها مصلحة شرعية، لكنها هذه المصلحة حينما تعارضت مع مفسدة، فإن درء المفاسد أولى من جلب المصالح.