بسم الله الرحمن الرحيم. نتناول في هذا الجزء قاعدة فقهية جديدة من القواعد الخمس الكبرى، وهي قاعدة العادة محكمة. هذه القاعدة التي تتفرع عنها فروع كثيرة لا تعد ولا تحصى كما ذكر الفقهاء، وكذلك هذه القاعدة تعتبر دليلا على يسر الشريعة وسماحتها. وكذلك فيها برهان أو فيها تأكيد لرعاية الشريعة لمصالح الناس، ورعايتها لمصالح المجتمعات، وتحكيمها لما يكون به العمل، أو ما يكون العرف والعادة جارية في المجتمعات.
هذه القاعدة تعني اعتبار العادة حكما لإثبات حكم شرعي في المسائل الاجتهادية المرتبطة بالعرف والمسائل الخلافية عند النزاع. أولا، العادة محكمة؛ ماذا تعني محكمة؟ يعني تعني أنه محكوم بها أو مقضي بها، فهي مأخوذة من الحكم، والحكم هو القضاء أو العمل. فإذا العادة محكمة أي أن العادة محكوم بها ومقضي بها. العادة هل تختلف عن العرف؟ في مذهبنا المالكي العادة والعرف بمعنى واحد، لا فرق بينهما. في حين في المقابل من الفقهاء من رأى أن هنالك فرقا بينهما، أن العرف ما يكون مرجعه للأقوال، أن الأعراف لها علاقة بالأقوال والالفاظ والكنايات، والعادة لها علاقة بالأعمال أو بالافعال. في مذهبنا الذي يهمنا هو أنه لا فرق بينهما، حينما نجد في ألفاظ الفقهاء اعتبار العادة أو ما جرى به العرف، أو ما كان عليه العرف، أو ما تعرف عليه الناس، أو ما اعتاد عليه الناس، هذه كلها بمعنى واحد. إذا العادة أو العرف محكم، أو العادة محكمة.
ماذا يعني هذا؟ أولا، العادة، إذا نرجع كذلك خطوة للخلف، ماذا تعني كلمة العادة أو العرف؟ العادة تعني غلبت معنى من المعاني على جميع البلاد أو على يعني بعض البلاد، كذلك كما سنتعرف أن هنالك من الأعراف ما يكون خاصا، هنالك من الأعراف ما يكون عاما في جميع البلاد. غلبة معنى من المعاني، غلبة فعل من الافعال، غلبة أو شيوع لفظ من الألفاظ كذلك، هو أما أن يكون فعلا وإما أن يكون لفظا. غلبة هذا اللفظ أو غلبة هذا الفعل وشيوعه واطراد هذا المعنى يجعل هذا اللفظ أو هذا العمل أو هذا الفعل هو المتبادل للذهن حينما يأتي ذكره، أو حينما يأتي التمثيل به. إذا الآن نقول العادة غلبة معنى من المعاني، وأن هذه المعاني التي صارت غالبة في إقليم من الأقاليم وفي جميع البلاد محكوم بها.
ماذا يعني محكوم بها؟ نرجع الآن مرة أخرى إلى معناها: اعتبار العادة حكما لإثبات حكم شرعي. لدينا شقان الآن، لدينا إثبات حكم شرعي من خلال ماذا؟ من خلال اعتبار العادة، اعتبارها حكما لإثبات حكم شرعي في ماذا؟ بالمسائل الاجتهادية المرتبطة بالعرف، أي التي جاء فيها ارتباط أو أن الشريعة أحالتها للعرف، أو المسائل الخلافية التي ليس مرجعها للعرف، لكن صار العرف هو الحاكم فيها حينما لم يأتي فيها دليل واضح أو دليل حاكم. ستتضح إن شاء الله تعالى هذه الأمور بعد قليل، لكن دعوني أعطيكم مثالا واحدا: إذا كنتم تتذكرون في مقرر فقه العبادات أن من مبطلات الصلاة الأفعال الكثيرة، لذلك يذكرون من واجبات الصلاة ترك الأفعال الكثيرة، أو من شروط صحة الصلاة ترك الأفعال الكثيرة، أو أن من مبطلاتها الأفعال الكثيرة. طيب، ما هي حدود هذه الأفعال التي تبطل الصلاة؟ من الفقهاء من ذكر أنها ثلاث حركات أو غير ذلك. في مذهبنا أرجع الفقهاء ذلك إلى العرف، أي أن ما كان معروفا في العرف أن هذه الأفعال تنافي الصلاة، أن من رأى هذا الشخص يفعل هذه الأفعال حكم بأنه في صلاة أو بأنه في غير صلاة. وغير ذلك من الأمثلة التي ستأتي بعد قليل. إذا اعتبار العادة أو العرف حكما لإثبات حكم شرعي في المسائل الاجتهادية المرتبطة بالعرف فيما يتعلق بالعرف، أو في المسائل الخلافية عند النزاع.
العرف له تقسيمات أو العادة لها تقسيمات، أما من حيث الموضوع تنقسم إلى عرف أو عادة قولية وعادة فعلية، عرف قولي أو لنقل لفظي، هنالك عرف فعلي أو لنقل عملي. القول يعني أن هنالك أقوال لها علاقة بالأقوال، كألفاظ الكنايات في الطلاق، في النكاح، الألفاظ التي تختص ببعض البلدان أو عموم من في جميع البلدان فيما يتعلق بالبيع بالشراء، كما مثلت قبل قليل. ألفاظ النكاح هذه كلها تعتبر من ناحية العرف (يعني من جهة القول)، إذا هي عادة أو قولي، وهذا مثلا حتى حينما يذكر الفقهاء كما ذكر الإام القرافي أنه ينبغي ويجب على المفتي في مسائل النكاح أن يعرف عادات البلاد ويعرف أعرافها، حتى لا يفتي بشيء متعلق ببلدة، ويحكم فيه بحكم الفقه يخالف ما كان معروفا في تلك البلدة وفي ذلك الإقليم. إذا هو عرف قولي، وهنالك عرف فعلي. كذلك هذه الأمور ستتضح، أنا لا اريد كما يقال أن أقدم توضيحات وتمثيل لهذه التقسيمات وهي ستأتي بعد قليل.
وتقسيمها من حيث مصدرها (المصدر يعني يعنى به أو يقصد به الجهة التي يصدر منها هذا العرف) فهي إما أن يكون عرفا عاما أو عادة عامة، أو خاصة، أو شرعية. العامة يعني ليست مختصة ببلد من البلدان، بل هي غالبة في جميع البلاد. أما العرف الخاص فهو خاص باقليم معين، كما نقول عرف المشارقة أو عرف المغاربة، بل حتى في البلدة الواحدة أو في الدولة الواحدة على الاصطلاح المعاصر في زماننا هذا، الدولة الواحدة قد يكون هنالك فرق بين أهل الشمال وأهل الجنوب أو الشرق والغرب، بل حتى أهل الشرق مثلا يكونوا بين المدينتين أو قريتين عرف في بعض المسائل في النكاح، في البيوع، في الأقضية، وغير ذلك. وهنالك عرف شرعي، ما المقصود بالعرف الشرعي؟ يعني ما تعامل به الناس لكن كان مصدره الشرع، ما تعامل به الناس من جهة العوائد ومن جهة الأعراف لكن مصدره الشريعة فيما أمرت به الشريعة، ما نهت عنه، ما ذكرته أو بينته من الأخلاق، ما يتعلق بستر العورة، وغير ذلك. هذه كلها تعتبر أعراف معروفة أو عادات لكن مصدرها الشرع.
أما تقسيمه تقسيم العرف من حيث قبوله فهو ينقسم إلى عرف صحيح وإلى عرف فاسد. العرف الصحيح ما هو؟ الذي لا يخالف الشريعة، فالعبرة والتقديم هو للشريعة ولاحكامها ولنصوصها، لكن متى تحكم العادة؟ أو متى تعتبر العادة محكمة؟ إذا كانت هذه العادة ليست مخالفة للشريعة، وكذلك لم يرد نص فيها بخصوصها، لأنه لو ورد نصا فسيكون الحكم للنص. ولكن طالما أنه لم يرد نص بخصوصها وكانت هذه العادة أيضا لا تخالف أصول الشريعة العامة، فهي عادة مقبولة تعتبر داخلة في إطار العادة الصحيحة، وإن كانت لها شروط أخرى ستأتي بعد قليل. وهنالك عرف أو عادة عرف فاسد، أو عادة تعتبر فاسدة، وهي ما كانت مخالفة للشريعة أو مبطلة لنص من نصوصها.
أما مدى العمل أو مدى العمل به عند أهله، فهو أولا ينقسم إلى عرف مطرد، وإلى عرف غالب، وإلى عرف مساو، وإلى عرف نادر. ما هو العرف المضطرد؟ المضطرد والغالب هذان بالمناسبة شرط من شروط العمل بالعرف كما سيأتي بعد قليل. إذا نحن نتحدث عن أول أمرين، المساوي والنادر، أي يلتفت إليهما؟ المطرد يعني مستمر، يمشي على وتيرة مستمرة، وتيرة واحدة. الغالب، عفوا، مضطرد مستمر. في حين أن الغالب هو أقل رتبة من المضطرد، الغالب يتخلف في بعض الأحيان، فإذا المطرد مستمر بشكل كامل في جميع الحالات وفي جميع الصور وفي جميع الأمثلة، في حين أن الغالب سيكون قد تخلف في بعض الصور أو في بعض الأمثلة. كلاهما يعتبران شرط من شروط العمل بالعرف، المضطرد وكذلك الغالب. المساوي ما كان مشتبها، أي أنه ليس غالبا وليس كذلك أقل من الغالب، وإنما هو مشتبه، بمعنى إما أن يكون هذا العرف في بلد من البلدان يعرفه عدد من الناس وفي المقابل كذلك لا يعرفه عدد من الناس (يعني لا نقول لا يعرفه قلة، وإنما هو متوسط، ليس معروفا بصفة غالبة)، فهذا إذا لا يعتبر عرفا، فهذا لا يلتفت إليه، ومن باب أولى أن يكون نادرا، والنادر لا حكم له كما قرر الفقهاء.
هذه التقسيمات الآن تعطينا كما يقال تصورا إجماليا إلى هذه الجهات، من حيث الموضوع والمصدر والقبول: أن هنالك أعراضا قولية، وهنالك فعلية، وهنالك ما يكون عرفا عاما في جميع البلدان وعرف خاص في بعض البلدان أو الأقاليم. ستتضح أمثلة ذلك وكذلك المعنى العام طريقة أو لقول الفقهاء باعتبار العادة حكما في الجهتين في المسائل الاجتهادية وكذلك الخلافية، ستتضح إن شاء الله تعالى من خلال ما سيأتي بعد قليل من مزيد توضيح لهذه القاعدة، وكذلك من القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة والأمثلة التابعة لها. أما أدلتها وشروط اعتبار العرف ومحل اعتباره كذلك والقواعد المندرجة نتناولها في الشريحة التالية.
أما أدلة هذه القاعدة؛ فمن أدلتها ما جاء في قول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199]، وكذلك ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19], وكذلك ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233], وكذلك ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
أما شروط اعتبار العرف؛ فمن شروطه عدم مخالفته للشرع، لأن الشرع هو الحاكم، فلابد أن يكون هذا العرف أو تكون هذه العادة غير مخالفة للشرع، كما تبين معنا قبل قليل بأن العرف المخالف للشرع يعتبر عرفا لا يعمل به. كذلك من شروطه اضطراده أو غلبته، وهذا الذي أيضا تعرفنا عليه قبل قليل، قلنا اضطراده أي أنه يسير في وتيرة مستمرة تشمل جميع الأحكام والصور المندرجة تحته، أو غلبته على الأقل، وهو المتخلف في بعض الصور لكنه يعتبر عرفا غالبا أو تعتبر عادة غالبة. كذلك من شروط اعتبار العرف عدم التصريح بخلافه، أي عدم التصريح من الناس بخلافه (يعني هو معروف ولكن لا يصرح بخلافه)، حتى تتضح الصورة سيأتينا بعد قليل مثال أن المعروف عرفا كالمشروط شرطا، أن مثلا لو كان هنالك عرف جار في البلدان، مثلا نحن عندنا في السعودية على سبيل المثال، أنني لو ذهبت واشتريت جهازا كهربائيا من الأجهزة الكبيرة كالثلاجة على سبيل المثال، فإن مما هو معروف أن صاحب المحل من غير أن أطلب منه سيوصلها هو إلى بيتي. هذا يعتبر كما يقال المعروف عرفا كالمشروط شرطا، أي أنه لا يحتاج إلى أن يذكر في العقد أو أنني أطلب من البائع أن أقول له اريد منك أن توصلها إلى بيتي، فطالما أن ذلك معروف فهذا يعتبر من لوازم أو كأنه من الشروط المشروطة في العقد. ماذا لو قال البائع: أنا سأبييعك هذه الثلاجة لكن لن استطيع أن أوصلها لك؟ إذا هذا هو صرح بخلاف العرف، فطالما أنه صرح بخلاف العرف فلا يعمل به، فهذا هو المقصود من كلام الفقهاء أنه لا من شروط اعتبار العرف عدم التصريح بخلافه.
وكذلك من شروطه سبقه أو مقارنته لما اريد تحكيمه به، وهم عبروا أيضا عن هذا الأمر أو عن هذا الشرط بقولهم: لا عبرة بالعرف الطارئ. ماذا يعني هذا؟ قد تتغير الأعراف فيما بعد، فالمهم هو أنه يقارن عند العقد أو يقارن عند العمل به. الإمام القرافي -حتى تتضح الصورة لهذا الشرط وهو أمر مهم- يقول رحمه الله تعالى: دلالة العرف مقدمة على دلالة اللغة، اللغة تأتي بمعان، والعرف له معنى آخر، قد يخصص معنى من المعاني اللغوية، فالعرف مقدم على دلالة اللغة لأن العرف ناسخ للغة كما قال هو رحمه الله. قال: والناسخ يقدم على المنسوخ. ثم ذكر هذا الأمر قال: فكما أن عقد البيع يحمل فيه الثمن على النقود المعتادة، ولا عبرة في هذا البيع لتبدل العادات بعده في النقود. طالما أن العقد تم على عرف، لا عبرة فيما بعد فيما لو تبدلت تلك النقود، فالعبرة بما كان مقارنا (لماذا؟ مقارنة للعقد، أو كان سابقا له على الأقل). كذلك نصوص الشريعة لا يؤثر فيها إلا ما قارنها من العادات، فلا بد إذا حتى يعتبر هذا العرف أو تعتبر هذه العادة إما أن تكون سابقة أو مقارنة لما اريد تحكيمه به، فمتى تغيرت بعد ذلك فلا يلتفت إلى ذلك.
أما محل اعتبار العادة؛ فما ورد مطلقا في الشرع ولم يرد له ضابط في الشرع ولا في اللغة، كما بينت قبل قليل (يعني لم يرد فيه تحديد، كما مثلت الأفعال الكثيرة في الصلاة لم يرد فيه تحديد ولم يرد له ضابط في الشرع). مثل الحرز في المال المسروق، هذا ورد ولكن من غير تفصيل، فهذا يختلف باختلاف العادات. العادة الآن تقضي مثلا بأن السيارة على سبيل المثال، هذه وإن كانت سابقا تختلف عن وسائل الركوب قديما، وسائل الركوب قديما الدواب تحفظ في أماكن خاصة، أما داخل البيت أو في البساتين، أو حتى حينما يرد المسافر إلى بلد من البلدان ويذهب بها إلى الفنادق الخاصة كما يقال بالدواب -أجلكم الله-. الآن في زماننا هذا وقوف السيارة عند شباب المنزل عند باب البيت يعتبر حرزا لها، فسرقتها من هذا الموضع يعتبر حرز لها من حيث العرف. لم يجري العرف بأن يضع الإنسان مثلا ماله أو يضع ذهبه أو يضع ذهب زوجته على سبيل المثال في مكان استقبال الضيوف، وإنما هذه الأشياء.
الثمينة توضع إما في غرفة خاصة أو في صندوق محكم في غرفة النوم، أو في غرفة خاصة بحفظ هذه الأمور. هذه كلها لها علاقة بالعادات أو الأعراف. أما القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة؛ تحت قاعدة العادة محكمة، أولها: إنما تعتبر العادة إذا اضطردت أو غلبت، وهذه من الشروط وتكررت الآن ولذلك قلت قبل قليل أنها ستأتي وستتضح جلياً.
تعتبر العادة متى؟ إذا اضطردت أو غلبت، بمعنى أن المساوى نادر لا حكم له أو لا يلتفت إليه في جانب العادة. مثل التبايع بثمن دون تعيين عملته؛ ذهبنا إلى مكة ووجدنا سلعة في هذا الزمان في زماننا هذا، وأراد أن يشترى وقال له ريال، وهذا الريال العملة بعدد من البلدان، هذا الريال ماذا يقصد به؟ يقصد به الريال السعودي، فالتبايع بثمن دون تعيين عملته، طالما أن العرف في البلد جار على أن العملة ستكون بالتعامل بالريال.
وكذلك حينما مثلاً لنوسع دائرته أكثر، حينما يكون مثلاً في الاستيراد والتصدير هنالك عرف مثلاً معروف بين التجار بأن العملة تكون ببلد المستورد أو العملة بحسب -عفواً- بلد المصدر مثلاً. هذه كلها تعتبر إذا كانت غالبة وكانت مطردة يعمل بها. فإذاً مما من هذه القواعد والتي تعتبر أيضاً شرطاً من شروط العمل بالعادة: إنما تعتبر العادة إذا اضطردت أو غلبت.
كذلك من القواعد المندرجة: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، يعني المعروف عرفاً عند الناس كالمشروط شرطاً ولفظاً وكتابة في العقد، يعني كأن هذا العرف الذي جرى العمل به واضطرد عند الناس كأنه مذكور في العقد وإن لم يذكر. مثل هبة الثواب وسأرجع لهبة الثواب. أنا مثلت قبل قليل الأدوات الكهربائية، الآن المعروف عند كثير في كثير من البلدان أن من اشترى مثل هذه الأمور من الأجهزة الكهربائية الثقيلة أو الكبيرة التي لا يستطيع الإنسان عادة أن يحملها، من الذي يوصلها؟ يوصلها البائع.
إذاً هذا معروف عرفاً، فهو كأنه مشروط شرطاً، أي كأن الذي اشترى قال: سأشتري منك هذه الثلاجة أو هذا مثلاً التلفاز الكبير بألف وأنت عليك أن توصله إلى البيت، كأنه ذكر ذلك، كأنه شرطه في العقد، وهذا الشرط من أين أتى؟ من كون هذا الأمر معروف في تلك البلدة أو معروف في ذلك الإقليم.
ومن بين ذلك ومثله هبة الثواب. ما هي هبة الثواب؟ يعني هب الإنسان غيره بقصد أن يسترد، بقصد أن يرد له الموهوب له عوضه أو بدله. هذا إذا اختلف الناس فيه بمعنى أنه مثلاً أنا ذهبت وهديت شخصاً هدية وكان قصدي بها الثواب -حتى تتضح الصورة أكثر، في زمن سابق كان مثلاً الفقراء أو البسطاء يذهبون إلى بعض الوجهاء أو الوزراء ويهدونهم شيئاً، يهدونهم أشياء بسيطة، حتى ربما يكون سمناً مثلاً، أو يهدونهم، يهديه مثلاً البدوي أو العمودي كما يقال، يهديه مثلاً شاة- بقصد ماذا؟ بقصد أن يثيبه ذلك الوجيه أو الوزير أو الغني، يثيبه عليها بشيء أكبر منها، بشيء أكبر من الشاة وأكبر من السمن.
المعروف الآن، هل مثل هذا الشخص يهدي لهذا الشخص الآخر يهديه هكذا؟ أو إنه غالباً يريد به هبة الثواب؟ فهذا هو المقصود بأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. لذلك لو اختلف وذكر الواهب، ذكر أنني وهبته هذه الهبة بقصد الثواب، ثم أنكر الموهوب له، قال: أنا قبلتها على أنها هبة، يعني هبة معتادة، هبة لوجه الله يعني لوجه المهدى إليه ولم أعلم أنه يقصد بذلك هبة الثواب، فالحكم لمن يكون؟ للواجب، فيكون الكلام كلاماً للواهب؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
من الأمثلة كذلك أن الكتاب كالخطاب. ما المقصود بالكتابة؟ يعني العبارات المكتوبة أو يعني المخطوطة أو المركونة، هذه تعتبر كالألْفاظ المنطوق بها في الخطاب عند من؟ مثلاً عند المخاطبة طبعاً، عند من؟ مثل الإجابة والقبول بالفاكس والإنترنت. بمعنى أنني حينما أشتري شيئاً في كلام الفقهاء رحمهم الله تعالى في الإيجاب والقبول: بعتك، اشتريت. هذه الأمور كذلك حتى الشروط حينما تكون بالألفاظ هذه واضحة؛ أذهب إلى التاجر وأقول له: بعني هذه السلعة، ويقول: بعتك، وأقول: اشتريت منك، أو يقول: بعتك، وأنا أقول: اشتريت. هذه واضحة.
ماذا إذا كان خطاب بين شركتين بالفاكس أو بالإنترنت أو عبر الإيميل الآن في هذا الزمن، كتبت فيه الشروط وكتبت فيه الأمور أو حتى عقد توظيف كما يقع الآن عند بعض الموظفين مع شركاتهم ومع جهاتهم التي يعملون بها؟ كل هذه أو جل هذه الأمور أصبح الآن بالكتاب أو بالكتابة، هذا كالخطاب يعني كالخطاب الملفوظ والمنطوق به، فيقوم مقام الإيجاب والقبول. وهذه مرت معنا ورأينا أن في المذهب فيه سعة كبيرة فيما يتعلق بالإيجاب والقبول والمعاطاة وغير ذلك مما يقوم مقام الإجابة والقبول اللفظي.
من القواعد كذلك المندرجة تحت هذه القاعدة: الإشارات المعهودة من الأخرس كالنطق باللسان. الأخرس لا يستطيع النطق ولا يستطيع أن يقول مثلاً بعني، أو مثلاً حتى في المحكمة حينما يجلس عند القاضي ويسأله عن شيء، هو يسمع الآن ولا يستطيع أن يقر بلسانه، فإذا أشار بإشارة معهودة مثلاً كما يقال أشار برأسه من أعلى إلى أسفل أو من اليمين إلى اليسار يفيد بأنه، أو إنه مثلاً رافض، هذه تعتبر من الإشارات المعهودة.
وكذلك حتى الآن من الإشارات المعهودة لغة الإشارة، هذه أصبحت الآن عرفاً عالمياً، فإذا أشار الأخرس بيده بكلام أو شيء مفيد مما هو معهود فإنه يعتبر كالنطق باللسان. فهذه عادة، والآن هل لنلاحظ أن هذه العادة كعادة عالمية لغة الإشارة لغة عالمية عند جميع البلدان ليست خاصة ببلد من البلدان، فهذه إشارة معهودة تستند إلى عرف أو عادة عامة محكمة في جميع البلدان وليس في بلد واحد من البلدان.
حتى الخطاب، وكذلك الكتاب، الخطاب. في حين أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً هذه ربما يكون في بعض البلدان، ليس بالضرورة أن الجميع، بل ربما على سبيل المثال في في البيع بالجملة والتفريق كما يقال، حينما أذهب أشتري ثلاجة واحدة أو أشتري مثلاً شيئاً واحداً قد يوصله إلي البائع، في حين أنني حينما أذهب وأشتري من محلات الجملة كما يقال، غالباً محلات الجملة لأنها تبيع بثمن رخيص ليست ليست عندها خدمات كما يقال، ليست عندها خدمات إصال، ليست عندها خدمات أو يعني توصيل أو أو حتى تركيب أو غير ذلك.
فإذاً هذه حتى داخل البلدة الواحدة وداخل التجارة الواحدة كتجارة الأجهزة الكهربائية مثلاً أو الأغذية قد يكون هنالك فرق بين بعض البائعين وبعض البائعين، ما نراه مشاهداً فهنالك فرق بين بعض المحلات أو بعض أو بعض يعني التجار الذين يبيعون بطريقة معينة مخالفة لطريقة أخرى.
إذاً الإشارة أو الإشارات المعهودة من الأخرس كالنطق باللسان. كذلك من القواعد المندرجة: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان، لا ينكر يعني لا يجهل أو لا يستنكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، بمعنى أن الأحكام تتغير بتغير الأزمان وتتغير بتغير الأشخاص. المثال الموجود الآن خوارم المروءة التي يذكرها الفقهاء سابقاً في كتب القضاء وفي باب الشهادات أنه لا يفعل ما يزري بمروءته، هذه الآن تغيرت كثير منها مما يذكر سابقاً أنه لا يأكل أمام الناس أو أنه مثلاً لا يفعلو فعلاً، هذه كلها تغيرت بل لنكون أكثر كما يقال دقة دعونا من هذا المثال.
تغير حتى الفتوى في بعض الأحكام الفقهية مبني على ماذا؟ مبني على تغير الأزمان. تغير الأزمان بسبب ماذا؟ أما بسبب فساد الناس أو بسبب فساد زمان، مر معنا أن إمامنا مالك رحمه الله تعالى بل حتى فقهاؤنا فيما بعد تبدلت اجتهاداتهم ورأوا مثلاً في سبيل على سبيل المثال تضمين أو تضمين الأجراء في بعض الأمثلة بسبب فساد الناس، أي أن من كان صانعاً -طبعا لها شروط أن يكون قد أعلن أنه صانع ونصب نفسه لهذه السلعة وأنه وكان مما يغاب عليه- لا نريد أن ندخل في التفاصيل لكنه يضمن تلك السلعة لماذا؟ حتى لا يدعي السنة أنهم ضيعوا تلك الأموال؛ لأن الأصل في أن يده يد أمين ويد الأمين لا تضم، لكن حتى لا يدعي كثير من الصناع أن ما بأيديهم من أموال الناس من أجهزتهم من حواسيبهم من ساعاتهم من جوالاتهم من الذهب الذي يعني سيصلحونه لا يدعون في بعد ذلك أنه ضاع منهم.
فها هنا رأى فقهاؤنا رحمهم الله تعالى بسبب فساد الزمان تضمين هؤلاء الصناع. هذا هو المقصود، إذاً بسبب العادة أو بسبب العرف تغيرت بعض الأحكام بسبب تغير الزمن، قد يرجع زمن من الأزمان وتتغير كذلك هذه الأحكام. فهذا أيضاً هذه القاعدة يعني مما كانت مثاره خلافاً أيضاً بين من الفقهاء رحمه الله تعالى؛ ما المقصود بالأحكام التي ستتغير وكذلك ما المقصود بهذه الأزمان التي تغيرت؟ هل هي الأزمنة يعني زمان الوقت أو الزمان يقصد به الأشخاص والفساد وغير ذلك؟
لكن الأمثلة أو المثال الموجود في المذكرة أو في المقرر أن خوارم المروءة هذه واضحة أشياء كثيرة تبدلت من اللباس ومن الطعام ومما يعتبر مزرياً بالمروءة ومما يعتبر معيباً في المجتمعات سابقاً تغيرت هذه الأمور كثيراً في زماننا هذا، وتبدن أي تبدلت تلك الأحكام ولو كانت ليست أحكاماً شرعية ولو كانت حتى أحكاماً بالحكم على هذا الشاهد بأنه مثلاً فعل فعلاً من خوارم المروءة أو ليس من خوارم المروءة.