دخولتسجيل الدخول

الدرس 37 - تتمة أسباب الخلاف

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم في درسنا الثاني عشر من دروس مقرر المدخل إلى الفقه الإسلامي، الذي يقدم في منصة رواق، وسُجِّل قبل ذلك في جامع الملك سعود. وأسأل الله عز وجل أن يكون هذا الدرس نافعاً محققاً لما ترغبونه من التعلم والاستزادة من العلم والمعرفة، وأن يتحقق به الهدف الذي وُضِع من أجله. تفضلوا باستماع الدرس واكتبوا تعليقاتكم فهي محل ترحاب.

أما بعد، فقد سبق الكلام في الدرس الماضي عما يتعلق بأسباب اختلاف العلماء، وذكرنا أن العلماء رحمهم الله تعالى يختلفون؛ إما لعدم بلوغ الدليل لأحدهم فيفتي بخلاف الحديث لأنه لم يبلغه، أو أن يكون الحديث قد بلغه والدليل قد بلغه لكنه لم يثبت عنده. وقد ذكرنا لهذا أمثلة. وذكرنا من أمثلته مسألة الدباغ؛ فإن الإمام أحمد رحمه الله تعالى بلغه حديث: «أيما إهاب دُبِغ فقد طهر»، لكنه لم يقل به لأنه لا يصح عنده. وكذلك الذي يقول بأنه يجوز الانتفاع بجلد الميته بعد الدباغ، بلغه حديث عبد الله بن عكيم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليهم قبل أن يموت بشهر: «ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، لكنه لا يصححه. لاحظ، المسألة فيها حديثان: الإمام أحمد صحح حديث عبد الله بن عكيم أو أعلَّ الحديث الآخر، وآخرون عكسوا فصححوا حديث: «أيما إهاب دُبِغ فقد طهر»، وضعفوا حديث عبد الله بن عكيم، وواضح.

طيب، كذلك أيضاً من أمثلة هذا مسألة وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة؛ فما هو موضع وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة؟ هل يكون على الصدر ولا تحت السرة ولا فوق السرة؟ الإمام أحمد رحمه الله تعالى بلغه حديث وضع اليمنى على اليسرى على الصدر، ولا ما بلغه؟ موجود في المسند، يعني ما يحتاج تمام، في مسند أحمد، ومع هذا لا تختلف الرواية عن الإمام أحمد في أن وضع اليمنى على اليسرى على الصدر مكروه، يقول: إن وضع اليمنى على اليسرى على الصدر مكروه، والمستحب تحت الصدر، يعني فوق السرة أو تحت السرة. طيب ليش؟ لانه لا يثبت صحة هذا الحديث، وواضح. وهكذا المسائل في هذا كثيرة جداً.

ومن أمثلة النوع الثالث: وهو أن لا يكون الدليل المستدل به في المسألة حجة عند هذا العالم. مثال ذلك: العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا في وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين، يعني من حنث في يمينه، الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِكُمْ أَوْ كِسُوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89]، وفي قراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات.

فالإمام أحمد مذهبه وجوب التتابع في صيام هذه الثلاثة الأيام، والامام مالك مذهبه عدم وجوب التتابع في صيام هذه الأيام الثلاث. ما السبب في الخلاف؟ السبب في الخلاف أن جنس هذا الدليل، وهو القراءة غير المتواترة، حجة في مذهب أحمد وليست حجة في مذهب غيره أو في مذهب بعض العلماء رحمهم الله تعالى. كذلك مثلاً الاحتجاج بعمل أهل المدينة؛ فإن الإمام مالك رحمه الله تعالى يرى أن عمل أهل المدينة حجة، وغيره لا يرى ذلك، فلهذا نجد أن بعض المسائل اختلفوا فيها بناءً على حجية عمل أهل المدينة، مثل عدم القراءة خلف الإمام، فإن الإمام مالك مذهبه أنه لا تجب القراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية، ودليله على ذلك عمل أهل المدينة في هذه المسألة.

نعم، من أسباب اختلاف العلماء ما يرجع إلى الخلاف في دلالة الدليل وفهم الدليل، فالحديث يكون صحيحاً عند الجميع، مثل ما ذكرنا في قصة الصحابه رضوان الله تعالى عليهم في حديث: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة، ويرجع ذلك إلى ثلاثة أنواع: منها ما يعرض للدليل من عوارض الأدلة من جهة التعميم والتخصيص؛ هل الحديث عام ولا خاص؟ فنجد بعض العلماء يرى العموم في بعض الألفاظ، وبعضهم لا يرى عموم تلك الألفاظ. ومن أمثلة ذلك: خلاف العلماء رحمهم الله تعالى في عموم المفهوم؛ هل المفهوم له عموم ولا لا؟ ولهذا ذهب الحنابلة وغيرهم في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»، قالوا: مفهوم المخالفة أن كل ماء لم يبلغ القلتين فانه يتنجس بمجرد وقوع النجاسة فيه، فهم جعلوا مفهوم المخالفة عاماً في جميع الصور.

بعض العلماء يقول: لا، إن مفهوم المخالفة لا يعم جميع الصور المسكوت عنها، فيكون مفهوم المخالفة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً، يعني إذا لم يبلغ فقد يحمل الخبث في بعض الصور، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والسبب في ذلك أنهم يختلفون في دلالة المفهوم هل تعم أو ما تعم. نعم، كذلك من أمثلة ذلك عدم حجية المفهوم في تخصيص العموم، كما ذكرنا في نفس المثال؛ حديث إن الماء طهور لا ينجسه شيء، هل يُخصَّص عمومه بالمفهوم، ولا نقول المنطوق مقدم على المفهوم؟ قولان في أصول الفقه، هذان القولان في أصول الفقه أدا إلى قولين في فروع الفقه، فاختلفوا في القاعدة وبناءً على ذلك اختلفوا في التفريع.

وكذلك قد يكون الخلاف في دلالات الألفاظ، كالخلاف في حجية المفهوم أصلاً؛ عند الحنفية المفهوم مفهوم المخالفة لا يحتج به، ولهذا ذهب بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى أن حديث: «في الغنم في سائمتها»، لا يدل على أن المعلوفة ليس فيها زكاة، قالوا: صحيح أن النص إنما ذكر السائمة، لكن هذا لا يُعمل بمفهوم المخالفة فيه، ونأخذ بحديث: في أربعين شاة شاة، في إيجاب الزكاة على كل الشياه‌ ولو لم تكن سائمة حتى لو كانت معلوفة. نعم، وكذلك قصة بني قريظة التي سبقت الإشارة إليها.

وقد يكون الخلاف في تحقيق المناط، يعني إيش؟ يعني يتفق العلماء في صحة الحديث، يبلغ الحديث للجميع ويبلغ ويصح عند الجميع وطريقه فهمه متفقاً عليها بين الجميع. طيب، كيف يحصل الخلاف؟ يأتي الخلاف في انطباق هذا الحديث بعد فهم معناه على هذه الصورة أو عدم انطباقه عليها. من أمثلة ذلك -أعطيكم مثالاً معاصراً-: العلماء رحمهم الله تعالى متفقون في الجملة أو أغلبهم على أن الورق النقدي مال ربوي يجري فيه الربا، واضح، يجري فيه الربا، ومتفقون قبل ذلك على أن الربا محرم حرمة صح ولا لا؟

ثم بعد ذلك اختلف العلماء المعاصرون في مسألة في تطبيق هذه القواعد من قواعد الربا عليها، وهي مسألة سحب الانسان من صراف بنك غير البنك الذي فيه حسابه؛ يعني الآن أنت بنكك حسابك في بنك ألف، لقيت صراف بنك باء، هل يجوز تسحب منه ولا ما يجوز تسحب منه؟ الأكثر يقولون بجواز ذلك، وهناك من قال بعدم الجواز، قال: لأنه هذا يفضي إلى الربا، كيف يفضي إلى الربا؟ قال لك: أنت تسحب ألف ريال، هذه الألف ريال تعتبر دين على بنك باء لصالح البنك ألف، خلاص، طيب لما يسدد الدين بيسدد ألف ولا بيسدد زياده عن الألف؟ قال لك: بيسدد ألف وزائد عليها ريالين رسوم الخدمة، فأدى ذلك إلى الربا.

الآخرون قالوا: هذا لا ينطبق عليه حد الربا، وأصلاً هذا السحب، الإنسان يسحب من حسابه مباشرة ما في دين، واضح، وإنما تسحب من حسابك مباشرة. طيب، الجميع متفق على التأصيل من ناحية تحريم الربا وما إلى ذلك، لكنهم اختلفوا في تنزيل هذا الحكم على المسألة. كذلك مثلاً العلماء كلهم متفقون أن السعي إنما يكون بين الصفا والمروة، طيب ما هي حدود الصفا؟ ما هي حدود المروة؟ لما نجي ننزلها على أرض الواقع حصل اختلاف كما تعلمون في حدود الصفا وحدود المروة.