دخولتسجيل الدخول

طيب، هذا ما يتعلق بأسباب اختلاف العلماء، فما هو موقف الإنسان من هذا الخلاف؟ نقول: موقف الإنسان يتمثل فيما يأتي.

أولاً: أن لا يكون خلاف العلماء سبباً للتنازع والنفرة، فيعتدي الإنسان على الآخر، ويفسق أو يكفر أو يشنع عليه بسبب هذا الخلاف، تمام؟ وإن وجد هذا، فهذا خطأ غير مقبول، خطأ غير مقبول. ومن أمثلته ما يروى عن بعضهم أنه لما قيل له: إن مالكاً لا يقول بخيار المجلس، قال: يستتاب مالك فإن تاب وإلا قتل. لا شك أن هذا كلام في غاية البطلان والخطأ الواضح؛ فإن الخلاف في الفقه لا يجوز أن يكون سبباً للتنازع والنفر.

الأمر الثاني: أن يعذر المخالف غيره في مسائل الاجتهاد؛ فإن المجتهد إذا اجتهد في المسألة فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فيها فأخطأ فله اجر واحد، فهو بين الأجر والأجر. فيعذر المخالف في مسائل الاجتهاد. والعلماء رحمهم الله تعالى يفرقون بين مسائل الاجتهاد ومسائل الخلاف التي فيها نص؛ فإذا كان عندنا عالم اجتهد في مسألة لأنه لم يبلغه النص تماماً، فبلغه النص بعد ذلك -ولفترض أن المسألة في صورة الإام أبي حنيفة مع محمد بن الحسن الشيباني، الحديث لم يبلغ الإمام أبا حنيفة مثلاً، ثم بلغ محمد بن الحسن الشيباني، والمسألة فيها واضح ولكنه لم يبلغه- فحينئذ نقول: يجب عليه الأخذ بهذا الحديث. ولهذا أهل العلم يتراجعون ويرجعون في مسائل الفقه ومسائل الفتوى إذا بلغهم النص. ومثل هذه المسائل التي تتعلق بببلوغ النص وعدم بلوغه التي يكون المسألة فيها نص يقطع النزاع، لكنه لم يبلغه العالم، يجب على العالم أن يرجع في حال بلوغ النص له.

الثالث مما يتعلق بموقف الإنسان من الخلاف: عدم جواز تتبع الرخص، وهذه قضية في غاية الأهمية؛ فإن الإنسان إذا اخذ من كل مذهب بالرخص يجتمع فيه الشر كله. أعطيكم مثالاً، تبغى مثالاً يا شيخ؟ طيب، مذهب الإام أبي حنيفة رحمه الله صحة النكاح بغير ولي -طبعاً في خلاف داخل المذهب في تفاصيل هذه المسألة- لكن في الجملة أن النكاح من غير ولي يصح، لكن يشترط الشهود ويشترط مسائل أخرى. طيب، إذا جاء واحد قال: أنا ساأخذ بمذهب أبي حنيفة في الزواج بدون ولي. قلنا: وين الشهود؟ قال: أيوه صح، الشهود مذهب مالك أن الشهود ليسوا شرطاً في النكاح. مذهب مالك الشهود ليس شرطاً في النكاح، لكن الولي شرط. قال: لا، ناخذ من قول مالك إنه لا يشترط الإشهاد، يعني وجود شاهدين ما هو شرط. قلنا: طيب، جزاك الله خيراً، لكن مالك يشترط الإعلان تماماً. قال: أيوه صح، مالك يشترط الإعلان، لكن أحمد لا يشترط الإعلان، أحمد يقول الإعلان مستحب. خلاص نقول له: لكن أحمد الذي يقول الإعلان مستحب، يقول إن الشهود شرط. قال: لا، أنا الشهود أخذت فيها بقول مالك، والاعلان أخذت فيه بقول أحمد، والولي أخذت فيه بقول أبي حنيفة! ياخذ واحده من الشارع قال: تزوجتك نفسي، ويروح على البيت خليه بدون زوجه حتى خلاص ما دام ما في ولي ولا شهود.

فنقول: مثل هذا لا يجوز عند أحد من أهل العلم. ولاحظوا خطورة تتبع الرخص؛ أن تتبع الرخص قد يفضي إلى صور من المسائل لا يقول بها عالم مجتهد أبداً، بل لا يمكن أن تجتمع أصلاً عند عالم. فلا يوجد عالم من علماء الإسلام أبداً، لا وجود له، أن عالماً من علماء الإسلام يجيز لواحد أنه يأخذ وحدة من الشارع من السوق تقول له: زوجتك نفسي، ويركبون السيارة ويروحون. في حد يقول بهذا؟ هذا لا يمكن أن يجيزه أحد من علماء الدنيا. واضح؟ فتتبع الرخص خطر عظيم على الإنسان وعلى دين الإنسان إذا فتح لنفسه باب تتبع الرخص. ولهذا قال السلف: من تتبع الرخصة تزندق. وهذا فعلاً كلام حقيقي ترى، ولولا أن يكون الكلام في هذا ممكن يكون فتنة -لو اردت اذكر لكم بعض الأمثلة لذكرت لكم أمثلة مفزعه- لكن حتى لا اقولها يجي واحد يلتقطها بعدين يقول: إيه والله صح، المذهب الفلاني يجيز كذا والمذهب الفلاني يجيز كذا. ولهذا السبب بعض العلماء كان يقول: الأفضل أن الإنسان يمشي على مذهب ويثبت مذهباً معيناً، حتى مع ضعف الدين ورقة الدين لا يفضي به إلى تتبع الرخص.

طبعاً تتبع الرخص يرجع إلى قصد الإنسان، فإن الإنسان قد يستفتي في مسألة فيرخص له فيها من العالم الذي استفتاه، لا يكون آثماً بالأخذ بقول هذا العالم، لكن قصده بذلك معرفة الحكم الشرعي. أما إذا كان يسأل العالم فيفتيه بالعزيمة فيترك قوله ويبحث عن الثاني والثالث حتى يجد من يفتيه بالرخصة، هذا هو تتبع الرخص. فالمسألة المصيبة فيها واحد، يعني نحن نقول: كل مجتهد مصيب؟ لا، المجتهد مأجور لكنه قد يصيب وقد يخطئ؛ لأن الحديث: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله اجر واحد»، فصوبه تارة وخطأه أخرى، والخطأ هنا لا يتعلق به ذم ولا إثم، ولكنه الحق في المسألة واحد. يعني لا يمكن أن يكون في ذات الأمر وفي دين الله وعند الله أن هذه المساله حلال وحرام، ما يمكن أن تجتمع، لكن هذا قال أنها حلال اجتهاداً، وهذا قال أنها حرام اجتهاداً، كل منهم مجتهد ومأجور، لكن الصواب مع واحد منهم، فلا نقول إن الحق نسبي أو أن الحق متعدد.

كذلك مما يتعلق بالموقف من الخلاف: أن الخلاف لا يجوز أن يكون حجة، وهذا من أكبر الأخطاء؛ بعض الناس يظن أن وجود الخلاف دليل على الجواز، الإجماع دليل ولا ما هو دليل؟ الإجماع دليل، لكن الخلاف ليس دليلاً. فإذا اختلف العلماء في مسألة، قال بعضهم: حلال، وقال بعضهم: حرام، نقول: إذاً المسألة حلال لأن العلماء اختلفوا فيها! هذا غير صحيح أبداً، ولا يستقيم على أي أصل من أصول الاستدلال أن تجعل الخلاف دليلاً على الإباحة، هذا غير ممكن، الخلاف ليس دليلاً، إنما الدليل هو الاجماع. وبعض الناس ليس في -لا حيله فيه- أحدهم تقول له: يا اخي المسألة أجمع عليها العلماء. يقول لك: العبرة بالنص، ما علينا أجمع ولا ما أجمع. تأتي مسألة أخرى تقول: يا اخي فيها نص. يقول لك: بس فيها خلاف! ايش الحيلة في مثل هذا؟ تقول له: فيها نص، يقول لك: في خلاف. تقول له: فيها إجماع، يقول: العبرة بالنص! فمثل هذا لا حيلة فيه، ولهذا نقول: خطورة تتبع الرخص والاحتجاج بالخلاف أنها تفضي والعياذ بالله إلى أن يتحلل الإنسان من التكاليف الشرعية تماماً، تلقاه يمكن ما يصوم رمضان تماماً، ويرتكب أشياء يعني ما ودي أذكر أمثلة على هذا.

وبهذا ايها الاخوة الكرام نكون قد أتممنا ما يتعلق بأسباب اختلاف العلماء.