فقد كنا في الدرس الماضي نتكلم عن قضية التمذهب ومذاهب الأئمة وحكم سير الإنسان على مذهب من هذه المذاهب، وذكرنا أن الاتفاق منعقد على ذم التعصب؛ بمعنى موالاة أصحاب المذهب ومعاداتهم من المذاهب، وكذلك الاتفاق حاصل على قبول وجود المذاهب الفقهية الأربعة، وأنه لا تصح الدعوة إلى إلغائها ونبذها أو حرق كتبها أو غير ذلك.
كذلك أن المتمذهب إذا بلغ رتبه الاجتهاد وخالف مذهب إمامه لرجحان غيره فقد أحسن، وقلنا إن هذا مقيد بالتأهل، وأما غير التأهل، سنبقى أعطيكم مثالاً على هذه القضية.
الآن لما نأتي إلى قضية مس المصحف بغير طهارة، كيف تبحث هذه المسألة؟ تجد كثير من الباحثين ومن ممن يتكلم في هذه المسألة ممن يرجح فيها من المعاصرين من طلبة العلم يقول لك: تعال، هذه المسألة ورد فيها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]، والصحيح أنه يراد بذلك الملائكة.
طبعا من أين أتى أن الصحيح أنه يراد بذلك الملائكة؟ تقليداً لبعض المفسرين. شوف، تقليداً ما هو اجتهاداً، ماشي. ليش ما هو اجتهاداً؟ لأنه لم يقف على جميع الآثار الواردة عن المفسرين في تفسير هذه الآية، فضلاً عن أن يقف عليها مع دراسة أسانيدها. طبعا هذه قصة أخرى، نريد نسأله: هل أنت وقفت على جميع ما قاله المفسرون من الصحابة ومن التابعين في تفسير هذه الآية؟ يقول لك: لا. صح.
طيب، فكيف لو سالته: هل درست أسانيدها؟ هذه مرتبة أخرى. طبعا وإذا قال: درست أسانيدها، تقول له: درست أسانيدها عن طريق تقريب التهذيب وققلدت الأئمة في توثيق الرجال وتضعيفهم؟ طبعا هنا مراتب متعددة، كلها ستجد أنه مر بثلاثة أو أربعة مراحل من التقليد، ثم ينتج بعد ذلك ترجيحاً يتصور الشخص أن هذا الترجيح اجتهاد تمام.
فلا، هو لم يجتهد في معرفة الرجال، وإنما قلد في ذلك من حكم عليه من العلماء. وبالمناسبة، العلماء لما يحكمون على الرجال ليس بالضرورة أن يحصل الاتفاق بينهم، كثير من الرجال مختلف؛ بعضهم يقول ثقة، وبعضهم يقول ضعيف، صح ولا لا؟ فكيف تحكم بينهم؟ يقول لك: الجرح مقدم على التعديل. هذه القاعدة، لما نقول: الجرح مقدم على التعديل. الآن أنت ترجح في أي القولين؟ تقلد. يعني هل أقلد قول من يجرح ولا قول من يعدل؟ يقول لك: لا، قلد قول من يجرح؛ لأن الجرح مقدم على التعديل.
بمعنى أن هذا الآن ليس اجتهاداً بمعنى الاجتهاد، الآن إذا تريد أن تجتهد في الحكم على الراوي، خلينا نمسك القضية من أولها. الآن أنا أبغى أدرس المسألة ولا أريد أن أقلد أحداً؛ أول شيء، كل راوي من رواة هذا الحديث الوارد في إسناد أي حديث أو أثر في المسألة لابد أن تعرف حال هذا الراوي، تعرف حاله من تقريب التهذيب ولا من تهذيب التهذيب ولا من تهذيب الكمال؟ لا، لأنه كذا ما تبغى تقلد أنت، صح؟ تبغى تجتهد، إذاً ماذا تصنع مع هذا الراوي حتى تحكم عليه؟
نقول: تجمع مرويات الراوي. هذا اللي ورد عندك روى مثلاً 1650 حديثاً، تجمعها. طيب، ش تسوي فيها بعد ما جمعتها؟ تمسك كل حديث من هذه الحديث فتقابله مع مرويات الثقات الأثبات الذين شاركوه في رواية الحديث، وتشوف، والله، هذا الحديث رقم واحد، الآن رقم واحد من 1600، بدأنا في الحديث الأول فوجدنا أنه قد رواه عدد من الأئمة الأثبات، فوجدنا أن هذا الراوي رواه بنفس اللفظ وبنفس الصيغة، عرفنا أنه، حطينا صح على الحديث رقم один (واحد).
رقم اثنين، لقينا مثلاً من 1650 أنه وافق، يعني أنه وافق الأثبات مثلاً في 1500 حديث، وفي خمسة أحاديث خالفهم مخالفة يسيرة، وفي حديث واحد خالفهم مخالفة بينة، وفيه عندنا 100 حديث لم يروها غيره. جيد، ش يسوون الأئمة المتأخر؟
يظن الأئمة مثلاً حكموا على هذا الراوي بأنه ثقة تمام؛ لأنه في الجمله موافق وضابط. في حديث من أحاديثه خالف فيه الأئمة الأثبات، يحكم على هذا الحديث بايش؟ يحكمون عليه بالضعف. طيب، الراوي ثقة ولا ما هو ثقة؟ يقول لك: كيف؟ هل هذا الحديث يمسك الآن باحث متأخر يقول لك: يا اخي، الحديث صحيح، فيه فلان، وثقه أحمد، ووثقه ابن معين، ووثقه ابن المديني، وقواه النسائي، كلهم اتفقوا على أن هذا الراوي ثقة، ثم يضعفون الحديث؟!
فيجي المتأخر، لانه ما يفهم القضية، يقول: كيف يضعفون الحديث؟ ما هكذا تُعل الأخبار يا ابن المديني، تمام كما قال بعضه، فيقول لك: لك الحديث كل الرواة وثقات. يا اخي، هؤلاء الذين وثقوا الراوي هم أنفسهم الذين ضعفوا الحديث؛ لأنهم قالوا: هذا الراوي حديث من أحاديثه مرفوض؛ لأنه خالف فيه الثقات، وليس من شرط الثقه ألا يخطئ، صح ولا لا؟ فإذا حكم على حديث من حديثه بأنه أخطأ فيه، يُرد ولا ما يُرد؟ مع أنه ثقة، مع أنه ثقة.
فيجي المتأخر يقول: لا، الحديث صحيح، ماشي، يصحح الحديث، وياتي ويعترض عليهم، مع أنه اصلا ما أخذ كون الراوي ثقة إلا منهم وتقليداً لهم. هذه عملية كم تحتاجها؟ ها، سنة؟ هذا اللي ما شاء الله شاد حيله.
طبعا، تقول للأئمة: كيف حصل منهم هذا؟ نقول: الأئمة حصل منهم هذا لأنهم كانوا يحفظون. الآن لما حفظ 100 ألف حديث، عملية الدراسة هذه، أنت ما تحفظ ال 1600 حديث قاعد تدورها من بطون الكتب، صح ولا لا؟ لكن هذا الذي يحفظ ألف ألف حديث، العملية هذه تتم عنده شيئاً فشيئاً، أصلاً في زمن الطلب، كل ما حفظ حديث جديد على طول يدخل في الكمبيوتر -ويعمل مقارنة بين هذا الحديث- طيب، هذا الحديث سمعناه من شيخنا فلان عن مالك، وهذا الحديث.
فالعملية هذه أصلاً حاصلة لهم في أثناء تحفظهم وفي أثناء تحصيلهم للحديث، أما أنت الذي لا تحفظ إلا الأربعين النووية والعمدة الأحكام مثلاً، والجيد، ويحفظ بلوغ المرام، فالعملية بالنسبة له أصلاً هذه لا تحصل له؛ لأنه أصلاً لا يحفظ الأسانيد. واضح؟
طيب، انتهى من دراسة الرجل الأول، وتوصل بعد سنتين وقيل بعد سنة تمام إلى أن الراوي الأول من رجال الإسناد الأول للحديث الأول في المسألة الأولى أنه راوي ثقة، بدأ في السنة الثانية يدرس ايش؟ الرجل الثاني في الإسناد، وتوصل إلى أنه ثقة، والثالث وهكذا.
طيب، لسه، لأن احنا ترى ما خلصنا المسألة، عندنا الآن المسألة دليلها من القرآن، نحنا قاعدين ندرس أحد الآثار الواردة في تفسير هذه الآية، خلصنا بعد ما دري كم سنة وبعدين خشينا في الحديث النبوي وجمعنا أدلة المسألة: لا يمس القرآن إلا طاهر، تمام، ثم بعد ذلك ينظر في أدلة، يعني بعض الناس يتصور، وأنا قلت لكم هذا الفرق، يعني الآن بعض الناس يبغى يرجح في هذه المسألة، ماذا يقول؟ يقول: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] لا يراد بها مس المصحف، وإنما المراد الملائكة، انتهينا.
طيب، ﴿لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ﴾، قال لك: الطاهر محتمل أن يكون هو الطاهر من الشرك، ومحتمل أن يكون الطاهر من الحدث، هذا إذا صح الحديث، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، فلا باس بمس المصحف من غير طهارة إلا بعده. انتهى الاجتهاد في المسألة على هذا النمط، خلصنا الاجتهاد هذا والترجيح.
الفقهاء الأصوليون يعرفون الاجتهاد، طبعا الاجتهاد من المجتهد يقولون: هو استفراغ الفقيه وسعه في درك حكم شرعي. يعني حتى قال بعضهم: حتى يظن أنه لا يمكن أن يقف على مزيد في المسألة. طيب، انتهت المسألة بهذا الشكل.
لكن عند المتقدمين لا تبحث المسألة أبداً بهذا الشكل، أين آثار الصحابة؟ الآن كثير من الناس يقول لك: يجوز مس المصحف بغير طهارة، هذا هو الراجح. ليش؟ قال: لأنه ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] الملائكة، و﴿لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ﴾ محتمل، وأصلاً الحديث في ثبوته نظر. انتهت المسألة؟ لا، عند المتقدمين ما انتهت المسألة؛ فإن المسألة فيها آثار من الصحابة، ورد عن سلمان، عن سعد بن أبى وقاص، عن فلان من الصحابة أنهم قالوا: لا يجوز مس المصحف بغير طهارة.
هذه الآثار أصلاً مغفلة عند كثير جداً من الباحثين المعاصرين. طبعا هذا الذي نتكلم عليه يمكن أحسنهم حالاً، بعضهم لا يرجح بنظريات حديثة، أنا أسميها النظريات الحديثة في الترجيح، من النظريات الحديثة في الترجيح: نظرية المتوسط الحسابي. المتوسط الحسابي في الرياضيات، تعرفونه؟ ها، يعني تاخذ أعلى رقم وآخر أقل رقم وتقسّم على اثنين، الناتج هو ايش؟ المتوسط الحسابي.
بعض الباحثين اليوم يجي يقول: المسألة فيها القول الأول والقول الثاني والقول الثالث، القول الثاني هو الوسط، هو الراجح؛ لأنه هو القول الوسط، تمام، المتوسط الحسابي. وفي بعض النظريات الأخرى يقول لك: هذا القول الأول هو الأسهل من ناحية التطبيق، وأما القول الثاني يعسر تطبيقه، فلذلك هو القول الراجح. والثالث بعضهم يرجح بالمصلحة، يعني دون أن نحن لا نتكلم عن أن يأتي هذا الشيء مرجح بعد استيفاء الأدلة؛ إذا تكافأت الأدلة وأتى هذا مرجح، هذا له وجه، لكن احنا نتكلم واحد يأتي مثلاً يقول: هل الطلاق الثلاث -من طلق امراته ثلاثاً في مجلس واحد- تقع ثلاثاً ولا واحدة؟
يقول لك: يا اخي، لو قلنا تقع ثلاثاً بنفرق بين الناس، وكم من البيوت تتهدم بهذا القول! تمام، وهذا يفكك الأسرة، وين الأطفال يروحون؟ ويقول لك كلام يمكن تبكي أنت بعد شوي!
لكن هذا ليس مرجحاً، المرجح تأتي للادله الشرعية في المسألة. الأدلة الشرعية يقول لك: لا يا اخي، مقاصد الشريعة، مقاصد الشريعة الحفاظ على الأسرة وما إلى ذلك. نقول: كل هذا الكلام لا يصلح أن يكون يعني دليلاً في مسألة فيها نصوص شرعية. النصوص، التعامل، الترجيح، والاجتهاد في النصوص الشرعية، تأتي للحديث، حديث صحيح، تدرس إسناده صحيح ولا ضعيف، تجمع أدلة المسألة من القرآن، من السنة، من آثار الصحابة.
أما الترجيح هكذا بمجرد أنه ظهر لك المصلحة، أو الترجيح بالعواطف أنه والله يا اخي الأسرة بتتفكك والرجل يحب زوجته ميت فيها، فكل هذا الكلام لا يقدم ولا يؤخر في مسائل الترجيح.
فالمقصود أيها الإخوة الكرام أن الأئمة الأولين كان نظرهم في المسائل كان نظرهم في المسائل يعني لا مما لا يكاد يمكن أن يطبقه طلبة العلم اليوم. فنقول: الترجيح إذا حصلت الأهلية وخالف الإنسان ورجح فهذا مأجور وهذا محسن.
وأما الإنسان الذي يرجح دون أن تحصل له الأهلية فنقول: إذا مالت نفسك إلى قول الشافعي فلا باس عليك أن تقلد -أن تقلد، بس حط خط تقلد قول الشافعي- لكن أن مالت نفسك إلى قول الشافعي فتأتي لتقول: الإمام أحمد خالف النص في هذه المسألة، والإمام الشافعي هو أسعد الناس بالسنة في هذه المسألة، فلم تصل إلى مرحلة لتنصب نفسك حكماً على أئمة الإسلام في مثل هذه المسائل.
طيب، وسياتي معنا كلام عن قضية اسباب اختلاف العلماء.
الشيخ عامر بهجت