دخولتسجيل الدخول

بوصلة المصلح 13 | صفات المصلحين 5 | عوائق الإصلاح

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة ولك الحكم وإليك المصير. سبحانك وبحمدك، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. نستعين بالله ونستفتح الثالث عشر من لقاءات بوصلة المصلح. لا زلنا في الحديث عن حملة الإصلاح بعد أن تحدثنا عن فضل الإصلاح وجدواه وعن بوصلته ثم عن حملته، والحديث عن الحملة إلى الآن استغرق ربما أكثر عدد من اللقاءات والمحاضرات. في اللقاءات السابقة ذكرت ثلاث عشرة صفة، صحيح، من صفات حملة الإصلاح، كانت الصفة الأخيرة صفة العزة، لم أتم الحديث في تلك الصفة، بقي الوجه الأخير المتعلق بالصفة الذي هو ماذا؟ كيفية تحقيقها؛ لأنه تعودنا في كل صفة من صفات حملة الإصلاح أذكر بيانها وما يدخل فيها ومستندها وأهميتها، كيفية تحقيقها.

مما يعني خلونا نقول يحقق صفة العزة في المصلح، مم هو أن يُربى على معاني الاستغناء ومعاني الأنفة ومعاني الشرف ومعاني الكرامة، بحيث إن يعني السياق الذي يتكون فيه المصلح ينبغي ألا يكون سياقًا معرفيًا جامدًا، يجب أن يكون فيه سياق تربوي. يعني من الأخطاء الكبيرة أن يُظن أن طريق الإصلاح إنما يمر بالعلم والمعرفة فقط، وإنما يجب أن يكون هناك تربية، وهذه التربية هي من جملتها التنمية على معاني العزة والكرامة. وهذا له وسائل كثيرة، من جملة ما يربي الإنسان على العزة والأنفة والكرامة أن يعمل بما تعلمه في سياق الإصلاح، في سياق المدافعة بين الحق والباطل، يعني أن يعمل بما تعلمه في ميدان المدافعة بين الحق والباطل.

فحين يعمل الإنسان أو ينطلق من الحق الذي يؤمن به المبرهن العالي المستغني به، ويدافع به باطلًا معينًا ويصمد أمام يعني خلنا نقول الإشكالات والشبهات والأذى ثم يعني يتقدم بهذا الحق الذي معه، هذا المعنى في المدافعة مما يغذي معنى العزة والكرامة والمعاني العالية عند المؤمنين. ولو تلاحظون أنه الله سبحانه وتعالى ذكر لفظ العزة في هذا السياق، يعني عزة على الكافرين، ها، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، فهذا الجمع فيه معنى العزة. أما قول الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ، فهو يدل على سبب آخر لتحقيق العزة وهو إيش؟ أيوة، حالة الاستغناء بمعاني الحق وجمل الحق ومبادئ الحق وآيات الحق. يعني كلما ازداد الإنسان حفاوة بالحق وقناعة به وإيمانًا به وفرحًا به وحفاوة به، تأهل لأن يكون عزيزًا به مستعليًا به على دنس الباطل الذي يعارضه.

هناك يعني إحنا نقول وسيلة فنية ممكن تكون معينة، وأنا حقيقة أرى أنها من النقاط المهمة في تكوين الاستغناء هذا عند المصلح، ألا وهو أن يحرص المصلح على أن يكون دخله المادي غير مرتبط، اه خلنا نقول، بجهات يمكن أن تكون عائقًا بينه وبين الإصلاح، وهذه قضية مهمة جدًا. يعني أحيانًا الإنسان المصلح لا يشتغل في الإصلاح لأنه يخاف أن راتبه لا يجري عليه؛ لأنه قال كلمة ليست يعني خلينا نقول لا ترضي مثلًا بعض الأطراف أو أصحاب القائمين على العمل وما إلى ذلك، فيظل مرهونًا في يعني في عمله الإصلاحي، يظل مرهونًا على الجهة التي يشتغل لديها وهي لا تكن جهة مثلًا متعلقة بالسياق الإصلاحي.

فوجود المصادر المالية الحرة لدى الإنسان المصلح، هذه ترى من الأمور التي تكوّن العزة لديه، هو ليس مرهونًا أمام منّة أحد ونعمة أحد، خاصة إذا كان هذا ليس يعني الذي يعمل عنده ليس مشتغلًا بسياق إصلاحي ولا يهمه السياق الإصلاحي. لذلك التفكير، تفكير المصلح في أن يكون مثلًا لديه تجارة، لديه... وتفكير التجار في أن يكون هناك أوقاف للمصلحين العاملين للإسلام بحيث يكون لديهم حالة من الاستغناء. وبالمناسبة هذا ليس فقط في قضية العزة، وإنما حتى يعني هذه تعين من قد تضعف نفسه من المصلحين أمام مثلًا الإغراءات المادية.

يعني أنا وجهة نظري أنه المصلح العامل ينبغي أن يُكفى ماديًا بحيث لا تمتد عينه إلى ما في أيدي الناس، هذا ليس من باب العزة فقط، وإنما أحيانًا هناك بعض النفوس التي فيها من الضعف ما فيها، ما قد تسول له في أن تمتد عينه إلى بعض الحرام حتى، وهذا مع الأسف وجد يعني في الواقع. فوجود الإغناء للمصلحين من الجهة المالية يفيد في الحد الأدنى في إيش؟ سواء عدم استخدامات... إيه؟ في الحد الأدنى يفيد في ألا تمتد عين المصلح ويده إلى الحرام، وفي الحد الأعلى في إيش؟ عزة النفس، أيوة، في عزة النفس وعدم خضوع بوصلة المصلح لجاذبية خلنا نقول الرواتب، إيرادات أصحاب الأعمال وما إلى ذلك، هذا معنى مما يعني يعين على العزة وصناعتها في نفس المصلح.

طيب، مما بعكس ذلك يعني يخفف من معاني العزة لدى المصلح هو أن يُربى أو لنقل ينشأ نشأة علمية لا علاقة لها بميادين الصراع بين الحق والباطل، وإنما يعني دائمًا الفوائد العلمية، النكت العلمية، الطرائف العلمية، يعني الثقافة، الكتب، الكذا، وأن دائمًا يعني يجتنب ميادين القيام بالحق وتبليغه ومدافعة الباطل وصوره. هذا الذي يجتنب مثل هذه المواطن تخفت لديه صفة العزة إن كانت موجودة في الأساس.

طيب، الصفة الرابعة عشرة الآن: الصفة الرابعة عشرة من صفات المصلح، بسم الله، الرحمة واللين والرفق. المصلح لا بد أن يمتلك هذه الصفة: الرحمة واللين والرفق، الذي يكون جبارًا لا يكون مصلحًا، الذي يكون جبارًا لا يكون مصلحًا. والمصلح هو إنسان بُني بحقائق الوحي وعلوم الإسلام التي تفضي إلى نتيجتين مختلفتين بحسب الدائرة التي يتعامل معها المصلح: فالنتيجة الأولى هي اللين والرحمة والرفق إذا كانت الدائرة التي يتعامل معها هي دائرة أهل الإيمان أو دائرة إبلاغ الحق وإيصاله للناس، ودائرة أخرى أو صفة أخرى ونتيجة أخرى وهي العزة والكرامة والإباء والقوة، وهذه إذا كانت الدائرة دائرة مواجهة بين الحق والباطل، فلا بد أن يجمع المصلح بينهما، ولا يصلح أن يكون على إحداهما دون الأخرى.

والله سبحانه وتعالى قد جمع بينهما في صفات المصلحين، فقال سبحانه وتعالى: مٌّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. انظر الجمع بين الصفتين: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. وفي سورة المائدة: مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ. ولاحظ الجمع بينهما، وهذا ما اصطلح العلماء عليه بتسميته بتسميته بماذا؟ واضح إنك نعسان شوية، اه صح، هي بس باقي لك الولاء والبراء، أنت الترغيب والترهيب، الولاء والبراء، الولاء والبراء، جيد.

طيب، أنا يعني كأنني الآن انطلقت إلى قضية أهميتها، صح؟ أهمية الصفة، لكن ما الذي يدخل فيها في الرحمة واللين والرفق؟ مما يدخل فيها مبدأ الأخوة، ومما يدخل فيها الرفق في التعامل مع الأخطاء، مما يدخل فيها فقه الخلاف، مما يدخل فيها نصرة المظلوم، مما يدخل فيها الإيثار، وكذلك مما يدخل فيها النصيحة؛ لأنها من مقتضى الرحمة، وأسلوبها يكون باللين والرفق. طيب مستندها من الوحي ذكرت قبل قليل، أليس كذلك؟ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، إلى آخره من النصوص الكثيرة في هذا المعنى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا -هذا الآن في سياق الإصلاح، ها؟- إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.

من حيث الأهمية يعني أشرت إلى شيء من ذلك وهي واضحة، لكن كيفية التحقيق: هذا يعني في جزء منه ذاتي، أن يعوّد الإنسان نفسه على كظم الغيظ وعلى الصبر على الأصدقاء والإخوة في الله، أن يعود نفسه على التنازل، وهذه حقيقة من المعاني التي تتحقق بالدربة وبالتعامل الأخوي الجماعي. وأنا نصيحتي يعني لكل من يكون في سياق دعوي تربوي معه زملاء يشتركون معه في عمل إصلاحي أو في عمل من أعمال الخير، أن يكون من المبادئ الأساسية التي يعني يذكر أو يذكرون أنفسهم بها دائمًا مبدأ التنازل للأخ، التنازل للصديق، نفس الشيء في النساء والأخوات.

يعني أكثر ما يسبب التنازع والفرقة بين العاملين هو الحظوظ: حظي وحظك، فإذا تم النزول والتنازل عن بعض الحظ -وغالبًا ترى ما أقصده من التنازل هنا ترى في الأمور اليسيرة الجزئية- هذا التنازل، أن يعود الإنسان نفسه على التنازل، وهذا ترى من مقتضى الرفق ومن مقتضى اللين ومن مقتضى الرحمة، أن يعود الإنسان نفسه على التنازل هذا من أعظم ما يعين على تحقيق مبدأ الأخوة، وما إن ترفع مستوى الحظ الشخصي لديك فاعلم أنك قد سلكت طريقًا يفضي إلى التنازع والتفرق، لذلك التنازل ليس التنازل عند وجود الخصومة، قبل الخصومة التنازل عن الحظ الشخصي يعني النصيب الشخصي، ثم التنازل من باب أولى عند وجود الخصومة، هذا من أعظم ما يحقق معنى الأخوة بين المؤمنين وبين المصلحين.

والنبي صلى الله عليه وسلم حرص أشد الحرص على تحقيق هذا المعنى في نفوس أصحابه رضي الله تعالى عنهم، وتعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم من أول ما عمله حين هاجر إلى المدينة أنه آخى بين المهاجرين والأنصار، وهذا معنى خطير وعجيب جدًا، يعني إن شاء الله إذا أتينا له في السير للمصلحين نتحدث عنه بشكل تفصيلي، معنى عجيب، يعني آخى بين فلان وفلان، آخى بين فلان وفلان. الآن تقرأ بعد مئات السنين تقرأ في كتب السير لما يتحدثون عن الصحابة يقول لك: أو هذا الذي آخى النبي بينه وبين فلان، وكان أخا فلان حين آخى النبي صلى الله عليه وسلم، معنى كبير ومعنى عجيب ومعنى عظيم جدًا، وتعلمون المواقف التي نشأت بين الصحابة حين حدثت هذه المؤاخاة.

مما يعني يعين على تحقيق هذا المبدأ في الدعوة إلى الله، خاصة في تبليغ الرسالة، هو أن المعاني التي تأتي في النفس أثناء الدعوة إلى الله ينبغي أن يعني خلنا نقول تتوالى أو تترادف، هناك أكثر من معنى يمكن أن ينشأ في النفس، الآن حين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، هناك أكثر من معنى يمكن أن ينشأ في النفس، من المعاني التي ممكن أن تنشأ في النفس مما له اتصال بهذا المعنى معنى الرحمة بالخلق، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار. طيب إيش معاني أخرى ممكن أن تنشأ في الدعوة إلى الله؟ الغيرة على محارم الله، القيام بالواجب، أن الله أمرنا بذلك، إلى آخره من المعاني.

طيب، إدراك مركزية الرفق، مركزية الرفق، يعني الرفق لما يتكلم عنه النبي صلى الله عليه وسلم لا يتحدث عنه على أن له أجرًا معينًا وكفى، وإنما يتحدث عن أن الرفق قضية مركزية، إيش الدليل أنها قضية مركزية؟ ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. إيش معنى صفة مركزية؟ يعني مما يدل على المركزية أنها لا تأتي مع شيء، لا يأتي هذا الرفق مع شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه، ومما يدل على مركزية الرفق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من يحرم الرفق يحرم الخير. لاحظ كيف جعل عنوانًا للخير، حتى إنك إن نزعت الرفق من الإنسان كأنك نزعت الخير منه: من يحرم الرفق يحرم الخير، عجيب الحديث! وهذا حديث صحيح في مسلم.

طيب، الصفة الخامسة عشرة، أليس كذلك؟ صفة العدل، المصلح لا بد أن يكون عادلًا، والحديث عن العدل لن أفصل فيه، يمكن الرجوع فيه للكتاب، لكن سأشير إلى بعض الأمور من الوحي التي تدل على مركزية هذه الصفة وأهميتها، أو يعني خلينا نقول تنبيه المصلحين على ألا يفقدوا هذه الصفة في سياقات أو في بعض سياقات العداوة، وذلك في قول الله سبحانه وتعالى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ، أو: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم إمامًا، قال: إمام عادل. لاحظ، تعرف إمام هذه سياق إصلاحي يعني، أليس كذلك؟ إمام عادل. طيب ومن ناحية الأهمية وكيفية التحقيق يمكن الرجوع إلى مادة الكتاب للنظر في ما يتعلق بالعدل، والشيخ عبد الله العجيري له محاضرة مطولة عن العدل في القرآن الكريم.

طيب، الصفة السادسة عشرة من صفات المصلحين: صفة الربانية. الربانية، وحقيقة لأن يعني الربانية هي مرتبطة بقول الله سبحانه وتعالى: وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ، فسامزج بين النقطتين أو الجهتين اللتين اعتدت أن أذكرهما في كل صفة إصلاحية: الجهة الأولى اللي هي إيش؟ بيانها وما يدخل فيها، والجهة الثانية: مستندها من الوحي. الآن سأذكر الاثنين مع بعض، يعني لأنه هي العمدة على الآية ثم دلالة الآية هي التي تبين ما معنى ربانيين. وأنا لما ذكرت صفة العلم ولا صفة العمل ثم قلت سأذكر شيئًا مهمًا في الربانية، أو فيما سيأتي، لا، إما في العلم أو في العمل، ليس في القوة، ربما في العمل.

طيب، هذه الآية الآن، هذه الآية أنا أعتبرها من أهم الأدلة، أو من أهم الآيات التي ينبغي على المصلح أن يعتني بها، وأنا برأيي أن هذه الآية تجمع عددًا من الصفات التي ينبغي على المصلح أن يكون عليها، الله سبحانه وتعالى قال: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ. العلماء لما تناولوا كلمة ربانيين بالتفسير: وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، تناولوها من أكثر من جهة: بعضهم قال إن المقصود بالربانيين هنا هم الفقهاء، الفقهاء العلماء، هذا كما قال الماوردي. طبعًا تعرفوا الماوردي، تفسير الماوردي من التفاسير مثل تفسير ابن الجوزي، هو من التفسير الذي يعتني بجمع الأقوال في الآية، هذان كتابان في هذا النوع من التفسير وهو يعني نوع مفيد لطالب العلم لكن ما يكتفى به، لكن هذا يرتب، يعني هو يأتي يستعرض مجموع ما قيل في الآية ثم يقول لك: هذه الآية فيها ثلاثة أقوال، هكذا يأتي القرآن آية آية: هذه الآية فيها أربعة أقوال، هذه الآية فيها ثلاثة أقوال، هذه الآية فيها قولان، وهكذا، جيد؟ وهذا مفيد في فهم يعني مجموع ما قيل من الأقوال التفصيلية يرتبها لك.

فالماوردي يقول لك هذه الكلمة الربانيون فيها ثلاثة تأويلات: الأول: فقهاء علماء، وهو قول مجاهد. والثاني: حكماء أتقياء، وهو قول سعيد بن جبير. والثالث: أنهم الولاة الذين يربون أمور الناس، وهذا قول ابن زيد. ثم قال: وفي أصل الرباني قولان: الأول أنه الذي يرب أمور الناس بتدبيره فسمي العالم ربانيًا لأنه بالعلم يدبر الأمور. والثاني أنه مضاف إلى إيش؟ إلى الرب، أو كأنه مذكور إلى عالم الرب أو علم الرب، قال: وهو علم الدين، فقيل لصاحب العلم الذي أمر به الرب: رباني. جيد؟

طيب، الآن هذه فقط مقدمة حتى نأتي إلى الجملة المركزية لابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير ربانيين، وفيما يتعلق بالسياق الإصلاحي لكلمة رباني، أو هذه الآية بشكل عام. الآن واضح أنه رباني: عالم، حكيم، متقٍ، يدبر أمور الناس، هذه الآن ثلاثة أقوال. الإمام الطبري عجيب في يقظته وانتباهه لسياق الآية ولملاحظته ما قيل قبله من أهل العلم، ثم محاولة النظر في الأرجح؛ لأن الطبري دائمًا يرجح إذا فيه خلاف، يقول لك: وأولى الأقوال بذلك عندي بالصواب، أو في ذلك عندي بالصواب. انظر ماذا قال في الرباني: طيب هو إحنا عندنا أصلين أو قولين في أصل رباني، إما من جهة التربية والتدبير وإما من جهة الرب، يقول الطبري: وأولى الأقوال عندي بالصواب في الربانيين أنهم جمع رباني، وأن الرباني المنسوب إلى الرَّبّان الذي يَرُبُّ الناس، وهو الذي يصلح أمورهم، جيد؟ ويربها ويقوم بها. ثم ذكر مستندًا من قول العرب وذكر تفصيلًا في هذا المعنى.

ثم قال: -لاحظوا في قول عندنا فقهاء علماء صح؟ وحكماء أتقياء، انظر ماذا يقول- قال: فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفناه، وكان الربان ما ذكرنا، والرباني هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفت، وكان العالم بالفقه والحكمة -شوف الجمع بين القولين- وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين -وأنا عاجبني هذه كلمة المصلحين أيضًا، تمام؟- وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين يرب أمور الناس بايش؟ بتعليمه إياهم الخير، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم، وكان كذلك الحكيم التقي لله -وهذا القول الثاني، تذكروا الماوردي قال القول الثاني الحكماء الأتقياء، ها؟- وكان كذلك الحكيم التقي لله... -إيش القول الثالث عند الماوردي؟ الوالي الذي يدبر أمور الناس صح؟- قال: والوالي الذي يلي أمور الناس على المنهاج الذي وليه المقسطون من المصلحين أمور الحق بالقيام فيهم بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم وعائدة النفع عليهم في دينهم ودنياهم، كانوا جميعًا يستحقون أن يكونوا ممن دخل في قوله عز وجل: وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ.

فالربانيون إذًا هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدنيا والدين، ولذلك قال مجاهد: وهم فوق الأحبار، لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ، قالوا: وهم فوق الأحبار؛ لأن الأحبار هم العلماء، طيب والربانيون؟ قال: والرباني الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير، والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دينهم ودنياهم. ثم قال: فمعنى الآية: ولكن يقول لهم... مين اللي يقول لهم؟ ها، لا مو الرباني، مين يقول لهم؟ شكلك نعسان اليوم! مين يقول لهم؟ ها: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، يقول: فمعنى الآية: ولكن يقول لهم: كونوا ربانيين، جيد؟ لا يقول: كونوا عبادًا لي من دون الله، ولكن يقول لهم: كونوا... قال: ولكن يقول لهم: كونوا أيها الناس سادة الناس، ولكن يقول لهم: كونوا سادة الناس وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم.

وأنا هنا حقيقة أختلف مع بعض من يحصر معنى العلم في أن يتعلم العلم للنفس، وتعلمون هناك عبارة منسوبة للإمام مالك أنه قال: تعلمنا العلم لأنفسنا وكذلك كان الناس. هذه العبارة لها معنى صحيح ولها وجه صحيح، ولكن أحيانًا يحصر السياق فيها ويكون هذا من عدم البصر بجميع ما جاء في هذا الباب. ليس صحيحًا أن الإنسان إنما يتعلم العلم لنفسه فقط، وأن هذه النية هي التي تكون في بداية الطريق وانتهينا، وأن طلب العلم يحيى به الدين ويقام بالحق وينفع الإنسان المتعلم الناس، أن استصحاب هذه النية أحيانًا يُزهد في هذه النية ويقال: لا، بالعكس، إنما يتعلم العلم لينفع الإنسان نفسه فقط ثم بعد ذلك إذا بارك الله له فالحمد لله وإذا لا...

حقيقة، الآن هذه الكلمة من الطبري تدل على خلاف هذا المعنى، وهو يفسر قول الله سبحانه وتعالى: وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، أي أن الأنبياء يقولون لأتباعهم: كونوا ربانيين، كونوا ربانيين بإيش؟ بالعلم الذي تتعلمون، واضحة الفكرة ولا لا؟ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ. طيب، قال الطبري: ولكن كونوا ربانيين، يقول: فمعنى الآية: ولكن يقول لهم -أي النبي-: كونوا أيها الناس سادة الناس وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم، ربانيين بتعليمكم إياهم كتاب الله وما فيه من حلال وحرام وفرض وندب وسائر ما حواه من معاني أمور دينهم، وبتلاوتكم إياه ودراستكموه، وهذا يذكر أيضًا بقول الله سبحانه وتعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.

طيب، الآن إيش أو ما جهات الارتباط في هذه الآية بين أكثر من صفة من صفات المصلحين؟ فيها ارتباط بماذا وماذا؟ لا إله إلا الله، العلم من جهة والعمل والحكمة، ونفس عملية الإصلاح، نفس عملية الإصلاح والقيام بالإصلاح، أليس كذلك؟ فهنا الرباني هو يربي ويدبر ويسوس الناس، وهذا بسبب علمه وبسبب تدريسه للناس وتعليمه إياهم. الزمخشري يقول في تفسير هذه الآية، ولاحظوا شوف: وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ إيش؟ بِمَا، بِمَا كُنتُمْ، يقول: بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم أوجب أن تكون الربانية التي هي قوة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والدراسة، وكفى به دليلًا -واسمعوا جيدًا- وكفى به دليلًا على خيبة سعي من جهد نفسه وكد روحه في جمع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل.

هذا كلام مباشر في قضية العلم وسيلة والعمل غاية ومركزية العمل، أليس كذلك؟ قال: وكفى به دليلًا على خيبة سعي من جهد وكد روحه في جمع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل، فكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها، جيد. وكذلك صديق حسن خان في فتح البيان قال في تفسير هذه الآية: وفي هذه الآية أعظم باعث لمن علم على أن يعمل، وأن من أعظم العمل بالعلم تعليمه والإخلاص لله سبحانه وتعالى، والدراسة مذاكرة للعلم والفقه، فدلت الآية -بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ- فدلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيًا، فمن اشتغل بها لا لهذا المقصود فقد ضاع علمه وخاب سعيه.

واضح؟ قدّمت، إذًا الربانية صفة جليلة، وحقيقة هذا الدوران حول الآية أغنى عن الأربع جهات، أليس كذلك؟ عن بيانها وما يدخل فيها، وعن مستندها ومرجعية الوحي، وعن أهميتها ووجودها، وعن كيفية تحقيقها، كلها في هذه الآية، أليس كذلك؟

طيب الصفة كم التالية؟ الصفة السابعة عشرة: الصدق، الصدق. المصلح لا بد أن يكون صادقًا، وهذا المعنى مركزي من صفات المصلحين، والصدق هنا لا يقصد به صدق الحديث فقط، وإنما يقصد به مطابقة العمل للقول. وقد فصلت القول في قضية الصدق في محاضرة مستقلة اسمها الصدق مع الله، ومحتواها يصلح أن يكون في مثل هذا المحتوى، وأيضًا في الكتاب فيه تفصيل، لذلك لن أطيل الآن في قضية الصدق، فقط سأمر على بعض الأدلة المباشرة في قضية الصدق في السياق الإصلاحي: مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.

لماذا ذكرت هذه الآية؟ إحنا قلنا لازم في السياق الإصلاحي وليس الفضل العام، سياق الآيات، صح؟ سورة التوبة، بعد الثلاثة الذين خُلفوا، والآية اللي بعدها: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ، والطبري يلتقط، يعني الطبري ما يفسر لك حرف حرف فقط، يعني يفهم ماذا يقول الطبري، قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ قال: يعني مع من صدق الله في الإيمان به، فحقق قوله بفعله، ولم يكن من أهل النفاق فيه الذين يُكذّب قيلَهم فعلُهم، وهو نص جميل وشريف.

وأيضًا الرازي له التقاطة في هذه الآية يقول: واعلم أنه أتت بعد الثلاثة الذين خلفوا، قال: واعلم أنه تعالى لما حكم بقبول توبة هؤلاء الثلاثة ذكر ما يكون كالزاجر عن فعل ما مضى، وهو التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة أمر الرسول، وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ يعني مع الرسول وأصحابه في الغزوات، ولا تكونوا متخلفين عنها وجالسين مع المنافقين في البيوت. لذلك ارتباط الصدق بالجهاد في كتاب الله واضح: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ، إلى آخره.

طيب، يعني بهذا أكون قد انتهيت من ذكر الحديث عن الصفات، كم صارت الصفات؟ سبع عشرة صفة، يعني فصلت في أكثرها وأحلت التفصيل في بعضها مثل العدل والصدق، وكذلك المسؤولية أُحيل التفصيل فيها نظرًا يعني خلنا نقول لضيق السياق، ولكن في الكتاب يوجد شيء من التفصيل وكذلك فيما أحلت لبعض المواد.

الآن قبل أن أنتقل إلى الموضوع الجديد أو القسم الأخير في الكتاب وهو عوائق الإصلاح، قبل أن أنتقل إليه أود أن أنبه إلى أن الشأن كل الشأن في التخلق بهذه الصفات، وأن التوفيق الحقيقي للمصلح هو بتخلقه بهذه الصفات، وأنه إذا آمن المصلح أن الله هو الذي ينصر دينه، وأن الواجب هو إيجاد حملة الذين يقومون أو ليكونوا على سنن الأنبياء والمرسلين في صفات الإصلاح فليشتغل بهذا المعنى، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يتولى هؤلاء الذين يكونون على هذه المعاني: العبودية، العلم، العمل، اليقين، الصدق، العدل، المسؤولية، الحكمة، العزة، الرحمة واللين والرفق، إلى آخره من الصفات، وأن يدخل في مفهومها المعاني التفصيلية التي ذكرت.

هذا هو النموذج الذي يقصده الإنسان حين يقول: إن واجب الوقت هو صناعة المصلحين، ليس أي مصلحين، وإنما المصلحون الذين على هذا السمت وعلى هذه الصفات، وذكرت أنواعًا من مستندات هذه الصفات في مرجعية الوحي.

طيب، ثم يأتي بعد ذلك القسم الأخير في المادة وهو عوائق الإصلاح. إحنا تكلمنا عن فضل الإصلاح، ثم عن جدوى الإصلاح، ثم عن... لاحظ الآن: فضل الإصلاح حديث مشوق، يبعث في النفس يعني قيمة هذا الأمر وقيمة هذا العمل، ويجعل المصلح يتشبث بهذا المعنى، ثم جدوى الإصلاح: فتح للأفق وأن هناك أملًا، ثم بوصلة الإصلاح: وجهة الطريق، ثم الصفات التي ينبغي أن يكون عليها المصلح واللي هي أشبه ما يكون بالزاد الذي يأخذه المسافر معه، ثم ما بقي بعد ذلك إلا أن يقال: حسنًا، بعد هذا كله تنبه، تنبه من هذه المشكلة، ومن هذا العائق، ومن تلك العوائق.

حقيقة، الاهتمام بمبدأ العوائق والتحديات في طريق الإصلاح هو مبدأ نبوي، وهو من الأمور التي لها مستند واضح في مرجعية الوحي، بل إنني حين ألقيت المادة في صورتها الأولى كنت أقدم عوائق الإصلاح والتحديات التي تواجه المصلح على صفات المصلحين، وذكرت حين قدمت المادة في تلك المرة يعني ذكرت أنني قدمت أو تعمدت تقديم عوائق الإصلاح

لأن كثيرا من السياقات تعتني بقضية البناء ولا تعتني بالتبصير بموضوع العوائق عوائق الإصلاح. مما يؤكد على مركزية معنى التنبه للعوائق هو أن من أوائل ما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم في نبوته التحذير أو التنبيه إلى العائق أو العوائق التي ستصل أو التي سيواجهها في طريقه حين قابله أو التقى ورقة بن نوفل فقال له ليتني أكون حيّاً إذ يخرجك قومك، إذ يخرجك قومك. والنبي صلى الله عليه وسلم دهش من هذا الإخبار بهذا العائق أو بهذا التحدي.

أنه كيف يخرج وهو الصادق الأمين المحتفَى به ذو النسب والشرف والمكانة وكان يعني في هذا الذي ذكره ورقة ثم أكده بأن هذه سنة ماضية فقال لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إلا عُودي. كان في هذا من أعظم ما يستفيده المصلحون في أن مما ينبغي أن يبصروا به في بداية الطريق العوائق التي تواجههم، وحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم من يتأمل في سيرته وفي سنته يجد أنه كان ينبه أصحابه تنبيهات مبكرة للعوائق التي يمكن أن يصطدموا بها بعده. فمثلاً لما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال قال إن يخرج وأنا فيكم فأنَا حجيجُكم دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. وأوصاهم في حديث آخر بقراءة آيات من سورة الكهف فيما يتعلق بفتنة الدجال.

وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا فتحت عليكم فارس والروم ذو قوم أنتم هذا الآن شيء مستقبلي وهو في ظاهره أمر ليس له ليس متعلقا بالعوائق وإنما هو متعلق بالثمرات والنتائج. لأنه فتحت فارس والروم ثم ينبهه النبي صلى الله عليه وسلم إلى تحد في بطن هذا الإنجاز وهو التنافس في الدنيا، فقال عبدالرحمن بن عوف نقول كما أمرنا الله ورسوله أو كما أمرنا الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك، تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون إلى غير ذلك من النصوص.

كما في البخاري سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن؟ وماذا فتح من الخزائن؟ أيقظوا صواحبات الحجر. وهذه وسيلة في توقي الفتن القادمة بقيام الليل، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة. إلى غير ذلك من الأحاديث الكثير التي يتحدث فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه العوائق والتحديات التي يمكن أن تواجه أصحابه.

طيب، لما نقول عوائق الإصلاح عوائق الإصلاح كثيراً ما يعني يخطر في الأذهان إن قيل أو إذا قيل هذا العنوان العوائق الخارجية، أليس كذلك؟ أنه مثلاً نتكلم عن الإصلاح وفضل الإصلاح وجدول أعمال الإصلاح ثم تتكلم عن عوائق الإصلاح. عوائق الإصلاح إيش المقصود فيها؟ والله مثلاً قوى الشر التي تحارب الإصلاح وتحول بين المصلحين، أليس كذلك؟ هذا الذي كثيراً ما يخطر في عوائق الإصلاح.

وهذا صحيح لا شك أنه عوائق الإصلاح فيها عوائق خارجية، بل ربما هي من أظهر شعارات المرحلة اليوم في واقعنا أنه الإصلاح صعب جداً من ناحية الظروف الخارجية. ولكن هذه المادة أعتني فيها بالامر الداخلي في تكوين المصلح وبناء المصلح. لذلك أنا أركز على عوائق الإصلاح الداخلية. وعندي قناعة ويقين أنه بقدر بناء المصلح داخلياً بقدر ما يكون لديه من القوة وحسن التصرف في التعامل مع التحديات الخارجية التي من سمتها ومن شأنها في هذا الزمن سرعة التغير وكثرة صورها وتجدد أنواعها، بحيث إنك لو دربت إنسانًا أو ربيته على المواجهة مع عائق من عوائق الإصلاح الخارجية ما يلبث أن يتغير هذا العائق ثم يحتاج الإنسان أن يُربى من جديد على مواجهة عائق آخر.

بينما لو صُنع المصلح على الوعي والحكمة والعلم واليقين والصبر والتدرب والتجربة والخبرة وما إلى ذلك، فإنه يكون لديه من القابلية الذاتية على تجديد الوسائل وإحسان النظر مع مختلف العوائق الخارجية ما يكون هو الأنفَع والأجدى في التعامل مع هذه العوائق. واضح الفكرة؟

طيب، لذلك لن أتحدث أو لن أتحدث عن العوائق الخارجية ربما سأشير إليها إشارةً، لكن الشأن في التحديات الداخلية هي التي تواجه المصلح، ربما أهم تحدٍ برأيي داخلي أو من أهم التحديات الداخلية التي تواجه المصلحين في هذه المرحلة هو تحدٍّ أرجو أنني يعني أشبَعته بالقول والحديث في بداية المادة، وهو تحدي اليأس والإحباط، هو تحدٍ داخلي من أعظم التحديات الموجودة في هذه المرحلة. تحدي اليأس والإحباط تحدثت عن هذا التحدي في محاضرتين ربما أو قرابة ثلاث محاضرات في بداية المادة.

وسبب التقديم لذلك التحدي هو أنه كالعائق دون إبصار حتى يعني خلنا نقول صفات المصلحين، ولأن الإنسان حين يكون -يسمونه- محبطاً فإنه لا يستمع بالتفاصيل في القول الإصلاحي والبناء الإصلاحي. فكان الحديث في ذلك في الدروس الأولى عن عوائق الإصلاح باليأس والإحباط وحقيقة هي من الأمور المهمة جداً والمركزية. لذلك يعني من المهم أن يُرجع إليها وأن ينتبه إلى أنها من العوائق التي تحتاج إلى حديث.

طيب، من التحديات التي يكثر وقوعها في السياقات الحالية وفي واقعنا وهي مرتبطة بعوائق الإصلاح الداخلي انحراف البوصلة، تحدي انحراف البوصلة. وانحراف البوصلة هي كلمة عامة يعني تشمل أو يدخل تحتها مجموعة من الانحرافات الداخلية. إيش برأيكم؟ عندنا صور من صور انحراف البوصلة في السياقات الإصلاحية؟

عدم اتخاذ الوحي مرجعا طيب، هو عدم اتخاذ الوحي مرجعاً هذا سبب لانحراف البوصلة. تشتت في إيش؟ عدم وضوح الرؤية الإصلاحية، التشتت في كل مرة يعني تنقل من جهة إلى جهة، نعم جيد، هذا أيضاً.

جميل، مركزة ما ليس مركزياً والاشتغال بأشياء في الهامش وتضخيم هذه الأشياء حتى يظن أنها هي المركزيات الكبرى. جيد، عدم التجديد يعني الجمود على المعالم، يعني ممكن هي صورة من صور الخلل ولكن ليست أقرب لانحراف البوصلة بقدر ما هي يعني معنى عدم فاعلية الإصلاح لنقل. طيب، من الأمور التي يمكن أن تكون ضمن انحراف البوصلة ردود الأفعال غير المنضبطة المتعلقة بنوازل الأمة ومشكلاتها، وهذا موضوع كبير ومهم جداً.

يعني أحياناً الإنسان مو أحياناً كثيراً ما يبدأ أناس من أهل النية الصادقة في بناء أنفسهم ويرجون بهذا البناء أن يكونوا مصلحين، ثم ينكشف لهم أثناء الطريق أنواعاً من الأزمات التي تمر بها الأمة الإسلامية، سواء على مستوى الضيق الذي يحيط بالإنسان أو على المستوى العام، فيجد أحياناً الإنسان نفسه في حرج شرعي من إكمال البناء وما إلى ذلك، وعدم الدخول في سياقات التفاعل في الإصلاح أياً كانت، الدعوة إلى الله أياً كانت.

وأحياناً يكون المشرفون على المدارس الإصلاحية الدعوية التربوية هم سبب في انتزاع الطالب من سياقه الذي ينبغي أن يكون فيه إلى سياق آخر. وهذا التفاعل الانفعالي لما نقول هذا التفاعل غير المنضبط مع الأحداث أحياناً يؤدي إلى انحراف البوصلة، أحياناً حماسة معينة، أحياناً تحدث أزمة من أزمات الأمة الإسلامية، هذه الأزمة يقول لك الإنسان يا أشتغل في هذه الأزمة الآن وأعالج الآن وإلا أنا متخاذل.

جيد، طيب أنت أمهلتَ قليلاً وتفكرتَ في واقع هذه الأزمة فهذه الأزمة ليست جديدة وليست هي الوحيدة، وفقط لو أغمضت عينك قليلاً ستجد أن مثل هذه الأزمة ستأتي غداً في منطقة أخرى، وبعد غد في منطقة ثالثة، وبعده في منطقة رابعة. الأزمات كثيرة جداً، والأمة اليوم تحتاج إلى إصلاح جذري وليس إصلاح فقط في الحرائق التي نشأت ونشبت في مختلف الأماكن، لازم يفهم هذا المعنى. وإن النظر إلى أصل الداء ومعالجة أصل الداء هو الذي يتطلب الصبر الحقيقي والبناء الحقيقي وهو الأنفَع في مختلف هذه القضايا.

يعني هَبْ أن مكاناً مغلقاً مثلاً قبو كبير مثلاً أو مخزن كبير جداً فيه أطراف من يعني خلنا نقول ورقيات أو شيء، ونشب في كل كومة من هذه الأكوام حريق، نار صغيرة، جيد؟ وبدأت تشتعل. يوجد مروحة ضخمة تضخ الهواء داخل هذا المكان وهذا الهواء يغذي هذه النار، فالتي كانت صغيرة أخذت تكبر وتنمو وتلتهب سريعا.

جيد، إن أخذت تطفئ هذه النار واحدة واحدة لن تدرك ولن تلحق وستشتعل هذه النار في غيرها. إن أردت أن أو إن استطعت أن تذهب فتغلق هذا الهواء الذي يمد النيران الزيادة والنماء تكون قد قطعت سبباً أساسياً، ثم بعد ذلك سيسهل عليك قطع أو إطفاء هذه الحرائق إن لم تطفأ بعد بعضها أصلاً وحدها. واضحة الفكرة؟ هي الفكرة أنه ما نعيشه اليوم من أزمات هي أعمق من أن تكون منقطعة الأسباب، كل واحدة منها لها أسبابها الخاصة التي نشأت الآن وإذا عالجتها ستنتهي.

مشكلاتنا أعمق بكثير من ذلك، وهي انعكاس لسنوات وعقود سابقة من الفساد والإفساد. ولذلك أن تلتف على هذه الأزمات بإيجاد الحاملين الحقيقيين القادرين على الاشتغال في مختلف هذه المناطق، وفي حماية بناء الحق في ذاته وتبليغه والقيام به، هذا من أعظم ما يمكن أن يكون في الإصلاح. من لا يدرك هذا المعنى قد تنحرف بوصلته الإصلاحية تفاعلاً مع حريق معين. وهذا بطبيعة الحال ليس دعوة إلى عدم التفاعل مع هذه النيران، هي الفكرة في الوسيلة فقط.

في الوسيلة فقط، يعني لا نقول انظر إلى هذا الحريق وأغمض عينيك، لا، هي الفكرة في الوسيلة، جيد، أنت عندك أزمات كبرى أحياناً ما تستطيع أن تعمل لها شيئاً الآن. طيب، صور انحراف البوصلة كثيرة، لكني سأذكر مجموعة من الضمانات في يعني خلنا نقول عدم انحراف البوصلة في مختلف صورها، يعني صورها كثيرة جداً.

من أهم ما يكون من الضمانات في عدم انحراف البوصلة التحلي أو الاتصاف بصفات المصلحين التي ذكرت. إذا جمعت صفات فنقول لك هذا الضمان الكافي يعني ما تحتاج أكثر من كذا؛ العبودية والانطلاقة من مرجعية الوحي، والعلم والعمل واليقين والحكمة، والمسؤولية والعزة والرحمة واللين والرفق والعدل، وإلى آخره. هذه إذا استمعت وهذا الذي أقوله دائماً إنه يا جماعة الخير بناء المصلح بهذا الكم وبهذا الكيف وبهذا القدر هو بعد ذلك يستطيع أن يواجه المشكلات، هو يستطيع أن يحدد الثغر المناسب، هو إلى آخره. لذلك الاتصاف بصفات المصلحين السابق ذكرها، يعني هذا على وجه الإجمال.

إذا أردنا أن نذكر بعض الأمور على وجه التفصيل في الضمانات وانحراف البوصلة: تحدث عن التأصيل الشرعي وهنا يعجز الإنسان عن أن يختصر الكلام ولذلك لن أقوله لأنه لازم يكون مختصراً لضيق الوقت فلن أقوله، اللي هو إيش؟ اللي هو أهمية العلم الشرعي في ضبط بوصلة الإنسان وفي استبداده بعد ذلك في أنواع الاحتياجات الإصلاحية، من هذا البناء العلمي الأول الذي يبني.

من ضمانات انحراف أو عدم انحراف البوصلة مركزية التزكية، ومنها السوية النفسية؛ أحياناً مشاكل الغايات التي داخل النفس هي تكون من الأسباب في عدم إحسان التعامل مع الأزمات ولا في إحسان وسبباً في عدم إحسان خلنا نقول الثبات على الطريق والاستمرار على مقتضى العلم وما يعني يتعلق أو ما يتطلبه الطريق الإصلاحي.

الإيمان بمبدأ تعدد الثغور والتكامل الإصلاحي من ضمانات عدم انحراف البوصلة، لست مسؤولاً عن كل شيء، يجب أن تفهم أن خارطة الثغور واسعة، وأن الذي عليك ليس هو سد كل ثغر من الثغور وإلا لن تنتهي. فإذا كانت إذا كان تعريفك للثغور أنك مسؤول عن كل ثغرة على وجه التفصيل فهذا أكبر سبب لانحراف البوصلة من أكبر الأسباب.

من ضمانات عدم انحراف البوصلة ترك مساحة واسعة للاجتهاد في اتخاذ الوسائل الإصلاحية وعدم قوالبتها. التوسيع في باب الوسائل، أحياناً تضخيم الوسائل يؤدي إلى انحراف البوصلة؛ الوسيلة الإصلاحية تصبح هي الغاية الإصلاحية، يستغرق المصلح ومجموعات من المصلحين في وسيلة معينة وتكون هذه يعني وهي تعرف أن الإنسان أول ما يبدأ يبدأ يؤسسها ويعرف أنها وسيلة، تمام؟ ويهتم بها جداً، يأتي من بعده من الطلاب يرى اهتمامه البالغ بهذه الوسيلة فيظن أن هذه هي الغاية. وهكذا، جيد.

لذلك دائماً التفريق بين الوسائل والغايات، إعطاء الوسائل حجمها والغايات ما تستحقه. كذلك تفعيل مركزية الاستهداء، وتحول هذا المعنى أو تحويل هذا المعنى من شعارات وكلمات إلى مركزية حقيقية، يعني دوام الاستهداء بالله سبحانه وتعالى في المحطات الإصلاحية التي يسير فيها الإنسان.

طيب، كم تحدٍ ذكرنا أو كم عائق؟ اليأس والإحباط وانحراف البوصلة. من العوائق التي تعترض طريق المصلحين عائق أو تحدي التنازع والتفرقة وتفرق الكلمة بين المصلحين وبين العاملين للإسلام. هو من المشكلات الحقيقية المنتشرة في واقعنا التي كانت لها صور كثيرة في التاريخ الإسلامي، ووقعت بعض صورها في وقت نزول الوحي ونزل القرآن بمعالجة هذه القضية، والتأكيد على أن طريق الإصلاح يجب أن يراعى فيه الابتعاد عن التنازع والتفريق. وهذا من معالجة القرآن لنفوس المصلحين، وذلك أنه قد حصل شيء من ذلك في غنائم بدر.

فقال الله سبحانه وتعالى في أول آية من سورة الأنفال التي فيها الكلام عن غزوة بدر: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ. ثم في نفس السورة: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ... يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحذر أصحابه من بعده يقول لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. النبي صلى الله عليه وسلم كان قلقاً على هذه القضية، وكان يحذر ويقول إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم.

إذا لم يؤمن المصلحون ويوقن المصلحون بأنهم في طريقهم الإصلاح من أول ما يبتدئون في هذا الطريق إلى نهايته لديهم عدو لا يرى سعيه الحثيث ليفرق كلمة المصلحين ويخالف بين قلوبهم، إذا لم يؤمنوا بذلك ويوقن به ويديم استحضار وجود هذا العدو الذي هذه وظيفة من أعظم وظائفه، يكونون قد فتحوا على أنفسهم باباً من الشر من الصعب توقع نتائجه السلبية. لذلك لما نقول البعد عن الغفلة ودوام الاستحضار، واحدة من الأمور التي يجب أن تستحضر استحضار العداوة مع الشيطان. واحدة من الوظائف الشيطانية التي يجب أن تم استحضارها وظيفة تحريش التفريق بين المؤمنين، وهذا له صور كثيرة تكلمت عنها في محاضرة طويلة بعنوان ولكن في التحريش بينهم، ويمكن فيمكن آآ الرجوع إليها ويعني آآ المواد التي أحيل إليها خلال هذه المحاضرات.

أرجو أن يكون في اهتمام بالرجوع إليها؛ لأنها حقيقة يعني تكمل بعض ما يعني بل في هذه المقامات هذه المحاضرة ولكن في التحريش بينهم مهمة في آآ هذا المعنى، في معنى التنازع والتفرقة وما يتعلق به في السياق الإصلاحي في علاقة المؤمنين ببعضهم. تعبتوا ولا نكمل ها ها، محمد طيب مم.

هناك أسباب في السياق الإصلاحي يمكن أن تؤدي إلى الضعف إلى إلى التنازع والتفرقة، منها ضعف التزكية وهذا فيه كلام يعني تفصيلي في الكتاب، ومنها أمراض القلوب وخاصة العجب والكبر والحسد، ومنها أحيانا أخطاء أخطاء تربوية معينة تؤدي إلى التنازع والتفرقة. أحيانا آآ خلنا نقول مثلا تهميش بعض العاملين تهميش بعض آآ الطلاب بعض المتربين وآآ يعني الاستئثار ببعضهم على بعض. هذا قد يؤدي إلى حالة من التنازع والتفرقة والحسد إذا كانت حالة خارجة عن الحد؛ لأنها هي فيها حدان مشكلان، فيها حد الحساسية الزائدة النفسية الزائدة التي هي تتحسس من أي اختصاص من أي اختصاص خلنا نقول لطالب أو لمترب أو لداعية آآ أو لمصلح دون آخر بشيء من الخير، وهذا هذا التحسس خطأ تماما ولا ينبغي أصلا أن يؤدي إلى مشكلة، وبين حالة أخرى لا ترى أي إشكال في كل أنواع الاختصاص، فينبغي الموازنة بين الأمرين.

النبي صلى الله عليه وسلم كان يختص بعض أصحابه بشيء، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يختص مثلا أباکر وعمر بما لا يختص آآ بما لا يخص به كثيرا من أصحابه. ولذلك آآ تعلمون أنه آآ ابن عباس أو علي رضي الله عنهما قال: كثيرا ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: دخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر. حتى حين يكونان يعني غائبين يذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي الحديث الصحيح النبي صلى الله عليه وسلم مرة ذكر آآ شيئا من خوارق العادات التي حصلت، فذكر بقرة آآ تكلمت وذئبا تكلم ها فقال الصحابة: سبحان الله بقرة تتكلم! قال: نعم، إن يؤمن بهذا وأبو بكر وعمر وما هما ثم. وما هو ما ثم، ثم قالوا: سبحان الله ذئب يتكلم! قال: نعم، إني لأؤمن بهذا وأبو بكر وعمر وما هما ثم.

وكان هناك أنواع من الاختصاص حتى تصل إلى ألقاب الناس، كانوا يلقبون أسامة بن زيد بحب رسول الله وابن حب رسول الله. جيد، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يوزع الوظائف على أصحابه بحسب الاهتمام، ليست هي يعني دائما هو المبدأ وجبر الخواطر. لا، وإنما هناك من يقدم لعمل لأولويته لأهميته لقدراته وما كان هذي ما كانت هذي القضية تسبب حساسية بين الصحابة واختلاف الكلمة وحسد فيما بينهم. جيد، النبي صلى الله عليه وسلم يأمر فلانا يؤمر كذا يؤمر كذا.

أحيانا تحدث يحدث شيء من خلنا نقول الكلام أو شيء، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعالج القضية، بس الكلام الذي يحدث؛ لأن أصلا القضية يعني يعني اتخاذ القرار النبوي كان كان قرارا عجيبا وغريبا، والنبي صلى الله عليه وسلم أعلم بما يتخذ؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسامة بن زيد على جيش فيه كبار الصحابة. أسامة بن زيد لما أمر على ذاك الجيش كان يعني التقسيم العمري اليوم في المرحلة الثانوية تقريبا أو في آخر المتوسطة بضع ابن بضع عشرة سنة، آمره على جيش فيه كبار الصحابة وساداتهم. جيد؟ فتكلم الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن كنتم تطعنون في إمارته فقد طعنتم في في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إنه لخليق للإمارة.

وايش تكملة الحديث وانه لمن أحب الناس إلي. آآ طبعا هذا الاختصاص بالادوار والوظائف والأعمال لا يمنع، بل ليس فقط لا يمنع، يعني مما ينبغي أن يصاحبه أحيانا خاصة إذا وجد شيء جبر خواطر الآخرين، لكن هذا ليس لازما دائما. وهذا فيه قصة لما النبي صلى الله عليه وسلم آآ لما آآ خرج من آآ مكة في ذهب من المدينة إلى مكة وخرج النبي صلى الله عليه وسلم، لا أدري لا أذكر الآن في عمرة القضاء ولا في الفتح، المهم ربما في عمرة القضاء لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة تبعته ابنة حمزة ابنة عمه حمزة آآ تنادي يا عم يا عم، فتناولها علي فأخذها بيده أو فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فحملتها.

فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، من يأخذها من يكفلها؟ قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لمن؟ لخالتها، لمن بجعفر، وقال: الخالة بمنزلة الأم. خالة بمنزلة الأم. وقال لعلي: أنت مني وأنا منك. وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي. وقال لزيد: أنت أخونا ومولنا. أخرجه البخاري.

شايف؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم قضى بها ثم يعني أعطى كل واحد من فهي هذي القضية يعني أحيانا ترى يكون الحل أحيانا يكون الحل أن يوصي الإنسان بالصبر؛ يعني أحيانا تكون الحالة في الاستئثار هي حالة غير عادلة، وأحيانا يصعب تغيير الحال فيوصي الإنسان بالصبر؛ يعني مو بالضرورة أنه إذا كان الاستئثار غير عادل أن يكون الحل هو الغضب والتفرق. ومن الأدلة على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للانصار كما في الحديث الصحيح، يقول: إنكم ستلقون بعدي أثرة، إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض. فاصبروا حتى تلقوني على آآ الحومة.

آآ أحيانا المصارحة تكون حلا في مثل هذه المشكلات، حلا للنفس؛ يعني أحيانا تكون النفس مكبوتة بشيء معين، أحيانا المصارحة تكون تعرف لما حصل توزيع الغنائم، الأنصار قاتلوا المشركين وسيوفهم تقطر من دمائهم، الغنائم أعطيت للمقاتلين الذين للتو قاتلهم الأنصار ها، أعطيوا أعطوا من الغنائم أموالا طائلة تأليفا لقلوبهم، فجاء الأنصار وأفضوا بما اعتلج أو اعتمل في صدورهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، يعني أعطيت قريشا وتركتنا وسيوفنا تقطر من دمائهم.

فقام النبي صلى الله عليه وسلم المقام المشهور العجيب فيهم اللي هو: لو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، إلى آخر الحديث المشهور. فيعني هذا قد يكون سببا سببا من جهة يعني سببا إما من جهة المربي في المبالغة والإسراف الغير غير غير المبرر في مثل هذه المعاني، أو من جهة المتربي في الهشاشة والحساسية الزائدة والله أعطى فلان ما أعطى وكذا ما أدري ايش.

إنسان ينتبه يعني ليس كل شيء في الاختصاص في العمل الدعوة والاصلاح، هذا طبعا ما يكون إلا في السياقات التربوية، أما السياقات العلمية اللي يحضر يدرس ويمشي ما في لا اختصاصات ولا اللهم إلا إذا واحد يقرا عن الشيء، لكن في السياقات التربوية اللي يربى فيها الإنسان خاصة إذا كان في تربية على العطاء وتكليف بأدوار ومهام إصلاحية وعملية قد يحصل شيء من التنافس فيما بين المتربين في مثل هذا المعنى، لماذا أعطى فلان؟ لماذا جعل فلان هو المتصدر؟ ليه جعل هو مسؤول عن كذا؟ لماذا لم لست أنا؟ أنا طيب أنا من زمان موجود في هذا المكان ليش أنا طيب ما ليس دائما الإنسان يعني آآ يعني ليس دائما هذي الاختصاصات تكون آآ وسببا موجبا للغضب والزعل، لا ينبغي أن يكون الإنسان دائما يفكر بهذه الطريقة.

آآ إن كان هناك شيء فيه إشكال حقيقي تحدث الإنسان. غير كذا، طبعا مما يعين على تجاوز المشكلة بالنسبة للمتربي نفسه، ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: تعس عبد الدينار ها وعبد الدرهم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: طوبى لعبد ايش، اخذ بعنان فرسه. خلينا نذكر النص؛ لأن فيه آآ في واحدة من العلاجات لهذه القضية. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطى رضي وإن لم يعطى سخط، تعس وانتكس، هذا دعاء عليه، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش. طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله.

طيب، طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع. مو مو بس يعني أنه إن كان في الحراسة كان إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع، مقامه ليس مقاما عزيزا حتى على الناس. يعني هذه هذي حتى زائدة، يعني هذا في البخاري الحديث.

فأحيانا الإنسان يعني يتجاوز مثل هذه المشكلات برفع مستوى التجرد لديه بحيث إنه هو يركز على ما يعيش لأجله، وهذا لا يمنعه من أن يتحدث الحقيقية القضية عموما فيها موازنات آآ كثيرة في هذه القضية.

من الأشياء التي قد تحدث أو تكون سببا في وجود التنازع والتفرقة بين المصلحين: عدم العمل بفقه الخلاف. أنا ذكرت كم سببا الآن ما فصلت في الأولين، السبب الأول ايش كان؟ ضعف التزكية، جيد، وفيها تفصيل قلت له ارجع للكتاب. والسبب الثاني ايش كان؟ أمراض القلوب العجب، وخاصة العجب والكبر والحسد.

فصلت في الثالث الذي هو التهميش مش هقول الهجر أو الاستئثار ها. بمناسبة الهجر تعرفون قصة كعب بن مالك، النبي صلى الله عليه وسلم هجره، استغل الأعداء هذه الفرصة وأرسلوا له: إنه الحق بنا نواسك. طيب ثم طبعا واصف، لكن شوف التربية النبوية كانت هي السبب المانع من أن يستجيب الإنسان لمثل هذه الإغراءات.

السبب الرابع من أسباب نزعة التفرقة بين المصلحين: عدم العمل بفقه الخلاف. آآ عدم العمل بفقه الخلاف تسبقه خطوة في فقه الخلاف اللي هي ايش؟ عدم العلم بفقه الخلاف، وأنا برأيي أن أن كلتا الصورتين من أسباب المشكلة الموجودة حاليا بين كثير من العاملين، إما عدم العلم بفقه الخلاف أو عدم العمل بفقه الخلاف. آآ مم مما يمكن أن يدخل في ذلك، اللي هو حجم القضايا التي تستحق النقاش أو الإنكار، هذي من الأمور المركزية في قضية فقه الخلاف سواء على المستوى السلوكي وعلى مستوى الأخطاء أو على مستوى الخلافات الفكرية والمنهجية وما إلى ذلك.

يعني احنا عندنا أحيانا إما تضخيم لأشياء لا تستحق الاختلاف، وأما عدم إحسان للتعامل مع الأشياء الضخمة. أنت عندك مثلا الأشياء الضخمة، عندك مناهج عقدية مختلفة ومتباعدة تماما، أحيانا تصل في بعض الأطروحات التأصيلية لكل اللي منهج له تكفير الطرف الآخر، أليس كذلك؟ هاي تحتاج إلى فقه في التعامل، وأنا برأيي أنه من أهم موارد فقه التعامل في الخلافات العقدية هو موقف السلف في التعامل فيما بينهم أو في في تلك المرحلة مع من يختلف معهم من الناحية العقدية في رواية الحديث.

هناك تأصيلات كثيرة عن السلف في التغليظ على البدعة، أليس كذلك؟ هناك سياقات عملية في التعامل مع أهل البدع في رواية الحديث النبوي، وكثيرا ما لا ينظر إلى فقه السلف المتعلق بالعمل مع أهل البدع، ما لا ينظر بهاتين العين. وترى يعني المقامات النظرية أحيانا يغلظ فيها ما لا يغلظ في المقامات العملية، المقامات العملية أيضا وارد عن السلف أشياء فيها تغليظ ووارد عن أشياء فيها مد لحبال التعاون، أليس كذلك؟ البخاري أخرج لناس في صحيحه من أهل البدع.

فهذه من الموارد التي يمكن الاستفاد منها. قبل ذلك السيرة النبوية فيها أصول لفقه الخلاف، وأنا برأيي ما حصل من اختلاف بين الصحابة في حادثة الإفك هو من أهم الموارد في السيرة النبوية التي تعد مرجعا لفقه الاختلاف؛ وذلك أنه حصل تلاسن شديد بين الأوس والخزرج لما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي بن سلول، فقال: من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فقال سعد بن معاذ: أنا يا رسول الله، إن كان منا من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فيه بما تشاء.

فققام سعد بن عبادة سيد الخزرج. قالت عائشة المتضررة الأساسية من هذا الحدث واصفة سعد بن عبادة الذي سيدافع الآن عن عبد الله بن أبي بن سلول الذي هو أنشأ فتنة الطعن في عرض عائشة، قالت عن سعد بن عبادة: وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية. شوف السوية النفسية عند عائشة السوية الغريبة يعني فاهم الفكرة يعني القضية هي الحين مو واحد غلط عليه قضية عبد الله بن سلول هو اللي أحدث مشكلة الطعن في عرضها نفاقا، وسعد بن عبادة الآن يدافع عنه، فقالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية. عبد الله بن سلول من سادة الخزرج، جيد؟ ومين اللي قال إن كان من الخزرج أمرتنا فيما شاء؟ سيد الأوسكال تاريخي بين.

جاءت الحمية النزعة كذا طلعت في قلب سعد بن عبادة، فقام هذا المقام الذي وصفته عائشة بأنه مقام فيه شيء من الجاهلية، فقام أسيد بن حضير -وهو من سادات المؤمنين ومن سادات الأوس-.

فقال لسعد بن عبادة: كذبت، ولكنك منافق تجادل عن المنافقين. هذي كلمة تسيل لأجلها الدماء، صح ولا لا؟ تسيل لأجلها الدماء. قالت عائشة: فسكتهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى سكتوا.

نقطة راح، خلاص انتهت القصة وراحوا الموقف الثاني، واضح أن هي ثورة غضب وحمية جاهلية، لو حف يعني لو تم الحفر والتنقيب في تداعيات هذه الكلمات وليش قيلت ولماذا قالوا ومن قال وايش تقصد ومين قال ومين بعده كذا ولن أسكت وتسكت، لسالت دماء خاصة في ظل غياب يعني النبي صلى الله عليه وسلم.

لو لم يكن موجوداً النبي صلى الله عليه وسلم تعامل معها بهذه، أحياناً بعض المشكلات والتنازع والتفرقة فقه الخلاف فيها يكون عدم التدقيق فيما قيل، وعدم التتبع لما قيل، وإطفاء النار وانتهينا، واضح أنت تعرف هذا وهذا يعرفك، كلهم صالحون، هذا قال كلمة لا تليق وهذا قال كلمة لا تليق.

واضح أنها نزعة غضب، إذا استطعت تهدئ القضية وتمشيهم الحمد لله، ما يحتاج تقلب في الدلالات الحكمية والفكرية التي تقتضيها هذه العبارة، واضحة الفكرة؟ طيب، من أسباب تنازع التفرقة كذلك كيد الأعداء، وهذا تكلمت عنه في مادة تزكية المصلحين وربما تكلمت عن بعض النقاط أيضاً المشتركة، فيعني في تزكية المصلحين ايش كان العنوان المتعلق بالعوائق؟ عوائقهم ايش فيها أمور مشتركة مع هذه؟ ضعف أعمال القلوب، أمراض القلوب، ربما ما أذكر حقيقة ايش كانت.

طيب، مم، من عوائق الإصلاح، كم عوائق من عوائق الإصلاح ذكرت الآن؟ ايش قبل ما تجي أنت؟ من عوائق الإصلاح اليأس والإحباط، اليأس والإحباط، انحراف البوصلة، التنازعات، التنازع، التفرقة، من العوائق الداخلية طبعاً هذا كل العوائق الداخلية، احنا قلنا العوائق الخارجية وشرحت الفكرة بين الأمرَيْن.

مم، من التحديات أو العوائق الداخلية صعوبات الحياة، تكلمت عنها في تزكية المصلحين، ها، أنت تكلمت عنها أليس كذلك؟ جيد، يمكن الرجوع إليها إما في الكتاب أو في تزكية المصلحين حتى لا أكرر هذا، وفتن الشهوات طبعاً تكلمت عنها في تزكية المصلحين بشكل ربما موسع، وتكلمت عن الشهوات القلبية أليس كذلك؟ والشهوات الجسدية، والوقاية من الشهوات القلبية، والوقاية من الشهوات الجسدية، وآآ من خلينا نقول من الأمور المشكلة التي قد تكون من عوائق الإصلاح.

آآ التعصب، التعصب والانتماءات التي تحول بين الإنسان المصلح وبين التجرد الإصلاحي، وآآ هذه حقيقة يعني قضية من القضايا المهمة والمركزية التي يحتاج المصلحون إلى ضبط القول فيها وضبط البوصلة فيها. يعني شوفوا يا جماعة، احنا في واقع وفعلياً أحياناً الإنسان ينشأ في سياق فيه انتماءات معينة، وهو يعني يكتشف بعد فترة أنه والله ليس كل انتماء هو محمود، وليست كل عصبية محمودة ها، لا أقول تعصب وإنما الانتماءات يعني.

آآ ثم بعد ذلك تحدث عنده منازعة، هل يحافظ على انتمائه مثلاً الذي يتيح له فرص في العمل الإصلاحي أو يخرج من أي انتماء معين؟ وهذه تحدث فيها موازنات يعني، لكن أنا برأيي أن المعيار الأساسي فيها هو معيار الوعي وما يتعلق بمصلحة الإسلام والمسلمين في عمل الشخص. أحياناً الشخص قد يتغاضى عن بعض المفاسد لأجل المصلحة أو المصالح الكبيرة التي تحدث للإنسان في عمله الإصلاحي، يعني قد يكون الإنسان مثلاً قد لا يكون يعمل في أفضل مركز من المراكز ولا مع أفضل مصلح من المصلحين.

ولكن هذا السياق يتيح له من المنابر ومن الفرص التي لا تتحكم في المضمون الذي يتكلم فيه، ولكن تتيح له من المال ما لا يتاح له إذا خرج عن هذا السياق، فهنا قد يتغاضى الإنسان عن بعض النقص، فلا أقول يتغاضى يعني لا ينصح وإنما يتغاضى في استمراره في مثل هذا السياق نتيجة أو تغليبا لمصلحة التأثير والعمل طالما أنه كما قلت البوصلة مضبوطة وليست منحرفة. أحياناً لا، الإنسان يظل معلقاً على المحل الذي ينشأ فيه والمدرسة التي ينتمي إليها السياق الذي ينتمي إليه، ويحاول أن يحسن ويحسن لأنه يرى أن هذه النسبة وهذا الاسم هو الاسم الأشرف الذي ينبغي أن يظل دائماً هو الأفضل، وأحياناً يكون الطريق مسدودة.

فالفكرة هي أهمية التجرد الإصلاحي والموازنة بين المصالح والمفاسد وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وهذا ليس أمراً سهلاً يعني، هذا في الكلام سهل ولكنه في الحقيقة ليس سهلاً، وأنا برأيي من أعظم ما يتجاوز به مثل هذه الإشكالية هو التربية على صفات المصلحين، كلما كانت التربية على صفات المصلحين التي ذكرتها السبعة عشرة أشمل وأكمل فهي أدعى لتجاوز هذه المشكلة.

من التحديات والعوائق التحديات الفكرية والعقدية والمنهجية، وآآ التحديات العقدية الفكرية يعني هي تحديات انتشلت بعض من كانوا يسيرون في طريق الإصلاح، وبلا شك أن من انتشلوا من قبل خطاطيف التحديات الفكرية لم يكونوا ممن قد بُنُوا بناءً وثيقاً ثابتاً مستمداً من مرجعية الوحي، والقلب غذي فيه باليقين والإيمان ودوام التزكية، وتعلّم الإنسان فيه وتربى على مركزية العمل وداع ومستمد من العبودية، وازداد من العلم النافع والحكمة، هؤلاء أبعد الناس عن أن يتأثروا بمثل هذه الشبهات الفكرية.

لكن وُجِد في أناس ممن كانوا ينتسبون إلى شيء من العمل الإسلامي من خُطِفوا بشيء من هذه الخطافات الفكرية، إما اتبعوا موجة إنكار السنة والتشكيك فيها، أو موجة الإلحاد، أو موجة إنكار الثوابت بشكل عام، أو غيرها من الموجات، وحقيقة يعني أنا ودي ألفت الانتباه إلى معنى معين، وهو أننا اليوم في ظل الضعف العام الذي نعيشه، فإن من انعكاسات هذا الضعف العام الذي نعيشه طبيعة هذا الضعف الذي نعيشه ينعكس على الأفراد، على المسلمين، على العاملين، على المصلحين، ينعكس عليهم بشعبة من هذا الضعف، يؤدي إلى الضعف الخاص.

الضعف الجمعي هذا يؤدي إلى الضعف الفردي، وهذا الضعف يجعل الإنسان قابلاً للتغير وقابلاً للتأثر الفكري، نحن نعيش ترى في مناخ موبوء، مناخ ملوث، فإذا لم يكن لدى الإنسان من أصول العلم والإيمان والاستقامة ما يحول بينه وبين هذه الإشكالات الفكرية ربما ينتزع منها ويخطف فيها.

فصلت في الكتاب في كتاب بوصلة المصلح في مجموعة من هذه التحديات العقدية والفكرية وكيفية التعامل معها، وكذلك تكلمت عن الأجيال وعن أهم الإشكالات الموجودة في كل الأجيال، وربما تحدثت عن شيء من ذلك في مادة التزكية للمصلحين، الذي أريد أن أؤكد عليه في ختام الحديث عن عوائق الإصلاح، الذي أريد أن أؤكد عليه هو ما ابتدأت به الحديث في عوائق الإصلاح.

وهو أن العوائق الخارجية أمام المصلحين عوائق لا تنتهي، عوائق كثيرة جداً وعوائق متجددة، وأن مقاومة هذه العوائق أكبر من طوق المصلحين في هذا الزمن، وأن الذي ينبغي التركيز عليه هو البناء الداخلي للمصلحين الاستثنائي الشمولي على المعايير التي ذكرتها في هذه المادة وعلى الصفات التي ذكرتها والمستمدة من مرجعية الوحي.

وأن من شأن هذا البناء أن يجعل المصلح قادراً على إحسان التعامل مع هذه التحديات الخارجية، والتي هي قابلة لأن تأخذ صوراً في المستقبل ليست موجودة الآن، مشكلة التربية على مواجهة التحديات الخارجية بأعيانها أنها إذا تجددت تلك الأعيان قد لا يكون لدى المصلح من الوعي في إمكان توليد وسائل جديدة للتفاعل مع تلك التحديات، لم يُرَبَّ على أن هذه التحديات متجددة ولم يُعَرَّف هذا النوع.

يا جماعة، احنا ترى قبل خمسطعشر سنة وخمسطعشر سنة في عمر التاريخ الحديث قريبة جداً، يعني قبل خمسطعشر سنة ترى في كثير من الأوساط الدعوية والإسلامية ما في شي اسمه مشكلة إلحاد، ما في شي اسمه مشكلة إلحاد، يعني صحيح كانت موجودة في موجة قديمة جداً، لكن في هذه المرحلة خلنا نقول العشرين سنة الأخيرة فجأة تدفقت هذه الموجة بمجموعة كبيرة من المواد المرئية والمكتوبة وحسابات شبكات التواصل.

كثير من المصلحين لم يعرفوا كيف يتعاملوا مع هذه المشكلة، ما في في القاموس مشكلة إلحاد وكيف تتعامل معها، وأنا برأيي أن المشكلة ليس لأنهم لم يُرَبَّوا للتعامل مع مشكلة الإلحاد، وإنما برأيي أن المكون الداخلي كان فيه قدر من الضعف، وأن التكوين كان فيه نقص في الوعي، وأن التكوين كان فيه نقص في تكوين القدرات الذاتية التي تولد عند الإنسان.

كان التعامل مع هذه المشكلات هي مو فقط إحسان التعامل، هي حسن القراءة لهذه المشكلة، يعني حين يُربى المصلح على حسن تحليل الواقع ومشكلاته فمعناه أنه امتلك أداة يستطيع أن يحلل بها ما يستجد من المشكلات، على الأقل يفهم، يا أخي حتى لو ما استطاع يتعامل بس يفهم ايش اللي صاير، فحين يُعوَّد المصلح على حسن الفهم للواقع وعلى أن تكون محاور اتصالي بهذا الواقع كثيرة ومتنوعة، معنى ذلك أنه إذا استجدت أمور في هذا الواقع لم تكن لديه وقت التكوين يستطيع أن يتعامل معها بإذن الله تعالى.

طيب، بهذا أكون قد أتيت على أو إلى ختام هذه المادة التي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبلها وأن يبارك فيها وأن ينفع بها الإخوة والأخوات الذين يتابعون هذه المادة، وهذه المادة أنا ذكرت في أكثر من موضع فيها أنها مادة متصلة بمواد أخرى اعتنيت بها في الفترة الماضية وليست مادة يتيمة.

في قضية السياق الاصلاحي ذكرت أن هناك تتبعا لمنهج الأنبياء الاصلاحي عبر سلسلة أنوار الأنبياء، ثم تتبع لمعالجة القرآن لنفوس المصلحين عبر سلسلة طويلة أيضاً وهي سلسلة قرآنية، ثم كذلك السيرة النبوية للمصلحين في الأحوال النبوية فيما يعني باستنباط الفوائد المتعلقة بالشأن الاصلاحي، ثم هذه المادة اللي هي بوصلة المصلح، ألقيتها مراراً قبل هذا الإلقاء الأخير بصور متعددة سواء كاملة أو جزئية.

ثم كذلك كتاب من ميراث النبوة هو أشبه ما يكون بالمستخرج الحديثي على مجموعة من الصور أو الصفات أو العوامل التي يحتاجها أي مصلح في طريقه، ثم هذه المادة جاءت ململمة لذلك الشعث ومؤرتبة ومقسمة بحيث أنها يمكن أن يسير المصلح فيها بخطوات واضحة.

وأرجو ألا يكون التعامل مع هذه المادة تعاملاً هو استماع وذهاب، وإنما هذه المادة تتطلب حقيقة عناية بالمدارسة والمذاكرة والاهتمام، خاصة ممن لهم شيء من التجربة الاصلاحية فهي المادة يعني من أهم من هم بهذه الصفة.

ثم أكرر الدعاء بأن يبارك الله سبحانه وتعالى في هذه المادة وأن يجعلها خالصة متقبلة، إنه ولي ذلك وهو الحميد المجيد، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.