الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم يا ربنا يا مولانا لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم وإليك المصير. الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. الحمد لله الذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، نستعين بالله ونستفتح هذا المجلس لنتأمل فيه ونذاكر ونتفكر في موضع من مواضع السيرة النبوية، وهو موضع متعلق بالعمل، وهو موضع أيضا لنصل به إلى الإجابة عن بعض الأسئلة المتعلقة بواقعنا اليوم من الناحية العملية الإصلاحية. والسيرة النبوية يجب أن تكون دائما مصدرا أساسيا للعاملين ولمصلحتها الشرعية. التقصير في دراسة السيرة النبوية وأحيانا تدرس السيرة النبوية في بعض السياقات الشرعية دراسة معلومات وليس دراسة اعتبار واذكار، وإنما تعرف في يوجد بعض المتون المختصرة في السيرة النبوية سواء منظومات الأرجوز الميئية وكذا أو بعض المتون المختصرة التي هي فيها المعلومات الأساسية ولا شك أن هذه مهمة، لكن أنا ما أتحدث عن هذا، أتحدث عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بالاعتبار، الاعتبار العملي الذي يخرج الإنسان به بالمنهج النبوي في مختلف القضايا، ومن أهمها القضايا الدعوية والإصلاحية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-46]. النبي صلى الله عليه وسلم داع إلى الله وبين سبيله، فقال كما قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108]. إذا هذا سبيل المصطفى صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى الله، وكذلك لفظ الإصلاح هو لفظ قراني متعلق بالانبياء: ﴿إِن أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: 88].
فعدم دراسة السيرة النبوية في السياقات الشرعية أو في بعض أو كثير من السياقات الشرعية هو نقص وخلل يجب أن يتدارك ويجب أن يصلح، وهذا من اصلاح المصلحين، بمعنى أنه إذا كانت المعاهد أو السياقات البنائية الشرعية هي الميدان والمكان الذي يتأمل أن يخرج المصلحين فإذا لم تصلح طرق البناء ومناهج البناء فسيكون ستكون الثمرات فيها خلل. إذا السيرة النبوية مصدر أساسي للمصلحين وللعاملين.
الموضع الذي اريد أن أتفكر أن نتفكر فيه سويا في السيرة النبوية وموضع كبير للتامل والتفكر هو موضع الحملة من الصحابه حمله الدين من الصحابه الذين قاموا بمهام في الإصلاح وفي الدعوة وفي نصرة الدين أو اقصد ليس في المشاركة الفردية العادية، وإنما في القيام على الأمر، أن يكونوا هم القادة أو الساسة، أو أن يكونوا الدعاة أو المصلحين. الصحابه الذين خرجوا بهذه النتائج نريد أن نرجع إلى الجذور التي خرجت خرجتهم على هذه النتائج. نريد أن نتفكر سويا في السيرة النبوية: ما الذي أدى من خلال التربية النبوية إلى هذه النتائج؟ ما الذي أدى من خلال التربية النبوية إلى النتائج الإصلاحية والنتائج القيادية التي وصل عليها الصحابه فتحملوا مختلف الأعباء وقاموا بالدين بمختلف متطلباته؛ سواء من ناحية الخلافة وسياسة الناس وهذا أعلى شيء، أو من ناحية القضاء، أو من ناحية التعليم، أو من ناحية قيادة الجيوش، أو من ناحية السفارات والإرساليات الدعوية المتعلقة بالملوك، وبالأعمال المجتمعية التي كان عليها بعض الصحابة، كانوا قادة للمجتمع ومختلف النواحي.
جيد، نريد أن نرجع إلى الجذور لأن هؤلاء تخرجوا من مدرسة واحدة، فنريد أن نرجع أنه ما الذي تلقوه بالضبط حتى وصلت بهم وصل بهم الحال إلى هذه النتائج؟ والمقصود بطبيعه الحال هو إذا استخرجنا ما ما درسوه وما تعلموه وما تربوا عليه فوصلوا إلى هذه النتائج، فالمطلوب بطبيعة الحال هو أن يكون ذلك عائدا علينا، على واقعنا، على عصرنا، على مناهجنا، على محاضننا، على مواطن تربيتنا، على مواطن تعليمنا بالإصلاح الذي نرجو أن يؤدي إلى مثل تلك النتائج التي كان عليها الصحابه في نفس الطريق وفي نفس السبيل، وهذا كما اسلفت موضع واسع للتفكر والتأمل.
من أين يمكن أن نبدأ في السؤال في دراسة هذا السؤال الكبير والتأمل فيه؟ من أين يمكن أن نبدأ؟ أنا أقول نبدأ أولا بالإشارة إلى طبيعة المهام التي قام بها الصحابة، إلى طبيعة المهام التي حملها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ثم نرجع لنتفكر فيما أسس على أو أوصلهم إلى القدرة على حمل هذه المهام المختلفة.
يمكن أن نقسم المراحل التي تولى فيها الصحابة المهام إلى مرحلتين: المرحلة الأولى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والمرحلة الثانية فيما بعد النبي صلى الله عليه وسلم. فيما بعد النبي صلى الله عليه وسلم يمكن تقسيمها كذلك إلى مرحلتين: مرحلة الخلافة الراشدة ومرحلة ما بعد الخلافة الراشدة ومرحلة الملك، لكن احنا الآن نتكلم باجمال المهام التي تولاها الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والمهام التي تولاها الصحابة فيما بعد وفاه النبي صلى الله عليه وسلم. ما أبرز المهام التي تولاها الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولاحظوا من الصعب أنت تتكلم عن زمن النبي صلى الله عليه وسلم فمن الصعب أن تتخيل أن يكون لأحد دور والنبي صلى الله عليه وسلم موجود، هو القائد في كل الاعتبارات؛ الاعتبارات السياسية والاعتبارات العسكرية، وهو المبلغ للرسالة وهو المعلم وهو المربي وهو القاضي وهو كل شيء النبي صلى الله عليه وسلم. فكيف يكون لأحد دور مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم؟ ومع ذلك كان لكثير من الصحابة دور، وهذا اصلا يختصر بعض النتائج التي نريد الوصول إليها أصلا، لانا في الاخير نريد أن نصل إلى نتائج عملية متعلقة بأنه ما الذي يتلقونه؟ لأنه سنصل من واحد من النتائج اللي هو أهمية التمكين الإصلاحي، أهمية التمكين العملي للطالب أو التمكين العملي للمتعلم؛ لأنه هؤلاء مكنوا عمليا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان هناك زمن كان فيه لأحد أن يستغني عن العمل وعن تحمل الأدوار الإصلاحية لكان زمن النبي صلى الله عليه وسلم لوجود النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكون هناك دور لأحد إلا الإسناد والمؤازرة.
حقيقة هناك أدوار متعدده يمكن أن نتذاكرها على النحو الآتي: الدور الدعوي: كان هناك صحابة يقومون بالدعوة إلى الله مع وجود الداعي مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو الذي سبيله هو الدعوة إلى الله، لكن كانوا يدعون إلى الله أيضا، ومن أبرزهم على الإطلاق أبو بكر الصديق في أول أيام الإسلام إذ دعا غيره إلى الإسلام، دعا كبار الصحابه إلى الإسلام الذين أصبحوا كبار الصحابة فيما بعد ذلك في القصة المعلومة لما دعا عثمان وأبا عبيدة والزبير وطلحة إلى آخره، هذا واحد من المواقف. أيضا من المواقف الدعوية البعض الذين كانوا يأتون من خارج مكة فيرجعون إلى أقوامهم فيأتون بهم قد أسلموا، مثل أبي ذر رضي الله تعالى عنه لما ذهب وبقي في قومه يدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى، وهذه وظيفة دعوية، ثم بعد ذلك جاء بقومه مسلمين، وكذلك هو عموما هذه المهمة الأولى اللي هي المهمة الدعوية التي يمكن أن نقول أنها أشب ما تكون بالدعوة الفردية.
المهمه الثانية هي المهمة التعليمية، وهي أخص من المهمة الأولى بحكم أن الدعوة في المهمة الأولى هي الدعوة إلى أساس الدين الدعوة إلى أساس الإسلام، أما المهمة التعليمية فهي التعليم لما نزل من القرآن والتعليم لما نزل من أحكام الإسلام وشرائع الإسلام، وكانت هذه من المهام التي قام بها بعض الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت بتكليف من النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أبرز الأمثله على ذلك مثال مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه، ومثال مصعب حقيقة يحتاج وقوف كبير جدا رضي الله عن مصعب وأرضاه، لأنه مصعب بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة معلما وأشبه ما يكون بالمرشد لنفوس المسلمين في المدينة؛ لأنه تعرفوا الوظيفة الأولى اللي هي قضية الدخول في الإسلام حصلت في مكة، الأنصار الذين أتوا إلى مكة وما يخفاكم أنه من نفس الأنصار الذين أتوا إلى مكة كان منهم من قام بالدور الأول اللي هو الدور الدعوي، أليس كذلك؟ تعرفوا فشا الإسلام في المدينة، كيف فشا في المدينة؟ فشا في المدينة بدعوة هؤلاء الأفراد لمن حولهم، لكن دور مصعب لم يكن هو هذا الدور، يعني لم يكن هو مجرد أن هو ياتي فيدعو إلى الإسلام، وإنما كان دوره الأساسي هو التعليم وأن يقرئ الناس القرآن ويعلمهم، فهذا دور من أهم الأدوار التي قام بها الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. أقصد هذا مثال ومثال آخر اللي هو بعث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه إلى اليمن، ومن المعلوم طبعا بعث معاذ وأبي موسى رضي الله تعالى عنهما، وهذا الدور كان يشمل دورا ثالثا أو مهمة ثالثة معاذ وأبو موسى كان لهما دور غير دور التعليم اللي هو القضاء.
وكذلك علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أيضا في بعثته إلى اليمن القضاء وتنفيذ الأحكام الشرعية، وتعرفوا من أشهر الأحاديث في حكم قتل المرتد كان في اليمن في قصة معاذ وأبي موسى رضي الله تعالى عنهما لما جاء ووجد رجلا موثقا بالحديد فقال ما هذا؟ قال: كان مسلما ثم ارتد. قال: لا أجلس حتى يقتل. وذكر قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في المرتد، فكان قضاء فيه تنفيذ أحكام.
إذا هذا دور ثالث حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. الدور الرابع الذي حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من تمكين الصحابة في العمل والقيادة وما إلى ذلك هو قيادة الجيوش، وهو ما يعرف تحت عنوان كبير في السيرة النبوية اللي هو السرايا، وأيهما كان أكثر السرايا أم الغزوات؟ السرايا. حتى قيل اختلفوا في عدد السرايا التي بعثها النبي صلى الله عليه وسلم، نقول سرية معناه لم يشارك فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد كلف بعض اصحابه بقيادتها، فلما نقول سرية معناه أنه هناك من يقودها من الصحابة. كم سرية بعثها النبي صلى الله عليه وسلم في زمنه؟ هناك قيل عموما هي الروايات تدور في فلك الستين إلى بضع سرية، هذا عدد كبير جدا، عدد كبير جدا يعني في فلك الستين أو السبعين سرية، وما يخفاكم أنه هذا حصل كله في المرحلة المدنية، يعني مرحلة قصيرة. لما نتكلم عن ستين أو سبعين سرية فنحن نتكلم عن عدد كبير من القادة، وما يخفاكم أنه السرية هو ليس صحيح أن السرية هي مهمتها عسكريه، لكن ترى قيادتها ما كانت مجرد قيادة عسكرية مجردة؛ لأن هو ممثل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ممثل للإسلام. واضح الفكرة؟
ترى بعدين الجيوش التي صارت في وسط التاريخ الإسلامي في القرن الرابع والخامس والسابع أمر السرايا فيها كان يغلب الناحية العسكرية أكثر، أما لما تقول لي سرية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فهي سرية ممثلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك ترى ممكن تصرفات بعض السرايا ينزل فيها قرآن، سرية تذهب بعدين القرآن الوحي ينزل من السماء وأشهر واحدة فيها اللي هي سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه لما ذهب وكان ما عرف أنه دخل الشهر الحرام فقاتلوا، وقالوا بدات قريش تعير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بأنهم قاتلوا في الشهر الحرام ونزل في ذلك قرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217]. إذا قضية السرية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت حتى ترى تعرفوا مرتبط بها قرآن، مرتبط بها نزول أحكام تقرير أحكام شرعية، تعرفوا سرية أبي عبيدة بن الجراح لما قذف لهم البحر بالحوت واختلفوا هل يأكلون من الحوت ولا هو ميتة ولا ايش الوضع وكذا ثم ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. السرايا ما كانت ميدانا لمجرد القيادة العسكرية بقدر ما هي تمثيل الإسلام عبر العسكرة.
هذه المهام العسكرية المتعلقة بالسرايا هذه كان فيها عدد لا باس به من القاده، من أبرزهم على الإطلاق ولعله أكثر صحابي ولي قيادة السرايا على الإطلاق زيد بن حارثة زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قالت عائشة رضي الله تعالى عنها ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فيها زيد إلا ولى عليها، وتعرفون الحديث لما ولى النبي صلى الله عليه وسلم أسامة وقال: «إن كنتم تطعنون في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل» إلى آخره، فكان أميرا زيد كان أميرا عسكريا قائدا لجيوش السرايا التي يبعثها النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أمراء السرايا سعد بن أبي وقاص، ومن أمراء السرايا أبو عبيدة بن الجراح، ومن أمراء السرايا حمزة بن عبد المطلب.
المطلب من وراء السرایا عبيدة بن الحارث بن المطلب رضي الله تعالى عنهم كلهم أمراء سرايا. إذا احنا نتكلم عن طبعا وغيرهم، ها، غيرهم احنا نتكلم عن طبعا خالد الموريد، احنا نتكلم عن تكليفات قيادية عسكرية للصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فيها كما قلت تمثيل لرسول الله، تمثيل للإسلام، وهي في وقت نزول الوحي، وكانت تحصل فيها أحكام وتحصل فيها قضايا وتحصل فيها، فالأمر ما كان سهلاً.
هذه الدور، القسم الرابع ذكرونا أول شيء الدعوة، ثانياً التعليم، ثالثاً القضاء والحكم أو تنفيذ الأحكام الشرعية، ورابعاً ايش؟ قيادة السرايا. الدور الخامس اللي هو إدارة شؤون المدينة اللي هو تحت عنوان الاستخلاف وقت الغزوات؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا يستخلف على المدينة بعض اصحابه، يعني النائب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إدارة شؤون المجتمع وقت غياب النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه مهمة تختلف عن السابقة، هي أقرب شيء إلى تكليف معاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن، لكن هذه الآن بحكم أنها في المجتمع خاصة المدني يعني. ولم يكن هذا مختصاً في المدينة، فقد ولى النبي صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة بعد أن فتحها وكان عمره تقريبا 20 أو 21 سنة لما ولاه على مكة، ولك أن تتخيل مكة وفيها بقايا بعض شيوخ قريش وكذا ويولى عليهم هذا الشاب.
هناك ما أدري هل نفردها بدور أو هي يعني نجعلها تحت دور التعليم وتحت دور الدعوة؟ احنا خلينا لأنه الدعوة احنا نقصد بها في الأساس ايش؟ أيوه اللي هو غير المسلمين، إدخالهم في الإسلام. تمام. ففي دور آخر اللي هو كان النبي صلى الله عليه وسلم يكلف بعض أصحابه بإمامة أقوامهم، مثل عثمان بن أبي العاص لما كان كلفه بالإمامة في الطائف، وكذلك مثل مالك بن الحويرث وكذلك عمرو بن سلمة، سواء بتكليف أو بغير تكليف. لكن هناك أناس كانوا يقومون بأدوار الإمامة.
وتعرف لما رجع مالك بن الحويرث ومن معه قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجعوا إلى قومكم فكونوا فيهم وعلموهم وصلوا كما رأيتموني أصلي». فهذا أيضاً من الأدوار يمكن أن نلحقه بالدور التعليمي، أياً كان، لكنه دور من الأدوار.
ومن الأدوار التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة؛ توجه بالرسائل إلى الملوك وإلى الزعماء الدوليين. وهذه مهمة ليست سهلة أبداً، وهي مهمة تختلف عن مهمة القيادة العسكرية، هذه مهمة بالاصطلاح المعاصر دبلوماسية. تروح، كنت لك أن تتخيل أن تذهب إلى كسرى وتعرف حتى هو كانت نفسيتهم زي كذا أن أنتم جايين من الصحراء إيش تبغون أنتم يعني إيش عندكم حتى استعلى ومزق الكتاب، وأن تذهب إلى هرقل، والقصة معروفة لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم: أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. ثم كتب صلى الله عليه وسلم قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 64]. إذاً هذه مهمة من المهام التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مهمة مهام السفارات والتوجه إلى الملوك والرؤساء، هذه المهمة السابعة أو السادسة.
طيب، في مهام عسكرية متفرقة، يعني ليست مثل قيادة السرايا ولكن أشبه ما يكون بالمهام الأمنية أو المهام الخاصة؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يكلف بها بعض أصحابه. من أهمها وأبرزها على الإطلاق في السيرة النبوية حادثة اغتيال كعب بن الأشرف. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لكعب بن الأشرف؟ فانه قد آذى الله ورسوله». فانبرى لها محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه ومن معه من الصحابة، وكان فيها خطة، وحتى استأذنوا من النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يقولون شيئاً، يقولون كلاماً قد يكون فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بما لا يستحسنون أن يذكروه به، لكنه اضطرار لمهمه المكر والخداع للطاغية المجرم كعب بن الأشرف اليهودي. وصارت القصة المشهورة في البخاري لما ذهبوا إليه واحتالوا عليه ومكروا إلى أن أنزلوه من حصنه، فلما أنزلوه أيضاً احتالوا عليه في السير معه ثم وجدوا الفرصة المناسبة فقتلوه اغتالوه ورجعوا. وهذه مهمة أمنية خاصة. وكذلك من المهام الأمنية... إرسال حذيفة نعم، لكن أي اغتيال أبي رافع صحيح. مين اللي كان ذهب إليه؟ نسيت الآن قصة أبي رافع نعم صحيح. وقصة طويلة وأيضاً جميلة وصحيحة قصة أبي رافع اللي كسرت رجله هو من محمد بن مسلمة ولا ما نسيت؟ والصحابي اللي كسرت رجله في المهمة.
المهم لا، هذه ليست مهمة تكليفية، بالعكس، إرسال علي والمقداد لا، يعني هي هذه مهام صحيح، لكنها تعتبر مهام يسيرة، يعني زي مثلاً صح هي شاقة في ذاتها، لكن أقصدي من حيث المعنى اللي نتكلم عنه ليست هي مهمة مستقله كبيرة تتطلب. لكن من المهام أيضاً اغتيال الهذلي، هذا خالد بن سفيان الهذلي، هذه كانت سرية اللي ذهب فيها عبد الله بن أنيس الجهني رضي الله تعالى عنه. الشاهد أن هذا واحد من أدوار خلينا نقول التكليفية القيادية أو المهام التي قام بها بعض الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهي مهمة بعض المهام الأمنية الخاصة.
طيب إيش في أيضاً هذه الآن سبعة أو ثمانية أدوار؟ إيش في أدوار أيضاً بس نبغى أدوار كبيرة يعني كعنوان وليس كأمثال، إيش في غير هذه الدعوة والتعليم؟ كتابة الوحي جيد، لكن هذا دور تنفيذي أكثر من كونه دوراً قيادياً أو مهمة، يعني احنا ما نبغى المهمة اللي هي عارف أن هو مع النبي صلى الله عليه وسلم فيقول له افعل فيفعل، لا، نبغى المهمة التي مثل هذه؛ إما يقود سرية بعيداً عن النبي صلى الله عليه وسلم. لذلك احنا الآن ما تكلمنا مثلاً عن أدوار الصحابة في الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم كل الأدوار البطولية، ما تكلمنا عنها لأنها تختلف عن الفكرة التي نتكلم عنها، الفكرة نتكلم عنها هي أدوارهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بدون النبي صلى الله عليه وسلم.
ها لا لا، يختلف هذا نوعاً ما أيضاً، فردي. إقراء القرآن جيد، داخل في الدور التعليمي أحسنت، هذا مثال أحسنت، يستحق التأمل أيضاً صحيح، لكن أيضاً دور فردي هذا. طيب، خلاص نكتفي عموماً، ما نزعم أننا استقصينا، لكن هذا من أهم الأشياء.
هذا الآن كله القسم الأول اللي هو ايش؟ الأدوار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. القسم الثاني، احنا بطبيعه الحال أيهما المتوقع يكون أكثر من حيث تحمل الأدوار؟ القسم الأول أم الثاني؟ بطبيعه الحال الثاني، هو الثاني اللي هو بعد وفاه النبي صلى الله عليه وسلم. واحنا مثل ما ذكرنا أصلاً هو غريب أن يكون هناك أدوار للصحابة في وجود الشمس، في وجود السراج المنير، في وجود النبي صلى الله عليه وسلم. لكن هي هذه الفكرة، هي هذه الفكرة أصلاً كما قلت مرتين في هذا اللقاء أن هو التمكين للعاملين، التمكين لمن يقوم بالدور، التمكين ل...
طيب، ننتقل للقسم الثاني: دور الصحابة بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا هو أصلاً كما يقال هو المكان الأساسي للبحث. وما يخفاكم أننا الآن هذا كله في العنوان الأول في اللقاء، وهذا العنوان كله يعتبر مقدمة، لأنه هي مقدمة باعثة على السؤال. أما السؤال الذي هو للبحث وللوصول لنتائج هو: كيف وصلوا إلى هذه النتائج الذي تلقوه في المدرسه النبوية حتى يمكنهم به أن يقوموا بهذه الأدوار القيادية والتعليمية والقضائية والدعوية؟ وهي رحلة التأمل هذه. فاحنا الآن العنوان الأول: ماذا فعلوا؟ والعنوان الثاني هو: كيف فعلوا؟ يعني كيف ربوا أو نشئوا حتى يفعلوا؟
فماذا فعلوا؟ القسم الأول في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تكلمنا عنه. في زمن ما بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ أول دور، وهو أهم دور على الإطلاق اللي هو الدور السياسي. الدور السياسي المقصود به القيام على الدين وتمكينه في الأرض والحكم به بين الناس، والحفاظ على دولة الاسلام والمسلمين والدفاع عنها، وتأسيس أو خلينا نقول وتنفيذ الأحكام العملية واتخاذ الوسائل المناسبة للمتغيرات التي حصلت في ذلك الزمان مما يعين على حسن إدارة الدولة. هي الإدارة الشمولية، الإدارة السياسية الشمولية لدولة الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا الدور في زمن الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم مر بطورين أساسيين: الطور الأول طور الخلافة الراشدة، والطور الثاني طور الملك، وكلاهما كان على يدي أيدي الصحابة. والطور الأول هو الطور المزكى من النبي صلى الله عليه وسلم تزكية واضحة، وهو الطور الذي أوصى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأن تتبعه، بأن تتبع الأمة هؤلاء الصحابة في طورهم السياسي الذي رعوا فيه الدين، رعوا به الدين اللي هو طور الخلافة الراشدة بقوله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين». سنة الخلفاء الراشدين، ايش المقصود بسنة الخلفاء الراشدين؟ أهم ما يدخل فيها هو السنة العامة المتعلقة بالهدي العام الذي أقاموه في الناس من أمور الدين.
طيب، هذا الدور الأول. الدور الثاني ايش؟ الدور الثاني هو الدور القيادي العسكري في قيادة الجيوش. وهو دور لا شك أنه الآن صار ليس بإشراف النبي صلى الله عليه وسلم لأنه توفي، ولكنه بإشراف خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو خليفة خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم... وتعرفوا هي كانت القضية هكذا، بعدين قالوا سيطول الأمر فسموا أمير المؤمنين، لأنه قالوا لأبي بكر يا خليفة رسول الله، فلما جاؤوا لعمر قالوا يا خليفة خليفة رسول الله، فقالوا إن هذا الأمر يطول، الصحابة ما يحبوا التطويل، قالوا إن هذا الأمر يطول فقالوا يا أمير المؤمنين وخلاص صارت يا أمير المؤمنين.
فخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمراء المؤمنين بعده كان دورهم هو وراثة النبوة بأن يكونوا هم رعاة الدين والقائمين على حفظه والحريصين على أن يقوم في الناس كما قام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. في ذلك الوقت كانت هناك أدوار عسكرية يقوم بها بعض القادة، والدور العسكري أيضاً هو دور كان صعب في زمن الصحابة خاصة أزمات الفتوحات. لما نقول خاصة أزمات الفتوحات؛ لأنه هي أزمات قيادة الصحابة، لأنه بعد ذلك صارت القيادة العسكرية مختلفة، يعني أقصد بعدين في دولة بني أمية وإن كان قد بقي الصحابة أو من الصحابة من بقي، لكن الأدوار العسكرية القيادية كانت ليست بطبيعة الحال مثل السابق، وإنما في زمن الخلفاء الراشدين كان عامة القدة من الصحابة.
الأدوار القيادية العسكرية الجهادية التي كان يقوم بها الصحابة فيما بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت كبيرة جداً وعظيمة جداً، وهي التي تسببت في انتشار الإسلام في الأرض وانتقاله من الجزيرة العربية إلى الآفاق. فعبر قيادة خالد بن الوليد وقيادة أبي عبيدة بن الجراح وقيادة أبي موسى الأشعري وقيادة حذيفه بن اليمان وقيادة عمرو بن العاص وقيادة عياض بن غنم وقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح وأمثالهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم انتشر الدين في الأرض، وهؤلاء كلهم من الصحابة، وهؤلاء هم الذين قادوا الأمر العسكري.
طيب، إيش في دور ثالث لا... لا قبل حفظ مادة الدين وهو مرتبط بالدور العسكري اللي هو دور الإمارة. الإمارة المتعلقة بإدارة البلاد المفتوحة؛ صار هناك خليفة وصار هناك أمراء، والأمراء هؤلاء يقودون الحرب من جهة ويديرون البلاد من جهة، وبعضهم يقود الحرب فقط وبعضهم يدير البلاد فقط. لذلك تعرفون تفتح البلاد فيرسل عمر أميراً على البلد المفتوح من المدينة، صح ولا لا؟ أليس كذلك؟ يعني مثلاً ولى عمر بن الخطاب مثلاً عمار بن ياسر على الكوفه، وعمار ليس قائد جيش فتح العراق، لكنه أمير على الكوفه. واضح الفكرة؟
وهذا كان دور مهم وكبير جداً جداً. ولما نقول أمير، ترى لما نقول أمير معناها خليفة مصغر، يعني أمير هو يقيم الدين في المجتمع وهو الذي خلينا نقول كذلك يعتني بقضية القضاء ويعين المسؤولين ويدير القضية المالية ويحصل إلى الخليفه إلى آخره. هذا دور كبير جداً جداً يا جماعة الخير. عتبة بن غزوان خطبته المشهوره قال: رايتني... ايش مالي ولِسعد بن مالك؟ اللي هو سعد بن أبي وقاص، إلا بردة شققنا باثنتين فاعتذرت بنصفها واعتذر سعد بن نصفها، ثم ما منا اليوم إلا أمير على مصر من الأمصار! ما منا اليوم إلا أمير على مصر! صرنا أمراء، وهذا دور كبير جداً، يعني إقامة الدين عبر الإمارة وحفظ البلاد عبر الإمارة.
هذا الآن الدور الثالث. الدور الرابع اللي هو تبليغ الدين وتعليم الناس أمور الشريعة وأمور القرآن وأمور...
من أبرز الأمثله هذا، احنا في اللي قبله ما ذكرنا أمثله على الأمراء، قلنا: عمار بن ياسر، عتبة بن غزوان، سعد بن أبي وقاص، عندنا مثلاً في زمن عمر مثلاً معاوية رضي الله تعالى عنه، زمن عثمان أيضاً معاوية رضي الله تعالى عنه، وعندنا أبو موسى الأشعري أيضاً كان أميراً، وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه وغيرهم.
الدور الرابع من أبرز الأمثله فيه، اللي هو التعليم، أحسنت؛ عبد الله بن مسعود، يعني عبد الله بن مسعود أحد أبرز النجوم في سماء الصحابة الذين قاموا بالدور التعليمي الذي بلغ به الدين وعلم فيه الناس وربوا وربوا تحديدا. ومن أدوار التعليمية يعني كانت عبادة بن الصامت، وكذلك أبو الدرداء وابن عباس وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وعائشة إلى غير ذلك، وهي أدوار كبيرة جداً قام بها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
طيب ايش في أدوار أيضاً؟ هذه أربعة بس لاحظتم ترى هذه أدوار كبرى، يعني إدارة البلاد عبر السياسة بالخلافة أولاً ثم الملك، قيادة الجيوش الكبرى لفتح البلدان، ثالثاً: الإمارة والقيام على البلدان المفتوحة، رابعاً: تبليغ الدين وحفظه وتعليم الناس. هذه أربعة أدوار أساسية وكبرى، ايش في شيء آخر يدخل في الرابع، اللي هو تعليم الناس وتربيتهم وما إلى ذلك؟ صحيح، من الأدوار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، اللي هي موضوع الصدقات وكذا، نعم وهي مستمره فيما بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب عموماً نكتفي بهذه الأدوار الأربعة، بس هذه طبعا أدوار أربعة، هو صاير كل عنوان منها ضخم ضخم وهائل جداً، بحيث إنه ممكن لو كنا حنخليها سلس فاحنا ممكن نرجع نتبع هذه الأدوار واحدة واحدة، ونقف عاد مع القصص ونقف مع التأملات فيهم إلى ذلك. الآن الذي حصل أن الدين حفظ بهؤلاء، فانتقل الدين من مرحلة النبوة إلى مرحلة الخلافة الراشدة، ثم إلى مرحلة الملك، ثم يعني المراحل التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم.
السؤال، وهو سؤال هذا المجلس: كيف خرج هؤلاء؟ كيف وصلوا إلى هذه المراحل؟ طيب، احنا بس ذكرنا الأدوار بس ما ذكرنا آثار هذه الأدوار، وما ذكرنا إحسانه في هذه الأدوار، وما ذكرنا المواقف التفصيلية في هذه الأدوار، صح ولا لا؟ لأنه كل ما ذكرنا التفاصيل ستبين عظمة الدور الذي قاموا به.
جيد، ممكن يعني في مثال، طبعا سلسلة خير القرون هي تعتبر تطبيق، يعني في احنا في سلسلة خير القرون كم حلقه اخذنا عن عمر بن الخطاب بعد خلافته؟ تذكروا يعني بحدود السبعة من السبعة إلى العشرة تقريبا، صح؟ طيب ماشي، خلينا نقول بحدود العشرة، لاحظ أنت حدود عشر حلقات في زمن عمر بن الخطاب، وأنتم عارفين إن احنا يعني ترى في جزء كبير منها هي متعلقه بهذه القضية، إنه كيف كيف قام عمر بالحمل، كيف حمل الإسلام، كيف أدار الأوضاع؟ ماستذكروا كان في درس مثلاً عن اختيار عمر للقادة وطبيعة تعامله مع أمرائه وقادته، يعني صارت هذا الآن جيل الأحفاد كما يقال، وفي كانت حلقة عن قضية الإدارة المالية وما يتعلق بها.
إذاً لما نتكلم عن الدور هذا، نحن نتكلم عن شيء تفصيلي كبير وضخم، ما نتكلم عن شيء عابر وسهل، فلما نقول كيف وصلوا إلى هذا الدور، هو ليس معناه أنهم وصلوا لهذا الدور، أنه مجرد أنه تولى القيادة، لا، مو مجرد تولى القيادة، هم قاموا بهذه المهام على أكمل وجه، وبدرجة حققت آثاراً في الأرض عظيمة وهائلة، بحيث إن الإسلام انتقل من قلب العالم من الجزيرة العربية إلى آفاق الدنيا ورسخ فيها إلى اليوم بناءً على هذه السنوات الأولى بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم التي قام بها الصحابة.
ومر على المسلمين من الحكام والأمراء المئات من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، ولم يحصل أي نظام سياسي إلى اليوم أكمل ولا أعدل ولا أفضل من بعد النبي صلى الله عليه وسلم من النظام الذي قام عليه الخلفاء الراشدون الصحابة، على صعوبة الأمر. على صعوبة الأمر، ليش؟ لأنه في مستجدات جديدة نتجت عن الفتوحات ودخول الناس في الدين، وفي مستجدات في سعة المساحة التي يحكمها الصحابي. لما تتكلم عن عمر بن الخطاب، تتكلم عن شخص في المدينة، وهو يملك أذربيجان، بلاد الخليج كاملة، اليمن، مصر، وشيء من المغرب العربي، وهناك في المشرق العراق، إيران وصولاً إلى أذربيجان ربما إلى بعض المواطن من خراسان، بلاد الشام كاملة إلى مواطن من تركيا اليوم جنوب تركيا، هذه كلها كانت تدار من شخص واحد.
احنا ما نتكلم عن مجرد إنه تولى هذه المهمة، يعني هذه مستجدات، هذه تحديات جديدة، ثم نتكلم عن أفضل نموذج سياسي مر على الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، مع أنه جديد، مع أنه صعب، مع أنه تحدي، فهمت الفكرة؟ وبناءً على ذلك نقول: ما الذي أوصل الصحابة إلى هذه الرتبة وإلى هذه الدرجة؟
وإن أردت أن تستبين هذا السؤال بشكل جيد، فاعكسه، فقل: لو لم تكن تلك التربية النبوية، فأين كان يمكن أن يصل هؤلاء الصحابة في أدوارهم وفي قدراتهم وفي إمكاناتهم؟ وهذا الذي حقيقة يدفعنا للتأمل في بعض المواضع في السيرة النبوية: على ماذا ربوا وكيف ربوا وكيف نشوا؟ ولو أنك أبصرت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في مكة قبل أن يسلم، وقلت له بعد عشرين سنة ستتحكم الدنيا، ايش المؤهلات اللي عند عمر بن الخطاب حتى يحكم الدنيا؟ ايش المؤهلات فيما قبل الإسلام؟ ما هي المؤهلات القرشية والجاهلية التي يمكن أن تصل به إلى هذا الحد؟ هي قريش على شيوخها الكبار هم يا الله دايرين مكة، ويفتخرون بأنه يعني دايرين مكة، فأنت تتكلم عن الدنيا، فلذلك طيب، نبحث في السيرة النبوية وفي هذه المواقف.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك، لا حول ولا قوة إلا بالله. من أين نبدأ؟ من أين نبدأ في هذه القصة الطويلة العظيمة؟ أول شيء، أنا لا أريد حقيقة أن أستخلص في نتائج واضحة، نتائج اللي هي اقصد عناوين واضحة للتربيه النبوية أدت إلى هذه النتائج، لكن هذه إذا قلتها ستكون مختصرة جداً، مثلاً التربية على العمل، التمكين العملي، تحميل المسؤولية، في أشياء عناوين واضحة، بس أنا لا أريد أن نصل إلى نتيجة العناوين الواضحة، أريد أن نبحر قليلاً في فضاء السيرة النبوية.
دعونا نبدأ من البداية، منذ أن دخل الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام، كانت هناك بعض الملامح المميزة لتلك المرحلة، والتي جعلت الصحابة يربون تربية خاصة واستثنائية، أهلته لقدر أو خلينا نقول صقلت نفوسهم صقلاً، وهيأت قلوبهم تهيئة، وزكت أنفسهم تزكية كانت ممهدة لما بعدها من تحمل الأعباء والأعمال. من أول ما يلفت الانتباه في هذه القضية هي أنهم نشأوا في سياق فيه تدافع بين الحق والباطل، وكان قرارهم لدخول الإسلام هو قرار فيه مسؤولية كبيرة جداً من حيث مفارقتهم لما كان عليه آباؤهم وأمهاتهم وإخوانهم وأخواتهم، والاستعداد المبكر لدفع الضريبه ولتحمل المسؤولية ولتحمل تكاليف وأعباء قرار الدخول في الإسلام.
فهو قرار جريء من البداية، وله ضريبة مرتفعة من البداية. فالصحابة الذين دخلوا في الإسلام، دخلوا في حلقه من المدافعة وحلقه من الابتلاءات وحلقه من الطحن وحلقه من تمحيص النفوس، وحلقه من التضييق والضغط، وكانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يتصبرون ويثبتون. هذا الصقل في البداية للنفوس والصقل للقلوب والأفئدة في قضية التدافع بين الحق والباطل والثبات على الحق وقوة الحق ووضوح الحق والتمسك بالحق وبيان الباطل ووضوح الباطل، هذا من أهم ما صنع صلابة النفوس أولاً.
احنا ترى يا جماعه ما نتكلم عن عامل واحد، ولا نتكلم ترى احنا زماننا اليوم، احنا نظن أن التمكين يكون عبر ايش؟ تروح تجلس في الجامعة وتاخذ لك كرسي بيئة ومرتبه وتسمع الدروس، وبعدين ممكن تاخذ لك دورة تدريبية عملية كيف مهارات الإلقاء والمهارات في الخطابة ومهارات ومدري ايش، وبعدين خلاص يعني الأمور حلوة، ما في! الصحابة من أول يوم يدخل في الإسلام، أصلاً تعرف المرحلة الأولى مرحلة سرية، مرحلة سرية يعني ايش؟ يعني هو من البداية هو متخبي ومخفي الأمر، وما يعرف بالإسلام أحد وكذا، هذه تحمل مسؤولية أصلاً في ذاتها، ثم بعد ذلك لما عرفت قريش بالأمر ودخلت قضية التعذيب والابتلاءات وما إلى ذلك، فالموضوع كان صعباً جداً، وكان يتطلب قدرا من التضحية.
ولذلك، كثمرة لعملية التربية التي تحمل الفرد تكليفات فيها تضحيات وفيها قرارات صعبة وفيها ما يوجب الصبر والثبات، واستخراج مكامن النفس، ما يكمن داخل النفس من صلابة وصدق وصبر وثبات، هذا النوع من التربية وهذا النوع من البيئة يخرج نفوساً فيها من الصلابة والثبات ما يمكنها من أن تتحمل المسؤوليات العظام في المستقبل. هذه واحدة من المعطيات ولها شواهد كثيرة في السيرة النبوية مما يعزز هذه القضية.
الأمر الثاني، وهو وضوح الباطل وضوح سبيل المجرمين وإمكانية المفارقة الواضحة لهذا الباطل، خاصة هذه المفارقة هي كما قلت في الأمر الأول، فيها حالة من التدافع وحالة من الضغط وحالة من الشدة، ولذلك أي دعوة وأي صناعة للمصلحين لا يكون واضحاً فيها من العدو ومن المجرم وما الباطل الذي يواجه وما الفكرة المضادة التي ينبغي أن تفكك، فهذه الدعوه ناقصة، وهذه الدعوة لن تخرج أناساً قادرين على حمل رسالة الإسلام حقاً. واضحة الفكرة؟ اللهم إلا إذا كان الدور التعليمياً مجرداً، واحنا تكلمنا أنه في عدة أدوار، واحد منها الدور التعليمي، الدور التعليمي المجرد هو متصل بالمادة العلمية، بينما نحن نتكلم عن صناعة المصلحين بمعناها الشمولي، ما كان عليه الصحابة الذين استطاعوا أن يتحملوا الأدوار المختلفة بعد ذلك.
مما يلفت الانتباه هنا، إذا تاملت في آيات الكتاب العزيز، ستجد أن سور القرآن المكية من أظهر موضوعاتها موضوع بيان سبيل المجرمين والرد عليهم، وقرعهم بالآيات التي تزلزل القلوب وتوعد هؤلاء المشركين وبيان إجرامهم وبيان كفرهم وبيان ضلالهم وتهديدهم بالعذاب في الدنيا وبالعذاب في الآخرة. وهذه الآيات التي كانت تنزل على الصحابة كانت تعزز لديهم قضية هذه القضية التي هي سبيل المجرمين ومفارقة هذا السبيل والصبر في السبيل الآخر الذي يضاد. يعني هناك قضية تجعل أمر الثبات أمراً واضحاً، وهناك خط آخر واضح عند المتمسك هنا أنه يريد أن يفارقه ويريد أن يبتعد عنه. ولذلك، حتى عنوان رسالة الإسلام، العنوان الأكبر، ما هو؟ لا إله إلا الله. لاحظوا، العنوان الأكبر لم يكن الله هو الحق بس، فهمتوا الفكرة؟ العنوان الأكبر كان في هذه المفارقة: لا إله إلا الله أول شيء، يعني هو هذا العنوان هو كاشف عن هذه الفكرة، أنه ترى هذا العنوان يبين أن قضية كفر بالطاغوت وإيمان بالله، القضية مفارقة للآلهة الباطلة والعبودية للإله الحق.
نفس العنوان هو لا إله إلا الله، وليس مجرد إثبات وإنما نفي وإثبات. هذه الروح القتالية، وإن كانت بغير السيف، وهذه الروح اللي فيها المعارض القوي الشديد وفيها الثبات والصبر، وهذه الروح التي فيها التقبيح الواضح والمفارقة الواضحة لأولئك المشركين والضالين والمجرمين، جعلت هذا الصحابي الذي يتلقى الإيمان والقرآن يتمسك فيه بطريقة ويتشبث فيه بطريقة ويضحي لأجله بطريقة ليست متوفرة، أو ليست هي التي ربما ربي عليها كثير من المصلحين. هذا من المعالم الواضحة في تربية هؤلاء، وهذا كله تحت دائرة صناعة النفس المؤمنة الصلبة القوية الثابته المضحية المتحملة المسؤولية.
لأنه يا جماعة الخير، أيهما أصعب؟ المهاره والقدرة التنفيذية، أم الإيمان والروح والقوة والصلابة النفسية والثبات الداخلي والقدرة على تحمل النتائج والتضحيات وطول النفس؟ أيهما أصعب؟ لا شك أن الثاني هو الأصعب، لا شك أن الثاني هو الأصعب. أما القدرة التنفيذية، خاصة في زماننا، فهي من أسهل الأمور من حيث إمكان تلقيها بطريقة سهلة، وإن كانت مهمة، لكنها من السهل أن تتلقاها، أما الصعب فهو أن تكون روحك بذلك القدر.
لذلك يا جماعة الخير، الآن الصحابة دخلوا في الإسلام من هنا وانتقلوا إلى الحبشة من هناك، لتو دخلوا في الإسلام وتو انتقلوا للحبشة، يعني انتقال الحبشة صعب، قرار صعب، موضوع ليس بالسهل أبدا، فكرة أنه انت بعد سنتين أو ثلاث سنوات لمن دخل في، أو بعد خمس سنوات تغير كل شيء في حياتك، كل أولوياتك تغيرت، كل المعايير تغيرت، ترك الأهل والبلد والمكان والاستقرار والراحة إلى، كما قالت أسماء بنت عميس، وذهبنا إلى دار البغضاء البعداء، تروح تقيم هناك في تلك البلاد مستوحشاً وحيداً.
والأصعب من ذلك ايش؟ وأنت تعرف، أنت إنسان مؤمن، تعرف ما معنى هذا الكلام، دعك من الناحية الإنسانية، ألم، لا لا، من الناحية الإيمانية، الأصعب ذلك أنك ذهبت للحبشة وتركت النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، أنت مؤمن تعرف ايش معنى هذا الكلام، فهمت الفكرة؟ أنت رايح الحبشة والنبي صلى الله عليه وسلم في مكة.
مكة يعني أنت رايح يتيم حالك حال وتارك النبي صلى الله عليه وسلم وتارك أهلك وبلدك ومالك وتارك كل شيء ورايح، إيش معنى هذا؟ يعني شيء صعب جداً.
والشيء الثاني: الجو قاتم، الجو مظلم من ناحية البلاء المادي يعني والشدة والمآسي والمصاعب.
والشيء الثالث: إنه ترى جزء ممن تحمل هذا البلاء نساء، تتذكروا يمكن أنا كررت هذه القضية في أكثر من درس محاضرة؛ ما الذي تلقته سمية رضي الله تعالى عنها حتى ثبتت أمام طعنات أبي جهل وأمام ابتزاز أبي جهل في أن تترك دينها فتنجو؟ إيش الشيء اللي تعلمته سمية؟ طيب بشر هذه امرأة.
بعدين أيضاً الأمر الآخر يا جماعة، وهذا يعني صعب إحنا نتصوره؛ صعب لأنه إحنا ما أدركنا مرحلة الرق، إحنا ما نعرف نفسيات الرقيق والعبيد جيد، لكن لك أن تخيله من ناحية كتب التاريخ وكذا، تعرف أنت الرقيق يعني إنسان ترى مربى في دائرة الذل، هو ذليل، أليس كذلك؟ هو ذليل يعني هو هو لأنه يعني عبد هو عبد مملوك، تعرف مملوك؟ فسمية رضي الله تعالى عنها مملوكه، هي أصلاً يعني ما تقول إنه هي مثلاً ابنة ملك فهمت؟ فهي يعني في شيء من إيش من الأنفة والعزة اللي تربت عليه؛ هي مملوكة مملوكة!
أما تحت طاغي أبي جهل، وبعد ذلك تدخل في الإسلام بعد ذلك يعذبها عذاباً شديداً، ترجع إلى الدين؟ ما ترجع، ويعذبها ويعذبها إلى أن يقتلها، استشهدت! فهمتوا الفكرة يا جماعة؟ أنا أقول لكم يعني بعدين لما نتكلم عن التمكن الذي حصل للصحابه وقيادة الناس وما إلى ذلك، إحنا ما نتكلم عن مجرد قدرة تنفيذية هذا واحد، ولا نتكلم عن مجرد منهج شرعي هذا اثنين، وإنما نتكلم عن نفوس قوية صلبة متينة ثابته استطاعت أن تتحمل إيش؟ هذه الأعباء الكبيرة والضخمة المسؤوليات المختلفة.
إذا يمكن لنا أن نقول إنه ترى القضية دائرة على ثلاثة أمور في الجمله يعني على مر الزمن؛ النفس والفكرة أو المنهج أو المشروع أو المحتويات أو المادة أو المضمون، والامر الثالث إيش؟ القدرة، القدرة الصناعية، القدرة الأداتية التنفيذية.
واضح الفكرة؟ ارجع إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم وانظر ما الذي استغرقته التربية النبوية بين هذه الثلاث؟ ما الذي استغرقته التربية النبوية بين هذه الثلاث؟ ستجد أن الأمر الأول والثاني؛ صح صناعة النفس الصلبة المؤمنة القوية الثابته المضحية الصابرة التي لا تتنازل عن مبادئها، والتي تتحمل النتائج وتحمل الضغط وإذا عرضت على النار فلا تزداد إلا صفاءً، ووضوح المنهج والشريعة والفكرة والدين والإيمان والعلم ومحتويات الدين وتلقيها والتربية عليها وتشربها، ثم بعد ذلك القدرة التنفيذية.
شوفوا يا جماعة القدرة التنفيذية لها شقان؛ القدرة التنفيذية لها شقان الشق الأول تعليمي، والشق الثاني إيش؟ تعليمي نظري، والشق الثاني هو تدريبي، يعني تمكين عملي لتملك القدرة اللي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر شيء إيش؟ التمكين العملي، واضح؟ وأحنا كذا ممكن نكون اختصرنا ترى بهذه الثلاثة، اختصرنا أشياء من الجواب، لكن احنا قلنا ما نبغى يعني إيش نقف عند العناوين فقط، نبغى نبحر في الفكر.
وبناءً على ذلك، إذا كنا نتحدث عن القيام بالدين اليوم، وعن صناعة الحملة والمصلحين الذين يتحملون رعاية شأن الإسلام في الناس وفي الدنيا، فلا يمكن لنا أن نتحدث عن أناس لديهم مهارات فقط وقدرات ها، أو حتى لديهم فقط المعلومات والمضامين؛ يعني لا يكفي الذكاء، لا يكفي الحفظ، لا يكفي المهارة، يجب أن تكون هناك نفس مؤمنة مصقولة صقلاً وعرضت للنار والابتلاء والفتنة والاختبار حتى ظهر معدنها الصافي الذي جرب تجريباً واضحاً، إذا حصلت الفرصة المناسبة.
واضح الفكرة؟ ترى بالمناسبة موضوع الفرصة حتى ترى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعني مثلاً في السنوات العشر الأولى ولا اثنتي عشرة الأولى من عمر النبوة ما كان في فرصة للتمكين العملي. يعني إحنا كم دور ذكرنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للصحابه؟ ثمانية أو تسعة، صح؟ أكثرها متى كانت؟ تمام، إحنا نتكلم عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم، إيش تقول؟ إيه، المدen أكثرها كانت في المرحلة المدنية، صح ولا لا؟ أو في آخر المكية، صح؟ ليس لعدم وجود نفوس صلبة ولا لعدم وجود المنهج، وإنما لعدم وجود فرصة، واضح؟
بعد ذلك فتحت الفرصة، لما فتحت الفرصة كانت الناس جاهزة، لذلك أنتم تعرفوا كم بين الهجره وبين تحمل قيادة مسؤولية قيادة السرايا؟ على طول مباشره ما في وقت، يعني من بداية الهجره بعدها بوقت يسير بدأت قضية السرايا صح؟ وتعرفوا قبل معركه بدر كان في عدد من السرايا أليس كذلك؟ وهو أحد قاده السرايا المشهورين من قتل في بدر اللي هو عبيد بن الحارث رضي الله تعالى عنه كان قائد أحد السرايا، بل قيل إن أول لواء عقده النبي صلى الله عليه وسلم لقائد لشخص صحابي هو عبيدة بن الحارث. عبيده بن الحارث هذا أحد السابقين إلى الإسلام، أحد تذكروا الخمسين ما أدري ذكرناهم وين في خير القرون اللي ذكرهم الذهبي؟ هؤلاء منهم عبيد بن الحارث من البداية، هذا عبيد بن حارث رضي الله تعالى عنه أول لواء عقده النبي صلى الله عليه وسلم لعبيده بن حارث، ومن أوائل السرايا، والسرايا الكثيرة، زيد بن حارثة، زيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي.
فإحنا نتكلم عن أنه لما جت الفرصة ما كان ترى في وقت عارف يعني وقت طويل لتهيئة الناس لتحمل المسؤوليات، لما جاتها فرصة الناس جاهزة.
طيب إيش كنا نقول قبل كذا قبل الثلاثة هذول؟ إيش كنا نقول؟ الملمح الأول إيش كان؟ وجود سياق تدافعي بس احنا وجود سياق تدافعي أدى إلى حالة من حالة من الابتلاء والتسلط والشده التي أدت إلى حالة من الثبات، فلم ينشئوا في مساحة رخاء، لم ينشئوا في مساحة رخاء واضح.
الأمر الثاني: كان وضوح الباطل لديهم، وضوح سبيل المجرمين لديهم، ما الفكرة؟ غير المناهج غير ملتبسة الأطراف، غير ملتبسة. وأحنا اليوم ترى زمننا عجيب، ها زمننا عجيب، يعني عندك مع كل الوضوح في الباطل والشر اليوم، ها المستتر طبعاً، الشر المستتر وراء بعض الشعارات أو أي يعني الشر، أقصد الشر الذي يحارب العمل للإسلام، ويحارب الإصلاح والمصلحين، ويحارب الدعاة والعاملين، وينشر الفساد والفجور وكل ما فيه من الشر الواضح البين، ها ما نتكلم عن فساد شخصي، ما نتكلم عن شهوات مجرد، نتكلم عن حرب ومع ذلك تخرج أجيال وأجيال بين قوسين إسلامية أو طلبت علم أو شيء هي لا تبصر هذا، لا تبصر، لا تعرف الباطل وأهله، ما تعرف، وبناءً على ذلك يعني أنت ليش زعلان؟ فهمت الفكرة أنت ليش زعلان؟ حلوة الدنيا وحلوة الدنيا، وتقديم معيار دنيوي اقتصادي مثلاً على معيار الحق والباطل وما إليه، عجيب يعني عجيب.
ولذلك يا جماعة إذا ما كان هناك إذا حملت الحق الذين يصنعون باعتبارهم مصلحين الذين يقومون على الدين بمعناه الشمولي، إذا ما كان هناك باطل يستفزهم وباطل ينظرون إليه بعين وعين أخرى على الحق، ويبصرون هذا الباطل وحركة الباطل وأجرام الباطل وفعل الباطل وسبيل الباطل ومنهج الباطل؛ إذا ما كان هذا عارف يعني يرى بعين على طول الطريق، فستكون سيكون باعث الهمة ضعيفاً، وسيكون المحرك إلى التضحية والبذل والثبات أيضاً ضعيفاً، لأنه ما في شيء يعني عادي، الأمور حلوة، ما في باطل، يعني ما في ما في باطل قوي يعني يمكن أن... بينما في بداية الإسلام، وأحنا نتكلم الآن عن سؤال كيف تربوا؟ على ماذا ربوا؟ إيش اللي صنعهم؟ كذلك ربوا من البداية على هذه القضية، ولذلك أنا كان من التأملات... كان التأملات الباعث للاهتمام في تتبع أوائل ما نزل في مكة من السور.
أوائل ما نزل من السور القرآنية في مكة هو عموماً سمة في س سمة في السور المكية، لكن من أوائل ما نزل أنا تأملت في الأربع سور المشهورة أنها أول ما نزلت، كل الأربع صور هذه مع إنه في البدايه في البدايه بمعنى إنه في البدايه إنه يعني مثلاً اللي هو المفهوم إنه هذه البداية ربما كانت دعوة سرية، ربما ما كان في ذاك المواجهة مع الباطل ومع ذلك هذه الصور كلها فيها كلام واضح عن الباطل وأهله، وعن الشر وعن يعني الشر الذي هم عليه، وعن سبيل المجرمين، وعن التوعد لهم غريب سبحان الله بشكل واضح!
يعني أنت عندك سورة العلق فيها إيش؟ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنَّ بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: 9-15]. والله يا جماعة بالله كذا يعني يعني تاملوا يا جماعة، يعني ما في ما في ما في مسلمين، ما في مسلمين، يعني في النبي صلى الله عليه وسلم وكم واحد، ما في أحد، ما في شيء، ما في جيوش، ما في سرايا، ما في سيوف، ما في رماح، ما في قتال، ما في أجهزة إعلامية، ما في ولا شيء، وتنزل هذه الآية في تهديد أبي جهل الطاغي الأكبر المتوحش، يتلى القرآن: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنَّ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 15-19]!
إيش هذا؟ إيش هذا؟ إيش هذا؟ من يقول هذا الكلام؟ من يقول هذا الكلام؟ وفي أي ظرف وفي أي سياق ومتى وكيف جاءت هذه، يعني فهمتوا الفكرة؟ هذه الآن سورة العلق.
بعدين المزمل أو المدثر؛ المزمل فيها إيش؟ ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهَّلْهُمْ قَلِيلاً * إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً * يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً * إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ [المزمل: 10-16].
وفي سورة المدثر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ * فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ * ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: 1-27]. هاي أول ثلاث سور نزلت، كلها تهديد للمشركين وعيد لهم، ومين؟ ما في، ما في شيء، ما في أحد، ما في النبي صلى الله عليه وسلم مع أبو بكر وعلي، زيد وصهيب وبلال، ها وخباب بن الأرت وعمار بن ياسر وأمه وياسر وأبو سلمة، ويعني بعض هؤلاء في البداية أسلموا، بناء على إيه؟ ما هذا شيء عجيب!
والرابعة اللي هي ايش؟ القلم: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم: 1-16]. لك أن تتخيل مؤمن دخل في الإسلام وهذا أول ما يسمع، من أوائل ما يسمع، ما في مفاصلة، قوة، هذا باطل، هذا إجرام، وتهديد لهم، وإن كنت لا تملك الآن قتالهم بالسيف ولا شيء، لكن لهم في الآخرة العذاب والنكال، ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: 17-18]. ما في، من أول يوم تضع يدك رجلك في الإسلام وأنت داخل في حرب، وداخل في حق وساطل واسلام وكفر وقضية مجرمين وباطل ونار وجنة، ما في ما يعني موضوع جد، موضوع جد، ما هو ما هو يعني عارف إنه أنت دخلت في شيء جميل ولطيف، ويعني يصنع حالة من السلام والوئام النفسي وفهمت الفكرة؟ نعم هو السكينة وطمأنينة لكنها كانت تحت السياط، كانت تحت السياط ما في.
طب احنا ما نقول الإنسان يعرض نفسه للبلاء، لكن احنا بس احنا ندرس السيرة، فهمتوا الفكرة عشان نجيب عن الجواب بعد ما نجيب عن الجواب عن السؤال عفواً، بعدين أنت تنزل على واقع كذا شيء آخر، بعدين يعني نشوف ما هي السمات، لكن أهم شيء تفهم اللي صار، إحنا الآن ندارس السيرة، نحاول نفهم كيف خرج لنا أولئك الذين تحملوا المهام، لازم بس نعرفهم إيش الظروف التي مر بها.
واضح الفكرة؟ هذا الآن شيئين صح؟
الشيء الثالث: التعلق الشديد أو خلينا نقول التعليق الشديد، تعليق النفوس والقلوب بالله وبلقائه، هذا من أوائل ما ربي عليه الصحابة وعلقت نفوسهم به تعليقاً عظيماً، التعلق الشديد بالله وبلقائه، بحيث إنه هذه القضية هي تكون أوضح الحقائق وهي مدار انجذاب النفس، النفس وين رايحه؟ وين؟ كلها متعلقه بالله وبلقائه.
جيد هذه قضية أيضاً كانت واضحة من البدايات ولذلك يعني يكثر في الآيات المكية الحديث عن الله والحديث عن الآخرة، صح ولا لا؟ حديث عن الله والحديث عن الآخرة. أما الحديث عن الله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّغَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]. وفي سورة المزمل إيش؟ ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [المزمل: 8-9]. وسورة المدثر...
اقرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: 1]. ومن سور مكة التي نزلت مبكراً ربما والله أعلم، التي هي سورة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: 1-5] وأمثالها من السور. هذا غير أنه قيل إنه ما نزل بعد السور الأربع هذه سورة الفاتحة، هذا مما قيل.
تعليق النفوس بالله، والتعرف عليه، وانجذاب الدواعي، دواعي النفس إليه سبحانه وبحمده، والتعلق بلقائه، والارتباط بالآخرة، والانتقال من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن ضيق المعطيات الحياتية إلى سعة الوعود الإلهية في الآخرة، هذا لا شك أنه كان معلماً ربي عليه الصحابة في البداية ولذلك تعلقت نفوسهم بالآخرة ولذلك سهلت عليهم التضحية في الدنيا، سهلت عليهم التضحية في الدنيا.
هذه أيضاً قضية واضحة ولها شواهد، لولا أن سمية رضي الله تعالى عنها كانت مستحضرة هذه القضية بشكل واضح لما صبرت على ما صبرت عليه. أيضاً من الأمور التي هي قضية تلقي القرآن، بين قوسين: المنهج، الشريعة، الدين؛ تلقي القرآن وتشرب القلوب لهذا القرآن ومضامين القرآن بطريقة فريدة ومميزة تجعل الحقائق القرآنية تستقر في القلوب. فكل آية كانت تنزل من السماء كانت تقع في القلب موقعها، وكل كلمة ينزلها الله كانت كاللبن لبناء النفوس. فلم يكن الشأن في مجرد وجود القرآن، وإنما كان الشأن في طريقة تلقي القرآن، وفي طريقة نزول القرآن، وفي مواضع نزول القرآن، وفي مراحل نزول القرآن، وفي مدى تشرب القلوب للقرآن بناء على هذه المعطيات المختلفة.
ولذلك هذا جيل تربى على حقائق القرآن، وهو جيل صنع من خلال القرآن، وهو جيل تحمل المسؤوليات من خلال حقائق القرآن، بشرط أن ندرك أنه ليس أبداً متعلقاً بطريقة تلقي القرآن الشائع اليوم، أبداً. احنا طبعاً يا جماعة تعرفون دائماً ندعو إلى مجالس الاستهداء بالقران والإحياء، ترى مجالس الاستهداء بالقران هي جزء، هي ليست كل شيء، هي جزء مما يمكن أن يقرب شيئاً من قضية تلقي القرآن. لا أحد يظن أن مجالس الاستهداء هي الوسيلة الوحيدة، وهي التي تحقق... لا، مجالس تدبر القرآن هي وسيلة من الوسائل التي تعين على الوصول إلى النتيجة.
هذه النتيجة يا جماعة هي كانت تلقائياً موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ونرجع للقضية المكررة: القرآن كان ينزل على الأحداث، وكان ينزل على الوقائع، وكان ينزل بما يتناسب مع الحالة التي كان عليها الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فالحدث كان يفتح النفس لتلقي القرآن، الحدث يثير في النفس أشياء. أنت الآن مثلاً أحداث غزه، تمام، تخيل نفسك في الشهر الثاني من بداية الأحداث، فقدت البيت قصف، فقدت كثير من أصحابك كذا، هذا اسمه حدث. الحدث يصنع في النفوس منافذ، هذه المنافذ أما أن تتلقى من خلالها خواطر الشيطان، وأما أن تتلقى من خلالها حقائق القرآن. فإذا تلقت من خلالها حقائق القرآن، تعرفون ايش يصير؟ لا نقول إن هذا الشخص مجرد استفاد من القرآن، هذا شخص صنع من خلال القرآن، هذا شخص مزجت نفسه بالقران، ليش؟ لأنه القرآن خالط لحمه ودمه عن طريق الأحداث، أن هو عاش الأحداث ففتحت في نفسه فجوات.
الفجوات هذه تحدث بالحزن أو بالفرح، بالشده والضيق أو بالسعة والرخاء، بالتمكين والعز أو بالاستضعاف. هذه اسمها أحداث، هذه الأحداث تفتح في النفس هذه الخانات. القرآن لما تفتح هذه الخانة تأتي آية من عالم الغيب والشهادة مناسبة لهذا الحدث فتدخل الآية داخل النفس فتعيد تشكيلها، فتمتزج الآية بالدم والروح فيصبح الصحابي مشكلاً من خلال القرآن، واضح؟
فلما تنزل حقيقة: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: 160]، هي تكون بالنسبة للصحابي الذي راها متحفقة في الواقع مختلفة عمن يتلقاها بعد ذلك إلى درجة معينة. من يعيش حقائق القرآن مع الأحداث اليوم كما عاش الصحابة أيضاً يمزج دمه ولحمه بالقرآن وإن كان بدرجه أقل، لكن يحصل. مثلاً من عاش في أحداث غزة، صابراً محتسباً وهو ليس عنده شيء يصبره ويحتسب من خلاله إلا أنه يقول: يا ربي آمنا بوعدك وآمنا أنك الله الذي لا إله إلا أنت، ونصبر ونحتسب ونجر أنفسنا مرارة الصبر لأجلك وابتغاء مرضاتك، وخاصة إذا كان ممن له مصاولة لأعداء الله ووقوف أمام وجوههم، ثم بعد ذلك لما يرى تحقق آثار معينة أو نتائج معينة خاصة إذا كانت خارج الحسبان -ونحن نتكلم عن مر التاريخ سواء في غزة أو في غيرها- هنا تثبت عنده الحقائق التي كانت عبارة عن إيمان غير مصدق بأثر واقعي، وأن إيمان مبني على مجرد الإيمان المبرهن.
أنت تكلمني عن قوم لوط ولا تكلمني عن قوم فرعون ولا عن عاد وثمود، فاهم الفكرة؟ واحد ثاني يقول لك: يا أخي آمنْتُ بالله وكتابُ الله فيه هذه الحقائق، وكذا إلى أن تشوف مثلاً اللي حصل على النظام السوري، هذا طبعا إذا أنت كنت تقرا الأحداث قراءة سننية وقراءة... أما إذا مو عاجبك ولا شيء وكل شي عندك مؤامرة، بكيفك خيش عيش حياتك الله يهنيك بما أعطيت. رايت هذا وتعرف وأنت عارف المعطيات في الواقع وتعرف أن هذا شيء رباني تبدا تستقر عندك الحقائق التي آمنت بها على مستوى نظري. مثلاً كلام الله سبحانه وتعالى عن اليهود: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَربِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: 64]. يا جماعة قبل شهر في غزة ما في أي شيء يدل على أنه الحرب ممكن توقف، بعدين ليش يوقفوا اليهود؟ ليش يوقفوا؟ هم حصلوا خلص الطريق الأصلع، خلصوا الطريق الأصعب، المعارضات الدولية خلصت، اعتصامات الجامعات الأمريكية خلصت، المؤتمرات المدري ايش، المظاهرات خلصت، ايش باقي؟ مين يوقفهم؟ وليش يوقفوا؟ ودمروا الدنيا وسووا كل شيء، ليش ليش يقفون؟ ايش اللي... لكن: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَربِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾، حتى هذا الإطفاء عجيب، تحسه كإطفاء غصب عنهم، أنه مو معقول يا اخي اخرج شوية شوية، اخرج بعزة شوية.
عموماً بغض النظر، نرجع نقول: إن أولئك الصحابة ربوا بحقائق القرآن، لكن ربوا تربية مزجت بلحومهم ودماؤهم وأرواحهم عبر فجوات الأحداث التي فتحتها في نفوسهم، والتي عاشوا بها من خلال التصديق المجرد المبرهن بطبيعه الحال، ثم راوا تحقق الآيات في الواقع فازداد امتزاجها بلحوم ودماؤهم. فكانت الآية الواحدة قيمة عندهم، ولذلك كانوا يقولون: كنا نعد الرجل إذا أخذ البقرة وآل عمران نعده فينا عظيماً. إحنا الآن طبعاً تعرف ولدي سبع سنين عشر سنين يأخذ البقرة وآل عمران والقران كامل ويقرا أحياناً بقراءتين أو ثلاث أو أربع إلى آخره. الصحابة كانوا يأخذونه شيئاً فشيئاً، شيئاً في شيء. بعدين تعرفون أنتم كثير من سور القرآن ما نزلت كاملة، تنزل آيات آية آية يعني مجموعة من الآيات، أنت اقرأ تعرف نزلت أول خمس آيات من المدثر، وكذلك المدثر نزلت الآيات الأولى، تنزل آيات بس آيات كده مجموعة، تاخذ حالها في النفوس وصناعتها وامتزاجها ويعيشوا فيها ويتحركوا من خلالها ويفعلون ما فيها ويتفكرون، ثم بعد ذلك تاتي الآيات الأخرى وهكذا.
الخلاصه أنه أول شيء احنا لو تلاحظوا، هذا المعلم كم؟ الثالث، الرابع؟ الرابع ايش اللي قبله؟ لو تلاحظوا الثلاثة الأولى هي مرتبطة بالنفس، قلنا في ثلاث أركان: النفس، والمنهج، والقدرة التنفيذية صح؟ الأمور الثلاثة الأولى متعلقة بالنفس، وهي أن النفس عرضت من البدايه للابتلاءات والحق والباطل والتدافع والصبر والثبات والامتزاج والتعلق بالاخره والتعلق بلقاء الله وإيثار هذا على الدنيا. فواضح طبعا احنا لما نقول الثلاثة هذه ما نقول إنها أشياء نظرية، هي عاشوها هذه الأشياء الثلاثة.
الآن الأمر الرابع متعلق بالقضية الثانية، وهي المنهج والشريعه، الدين نفسه، ما يصلح نفوس صلبة وقويه وثابته ومضحي بس بدون رسالة، فهمت الفكرة؟ يعني هي ترى لم يصنع الصحابة لتكون نفوس محاربة ومقاتلة وانتهينا، ما... يعني هو ليس صناعة أناس مقاتلين فحسب، لا، هو الدين أساسه مضمون رسالة، معاني سماها الله علماً، القرآن كله سماه الله علماً: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مَّعْدَ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: 120] وقبلها: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: 145] وفي سوره الرعد: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الرعد: 37] كلها العلم العلم العلم، هو هذا العلم، هذا الدين واضح. ولكن العلم بمعناه الشمولي الذي اختزل بعد ذلك في مجموعة من المسارات المعرفية.
بينما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» بمعناه الشامل، وليس علم الفقه هو معرفة بالأحكام العملية بأدلتها التفصيلية لا، وإنما الدين، التفقه في الدين بمعناه الشامل، الدين الذي جاء جبريل النبي صلى الله عليه وسلم... ايش يعلمهم؟ دينهم، اللي هو الإسلام، الإيمان، الإحسان، الدين بمعناه الشمولي. فالشاهد أنه الأول النفس، النفس كيف صنعت عبر التضحية والثبات والصبر والمدافعة ووضوح المجرمين وأشكالهم والمصاورة معهم، وعبر تعليق النفس بالله سبحانه وتعالى وبالآخرة وإيثارها على الدنيا كمرتكز كبرى.
ثم بعد ذلك جاءت جاء المنهج، جاءت الشريعة، جاء العلم، وهذا لم ياتي سريعاً ولم ياتي بطريقة باهتة وإنما أتى بطريقة متفاعلة حيوية كما يقال. ولذلك يا جماعة الخير ما يصلح إنه إذا بنصنع حملة ومصلحين ومن يحمل الدين ويقوم بالاسلام وكذا والى آخره أنه لما يجي قضية المنهج أو الدين أو العلم يتلقاه بصورة باهتة، ما يصلح أبداً، ما يصلح، لازم يتلقى بطريقة حية، بطريقة مرتبطه بالواقع، لازم مرتبطة بحياة الإنسان.
مما يلفت الانتباه في هذه القضية التي هي في المنهج وفي الفكرة أو في الدين أو في الشريعة نسميها فكرة، باعتبار تسميات معاصرة لبعض القضايا لكن الدين الشريعه المنهج أو المنهاج بلفظ القرآن بلفظ السنة: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48] وايش في في سورة الجاثية؟ ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].
مما يلفت الانتباه في طبيعة التلقي لذلك المنهج، وهو شيء واضح جداً جداً، اللي هو معرفة أولويات هذا المنهج واتضاح مراتبه من البداية، حيث إن الله سبحانه وتعالى لما أنزل القرآن... يعني اعتنى سبحانه وتعالى أن ينزل هذه الحقيقة في هذا الوقت ليكون لها هذا القدر ويكون لها هذه العناية ولتكون متناسبة مع الحال، ثم تأتي الحقيقة الثانية، ثم تأتي الحقيقة الثالثة. هذا من جهة في مراعاة للمرحلة وطبيعة الناس والنفوس، ومن جهة في تثبيت لبعض القضايا الكبرى بحيث يتضح من البداية أن هذه قضية عظمى وقضية كبرى، ولذلك سمى الله القرآن مثاني، وسماه متشابهاً. القرآن سماه متشابهاً، تتشابه معانيه، هذا غير الآيات المتشابهات.
فلذلك كانت تنزل في مكة السور التي تحمل نفس المعاني وتعاد وتعاد وتعاد وتعاد وتعاد. فلما تجي ترجع في الأخير تستخلص ما هي الموضوعات التي رسخت في القرآن المكي ترى واحد اثنين ثلاثة أربعة موضوعات محدودة، فقلتها أعطتها قيمة كبرى، والتأكيد عليها زاد من قيمتها، والألفاظ المحيطة بها زادت من قيمتها، فربت النفوس على الحقائق الكبرى كقضايا لها ضخامه في النفوس ولها قيمة في النفوس عظيمة جداً.
طيب، هذا شيء حقيقة له علاقة بالنفس وليس بالمنهج، اللي هي... مما ربوا عليه. طبعا ترى أنا ماسك السيرة بالترتيب الزمني لأنه لسه باقي المرحلة المدنية وفيها معالم في التربية، ما نتكلم عن التربية المكية فقط وإنما المدنية كذلك. ما يخفى أنه بعض الصحابة اللي تولوا مهام كبيرة هم ما أسلموا إلا في المدينة، صح ولا لا؟ احنا قلنا مثلاً دور معاذ بن جبل، معاذ من الأنصار ما أسلم إلا في بيعة العقبة. نقول دور أبي موسى، متى جاء؟ السنة السابعة. دور أبي هريرة ما أسلم إلا في السابعة، ما جاء إلا في السابعة. بعدين نتكلم عن دور مثلاً وهكذا، الصحابة ليسوا كلهم ربوا في مكة.
نعم، وهذا لافت للانتباه، الذي حمل الدور الأعظم، أعظم دور على الإطلاق قام به الصحابة في كل المرحلة التي نتكلم عنها سواء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده هو لم يحصل إلا بعده، اللي هو القيام بالخلافة الراشدة. اللافت للانتباه أن كل الخلفاء الراشدين كلهم ربوا في مكة وكلهم من السابقين للإسلام. عمر طبعا تاخر قليلاً لكن الثلاثة كانوا من السابقين للإسلام: أبو بكر وعثمان وعلي، ليسوا فقط من السابق بل أول من أسلم، أبو بكر أول من أسلم من الرجال، علي أول من أسلم من الصبيان، وعثمان لم يتاخر يعني مباشرة بعد أبي بكر لما دعاهم فاسلموا. فهؤلاء الذين عاشوا الإسلام من اليوم الأول ثم عمر بن الخطاب اسلم بعد ذلك بسنوات ليست كثيرة فعاش أيضاً في مكة وعاش هذه الحقائق وتشربها وإلى آخره.
واضح الفكرة؟ لذلك إذا كنا نتكلم عن دور الصحابة الذي قاموا به بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أعظم دور الخلافة الراشدة، الخلفاء الراشدون كانوا من التربية المكية تحديداً، واضح؟ وأعظم من قام بدور السرايا أيضاً من التربية المكية زيد بن حارثة، كثير من المهام.
الدور الخامس، صح؟ خامس اللي هو التربية على العبادة، التربية على العبادة. احنا قلنا الثالث كان تعليق النفوس بالله ولقائه، طبعا هو يحسن أن يكون هذا الرابع لأنه اللي قبل شوية ذكرته هو متعلق بالمنهج فعادي ممكن تضغوه الرابع لأنه متعلق بالنفس. التربية على العبادة، التربية على العبادة لأنه من أوائل ما نزل في القرآن الحث على العبادة وخاصة قيام الليل. شوفوا يا جماعة واضح من البداية أن الله سبحانه وتعالى
يريد من الصحابة، يريد من النبي صلى الله عليه وسلم، يريد من الصحابة أن يتلقوا القرآن بطريقة خاصة من البداية. حتى في العبادة هذه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ [المزمل: 1-6]. هذه ترى احنا نتكلم عنها، الامتزاج، أنه الله سبحانه وتعالى يريد أن يواطئ القلب اللسان في مرور حقائق القرآن على القلب، وليس على اللسان فقط. فاختار لذلك سبحانه وقت الليل، وبين أنه إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوى مقيلا، إن لك في النهار سبحا طويلا.
طيب، ليش ما كان يكفي وجود اليقين بالله وبلقاء الله؟ القلب لا يصلح صلاحا حقيقيا بمجرد الاعتقاد الحق ولو كان اعتقادا يقينيا، لابد أن يدخل القلب في مساحة المعالجة والتزكية. فإذا دخل في مساحة المعالجة والتزكية، يلين بطريقة تجعله أكثر تهيؤا لحمل الفقرة الثانية؛ اللي هي حمل المنهج، حمل الشريعة، حمل الدين، وحتى لتجعله أكثر صلابة، وأكثر قوة، وأكثر صبرا، وأكثر ثباتا. إذا النفس لكي تصلب تحتاج إلى -من خلال الكلام اللي ذكرناه- تحتاج إلى يقين؛ اللي هو قلنا ايش؟ تعلق النفس بالله وبلقاء الآخرة. طبعا هذا التعلق لا يكون إلا بعد اليقين. وتحتاج إلى ايش؟ ثبات وصبر وقوة وصلابة نفسية، وهذه تحصل بايش؟ تحصل بالتمسك بالحق في زمن البلاء، وزمن تسلط الباطل، وبصلابة الحق أمام الباطل والثبات عليه. تحتاج إلى عبادة تلين القلب وتزكي القلب تزكية من خلال معالجة قضية الخضوع لله والسجود له والى آخره.
واضح؟ هذا كله حصل ترى من بداية الإسلام، من بداية الإسلام ولذلك ايش صار؟ لما نزل العلم؛ اللي هو القرآن، نزل على قلوب مهيأة، فلما جاءت أيضا على حسب الأحداث، نزلت على نفوس فتحت بها الفجوات النفسية عبر الأحداث. شوف سبحان الله، هي -يعني بشبهها هذه- فتح الفجوات، وكأنه الأحداث تفتح في الإنسان يعني زي الجرح، فتدخل الآية تحتضنها تحتضنها تحتضنها لحم الإنسان، ثم يغلق عليها. خلاص، كأنما هذه الآية في صميم، في صميم النفس. هذه ميزة، ميزة ما يسمى اليوم الحركة بالدين بس هي الأساس العمل للدين، العمل للإسلام، هي قضية حقيقية فعلا. هو وهذا الدين أتى فعلا ليكون الإنسان متصلا بواقعه قائما في هذا الواقع بما هو متطلب للحق من صبر وثبات وقيام ودعوة والى آخره. صارت أربعة أمور متعلقة بايش؟ بالنفس واستصلاحها، ليس كذلك؟
ثم صار عندنا قضية متعلقة بايش؟ بالعلم النفسي، وتكلمنا عن أنه طريقة تلقي هذا العلم، طبعا احنا نقول طريقة تلقي هذا العلم هو العلم في نفسه هو السر في هذا العلم، هو السر في هذا العلم هو العلم الذي نزل من عند الله، والذي فيه استصلاح النفوس والترقي بها إلى أعلى ما يمكن من الترقي.
ناتي إلى قضية أخرى مرتبطه بالقدرة وما إلى ذلك؛ اللي هو ايش؟ أمران. الأمر الأول: وجود القدوة المتمثلة لكل الحقائق على أكمل وجه، والمطبقة لها، ومخالطة هذه القدوة، والتعايش مع هذه القدوة، ورؤية حركة هذه القدوة صلى الله عليه وسلم. وهذا جزء أساسي أساسي من تربية الصحابة التي مكنوا بسببها بعد ذلك من العطاء على أكمل وجه، وهذه فطرة في النفوس سبحان الله، يعني في شيء اسمه الحقائق النظرية، وفي شيء اسمه التمثل العملي. النفس لا يمكن أن تظهر عندها الحقيقه العملية على أتم وجه ناضجة إلا إذا رات الأمران؛ رأت الحقيقه نفسها النظرية ورات ايش مثالها العملي الذي طبقها. إذا رأت الأمران، عرفت، عرف في العقل حقيقة حدود هذه الحقيقة النظرية.
لو كان القرآن نزل مثلا بتلاوة ملك ينزل كل يوم في مكة ويتلو آيات القرآن وفي البراهين والدلائل على أن هذا القرآن حق، لن يكون أبدا أبدا كمثل أن ترى بشرا نبيا ينزل عليه هذا الوحي فيطبق تطبيقا مسددا فيه من الله ليقول إن هذه هي طريقه الامتثال الصحيح. فرؤية النموذج العملي الممتثل للحقائق النظرية يثبت الحقائق النظرية من جهة ويرسم لها الحدود العملية، يرسم لها الحدود العملية. ولذلك نحن اليوم بقدر فقهنا في السيرة النبوية -بحكم أنه قد فاتنا أن نعيش مع النبي صلى الله عليه وسلم وأن نرى كل هذه التمثلات- بقدر ما تتضح الحدود العملية الإصلاحية التي ينبغي العمل بها.
واضح الفكرة؟ وتتضح كثير من الحقائق القرآنية النظرية. حقيقة كبيرة وعظيمة كصيغ معينة فيه ذكر عام لقضية من القضايا، ثم تاتي بل حتى النصوص نفسها النظرية كما يقال أحيانا تاتي مطلقة وأحيانا تاتي مقيدة، أحيانا تاتي عامة وأحيانا تاتي معينة. فلما تاتي معينة تثبت الحقيقة العامة؛ مثل المعنى الذي أشار إليه ابن عاشور في سورة الأنفال لما ذكر الله لهم سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9]. يقول الصحابة احتاجوا إلى هذا التعيين ألف من الملائكة. طيب، ايش الحقيقة العامة التي جاءت؟ اللي هو ايش مثلا يعني مثلا: النصر إلا من عند الله، الحقائق التي فيها أن الله مع المؤمنين، أن الله هذه حقائق عامة، لما جاء ألف كده محدده من الملائكة مردفين سينزلون الآن في هذه المعركة، تعلق النفوس بمثل هذه الحقيقه المعينة يعني يزيد القضية وضوحا ويزيد الإنسان بها إيمانا. هذا مثل وجود النموذج العملي، ولذلك سبحان الله جمع الله بينهما في آية؛ اللي هو وجود النموذج العملي، وهو النبي صلى الله عليه وسلم الممتثل للمعاني، ممتثل للمعاني، ممتثل للقرآن. وين هذه الآية؟ أحسنت، تستاهل عليه جائزة كده يعني، جائزة كبيرة يعني. وعلي جائزة صراحه، وأهم شي جاوبها صح، السؤال صعب. طب يلا، اللي ما سمعوا الآية، يلا فكر فيها.
طيب، ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: 101]. شوف فيها الجمع بين الأمرين: تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله. فهذان الأمران -واضح- هذا الأمر السادس كان ولا الخامس؟ احنا قلنا مرتبط بالناحية العملية. الناحية العملية يعني احنا قلنا أصلا في ثلاثة أركان: النفس، والمنهج، والقدرة العملية. القدرة العملية فيها قاعدة، اللي هي أول شيء: رؤية النموذج، رؤية معايشة مخالطة النموذج العملي. يعني لم يكن الصحابة، لم يكن الصحابة قادرين على تحمل الأدوار والمسؤوليات التي تكلمنا عنها لو لم يكونوا قد راوا النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بهذه الأدوار عمليا وأبصرة أمام أعينهم، يطبق هذه الأدوار، راوه وهو يقود الجيش، وراوه وهو يصبر ويثبت، راوه وهو يعلم، وراوه وهو يدعو، وراوه وهو يرد على الشبهات، راوه وهو يفعل ويفعل ويفعل ويفعل وخالطوه مخالطة يعني جعلت لهم النموذج العملي الواضح.
واقتداء الإنسان بالنموذج العملي الذي رآه سهل، لأنه رأى حتى في الطرق اليوم المعاصرة في التعليم وكذا بعض الأماكن خلينا نقول الحساسة في في المناصب ولا كذا أحيانا يتاح فرصة للانسان ليرى النموذج العملي. يعني مثلا في بعض البلدان أعرف في القضاء يعملونه في وظيفة اسم ملازم قاض، يعني يلازم القاضي فترة، يرى كيف يقضي حتى يعرف هذه الحدود. هو درس قوانين الفقه وقوانين التشريع وكوانين كذا، فلما يلازم القاضي وكيف يستوعب القضية بصيغه عملية! شوفوا الصحابة، كل الدين راوه كده، قرآن ينزل عليهم بطريقة أصلا تمازج لحومهم ودمائهم بطريقة مختلفة عما يتلقى اليوم هذا من جهة آيات الله. من جهة آيات الله، ويرون كل ما سمعوه من الآيات متمثلا بصيغة عملية أمامهم. هذه الرؤية للصيغة العملية للتمثال العملي جعلت لديهم أولا فقها في الدين ومعرفة بالطرق المختلفة وكيف يتعاملون مع الناس وكيف يقودون الناس وكيف يوجهون وكيف وكيف وكيف إلى آخره. رؤية هذا النموذج العملي أحسن من ألف دورة تخصصية، وأحسن من ألف ما أدري ايش، وأحسن، لأن هو خلاص بعدين رؤية نموذج عمل كامل.
جيد، لكن تبقى الفكرة ترى مستمرة في الأمة، ولذلك يأتي هنا كلام الشاطبي أن الوارث للنبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون وارثا له بقوله وفعله. بقوله وفعله، يعني كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أيضا كلام الشاطبي، كان النبي صلى الله عليه وسلم منتصبا للناس في بيان الدين بقوله وفعله. جيد، لما ينحصر بلاغ الدين أو القيام بالدين في الناس بالقول، في شق هائل من الدين يفتقد، من فهم الدين ومن طريقة التطبيق يفتقد، ما يصلح الدين يتحول إلى مدرسه نظرية نظرية فقط، ما يصلح أبدا في كذا. في شق من الدين راح يسقط في في في جزء من المعاني ما راح يكون موجود، ما راح يكون موجود. يعني على مستوى الاستقرار، على مستوى الفهم، على مستوى الباعث العملي، على ال على على التطبيق. واضح هذا الفرع الأول في ايش؟ القدرة العملية.
اثنين، اللي هو يجي رقم سبعة ولا ثمانية في التسلسل؟ سبعة، اللي هو ايش؟ اللي هو القيام العملي من الصحابة أنفسهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالعمل الإسنادي من جهة، اللي هو المشاركة في العمل. احنا قلنا قدوة أول شيء، طب هم كانوا يشاركين، جيد، من جهة. والشيء الثاني، بس هنا المشاركة ليست المشاركة المستقله، أنا أقصيد المشاركة الأولى هي مشاركة اللي هي هي فيها مؤازرة واشتراك في نفس الفعل واضح. أما الثانية فهي المشاركة اللي نسميها ممكن نسميها مشاركة التمكين؛ اللي هو أنه النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكنهم في زمنه من بعض الأدوار التي هي بطبيعتها الحال فيها مزيد تهيئه ومزيد صقل للانسان.
واضح؟ يعني يا جماعة الخير، بمجرد أنه النبي صلى الله عليه وسلم كلف مجموعة من أصحابه في حياته بالقيام ببعض الأدوار، أليس هذا مؤهلا لهم للقيام بمثلها أو بمزيد منها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم؟ فهمتوا الفكرة؟ يعني هو قبل ما يتوفى النبي صلى الله عليه وسلم، قد هذا صار جرب التعليم، وهذا جرب الدعوة، وهذا جرب قيادة الجيوش، وهذا جرب. فهمتوا الفكرة؟
إذاً القدرة العملية فيها شقان: الشق الأول شق رؤية النموذج، الثاني هي القيام ايش قلنا سميناها؟ القيام العملي، وعلى قسمين: المشاركة؛ المشاركة يعني هي غير مستقلة، مؤازرة للنبي صلى الله عليه وسلم. يعني يا جماعة الخير، بمجرد أن الصحابة شاركوا في بدر، وشاركوا في أحد، وشاركوا في الخندق، وشاركوا في الأحزاب، وشاركوا في بقية الغزوات، بمجرد هذه المشاركة، هذا نوع من التهيئة ونوع من التدريب ونوع من العملية اللي تؤهل الإنسان أن هو يقوم بمثلها بعد ذلك مع خليفة رسول الله مثلا، أو أنه نفس الذي كان قريبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هو يمسك الأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
واضح كيف؟ زيد: جمع القرآن قصدك بعد النبي صلى الله عليه وسلم من أي ناحية؟ إي إي، مثلا صحيح كان يكتب على زمن النبي صلى الله عليه وسلم هذه مهمة فيها مشاركة، بعدين بعد ذلك صار هو الذي تحمل فكرة جمع القرآن.
طيب، احنا يعني ما رحنا للمرحلة المدنية، ما رحنا لآخر المرحلة المكية، لكن يعني كده نكون تناولنا بعض المعالم، فما أدري أعتبر هذا الدرس أشبه ما يكون بالمقدمة ولا بالخلاصة ولا بالمجمل. لكن عموما يعني لا يعتبر، لا يعتبر شاملا لكل الأدوار وما إلى ذلك، لكن عموما ويلفت الانتباه، لأنه إذا كنا نتكلم اليوم عن المصلحين، وعن أدوار المصلحين، وعن أدوار العاملين للدين، وخاصة إذا كنا نتكلم عن الدور الشمولي، وهو ما ندعو إليه وليس الدور الجزئي، فانه لابد لنا أن نرجع إلى الذين قاموا بالدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ماذا ربوا حتى مكنوا واستطاعوا.
خاصة وانه ايش؟ أنه النبي صلى الله عليه وسلم ربط بين الجيل الأول وبين الجيل الأخير في حديث واحد، ربط بين الجيل الأول بعده صلى الله عليه وسلم وبين الجيل الأخير من أمته برابط واحد، وهو الخلافة على منهاج النبوة. فقال: «تكون فيكم النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكا عاضا فتكون فيكم ما شاء الله أن يكون، ثم يرفع الله إذا شاء أن يرفع، ثم تكون ملكا جبرية فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفع الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة».
شوف لاحظ، نفس النص الذي قيل في الجيل الأول سيكون في الجيل الآخر، فاذا كان الجيل الآخر يريد أن يصل إلى نتيجة الجيل الأول، فلا يمكن هذا أن يكون بتربيه جزئية، ولا يمكن أن يكون هذا بدور جزئي، وإنما يكون بدور شمولي. وليس فقط بمجرد الدور الجزئي، فلا يكون بالقتال وحده، ولا يكون بالعلم وحده، ولا يكون واضح الفكرة ولا يكون دورا جزئيا، لا يكون مجرد إزالة ظلم مثلا، ولا يكون مجرد إبطال باطل، لابد فيه من إحقاق حق، ولا يكون إحقاق حق بدون إبطال باطل، وهكذا يعني.
ونسأل الله سبحانه وتعالى العون والمدد، ونستغفره من ذنوبنا ونتوب إليه، ونحمده سبحانه وتعالى على ما أعطى ووفق، ونعوذ بالله أن نكل إلى أنفسنا طرفة عين. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد