الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. يا أهلاً وسهلاً ومرحباً، حي الله فريق همة الشريعة وطلبة كلية الشريعة وطلبة بقية الكليات وطلاب الجامعة الأردنية وكل من يشاهد البث، ويا مرحباً بكم جميعاً. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.
وهذا اللقاء هو لأناس يؤمل الإنسان فيهم إن شاء الله خيراً كبيرا؛ شباب الأمة الإسلامية في هذه المرحلة. بالمناسبه يعني هذه المرحلة اللي نحنا نعيشها ربما الكثير من الناس يتشاءم منها، ويرى أنها مرحلة يعني تدعو إلى اليأس والاحباط. وكذلك احنا كنا دائما نقول هذه القضية أن المرحلة فيها مصائب ومصاعب، وربما البعض يرى أنه في الأشهر الأخيرة ازدادت القضية صعوبة، وأنه ازداد الأفق انغلاقاً، وأنه الأمة خلاص يعني ما في إلا حالة احباط وحالة يأس. وحقيقة الإنسان لا يزال متفائلاً تفاؤلاً عظيماً جداً، بل أنا عندي يقين أنه إن شاء الله هذه الأمة الإسلامية مقبله على خير كبير في قابل أيامها وفي قابل أعوامها، وأنه ما يجري عليها من آلام وما يجري عليها من مشكلات وما يجري عليها من مصائب هو نتيجة متوقعة لطبيعة الأدواء والأمراض اللي كانت موجودة في السابق. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوقظ هذه الأمة من سباتها، وأن يبدل ذلها عزة وتفرقها اجتماعاً، وأن يعلي كلمة الإسلام والمسلمين. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج المهمومين من المسلمين، وأن ينجي المستضعفين، وأن ينصر عباده المسلمين المقهورين، وأن يذل أعداءه من المجرمين والمفسدين والمحتلين وغيرهم. فحقيقة الحديث في مثل هذا اللقاء وفي مثل هذا البث هو لشباب يعني هم مادة الأمل باذن الله تعالى لهذه الأمة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا واياكم أملاً، وأن يجعلنا واياكم من يعلي بهم كلمته ويرفع بهم راية الدين والإسلام.
أما بعد، فهذا حديث عن الأنبياء ومنهج الأنبياء وورثة الأنبياء. والله سبحانه وتعالى قد بعث الأنبياء ليخرج الناس بهم من الظلمات إلى النور، وجعل الأنبياء رسلاً يبلغون الخلق رسالة الخالق. الخالق سبحانه وتعالى لم يخلق الخلق هملاً ولا تركهم سدى، وإنما أراد منهم أموراً، وهذه الأمور لم يجعل الطريق إلى معرفتها أن يكلمهم سبحانه أن يكلم الله خلقه كفاحاً، وإنما جعل الطريق إلى معرفة مرادات الله سبحانه وتعالى هي أن يرسل رسلاً من عباده، فيوحي بإذنه ما يشاء ويبلغ خلقه عن طريق رسله ما يشاء. ولذلك كان الرسل أفضل الناس، ويحملون أفضل الرسائل، ويعيشون أفضل المعيشة من حيث ما يريد الله سبحانه وتعالى. ثم بعد ذلك جعل الله لهؤلاء الرسل أتباعاً وأنصاراً وأعواناً وحملة يحملون الدين معهم وبعدهم، وورثة يرثون الدين بعدهم ويقومون به من بعدهم، فيكون أولئك الورثة وأولئك الحملة وأولئك الأتباع لهم نصيب من يعني إخراج الناس من الظلمات إلى النور، لهم نصيب في إعلاء كلمة الله، لهم نصيب في تبليغ رسالات الله على ضوء ما جاءت به الأنبياء والرسل.
وبما أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم هي الرسالة الخاتمة، وبما أننا في هذه الأمة التي هي آخر أمة، فقد جعل الله سبحانه وتعالى الرسالة التي أنزلها على محمد صلى الله عليه وسلم رسالة شاملة، ومن شموليتها أنها تفيد هذه الأمة في أزماتها وفي مشكلاتها الكبرى وفي أحوالها التي تطرأ عليها مع الزمن. وبعض الناس من طلاب العلم وغيرهم يظن أن الرسالة المحمدية وما جاء من عند الله إنما فيه بيان الأمور التعبدية العملية، وامور المعاملات اللي هي فيها الحلال والحرام والبيع والشراء وما إلى ذلك، وانه ليس من موضوعات الرسالة الحديث عن القضايا الكبرى وعن المشكلات الكبرى، وأن ما يعني يستجد من الأزمات على الأمة الإسلامية لن يجد الإنسان فيه الجواب في هذه الرسالة، وهذا خطأ كبير ووهم عظيم.
ربما كان من أسبابه هو طبيعة ما يتلقاه طلاب أو كثير من طلاب العلم من العلوم؛ يعني تعرفوا صارت العلوم الإسلامية سواء في كثير من الجامعات أو حتى في المعاهد أو حتى في الدروس، يعني صار أحياناً أو كثيراً ما يتلقى الإنسان علوماً من علوم الشريعه قد لا يرى لها اتصالاً بهذه المشكلات الكبرى، وقد لا يرى ولا يتلقى ولا يعلم ولا يربى ولا ينمى على أن هذا العلم المتصل بالوحي هو مرتبط بالواقع بل مرتبط بالمشكلات الكبرى في الواقع. بينما إذا رجعت إلى الأنبياء ستجد أنه أصلاً هم أرسلوا إلى واقع معين، وانه من طبيعة رسالات الأنبياء أنها تتفاعل مع واقعهم بما يتناسب مع ذلك الواقع. ولذلك كما قلنا مراراً في كثير من الدروس نجد أن الله سبحانه وتعالى لما يذكر الأنبياء يذكر مع كل نبي المشكلة التي كانت موجودة في زمانه.
فإذا يعني مثلاً مشكلة الفاحشة لا نجدها مرتبطة مع نبي الله شعيب مثلاً أنه عالج هذه المشكلة ولا ولا أنها يعني مرتبطة مع نبي الله موسى عليه السلام مع أنه هي مشكلة في قاموس الشريعة، لكن هي دائماً مرتبطة مع رسالة نبي الله لوط. ليش طيب؟ ليش دائماً إذا ذكر اسم لوط عليه السلام في القرآن يذكر معه مشكلة الفاحشة وانه عالجها وانه بعث إلى القوم لينهي هذه المشكلة؟ ليش ليش ما تذكر هذه المشكلة مع اسم شعيب عليه السلام أو موسى عليه السلام أو عيسى أو زكريا؟ الجواب ببساطة لأنه هي المشكلة التي كانت منتشرة في زمن لوط عليه السلام.
طيب، إذا ذكر موسى عليه السلام في أكثر من موضع في القرآن تذكر تذكر قضية تحرير المستضعفين؛ تحرير المستضعفين: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [الأعراف: 105]. حتى لما جاءهم الرجز لقوم فرعون قالوا: لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل. يعني الذي بعث به موسى عليه السلام هما أمران: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وحرروا هؤلاء المستضعفين وأطلقوا وانهوا قضية الاستعباد وقضية الاستضعاف وقضية القهر لهذه الأمة. كل ما يذكر موسى عليه السلام تجد هذه القضية أو كثيراً ما تجد هذه القضية مرتبطة معه. ولا يذكر شعيب عليه السلام إلا ويذكر معه قضية التطفيف في المكيال والميزان: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: 181]. حتى لو جاءت هذه القضية مع نبي آخر تأتي محدودة ليس مثل ما تأتي مع شعيب عليه السلام، مثل ما جاءت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المطففين مثلاً، لكنها ليست مرتبطة دائماً كارتباطه بنبي الله شعيب.
لماذا؟ المستفاد من هذا كله أن الأنبياء جاؤوا متصلين بالواقع يعالجون مشكلات هي مرتبطة بواقعهم. ولذلك إذا قلنا إذا كان عنوان المحاضره ورثة الأنبياء أو منهج الأنبياء أو أثر طلاب العلم في الإصلاح على طريق الأنبياء، فإن من أهم معالم طريق الأنبياء أن دعوتهم متصلة بالمشكلات الكبرى الموجودة في واقعهم. ولذلك إذا كانت الحالة العامة لطلاب العلم هي حالة غير منتجة في التأثير على المشكلات الكبرى في الواقع، فمعنى ذلك أن تلقي العلم هنا فيه قدر من الخلل والنقص عن طريق الأنبياء، ليس متصلاً تمام الاتصال بطريق الأنبياء، وإنما فيه قدر من الانفصال عاد هذا الانفصال بقدر يعني فمستقل ومستكثر، وأحياناً تكون المسافة واسعة وأحياناً تكون المسافة قصيرة.
فلذلك أيها الكرام نحن يعني نحن بحاجة، نحن طلاب العلم المشتغلين بالعلم بالدعوة بأي كان من جوانب الإصلاح، نحن بحاجة إلى فقه منهج الأنبياء وإلى تعلم طريق الأنبياء وإلى تعلم سبيل الأنبياء وإلى أن يكون لنا اتصال بواقعنا اتصالاً كبيراً جداً جداً. ومن المؤسف جداً أن كما اسلفت قبل قليل أن كثيراً من طلاب العلم لا يكون عندهم هذا الوعي بالواقع إلى درجة إلى درجة أننا صرنا في واقع يستغرب فيه إذا وجد طالب علم قد أتقن علوم الشريعة إتقاناً يعني متقدماً جداً، وفي نفس الوقت لديه وعي عميق بواقعه وقدرة على التأثير. فنقول سبحان الله عجيب! كيف استطاع يجمع بين الأمرين؟ يعني ما هذا الشيء الاستثنائي؟ تعرفوا متى يكون في أمل في الواقع بإذن الله؟ لما يكون هذا الاستثناء هو الأصل. هذا الاستثناء الصورة اللي نتكلم عنها هذه لما تكون هي الأصل. الحمد لله الآن صار عندنا ناس حملوا العلم وقادرين على التأثير في الواقع، ولاحظ احنا لسه بس نتكلم عن الوعي، يعني الوعي بالواقع لسه احنا ما تكلمنا عن كيف التأثير فيه وايش طبيعة هذا التأثير وايش لوازم ما ينبغي أن يحمله طالب العلم من الصفات حتى يقوم بهذا التأثير.
أما فكرة أنه طلاب علم ولا يربون على هذه المعاني ولا يكون من أساس العلم الذي يتعلمونه هو العلم بالواقع والفهم فيه والقدرة على التأثير فيه، فهذا نقص عن طريق الأنبياء وليس نقصاً في يعني ايش الجوانب الفكرية ولا الجوانب، لا هذا نقص عن طريق الأنبياء، ليس عن طريق الأنبياء من حيث محتوى الرسالة في ذاتها اللي هو العبادة وما إلى وما جاء من تعاليم واضحة، وإنما من حيث المنهج الدعوي العام الذي هو متصل بالواقع. واضح؟
ولذلك هنا أنا ساذكر في هذا اللقاء المختصر ساذكر أربعة أمور فقط تعتبر هي من المعالم الكبرى لهدي الأنبياء، ومن لا يعني لا يتصور أن يكون هناك وارث أو ورثة للأنبياء إذا لم يجمعوا هذه الأمور الأربعة. يعني بقدر جمع هذه الأمور الأربعة بقدر ما يكون الإنسان وارثاً للأنبياء، وكل واحد من هذه الأمور الأربعة فيه رتب، فاحنا عندنا أمور أربعة كل واحد منها له رتب. فكل الأنبياء طبعا هم في الرتبه العليا التي بطبيعة الحال لا يبلغها أحد غير الأنبياء، لكن ورثة الأنبياء يبلغون من هذه الأمور القدر الذي يبارك الله فيه لكل منهم.
الامر الأول هو العلم. العلم! لا يوجد نبي من الأنبياء مشى في طريق في طريق الله سبحانه وتعالى بلا علم، وهذا العلم يعبر عنه أحياناً في القرآن بلفظ البينة: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي﴾ [الأنعام: 57]. هذا ياتي في خطاب الأنبياء صح، في بينة. وأحياناً يأتي بلفظ البصيرة: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108]. وأحياناً يأتي بلفظ العلم كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: 15]، وكذلك تاتي: ﴿وَآتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 74]. فهذا يأتي أحياناً بلفظ العلم وأحياناً يأتي بلفظ البصيرة وأحياناً يأتي بلفظ البينة، وقد ياتي إذا استقرأ الإنسان ربما ما يجد غير ذلك. لكن العلم هو أساس في طريق الأنبياء، وبالتالي هو أساس في طريق ورثة الأنبياء.
والعلم المقصود ليس أي علم حتى يظن الإنسان أنه إذا تعلم أي متون مثلاً ولا أبواب شرعية معينة فيقول خلاص أنا الآن أصبت شيئاً من طريق الأنبياء، نحنا نقول لا، ليس أي علم يسمى علماً شرعياً الإحاطة به تكون يعني ايش تحقيقاً للعلم لأنبياء؛ يعني مثلاً لا يمكن أن يقول أن يقول أو يوصف إنسان، لا يمكن أن يوصف إنسان بأنه قد أصاب صفة العلم وحقق صفة العلم التي فيها اتباع لطريق الأنبياء إذا لم يكن العلم بالله فيها أساساً. إذا ما كان العلم بالله سبحانه وتعالى فيها أساساً، فهذا حتى لو أتقن ما أتقن من العلوم من الفروع وما إلى ذلك، العلم بالله هو أساس في العلم الذي عند الأنبياء. ومن الأدلة على ذلك ما علم الله موسى عليه السلام في أول الرسالة: اول ما علم الله موسى في رسالته قال له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: 14]. اول شيء انني أنا الله لا إله إلا أنا، هذا اسمه ايش؟ العلم بالله. وفي سورة النمل: ﴿يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: 9]. اول شيء.
جيد هذه الصفة الأولى: صفة العلم، العلم بالله والعلم بما جاء عن الله. وهذا العلم بالله باب عظيم كبير، ولا ينبغي ولا يسوغ ولا يجوز لطلاب علم يريدون أن يسيروا على طريق الأنبياء لا يكون لهم حظ حقيقي في قضية العلم بالله. والعلم بالله له أبواب؛ العلم بالله له أبواب: الباب الأول العلم بأسمائه وصفاته، والعلم بأسمائه وصفاته هذه محلها الوحي، ومن هنا ناتي لنقول إن نصوص الأسماء والصفات أن المقصد الأعظم منها هو العلم بالله. المقصد الأعظم من بيان النصوص الأسماء والصفات في الكتاب السنة هي لتحقيق العلم بالله القائد إلى ايش؟ إلى العبودية له.
أبواب العلم بالله؛ واحد: العلم بأسمائه وصفاته. اثنين: العلم بآياته ومخلوقاته اللي مبثوثة في الكون، فكلما كان الإنسان أكثر علماً بالمخلوقات وأكثر تفكراً فيها قاده ذلك إلى العلم بالله أكثر. ومن الأدلة على ذلك: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190-191]. هذه المقدمة، النتيجة ما هي؟ ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191] هذه الثمرة التي تترتب على النتيجة.
الباب الثاني من أبواب العلم بالله هو العلم بآياته بمخلوقاته، فهي قائدة إلى العلم به سبحانه وتعالى. الأمر الثالث: العلم بشريعته. العلم بشريعته! العلم بشريعته يعني بتفاصيل النصوص والأحكام التي أنزلها الله سبحانه وتعالى في كتابه وبلغها رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن هنا أيها الكرام، يا طلاب الشريعة وغير طلاب الشريعة ممن يشاهد هذا البث أو التسجيل، ومن هنا يأتي الكلام على أهمية أن يكون من مقاصد طلب علم الشريعة العلم بالله. يعني الآن أنا أتعلم الأحكام الشرعية، هل وأنا أتعلم هذه الأحكام لدي مقصد مستصحب داخل نفسي أن أصل من خلال هذه الأحكام إلى العلم بمشرعها والعلم بمن أنزلها؟ ولذلك نجد دائماً في آيات الكتاب العزيز مع آيات الأحكام دائماً نجد الحديث عن الله، بل من أكثر المواضع في القرآن التي
ذكر الأسماء والصفات هل هو في آيات الأحكام، صح ولا لا؟ حتى في آيات الطلاق والنكاح والعدة في سورة البقرة كلها مليئة بالحديث عن الله، مع أنها أحكام عملية متعلقة بالأسر والحياة اليومية وكذا، صح ولا لا؟ ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلَمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجْلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 235]، صح ولا لا؟ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مَّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 223]، ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُوخُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 225]. ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاؤُفَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226-227]، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
والوالدات يرضعن أولادهن، كل شوف آيات الأحكام، طلاق، نكاح، عدة، كلها والله عليم حكيم، والله سميع عليم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، حتى في الجهاد: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. وهكذا في كل القرآن، سورة النساء تعرفون عليماً حكيماً، عليماً حكيماً، والله عليم حكيم، كله مع آيات الأحكام سواء في آيات الفرائض أو المواريث أو في غيرها من الآيات، صح ولا لا؟ هذا معناه ايش؟ هذا معناه أن الأحكام الشرعية هي مرتبطة بأسماء الله وصفاته أصلاً، مرتبطه بالعلم به.
يعني من الربانية في تلقي العلوم، واحنا نحتاج إلى هذه الربانية في كل حياتنا، من الربانية في تلقي العلوم الإسلامية أن أتلقاها متصلة بالمشرع سبحانه وتعالى، فتكون وسيلة إلى العلم بمن شرع هذه الاحكام وفرضها ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَى آخِرِ الآيَاتِ﴾. فهذه قضية مهمة جداً، هذه البوابة أو الباب الثالث من أبواب العلم بالله سبحانه وتعالى، ونحن ما زلنا في الصفة الأولى من صفات الأنبياء أو من منهج الأنبياء. قلنا نختصرها في أربعة، أربع صفات، احنا في الصفة الأولى الآن، قلنا الصفة العلم، والعلم من أهم هذا العلم بالله ليس هو كل شيء في الصفة الأولى، لكن من أهم ما يدخل هو العلم بالله، وقلنا له أربعة أبواب أو عدة أبواب.
الباب الأول: العلم بأسمائه الله وصفاته. الباب الثاني: العلم بآياته ومخلوقاته والتفكر فيها. الباب الثالث: العلم بشريعته. الباب الرابع الموصل إلى العلم بالله سبحانه وتعالى هو العلم بسنن وأقداره وأيامه وما يجريه على عباده. وهذا باب من أبواب العلم بالله شريف، وباب من أبواب العلم بالله عزيز، وباب من أبواب العلم بالله من يحرمه يحرم علماً كثيراً، وهنا يدخل فائدة دراسة التاريخ والععلم بالتاريخ؛ لأن فيها علماً بسنن الله.
وهنا يدخل أهمية دراسة قصص الأنبياء؛ لأن فيها علماً بالله، علماً بالله من أي ناحية؟ علماً بالله أنه كيف ينصر جنده، ويهلك أعداءهم، ويؤيد أنبيائه، ويجيب دعواتهم أو دعائهم إلى آخر، مثلاً، أرايتم قصة الغار؟ النبي صلى الله عليه وسلم حين اختبأ في الغار هو وأبو بكر، أرايتم حين قال لا تحزن إن الله معنا؟ لما تفقه هذه القصة أنت تتعرف على الله، هذا غير السيرة، أنت الآن هذا حدث اسمه حدث من أحداث السيرة، صح؟ لكن هذا علم بأقدار الله وسننه وأيامه، فهذا يزيدك علماً بالله.
معناه أنه من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم في توكله ويقينه بالله سبحانه وتعالى ووقع في مثل ذلك، فإن له رجاءً بالله سبحانه وتعالى في أن يحقق له ما حقق لنبيه من المعية: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]. من أين عرفت أن الله معنا أنت أيها المتبع للنبي صلى الله عليه وسلم؟ من نصوص ونصوص، وواحدة منها من تلك الحادثة التي قال الله فيها على لسان نبيه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]. هذا الآن من أبواب العلم بالله، واضح؟
وهذه قضية في غاية الأهمية وفي غاية الشرف يا جماعة الخير، ترى في طلاب علم يأخذون سنوات سواء في الشريعة أو في غير الشريعة ولا يدخلون على شيء من هذه الأمور الأربعة، ثم يظن نفسه طالب علم، ليس طالب علم على الحقيقة. لا أقول لا يدخل يعني لا يدرس ولا شيء، لكن أقصد لا يدرسها بهذا التعريف، بهذه المقاصد، أن تدرس بهذه المقاصد هذه قضية في غاية الشرف وغاية الأهمية. وهذا الآن هذه صفة أولى من صفات ورثة الأنبياء، التي هي من صفات الأنبياء، إحنا قلنا مهما بلغت فلن تصل إلى درجة الأنبياء في كل واحدة. هنا هذه الأولى، الأنبياء لهم فيها الدرجة العليا، ولذلك ومن هنا تحديدا نفقه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم بالله»، هذا في البخاري، تعرف لما رخص في شيء وتنزّه عنه البعض غضب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأعلم بالله وأشدكم له خشية». خلاص، الأنبياء أعلم الناس بالله، وورثتهم ينبغي أن يكون العلم بالله أساساً في تكوينهم، وأساساً في طريقهم، وأساساً في سبيلهم.
لو قال قائل: كيف إحنا نحقق هذه الصفة العظيمة العلم بالله؟ إحنا نقول الآن ذكرنا أربعة أبواب، الباب الخامس من أبواب العلم بالله: التدبر في آياته الشرعية، التي هي أصلًا جزء منها في الأسماء والصفات في واحد، وجزء منها في أحكامه الشرعية التي مرت، ولكن النصوص الشرعية أو آيات الله الشرعية أوسع من هذه الموضوعات، صح؟ يعني فيها أيضاً الحديث عن الآخرة، فيها الحديث عن الأمم السابقة، فيها الحديث عن أخلاق، في أحاديث. فكلما تدبر الإنسان في آيات الله الشرعية ازداد علماً بالله سبحانه وتعالى، هذه صارت الآن خمسة أبواب للعلم بالله.
نزيد باباً سادساً ونختم به الصفة الأولى، الباب السادس من العلم بالله، صعب تختصره في جملة واحدة، مرة أنا ذكرته في مقطع تحت عنوان الحبل الخاص بين الإنسان وبين ربه. يعني ايش؟ خلينا نقول لكم ايش الفكره، تعرفوا يعني من أعظم الأبواب التي الإنسان يعلم فيها عن الله سبحانه وتعالى هو ما يتحقق أو ما يحقق الله للعبد من آثار لعبادته هو. يعني إذا أجاب الله دعاءك ازددت علماً به، إذا فرج الله كربتك ازددت علماً به، إذا رأيت معيته معك ازددت علماً به، ومعيته لا تأتي إلا إذا عملت أعمالاً. (يمكن أن نقول في السادسة هذه هي العمل بالععلم الذي يورث آثار معية الله سبحانه وتعالى، أو لنقل آثار معية الله الأمر السادس).
مثلاً لما يأتي زكريا عليه السلام ليدعو ربه ليطلب الولد، فيذكر أسباباً لمجيء هذا الولد أثناء دعائه فيقول: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4]. هذان الآن سببان متقاران، صح؟ الثالث هو هذا اللي أتكلم عنه، اللي هو الحبل الخاص اللي هو ايش؟ ﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: 4]. يعني يا رب ومما يجعلني أطمع في إجابة دعائي هذا هو علمي بما أعطيتني أنا في دعائي السابق حيث لم أكن بدعائك يا رب شقياً. فهذا الباب اللي هو ما ينشأ للعبد من معية الله ومن عونه ومن مدده، هذا يعطيك علماً خاصاً بالله، ولذلك الذي ما عنده عبادة ولا عنده توكل ولا عنده استعانه ولا عنده كذا، ترى يكون ناقص العلم بالله سبحانه وتعالى. هذه ستة أبواب من أبواب العلم بالله سبحانه وتعالى، وهي من أهم معالم طريق الأنبياء.
المعلم الثاني من معالم طريق الأنبياء ومن معالم ورثة الأنبياء: العبادة. والعبادة أول وأهم ما يدخل فيها لما نتكلم عن معلم طريق عن معالم الأنبياء وطريق الأنبياء: عبادة القلوب، العبادات القلبية، والتي على رأسها اليقين، والإخلاص، والمحبه، والانابه، والخشيه، إلى غير ذلك من الصفات. هذه من رؤوس الأعمال القلبية، وهذه من أهم معالم طريق الأنبياء، الخشوع، الخشية، الإخلاص. ولذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء لما ذكر الأنبياء قال: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 73]، ثم ذكرهم في موضع آخر فقال: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90].
وقبل قليل قلنا عن موسى عليه السلام أول ما علمه الله والعلم المتعلق به سبحانه فقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. هذا أيضاً والحديث الذي ذكرناه قبل قليل لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلمكم بالله وأشد له خشية». وهذه الخشية هي من عمل القلب الذي يظهر على الجوارح.
ولما ذكر الله سبحانه وتعالى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم خير صحب للانبياء جميعاً (يعني أقصد في سائر تاريخ الأنبياء، خير من صحب الأنبياء هم من صحب النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو خير الأنبياء)، لما ذكرهم الله سبحانه وتعالى قال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29]. هذا الظاهر من أثر السجود، من أثر السجود السجود، هذا هو ما في ما يصحب الساجد من خشوع وإخبات وخضوع وذل لله سبحانه وتعالى الذي يتمثل في هذا العمل الظاهر، وهو السجود. يثمر تلك الخشية على الوجه، فيكون سيماهم في وجوههم. ولما ذكر الله سبحانه وتعالى المؤمنين قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: 9]. قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟
إذاً، العمل الثاني أو الأمر الثاني أو المععلم الثاني هو العبادة، فإذا كنا نتكلم عن ورثة الأنبياء، فلا وراثه للنبُوّة بلا عبادة، لا وراثه للنبُوّة بلا عبادة. والعبادة باب عظيم، أهمه أعمال القلوب. ولذلك اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بقضية الإيمان التي هي متصلة بالعبادة اتصالاً وثيقاً، وهي التي تحرك النفس إلى العبادة، اعتنى بها قبل أن يعلم الصحابه (يعني آيات القرآن من حيث حفظ ما في هذه الآيات أو حفظ هذه النصوص والآيات وتلقيها)، وإنما أول ما علمهم هو علمهم الإيمان. مما يدخل في الإيمان في الأساس هو ما يتعلق بأعمال القلوب والعلم بالله سبحانه وتعالى.
طيب، إذاً العبادة، ثم بعد ذلك العبادة الظاهرة، ومن أهمها قيام الليل، وكثرة ذكر الله سبحانه وتعالى، وتحقيق التقوى والذي والتي تتمثل أكثر ما تتمثل في الابتعاد عن الذنوب والمعاصي والحذر والخوف من الله سبحانه وتعالى وتحقيق الورع وما إلى ذلك.
المعلم الثالث من معالم الأنبياء وسبيل ومن معالم ورثتهم هو الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والقيام بشأن الدين والإصلاح. وهذا هو من أظهر معالم الأنبياء، ولا يتصور أن يكون هناك ورثة للأنبياء ليسوا على هذا الطريق، بل لا معنى أصلاً لأن تكون وارثاً للأنبياء ولا يكون لك في هذا المععلم نصيب واضح وكبير. بل قد قال الله سبحانه وتعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم إنه هذا هو السبيل الذي يسير عليه، أليس كذلك؟ قال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: 108]. ما هي هذه السبيل؟ سبيل محمد صلى الله عليه وسلم، ما هي؟ قال: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 108]. هذا السبيل.
طيب سؤال: هل الجهاد في سبيل الله يدخل في الدعوة إلى الله أم لا يدخل في الدعوة إلى الله؟ نعم، الجهاد في سبيل الله يدخل في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى باسمها العام؛ لأن الجهاد في الإسلام مقصده الأساسي ليس هو مجرد الدفاع عن الأرض ولا عن الوطن ولا عن الأعراض ولا عن الأموال، وإن كان من مقصد الجهاد في سبيل الله مقصد الدفاع وكف العدوان وكف أعداء، لكن أعظم مقصد للجهاد في سبيل الله هو إعلاء كلمة الله. وإعلاء كلمة الله وإنفاذ هذه الكلمه ونشرها هو من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
فلما نقول الدعوة إلى الله، البعض ولا الإصلاح، لما نقول الإصلاح أو الدعوة إلى الله، البعض يظن أنه الإصلاح والدعوة إلى الله هي عبارة عن ارتقاء المنبر والحديث بصوت عال، أنه هذا هو فقط الدعوة إلى الله والإصلاح، بس لا، ليس هذا. الإصلاح هو اسم عام لكل ما يدخل تحت كلمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة دين الله، والدعوة إليه، وإلى آخره من الأمور.
ولذلك من أعظم معالم الأنبياء نذكرها بالاسم العام الدعوة إلى الله. طيب، هل ورد في حقهم اسم الإصلاح الأنبياء؟ الجواب: نعم، وذلك في قول شعيب عليه السلام: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: 88]. وورد في موسى عليه السلام وإن كان قبل النبوة: ﴿إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص: 19]. فالإصلاح والمصلحين وما إلى ذلك هي ألفاظ قرآنية، ألفاظ قرآنية. والإصلاح وارد في لفظ في حق الأنبياء بشكل واضح.
ولذلك فكرة إنه إحنا عندنا طلاب علم هذول جهة، وعندنا مصلحين هذول جهة ثانيه، جيد؟ أو عندنا طلاب علم وعندنا دعاة، وعندنا طلاب علم وعندنا مجاهدين، وعندنا هذا الانفصال هو انفصال غريب ليس صحيحاً، ليس صحيحاً هو إحنا عندنا طريق الأنبياء. هذا طريق الأنبياء، طريق جامع، كلما حقق الإنسان في هذه الصفات يكون قد اتبع الأنبياء بطريق أعلى وأوثق.
ولذلك محاربة الظلم هو من طريق الأنبياء وهو داخل في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، محاربة الفساد داخلة في ذلك، نصرة المستضعفين داخلة في قضية الإصلاح والقيام بواجب الدين في تجاه الواقع، تجاه الأمة، كله داخل في السمة الثالثة هذه. واضح الفكرة؟ لذلك المعلم الثالث هو الدعوة إلى الله أو الإصلاح.
الإصلاح أو القيام بشأن الدين في الواقع؛ حمل هذا الدين والحركة به والعمل به والتأثير من خلاله إلى آخره، من القضايا التي يمكن أن تدخل تحت هذا العنوان الشريف وللأنبياء في ذلك الدرجة العليا، مثل ما ذكرنا قبل في كل واحدة من هذه المعالم للأنبياء الدرجة العليا.
فنجد أن نوحاً عليه السلام مكث ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعو إلى الله، وهذه القضية برأيي هي مساحة عظيمة للتفكر، والعجيب هو أن الله سبحانه وتعالى يعلم أنه لن يؤمن معه إلا قليل، وهو ألف سنة إلا خمسين عاماً، فالواحد تعرف يقول مثلاً: الخمس سنوات الأولى سهلة، خمسون سنة، مئتان وخمسون سنة، أربعمائة سنة ها تخيلوا الآن هذه كلها دعوة، طيب كيف الصبر هذا؟ كيف تمشي الأيام؟
والعجيب أنه ثبت في الصحيح أنه لما يأتي يوم القيامة نوح عليه السلام وتأتي أمته، فيسأل الله سبحانه وتعالى نوحاً فيقول له: هل بلغت؟ يقول: نعم، فيسأل أمته فيقول: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، مو كان أسلوب وكذا، لا لا ما جاءنا من نذير، ألف سنة إلا خمسين عاماً يقول لك: ما جاءنا من نذير! أصلاً قال الله سبحانه وتعالى لنوح عليه السلام: فمن يشهد لك؟ وهذا بالمناسبه هذا من هذا يوم القيامة كله ترى، مين يشهد لك؟ إيش الشهود؟ الأدلة، الإثباتات، البراهين، كل يوم القيامة زي كذا، الحساب، الجلود تتكلم، الأيدي، الأرجل، ها كله يتكلم كذا، فجأة أنت ما تعرف جد، يعني تخيل اليد هذه، اليد التي أنت تراها كذا تحركها كيف ما تشاء، ما تدري تتكلم، يعني يطلع منها صوت تقول: أنا أشهـد، أنا أشهـد أن صاحب هذه اليد فلان الفلاني قد بطش بها وضرب بها كذا وكذا ظلماً وعدواناً! وموقف صاحب اليد هو أنه يقول ايش؟ ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: 21].
الشاهد أنه فيقول الله سبحانه وتعالى لنوح عليه السلام: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فنأتي نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم فنشهد لنوح عليه السلام أنه بلغ الرسالة، وهذا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143].
الشاهد أن الأنبياء قد حققوا الدرجة العليا من هذه القضية، ومحمد صلى الله عليه وسلم قد حقق الدرجة العليا من هذا المعنى، من هذه الدعوة، من هذا الإصلاح بكل صوره، إن أردت بالدعوة بالحجة والبيان والبرهان فهذا حصل في الفترة المكية إلى أقصاه، وإن قلت بالجهاد في سبيل الله فكادت السيرة النبوية ها أن تكون كلها جهاداً في سبيل الله سبحانه وتعالى، وإن قلت بتربية المؤمنين ودعوتهم إلى الله وتعليمهم لقلت كادت السيرة النبوية كلها أن تكون في تعليم الصحابه وتربيتهم وصناعتهم وإلى آخره، أليس كذلك؟
يعني شفتوا كل هذه الثلاثة، وبالمناسبه هذه ثلاثة أقطاب أساسية تحت المعلم الثالث، المعلم الثالث هذا الذي قلنا معلم الإصلاح والدعوة، فيه ثلاثة أقطاب كبرى هي هذه الثلاثة التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم على أعلى وجه، وكل واحد من هذه الأقطاب الثلاثة أو المعالم الثلاثة تكاد تقول السيرة النبوية هي هذا المعلم فقط، الذي هو الأول الذي هو ايش؟ دعوة غير المسلمين وإبلاغهم، تبليغهم الرسالة ومحاجتجهم وكشف الشبهات ورد كذا وإبلاغهم الإسلام، صح ولا لا؟ لما تقول السيرة النبوية يعني جزء كبير من السيرة هو عبارة عن دعوة قريش صح ولا لا؟
طيب القطب الثاني أو المعلم أو الجزء الثاني هو الجهاد في سبيل الله، وتعرف بعض العلماء أصلاً كان يسمي السيرة المغازي، وتكاد تختصر السيرة في المغازي، وإن قلت المعلم الثالث الذي هو ايش؟ تربية الصحابة وتعليمهم، الآن ترى نحن الأحاديث بالمناسبة يا جماعة لما تفتح البخاري ومسلم وهذه الآلاف المؤلفة من الأحاديث في الأحكام والأخلاق، هذه أصلاً هي هذه مادة القطب الثالث في الأساس، التي هي ايش؟ في تعليم الصحابة، هذه كل الأحاديث التي أنت تسمعها تأخذها تدرسها خلال أربعين سنة ولا ثلاثين سنة عشان تخلصها كلها شروحها وكذا ترى هم سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أنفسهم، يعني الأحاديث في الأساس لم تكن موجهة للمشركين واضح، وإن كان قد يكون في بعضها نقلت لكن في الأساس هي موجهة للمسلمين.
هذه نفس هذه الأقطاب الثلاثة هي التي ينبغي أن يشتغل عليها ورثة الأنبياء، ما يتعلق بتبليغ الدين، تبليغ الرسالة ودعوة غير المسلمين ونشر الإسلام في الأرض، وما يتعلق بالجهاد في سبيل الله أي نُصرة الدين والتضحية في سبيله والمحاماة عنه والدفاع بشقيه الذي هو بالسنان وباللسان، ليس فقط بالسنان وليس فقط باللسان، والامر الثالث الذي هو ايش؟ أيوه العناية بالمؤمنين وتربيتهم وتنشئتهم وإصلاحهم وتزكيتهم، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجُمُعَة: 2] ها ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، ويعلم الكتاب والحكمة ويزكيهم، والآيات في هذا المعنى متكررة ومعروفة.
هذا المعلم الثالث من معالم طريق الأنبياء وهو الإصلاح والدعوة إلى الله وإقامة الدين والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال الله سبحانه وتعالى في صفة محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف: 157] أليس كذلك؟ ثم وصف هذه الأمة فقال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110].
الصفة الثالثة أو المعلم الثالث، الجامع الرابع، الثالث الرابع! المعلم الرابع من معالم صفات من معالم طريق الأنبياء والمرسلين، قلنا نبي نختصر المعالم في أربعة في بداية بوصلة المصلح، ذكرت أحد عشر معلماً، لكن هنا اختصرها في أربعة جامعة، قلنا الأول: العلم، وأهم ما يدخل فيه العلم بالله، وذكرنا ستة أبواب للعلم بالله، الثاني: قلنا معلم العبادة وأهم ما يدخل فيها أعمال القلوب، المعلم الثالث: الدعوة إلى الله والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح، وقلنا أهم ما يدخل فيه ثلاثة أقطاب، المعلم الرابع والأخير هو الصبر.
الصبر، لاحظوا نحن اختصرنا الأحد عشر في أربعة، يكاد تذهب كل الصفات الباقية في كلمة الصبر، وبقية الصفات توزع على الأربعة، الصبر معلم أساسي من معالم طريق الأنبياء، لا يمكن أن يكون هناك ورثة للأنبياء إن لم يكونوا من أهل الصبر حقاً، بل لا جنة بلا صبر أصلاً ولا إيمان بلا صبر، ولكن من أهم معالم طريق الأنبياء قضية الصبر، الصبر على ماذا؟ الصبر على خاصة ها على المعلم الثالث الذي ذكر، خاصة وإن كان الصبر يشمل كل شيء، الذي هو الصبر على أعباء الدعوة وأعباء الإصلاح وأعباء نُصرة الدين وأعباء القيام بما يريد الله سبحانه وتعالى في هذه الأرض، الصبر أساس وثيق من معالم طريق الأنبياء.
وهذا الصبر ليس معناه الصبر يعني إذا أنه يتحمل الإنسان الضربات الحسية والمعنوية، لا، الصبر معناه من أهم ما يدخل فيه إيثار الآخرة على الدنيا، الصبر دون انخراط النفس في زخرف الدنيا، دون أن تسقط هذه النفس أمام المغريات، هذا الصبر من أهم معالم طريق الأنبياء، ليس الصبر فقط الذي هو الصبر إذا تعرض الإنسان لشده حسية فانه يصبر، وإنما الصبر الشامل لشؤون الدعوة والاصلاح والقيام بامر الدين، فيصبر وارث الأنبياء، يصبر للمحافظة على طريقه غضاً طرياً صافياً بعيداً عن المطامع الشخصية وبعيداً عن الانهزام، ويصبر إذا تعرض للابتلاءات والأزمات والشدائد، لأن الله وصف الأنبياء بذلك فقال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيِّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].
هي هذه الصفة الصبر، هذه الصفة مرتبطة بالأنبياء لأنه قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّ﴾ وهذه كأين للتكثير، ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيِّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، إذاً من أهم معالم طريق الأنبياء الصبر، ولما أمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر جعل الصبر الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم هو جعله صبراً متصلاً بصبر الأنبياء قبله فقال له: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، هو أمر متصل بمن قبلك يا محمد، ليس خاصاً بك، ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا﴾ [الأنعام: 34].
لاحظوا ﴿عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا﴾ التي هي ايش؟ الصبر على ايش؟ قلنا المعلم الثالث الذي هو أعباء الدعوة وما إلى ذلك، ونفس الشيء حق ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيِّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ هذه الصبر على المعلم الثالث، ونفس الشيء الصبر على سفاهة السفهاء وتكذيب المكذبين هو الصبر على المعلم الثالث، والصبر الذي صبره السحرة في زمن موسى عليه السلام هو صبر على المعلم الثالث، والصبر الذي صبره الذين كانوا يوضع المنشار على مفرق رؤوسهم يقسمون باثنتين ما يردهم ذلك عن دينهم هو صبر على هذا المعلم الثالث، الصبر الذي يدخل فيه يعني يدخل فيه التضحية، يدخل فيه معنى الثبات، يدخل في معنى إيثار الآخرة على الدنيا، يدخل في معنى التماسك أمام المطامع، كل هذا داخل تحت كلمة الصبر ومعلم الصبر في طريق الأنبياء.
ولذلك أيها الكرام، نحن نقول: لا وراثة للأنبياء إلا بهذه الأمور الأربعة، أو لا وراثة للأنبياء بدون هذه الأمور الأربعة، القصد هنا ليس الحصر في الأربعة، القصد أن هذه الأربعة هي الأساس بحيث إنه بدونها لا وراثة للأنبياء، ولذلك من أراد أن يكون من الوارثين للأنبياء فليسعى لتحقيق هذه الأمور الأربعة، وكلما ازداد تحقيقاً لكل واحدة منها ازداد قرباً لطريق الأنبياء واتباعاً لطريقهم وسبيلها، وبما أنها هي من معالم الأنبياء فمعنى ذلك أن حدود هذه الأمور الأربعة تؤخذ من طريق الأنبياء نفسه.
يعني أنت إذا قرأت السيرة النبوية ودرستها فادرس وتتبع فيها هذه الأمور الأربعة، وإذا قرأت قصص الأنبياء في القرآن اقرأها وتتبع فيها هذه الأمور الأربعة وغير ذلك، وإذا استقام حال شباب الأمة الإسلامية من طلاب الجامعات ومن طلاب المحاضن ومن طلاب المعاهد بأن رُبوا على هذه المعاني وعلى هذه المعالم، وكانت المدخلات التي يتلقونها فيها هذه القضايا العميقة والكبيرة، فلا تظنوا بعد ذلك أن النصر لهذه الأمة بعيد، أو بيننا وبينه صعوبات كثيرة.
في الواقع هذه في ميزان الله ليست شيئاً، والشان دائماً في كتاب الله هو في تحقيق ما ينبغي أن يحقق من جهة المؤمنين، لا في كثرة العوائق التي تكون موجودة، ولذلك لما كاد أن يياس أصحاب موسى فقالوا: ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: 129] أكد لهم موسى عليه السلام هذه القاعدة: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ وقال قبلها: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128].
فهذه هي الأمور الأربعة وهذه هي المعالم الأربعة لطريق الأنبياء، وهذا الذي ينبغي أن يحقق وأن يكون، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يحقق هذه الصفات وممن يحقق هذه المعالم، وأن يجعلنا من الصادقين وأن يجعلنا من البارين الراشدين، ونسأله العفو والعافية.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأكرر الشكر لفريق همة؛ همة الشريعة ولطلاب الجامعة وكلية الشريعة وغيرهم من الحاضرين، ولفريق همة تحديداً على ترتيب هذا اللقاء، شكر الله لكم وأسعدكم وسلمكم، ولنا لقاءات أخرى إن شاء الله خلال العشر سنوات القادمة إن يسر الله ونلتقيكم إن شاء الله على خير حال، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ أحمد السيد