دخولتسجيل الدخول

وأُوذُوا في سَبيلي | مُخيم غراس 2

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله جميعا، ومرحبا وأهلا بكم في لقاء يتجدد بنا في أمسيات هذا المخيم الطيب المبارك. هل الصوت جيد قبل أن نبدأ؟ الأخوان الذين يتابعون عبر اليوتيوب يعني إذا كان الصوت جيد يخبروننا. الصوت ممتاز، ممتاز!

إذا ننطلق إن شاء الله. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى. الحمد لله على الإيمان، الحمد لله على القرآن، الحمد لله على نعمة رمضان، الحمد لله على ما نحن فيه من الخير والبركة والعطاء الإلهي الجزيل.

مرحبا بكم طلائع مخيمنا المبارك في أمسية جديدة، وها نحن في ليلة الانتصاف لهذا المخيم أيها الكرام. ربما بعضكم بدأ يشعر بالتعب لكثافة المعاني التي تطرح وكثافة المجالس التي تعقد، ولكن إنما هي أيام معدودات ثم تنقضي بإذن الله.

وهذه الدورات الإيمانية المكثفة التي يتم فيها التركيز وتسليط الضوء على معاني محددة بشكل كثيف، أنا اسميها دائما هي دورات الانعاش القلبي، دورات للانعاش القلبي؛ لأن الإنسان الذي يكون بعيدا جدا جدا عن هذه المعاني ولا يتعايش معها في حياته، إذا أراد أن ينتبه قلبه لها وأراد أن يحيا معها، فهو كالمريض الذي يصل إلى المشفى وما بقي به إلا رمق يسير، فعندما يأتي الأطباء ليضخ الهواء فيه من خلال أجهزة ضخ الأكسجين، يتم ضخ الهواء بشكل عنيف وقوي من أجل أن ينتفض حيا من جديد.

تخيل لو أن هذا المريض الذي وصل المشفى في الرمق الأخير، الأطباء أعطوه الأكسجين بشكل خفيف هكذا، كل دقيقة دقيقتين يأتي الطبيب يعطيه شيئا ويذهب؛ سيموت لأنه لن تؤثر فيه هذه الضربات الخفيفة، لكن لو أعطي بشكل عنيف على مدى ساعة ساعتين كميات عالية وجرعات كبيرة، القلب ينتعش هكذا ويعود للحياة.

وأنا أظن هكذا يعني نحن نعيش مع معاني الإيمان أننا عندما نكون بعيدين عنها غاية البعد، بعض الناس هو يريد الوجبات الخفيفة، يقول لك يا شيخ بالله لا تقللوا علينا، الله يكرمكم، نريد مثلا كل مثلا خمسة أيام محاضرة لا تزيد عن نصف ساعة، يعني حتى هو يريد معايير معينة؛ لأنني والله سريع الضجر، والله أنا إنسان سريع الملل، لا ما هو، أريدك أن تنتبه على قضية: أنت إنسان ربما بعيد جدا -وأنا وأياك لا أكلّم إلا عن نفسي ابتداء- هناك معاني في الإيمان وفي العلاقة مع الله؛ معاني العبودية، البلاء، الثبات، التمكين، حتى أزرعها في داخلي وفي داخلك وحتى نبدأ نعيش معها ونتقبلها ونستمتع بها وتتفهّم، نحن محتاجون إلى هذا الضخ، ضخ من أمسيات وكلام المشايخ والأفاضل والعلماء والدعاة، كلام من منشورات وأفكار، تحفيزات جانبية هكذا ترتب أجواء الطريق، تطبيقات عملية يومية، كتابات نكتبها في نقشنا.

هذا الزخم المتواصل هو الذي بإذن الله يمنحك الحياة لسنة كاملة بإذن الله، لياتي رمضان آخر وتعيش هكذا إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى. فأنا ما أنصح به نفسي وأخواني دائما وأخواتي في طريق إلى الله عز وجل أنه لا تبقى على الوجبات الخفيفة المتباعدة جدا، نعم النفس تمل وهذا شيء طبيعي، والنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام كانوا يتخولون بعضهم بالموعظة حتى لا يملوا، لكن هذا كلام عن المنهج العام، أنه ليس كل يوم مدار السنة في موعظة، لكن لما أنا أدخل فقط في عشرين يوما وأنا أعلم بعدها أن هذا الضغط سيذهب وأعود إلى الحياة الطبيعية، لا، هنا أنا أحتاج إلى الضغط، يعني في خلال العشرين يوما أنا أحتاج لضغطة قوية، خليني أنضغط، خليني أتعلم بشكل يومي، خليني أعتبرها دورة أخرج من خلالها بفائده وثمرات، ليست فقط ثمرات علمية -برجع بقول فكرة المخيم هو العمل- أنني أنا بدأت أستيقظ، خاصة مع الوظائف اليومية أو الصفقات اليومية اللي وظيفتها أنك تكتب على كناك، تقيم عبوديتك، تقيم أداءك، تقيم تعرف بلاءك، تعرف من أين يأتيك الشيطان، إلى كل ما سياتي معنا، هذه التقييمات هذه التي تعمل يقظة في النفس الإنسانية هذه أثرها عجيب في الإنسان، ولها لمسات طيبة في حياته وتجعله ينظر نظرة جديدة لطريقه علاقته مع الله سبحانه وتعالى.

هذا جانب، الجانب الآخر إخواني، وهو أن معاني القرآن والله ثقيلة! معاني القرآن ليست سهلة، عندما أقلب صفحات القرآن وأنظر إلى المواضيع التي يتطرق إليها القرآن ويطلب منا القرآن أن نتعايش معها، أجد القرآن يتكلم عن عبودية لله يجب أن تكون صادقة، يتكلم عن بلاءات، أجده يبدأ يتكلم عن آدم ونوح وقصة ثمود وهود وقصة موسى وعيسى وما حصل فيها من بلاءات وبنو إسرائيل ونجاة وإغراق وعذاب وهلاك وهؤلاء أهلكوا وهؤلاء أنقذوا وأنجى الله المؤمنين، وأهلك، تجد قصة هكذا عظيمة ثم انتقل لبلاء النبي صلى الله عليه وسلم، بلاءات الصحابة، وأبدأ أقرأ في سورة آل عمران في غزوة بدر وأحد وما حصل فيها من جراح وآلام وكيف الله عز وجل يوجه الصحابه والتعليمات والارشادات، ثم آتي أيضا سورة الانفال معركة بدر توجيهات تعليم إرشادات، سورة التوبه فضح للمنافقين، كلام عن اليهود وما شابه ذلك، سورة الأحزاب أجواء معينة، ثم أنتقل للسور التي تتكلم عن الدار الآخرة والأهوال وأحوال المؤمنين والكافرين وما أكثر السور عن أحوال المؤمنين: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾، وإن الفجار، وتفاصيل الجنة، تفاصيل النار.

كل ما أمر على القرآن من أوله إلى آخره هكذا مرارا وتكرارا، أجد القرآن يركز على قصص ضخمة ومعاني فخمة عظيمة لعل أكثرنا روتينه اليومي وحياته اليومية بعيدة تماما عنها، بعيدة تماما عن قصة القرآن والمواضيع التي يعالجها القرآن، لذلك أصبح تعاطينا مع القرآن هو مجرد أننا نمرر صفحات هكذا، وكأن هذا كتاب ليس لنا ولست نحن من يخاطب به ولست مسؤولين عن تفاصيله. والله هذه حالة عجيبة، حقيقة حالة عجيبة ينظرها الإنسان في نفسه ويستنكر من نفسه ويحاول أن يذكر بها هذا القلب ويذكر بها إخوانه.

القرآن معانيه ثقيلة، من الكلام عن التقوى وأعمال القلوب والعبودية والبلاء والصبر والثقه بالله والطمانينة والمعارك والصحابة والغزوات وثمود وعاد وصالح والناس والفلق وقل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون والبراءة من المشركين والولاء للمؤمنين، هذه المعاني الزخمة الضخمة الثقيلة حقيقة هي تحتاج مش إلى مخيم واحد، بل تحتاج إلى مخيمات ومخيمات وساعات وساعات حتى أنت تبدا تشعر بالاحساس بها.

يعني سبحان الله وصلتني رسالة اليوم من أحد المشاركين في المخيم يقول إنه بعد أن قضى معنا هذه الأيام الخمس وهي قليلة جدا بمعيار حجم البلاء، بعد أن قضى معنا هذه الأيام وسمع كلام المشايخ والأفاضل والمنشورات وبدأ يتقبل فكرة البلاء، بل هو يقول إنه بدأ يلتذ بها، ليس التذاذ أنه يريد البلاء، أكثر من التذاذ أنني خلاص بدأت أتعايش أن هذا الشيء سيكون في الحياة وبالتالي ما في داعي أنفر، المطلوب مني إني أستعد وأجهز وأتقبل، وهنا تصبح الفكرة أكثر قبولا. وقس على ذلك فكرة العبودية، فكرة الثبات، فكرة التمكين وما شابه، فحقيقي برجع بقول أن معاني القرآن الثقيلة التي للأسف نحن بعيدون عنها تمام البعد عن قصة القرآن ومعالجات القرآن وما الذي يريده القرآن، تجعلنا لا نحتاج إلى ضخ نوعا ما فيه زخم وفي شدة وفي ثقل حتى يتربع القرآن مرة أخرى على عرش قلوبنا وحتى يكون الصوت له في عجن القلوب وصبغها.

فنصيحة لي ولاخواني واخواتي في هذا المخيم، ترى لا تملوا، ما بقي إلا عشرة أيام أخرى لكننا جميعا نحتاج إلى هذا الزخم، وجميعا نحتاج إلى هذه الدسامة، وجميعا نحتاج إلى هذا الطرق الطرق الطرق للمعنى حتى يدخل. سبحان الله، كان معاني الإيمان إنما تدخل وترسخ مع كثرة الطرق، مع كثرة الضرب عليها، مع كثرة الهمس بها، وليس من أول محاضرة أو أول درس تسمع من شيخ هكذا تظن نفسك ستصبح عابدا، أو مجرد محاضرة تسمعها ستصبح مباشرة هكذا تتقبل أفكار البلاء أو أفكار الثبات، لا، لا، هو الموضوع يحتاج إلى معالجات مستدامة ومستمره في حياتنا، فنسال الله أن يثبتني واياكم على هذا الطريق.

حقيقة كلام اليوم يعني كنت أتمنى أن أخذ مساحة أكبر لأحضر له، لكن سبحان الله من اعتكاف الأمس إلى درس قريب القرآن اليوم ظهرا مع تعب وقلة النوم في رمضان جعلني مرهقا قليلا، لكن أرجو أن أقدم مادة مفيدة في هذه الدقائق المتاحة بين أيدينا، وهذه المحاضرة الأخيرة فعليا التي ستعطى في المرحلة الثانية؛ مرحلة البلاء.

طيب، أي سميت هذه المحاضره أو اقتبست عنوانها من قوله تعالى: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ في سورة آل عمران الصفحة الأخيرة في مطلعها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: 195]. كلمة وأوذوا في سبيلي، بقدر ما فيها من الألم في كلمة أوذوا، بقدر ما فيها من الشرف في كلمة سبيله.

أعيد مرة أخرى هذا الاقتباس: وأوذوا في سبيلي، بقدر ما تشعر بالالم وأنت تسمع كلمة أوذوا، بقدر ما تشعر بالشرف والعلياء والكبرياء وأنت تسمع في سبيلي، في سبيل الله، في سبيل السيد ملك الملوك، رب الاكوان المنعم المتفضل، تهون وأوذوا وتهون الآلام وتهون الجراح.

حقيقة اليوم سنتكلم عن نوع من البلاء، البلاء أظنكم فهمتم من خلال الأيام الماضية أنه متنوع بالسراء والضراء والشدة والرخاء، أشكاله مختلفه بل قصة الحياة تقوم على مفهوم ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، لكنني في هذا المقام سأتسلط الضوء على نوع معين من البلاء، نوع معين وهو البلاء في طريق الدعوة والبذل والعطاء في سبيل الله سبحانه وتعالى.

أريد أن أأسلكم سؤالا الآن، عندما يكون الإنسان مؤمنا محافظا ويسير إلى الله سبحانه بهدوء ثم يقع عليه البلاء قهرا، هنا لا يجد مناصا إلا أن يصبر ويحتسب ويتحمل هذا الأذى القهري الذي وقع عليه بسبب إيمانه، هذا تكلمنا عنه كثيرا، لكن هناك نوع آخر هو الذي سأضع عليه الضوء اليوم، وهو أن ما الذي يجعل بعض المسلمين، بعض أهل الإيمان، بعض الأنقياء الأتقياء هو الذي يتقدم في طريق يعلم أنه سيصاب البلاء فيه؟

أرجع مرة أخرى بصوغ الفكرة اللي تفهموها الآن: هناك نوعان من أهل الإيمان، هناك نوع من أهل الإيمان، إنسان مؤمن في حاله باله، مثل ما نقول في لغتنا العامية: بيصلي في المسجد، عنده وظيفه، عنده أولاده، بيطلع يتكسب، أمور حياته طبيعية، لم يتقدم إلى أي ميدان دعوي ولا إلى أي شيء يمكن أن يعرضه للمخاطر في سبيل الدعوة إلى الله، هو يقول لك أنا إنسان يعني مسلم الحمد لله بحافظ على الصلوات الخمس وبصوم رمضان وبزكي، لكن أنا غير هيك، الله يعطيني العافية، بدي أشتغل وأعيش حياتي وأطلع مطاعم وأترفع وأنبسط مع أولادي والحياة الطبيعية، لا أريد أن أدخل نفسي في أي موضوع أو حق دعوي يمكن أدفع فيه ثمنا.

هذا نوع، وهذا النوع ممكن فعلا أيضا هو يتعرض للبلاء، مثلا كما يحصل مع إخواننا في غزة: هل كل أهل غزة هم قرروا المقاومة والسلاح ولا بعضهم هو ربما ما له علاقة في المقاومة لكنه وجد نفسه في البلاء؟ هذا النوع اللي هو بمعزل عن التقدم للأعمال الدعوية والعلمية والبذل في سبيل الله هو مسلم مؤمن جزاه الله خيرا، لكنه يناى بنفسه دوما عن أي بذل وعطاء، أقول لك: أنا لا أريد أن أصاب بشيء، أريد أعيش حياتي مطمئنا هادئا، معي أموالي وحياتي الرغيدة ومرفها ومبسوط وانتهى الأمر، ويمكن أن يبتلى، وهذا البلاء إذا وقع عليه سيكون بلاء اضطراريا، يعني من غير حساب، مش هو مش متوقع له.

لكن أنا ما بدي أكلم عن هذا النوع من المؤمنين، أظن بعضكم بدأ يفهم علي، أنا أريد أتكلم عن النوع الثاني: ما الذي يجعل بعض أهل الإيمان يختار اختيار المواجهة؟ ما الذي يجعل إنسانا مؤمنا أو فتاة مؤمنة هي في نفسها تقول لك: أنا كان وضعي طبيعي، بحارب باري، مؤمن، بصلي، بعمل الصلوات بس ما أريد أقدم حتى لا أبتلى، لكنك ترى في كثير من واقع الحياة أن كثيرا من الدعاة والمصلحين والباذلين والمقاومين في سبيل الله هم الذين تقدموا وهم الذين بذلوا ودفعوا وساروا في طريق يعلمون في العادة أن فيه البلاء؟

ما الذي يجعلني أنا أو أنت أو أنت نقرر هذا القرار؟ نقرر قرار أنه ما بدنا نبقى بالروتين الحياتي الطبيعي فقط مؤمن بصوم وبصلي وبأدي الفروض الخمس وما عندي غير هيك، ايش اللي ممكن يخليني أدخل وأقتحم طريق في الدعوة والعطاء في سبيل الله محفوف بالمخاطر ويمكن يكون فيه بلاء؟ لماذا أقول ذلك؟

بدي أعطيكم من واقع تجربة الحياة، أحيانا أنت قد يكون لك بذل دعوي أو علمي، أو بعض المشايخ لهم بذل دعوي أو علمي، ويتعرض للأذى بسبب سلوكه هذا الطريق؛ لأن هذا الطريق الذي يخطه قد لا يكون مقبولا عند كثير من أهل البلد، وتعرفون هذه الأمور جيدا، فعندما تؤذى في طريقك الدعوي أو العلمي أو حتى مثلا نطبق على الواقع المعاصر إخواننا في غزة، الإخوة الذين يرابطون في غزة العزة، أسال الله أن ينصرهم نصرا عزيزا مؤزرا في هذه الليلة، ايش اللي بخلّي الإخوة الذين يرابطون في غزة ليلا ونهارا يعدون لمقار بني صهيون، يعدون الأنفاق، يعدون العدة، يحطون المخططات، مصرون على المواجهة مع أعطى قوات الأرض الآن التي هي متمرسة باليهود والأمريكان والصليبيين ومن عاونهم؟ ايش اللي بخلّي أمثال هؤلاء المرابطين الصادقين نحسبهم؟

الله وحسيبهم ولا نزكي على أحد. يقرروا المواجهة، طب ما هو في جماعة آخرين في نفس البلد، في الضفة، في فلسطين، في كذا، هم أصلاً رافعين الراية البيضاء، يقول لك: يا عمي نحن فلسطينيين، بنأكل وبنشرب وبنعيش، وعنا شركاتنا وأموالنا، يا اخي مش قادرين نقاوم، خلص ما لنا بال على مراعاة اليهود. فسلموا، رفعوا الراية البيضاء وجلسوا.

طبعا كما قلت، هذا الموضوع ليس فقط متعلق بمرابطين في غزة، ممكن يتعلق بأي إنسان في حياته. ايش مثلا شيء بيخليني يدفعني أني آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر في البيئة التي أنا فيها، مع أنني قد أتعرض للأذى؟ ايش اللي بخلي فتاة مسلمة في بيئة غير داعمة تنكر على مثلا أهلها أو إخوانها وأخواتها أو أعمامها وقوع في المعاصي والمنكرات، مع أنها تعلم أنها تتعرض لأذى شديد منهم مقابل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

فهذا حقيقة سؤال جوهري، لأنه برجع بقول بعض الناس عندما يراك ابتليت في سبيل دعوتك، في سبيل أنك نهضت لحمل اللواء، عندما يراك ابتليت، ماذا سيقول لك؟ وهذا تسمعونه كثيراً: يا اخي الله يسامحك، أنت ايش اللي بلاك في هالمرض، أنت مش عارف هذا الطريق سيتسلط عليك هؤلاء، سيجنون راك كذا، أمك تبكي من وراك وأبوك يبكي من وراك، وهذا الطريق في أذى.

يا اخي كن مثلنا هينا، الحمد لله نحن مسلمون بنصوم ونصلّي ونذكر الله ونتعبد، والحمد لله عايشين حياتنا وما حدا يعني يصيبنا ولا نحن نصيبه، أنت لماذا تتعب نفسك؟ شوف هي العبارة اللي بعضكم سمعها في حياته إذا دفع ثمن بذله في مكان من أماكن العطاء.

شوف هاي الطريقة المخيفة التي أنا بشعر أنه لا بدنا ننتبه أنه تعال أنت ايش بتحكي مرة ثانية، أنت عم بتقول لي لماذا أنت تبذل في ميادين العطاء العلمي أو الدعوة أو أو؟ ولما ابتليت، أنت عم بتلومني وبتأنبني، بدال ما تثبتني على هذا الطريق، عم بتقول لي أنت ايش اللي أدخلك في هذا الموضوع؟ ومش كان الأصل أنك يا اخي تضلك قاعد في بيتك مستريح، هاي أولادك بتضلك معهم مبسوطين وزوجتك مبسوطه وطعامك وشرابك وحياتك وما حدا بلش فيك، يعني أنت ليش متعب حالك؟

حقيقة هذا السؤال أو هذا اللوم، هذا اللوم الذي يوجه، لوم غريب ومتعب ويدل على أن صاحبه هو لا يعرف القرآن ولا قصة القرآن ولا يعرف عتبات العبودية بعد.

طيب، قبل أن أسالكم ربما سامحوني بدي أرجع خطوة للوراء، أنا استعجلت في سؤال، قلت لكم: ما الذي يدفع الإنسان لأن يدخل هو ويقتحسن أهوالاً يمكن أن يدفع فيها الثمن؟ لكن أنا بدي أسألكم سؤال قبل هذا، يعني قبل ما ندخل فعلا: ما الذي يحفز الإنسان على دفع الثمن خلينا نسميها والدخول في ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾؟

بدي أسأل سؤال: هل أصلاً الاندفاع لخدمة الدين بشكل منضبط وفق مقاصد الشريعة ومصالحها -طبعا أظنكم تفهمون ذلك- لكن هل خدمة الدين واقتحام أبواب خدمة الدين دعوياً وعلمياً وتربوياً مع أنها فعلا محفوفه بالمخاطر ويمكن يحدث ما يحدث، هل هذا هو تفضل من هذا الإنسان الذي اقتحمها، أم أصلاً هذا هو إلزام، أننا يجب أن نتقدم لخدمة الدين وهذا ليس دخول اختياري تطوعي بل هو دخول اضطراري واجب؟

إيش رأيكم؟ يعني هل مثلاً لما نجد جزاه الله خيراً إنسان يسد ثغر علمي أو إنسان يسد ثغر دعوي أو إنسان يسد ثغر عطائي أو إنسان في مقاومة غزة يسد ثغر الأمة، هل هو متفضل؟ والله يلا جزاك الله خير، والله ما شاء الله عنك يا اخي أنت متفضل على هذه الأمة، أم هو أصلاً يقوم بما هو واجب، واللي عم بلومه هو المقصر حقيقة؟

آه جميل، هذه الفكرة لازم نعيد النظر فيها؛ أنه كثير من اللي بلومك هو كأنه ينظر إليك أنك أنت عم تعمل شيء زيادة عن المطلوب. لو اقتصرت على الصلاة والزكاة وصيام رمضان وجلست في بيتك وانبسطت في حياتك، مش هذا بكفي؟ هذه الزيادة رح تجيب لك ألم، بلا من هذه الزيادة بلا منها.

لا، وأنت كل مفاهيمك للدين أنت مش قارئ القرآن، أنت مش عايش مع القرآن، هذه مش زيادة، هذا هو الطريق، هذا الذي يريده الله عز وجل منا.

طيب، أعطيني دليل من القرآن أن هذا هو الطريق؟ أول دليل هو نداء الجندية، لما قال الله في ختام سورة الصف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: 14]. كونوا أنصار الله، أنا هذا بسميه الجندية، تجنيد، عليك أن تتجند في صف الله سبحانه وتعالى وتكون مناصراً لمفاهيم الإيمان والعقيدة وتبذل لها من وقتك وحياتك وفكرك الشيء الكثير.

فإذا هذا، وهذا أمر ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾، ربنا ما قال اللي حاب يتطوع في نصرة الله يتفضل، مش هيك سياق الآية. اللي حابب يتفضل؟ سياق الآية أمر واضح: ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾.

طيب، نداء الجندية، اثنين: في سورة التوبة هناك آية حقيقة مقلقه ومخيفه يقول سبحانه: ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: 39]. النفير لنصرة دين الله سبحانه وتعالى، خلونا نقول النفير بمعناه العام على الثغور العلمية والدعوية والتربوية وثغور العزة والرباط في سبيل الله.

النفير بمعناه العام الشمولي، الله يقول: ﴿إِلَّا تَنفِرُوا﴾، شوف طبعا هي أول الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: 38]. شوف هذه الجملة: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾، هي أعظم إجابة أقدمها لهذا الشخص الذي يلومني أو يلومك أو يلومك أختي الكريمة على سلوكك درب الدفاع عن الله سبحانه وتعالى وثوابه الدين، بقول له: أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟

يعني أنت راضي بالحياة الدنيا أنك بتاكل وبتشرب ومبسوط وحياتك وخلص، أنك مؤدي فروض الإسلام وأنه هذا بكفي، هذا رضا. فالله لام بعض الصحابه على ذلك، على وجود شيء من التواني: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا﴾ [التوبة: 38-39].

إذا لم تقرر أن تدخل في الجنديه والنصرة لله سبحانه في الميادين المختلفة للأمة ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. لما يقول ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾، إذاً النفير هذا ما عاد فضلاً أصبح واجباً لازماً، وتراخي عن أن أكون ثغراً من ثغور الأمة واقفا عليه علمياً دعوياً تربوياً إصلاحياً هو تولي عن النفير، وبالتالي أنا عم بانتظر عذاب.

يعني أنت لما بتقول لي انسحب من المشهد وارجع لحياتك الطبيعية أنت فعلياً فعلياً مش عم تنصحني، أنت تضرني، أنت تضرني لأنك تريدني أن أعود إلى عذاب الله.

وهنا بيجي الآية اللي ذكرناها امبارح في سورة العنكبوت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10]. بدك تسوي يعني البلاء الذي واقع علي لأنني أسلك هذا الطريق بالبلاء الذي واقع علي إذا تراخيت عن هذا الطريق؟ ربنا ما راح يسامحني، ربنا ما راح يسامحني.

وبرجع بقولها: إذا أنا تراجعت عن هذا الطريق بعد أن خطه ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: 39]، يعني ربنا عز وجل يستبدلك ويأتي بغيرك، أنت ما رح تضر الله شيء، أنت ضريت نفسك لما قررت الرجوع ولا تريد أن تقع تحت ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾.

أيضاً مثلاً في سورة البقرة: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]. سيدنا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه لما بين سبب نزول هذه الآية، يقول: سبب نزول هذه الآية أنه لما فتح الله على رسوله ما فتح من البلدان واستقرت مكة في أيدي المسلمين والطائف وأغلب مناطق العرب، أصبح بعض الصحابه يتحدث مع نفسه أو يتحدث مع إخوانه أنه: خلص، ما رايكم أن نتوقف الآن عن البذل والعطاء في سبيل الله ونعود فنحمر مزروعاتنا وأراضينا وحرثنا؟ خلص احنا قدمنا وبذلنا كثير لهذا الدين، شو رايكم خلص نرجع للري والبساتين ونرجع نقعد تحت ظل العنب ونجلس مع العائلة والأبناء؟

فالله مباشرة أنزل لهم هذا العتاب وأخبرهم أن انسحابهم من رحله العطاء مع أنهم قدموا كثير -شو هول الصحابة اللي قدموا كثير؟- انسحاب من رحلة العطاء ﴿إِلْقَاءٌ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، هذا هو الهلاك الكبير؛ أن تنسحب من المشهد رغبة في الحياة الهادئة.

يعني الصحابة هم مش قالوا إنه بدنا نعوذ بالله مثلاً نعود كفاراً أو لا لا، هم قالوا: بدنا نرجع نصلي ونحافظ على حياتنا الإسلامية العامة زي ما هو حال أكثر الناس اليوم، بس ما بدناش يعني أكثر من هيك، نحافظ ونصلي وبنرجع عندي بستان وعندي حكورة وعندي سياحة وعندي شركة وعندي كذا، أنا بيهمني أصلح أموري الدنيوية الحمد لله، محافظ على الأساسيات الخمس ما حدا يطالبني بأكثر من هيك.

ماذا سمى الله هذه الحالة اللي فكر بعض الصحابة يرجعوا لها؟ سماها ﴿إِلْقَاءً بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.

إذاً برجع بنقول تلبيه نداء الجندية لله سبحانه وأنك تتقدم إلى ثغور الأمة ترابط عليها، هذا أصلاً مش اختيار، مش تفضل منك حتى أنت تفكر اعمل ولا ما اعمل، لا هو إزام، هو إزام كل بحسب الميدان الذي يتقنه، كل بحسب الفن الذي يحسنه.

بدك تتقدم ولو كان الطريق فيه بلاء تتعرض له، ولو كان هناك قطاع طرق سيقطعون طريق، سيؤذوك، سيحسبونك، قد يشتموك، قد وقد وقد، يحرموك من الراتب. بعض الناس إخواني هو مش مستعد ينخصم 50 دينار من راتبه من أجل الله سبحانه وتعالى، أنت متخيل؟

يعني هو ما راح يعتقد وما راح يشدد وما راح يستاصل وما راح يصبح معه كما حصل مع أصحاب الأخدود ولن يتم تفرقة أعضائه ولن ينشر بمناشير الحديد، لا لا، بعض الناس هو فقط ممكن يدخل 20% في طريق الدعوة بخصم عليه 50 دينار من الراتب، بقول لك: لا يا عمي أنا مش قد هذا الطريق، الله يكرمكم.

فهذه ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ خلوها لمن يريد أن يتطوع، وهذه حالة غريبة ومخيفة وتشعر أن الإنسان الذي يفكر بهذه الطريقه وينظر بهذا المنظور هو لم يفهم القرآن ولم يفهم ما معنى العبودية، العبودية لله اللي تكلمنا عنها في المرحلة الأولى تقتضي كمال الجنديه، والجندية تقتضي أن يراك الله حيث أرادك، الجندية تقتضي أن يراك الله حيث أرادك وأن تبذل، وهذه آيات يعني تلوناها عليكم: ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾، ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقص على ذلك.

فإذاً بنرجع ونقول إنه عندما نحن نتقدم في ميادين الدعوة والعطاء لهذا الدين فنبت نحن لسنا أصحاب فضل على الله، نحن لسنا نفعل شيء، نعم أنت تسد فروض الكفايات عن الأمة جزاه الله خيراً، بس تذكر أنه أنت مش متفضل على أحد عندما تعطي محاضرة، أنت مش متفضل على أحد عندما تصنف كتاباً في أحكام شرعية تحتاجها الأمة، أنت لست ممتناً أو متفضلاً على أحد وتمن عليه إذا أعطيته دورة شرعية أو فهمته دين.

ليس أهل غزة يمتنون بأنهم يرابطون، كل إنسان على ثغره هو يقدم لنفسه عند الله سبحانه وهذا الاجتماع والالتقاء به تقوم الأمة.

طيب الآن، إذا بعد أن تأكدنا وتيقنا أن تلبيه نداء الله سبحانه وتعالى والجندية هو إلزام وليس مجرد جنديه اختيارية كما يسمى اليوم في العرف المعاصر، أريد أن أسأل: ما المحفزات؟

الآن سأنتقل لمحفزات وهو السؤال الذي طرحته ابتداء وأعود إليه: ما الذي يجعل الإنسان يفكر أن يتقدم في طريق ويبذل فيه مع أنه يعلم أن هذا الطريق الذي سيبذل فيه ويقدم فيه هو فعلاً محفوف بالمخاطر ويمكن أن يبتلى فيه؟

يعني عندما نرى سيرة الصحابة والتابعين والأئمة الكبار والمرابطين ووو ونرى الواقع المعاصر وحال إخواننا المرابطين في غزة، ما الذي يجعل الإنسان يتقدم هذه الخطوات مع أنه يعرف أن الثمن كبير، مع أنه يعرف أن قد تكون هناك أثمان باهظة تعود عليه وعلى أسرته وعلى حياته بالخطر وقد تهدده أحياناً؟

حقيقة هناك مجموعة من الأفكار، مثلاً أنا أقرأ هنا عبر اليوتيوب: الأجر المترتب على هذا الدرب صحيح. النجاة بنفسه، ممتاز، فكرة النجاة بنفسه؛ لأن الإنسان الذي أصلاً لا يقدم هو سيهلك. نيل مرض الله، اللي هو الثواب نفسه. لأنهم يحبون المخاطر. لأجل أن يزدادوا إيماناً، قضية زيادة الإيمان؛ يعني هذا الاندفاع إلى ثغور الأمة هو زيادة في الإيمان. قضية الجنة، أن الدنيا لا تساوي التعلق بالجنة.

أها جميل، يعني أنتم ذكرتم أفكاراً كثيرة، دعونا نرتب الأفكار هكذا سريعا مع بعضنا البعض.

أول فكرة تجعلني، في الأصل أنا أتكلم بلسانكم، أنا الآن أتكلم بلسان كل مسلم يفكر بهذه الطريقة: ما الذي يدفعني أن أتقدم لأسد مسداً في ثغور الأمة، علمي، تربوي، دعوي، إصلاحي وما شابه ذلك؟

أولاً: إذا انغرست محبة الله في قلبك، هذه المحبة إذا توغلت في القلب وعاشت وتوطن، ستحب أن تقدم لمحبوبك كل ما تريد، أو عفوا كل ما يريد أن تبذله له.

أعطيك مثال من حياة حياتنا العملية حتى أقرب لك الصورة: أنت تحب أبنائك، صح؟ لما تحب ابنك بتشعر أنه أي شيء تستطيع أن تلبيه لابنك تعطيه إياه. إذا أحب إنسان امرأة قبل أن يتزوجها ولا بعد ما يتزوجها في الواقع المعاصر، تجده هو مهووس أن يقدم لها كل ما تحبه وتطلبه.

إذاً هي فطرة في الإنسان، فطرة في الإنسان أنه إذا أحب شيئاً أحب أن يبذل له. احفظوا هاي القاعدة الأولى: الإنسان فطر على أنه إذا أحب شيئاً أحب أن يبذل له، وبالتالي

إذا كنت محبا لله حقا، فإنك ستحب أن تبذل له. إذا كان حب الله يعيش في وجدانك، وفي دمك، وعروقك، وحياتك، وأنفاسك، واستولى هذا الحب على قلبك حقا؛ فإنك ستحب أن تقدم لله سبحانه وتعالى.

وفعليا هذا هو الذي طلبه رب العالمين، عندما قال في سورة التوبه، يقول: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكَوَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة: 24]. إذا أنت حبك لزوجتك، وأبنائك، وبيتك، وحياتك المرفهة أعلى من حبك لله؛ فأصبحت تبذل لها؛ الحياة المرفهة التي تريدها، ومستعد تسافر على الغرب من أجل هناك تجلب الأموال وتعيش الحياة المرفهة، ومستعد تتخلى وتتنازل عن كثير من الأمور من أجل هذه الحياة المرفهة، وجعلت حب الله ورسوله نمرة اثنين!

طبعا دعك من هذا التداعي؛ لا، لا، أنا بحب الله ورسوله نمرة واحد، وممكن لا، أخوَاني هذا كلام سهل، العبرة عندنا بالأفعال، الله يرضى عنك. يعني لا تيجي دائما تدعي شيئا وأنت لا تفعله، خلوني أتكلم بواقعية، إذا جعلت الله ورسوله نمرة اثنين في حياتك هذا الحب، فالله يتوعد، يقول: فترَبصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين.

إذا أكثر الناس من أهل الإسلام هم يقدمون محبات أخرى على محبة الله سبحانه وتعالى، فيبذلون لها ويعطون لها! بل والله، والله، إن بعض الناس لشدة حب للدنيا وللأموال، هو مستعد يندفع في مخاطر فيها من البلاء، قد يكون ما هو أشد من البلاء الذي ينتظر في سبيل الله.

والله إننا نعرف أناسا وأحوالهم من شدة تعبدهم للدينار والدرهم هو يلومك: ليش بتعمل للدين وبتدفع الثمن؟ لكن ما يلوم نفسه كيف يخاطر مخاطرات رهيبة ومخيفة من أجل دنيا! ترى بعض الناس، إخواني، يشتغلون في مناجم ضعيفة الإصلاح من أجل يحصل ذهب وفضة ويطلع منها المعادن النفيسة في منجم مع أنه ممكن يقع عليه المنجم في أي لحظة ويسقط.

بعض الوظائف مرعبة، يعني أنا صراحه لما أشوف أصحابها بتلاقيه معلق في الهواء هكذا بيشتغل، وفي أي لحظة ممكن ينقطع الحبل ويسقط! بتقول له: يا فلان، ترى أنت معرض نفسك للبلاء، بقول لك: شو أساوي يا شيخ؟ بدي أجيب مصاري، بدي أتكسر. طيب، أنت من أجل مصاري ومال مستعد تمارس مهن ووظائف حجم الخطورة فيها عالي، ألا يستحق دينك وربك سبحانه وتعالى أن تخوض طريقا أيضا حجم البلاء فيه عالي، سواء كان أقل من بلاءك ولا أكثر؟ فعجيب هذا الإنسان الذي هو مستعد يدخل المخاطر ويغامر من أجل أمور الدنيا، ولكن عندما يأتي للمخاطره والمدافعة في أمور الآخرة وما يحبه الله، يقصر عن ذلك!

إذا، هذا أول شيء حقيقي يدفع الإنسان لأنه يتقدم ليسد ثغرا، وهو أنني أحب الله، وحبي لله إذا كان صدقا وواقعا يعيش في أنفاسي، سأقدم لمحبوبي كل ما يشتهيه، أنت يا رب محبوبي، واللي بدك إياه أنا بسويه؛ فكما أحب ابني أقدم له اللي بدي إياه، وكما تحب زوجتك تقدم لها اللي بدك إياه، وتحب والدك ووالدتك، وكما تحب وظيفة معينة أو مهنة معينة فتخلص لها بدمك وعروقك وحياتك، ولو صار معك ديسك في الظهر ودسك في الرقبة ومشاكل، مش مشكلة يا أخي! إذا بتحب ربنا برضه بدك تقدم له، ولا لو اصبت ما اصبت في هذا الطريق.

فأنا أعتبر هذه أهم نقطة مركزية، التي تخلي الأناس أناسا يتقدمون إلى هذه الميادين ويسدون الثغور مع إدراكهم أن هناك أودية في سبيله. والله عز وجل لما وصف الصحابة الكرام في سورة المائدة، ماذا وصف؟ قال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54]. لما كانت هناك محبة متبادلة في أهل الإيمان بينهم وبين ربهم، هم يحبون الله والله يحبهم، هان عليهم ما يلقونه في سبيل محبوبهم، بل يتلذذون في سبيل محبوبهم بالألم! طبعا ليس مرادا رغبة في الألم، لكنه يتلذذ لأنه يشعر أنه عم يقدم هذا الألم وهذا البلاء للمحبوب العظيم سبحانه وتعالى.

لذلك، ما الذي كان يجعل بلال بن رباح في بطحاء مكة في رمضاء في حر المصيف وتوضع صخره على بطنه وظهره عاري، وصخرة ضخمة وهو مكبل في الأرض، ويبتسم في هذه اللحظات؟ ايش اللي كان يخلي بلال يبتسم في هذه اللحظات مع الظروف والألم الشديد، وحر المصيف، والصخره، والعري، وكل شيء، والسياط، وإيش بيخلي بلال يبتسم، لولا أنه يشعر أن هذا الألم، هذا في سبيلك يا رب، وأنا أحبك، فإذا كانت هذه الحالة من الألم ترضيك وهي مهر لهذه المحبة، فأن أقدمها لك!

هذا جمال علاقة العبد بالله سبحانه وتعالى، إقباله على مواطن الثغور، ثغور الأمة حبا لله سبحانه وتعالى؛ فأصبح كل ما يحيط به من ألم، وكل ما يحيط به من أمراض، وكل ما يحيط به من قضايا في سبيل هذا الطريق الذي اختطه لمولاه، يشعر به باللذه والجمال.

طيب، ناتي إلى قضية أخرى. السبب الثاني الذي يجعل الإنسان المسلم يتقدم في طريق دعوي وعلمي وثغري من أجل أن يسد مع علمه بالبلاء؛ هو شعوره بجمال معاني الإيمان. استشعار الإنسان لجمالية معاني الإيمان، معاني الانقياد والطاعة والخضوع لله، والجنة، والنار، والصلاة، والصيام؛ استشعارك لمعاني الإيمان وجماليتها حقيقة يجعلك تغار على هذه المعاني أن تندرس من حياة الأمة.

ركزوا في هذه القضية الثانية التي تخلي كثيرا من الناس يتقدمون لثغور يعرفون أن فيها بلاء؛ استشعار لجمال معاني الإيمان. لما أنت، إذا ربنا فتح عليك في معاني، وتذوقت الأنس بالله، وتذوقت معاني الصلاة، ومعاني الزكاة، ومعاني الصيام، ومعاني الذكر؛ إذا تذوقت هذه المعاني وشعرت بها وتلذذت بها، فأنت تصبح غيورا على هذه المعاني أنه: كيف الناس يا أخي ما بيعرفوها؟ فانت مستعد أن تبذل ثمنا غاليا من أجل أن توصل هذه المعاني للاخرين، وتبذل ثمنا غاليا دفاعا عن هذه المعاني عندما يحاول البعض أن يدنسها أو يشوهها. هذه غيره، غيره الإنسان على معاني الإيمان وما اعظمها وما اجملها من غيره.

وهذا هو المحرك والوقود عند كثيرين أيضا لسد ثغور الأمة؛ أن هناك معاني غائبة في حياة المجتمع، هو يشعر لأنه يحب هذه المعاني ويأنس بها ويدرك قيمتها، هو غيور أنه لا تصل للأجيال القادمة؛ حرام، حرام أن الجيل القادم من الأمة لا يعرف معاني العبودية والبلاء والثبات والتمكين، ولا تصل إليهم سيرة العظماء والنبي الأعظم وأحكام الشريعة وكل هذا الزخم حتى ما يوصلهم، فهو حرقة وغيره على هذه المعاني يبذل لها.

وأقرب لك هذه الصورة من الواقع العملي؛ عندما تجد إنسان يشتم عرضك، الله يعافينا جميعا، عندما تجد إنسان يشتم عرضك، ألا تجد فيك حمية وغيره لأن تبطش بهذا الإنسان وتفتك به؟ لماذا؟ لأنه شعور انساني داخلي أن العرض معنى عظيم، ولا أقبل من أحد أن يدنسه. بالتالي إذا شخص شتم عرضك، أنت مستعد تدخل في مجزره! بعض الناس من أجل أنه يصون عرضه ولو أدى ذلك إلى أن يقتل! صح.

لذلك للاسف من الجاهلية في مجتمعاتنا أنه إذا الإنسان سب عرضه، مستعد يعمل مجزرة من أجل أن يدافع عن عرضه، والعرض عظيم ويصان ومعنى عظيم الإنسان يغار عليه. لكن إذا شتم الله أمامه والعياذ بالله، أو شتمت المقدسات ومعالم الشريعة أمامه، لا يحرك ساكنا ويصبح يلعب دور العاقل! إذا أنت تريد أن تدافع وتبطش بهذا الذي يشتم الله، يا أخي شوي شوي، يعني الأمور تحل يا شيخ، لا تنفروا الناس من دين الله، بالهداوه، شوي شوي، هذا بشو؟ انجان جاهل يعلم، ويبدا يعطيك دروس في الهداوه والهدوء وأنه مش مشكلة ولعله جاهل!

طيب، لما شتم عرضك أنت، لماذا ما تعاملت بنفس الطريقة لما يقيل لك: يا شي شوي وبالهداوه وهو جاهل؟ لما شتم عرضك، لا، رح تقول لي: لا، عرضي بيختلف! اه، ما هو هو مش عرضك اللي بيختلف، هو أنت جعلت عرضك أعلى من قيم الإيمان والشريعه، فلذلك تغضب وتغار ومستعد تسجن مقابل أن تصون عرضك، لكن لما يشتم الله وتشتم المقدسات والشعائر ما ترضى، لا، بتصير تقول مش مشكلة، وأنا هذه الأمور أخف شوي، مشكلة! مشكلة! مشكلة والله!

آها، إذا بنرجع نقول أن معاني الإيمان إذا عاشت في النفس الإنسانية وتربى عليها الإنسان وتذوقها، يصبح غيورا عليها والله أكثر من غيرته على عرضه وأبنائه؛ فيصبح عنده من الغضب والطاقة والاندفاع: بدي اتحرك! بدي اتحرك! ما بنفع أظني هيك، عرضي وهو ديني وشرفي إسلامي يداس ويدنس ويمكر مكر الليل والنهار، وأنا أجلس متفرج لا أحرك ساكنا! وفي المقابل إذا مس زوجتي أو أبنائي بشيء، يكون عندي من الاندفاع أضعاف أضعاف ما يكون من اندفاعي للدين.

إذا المفاهيم كلها أصبحت متشابكة، والأمور في شاشتك مش واضحة إذا كنت تمارس هذه الطريقة. لذلك أنا بدي أسالكم سؤال، وأنا أقرأ قصة صاحب ياسين وأقرأ قصة مؤمن آل فرعون؛ هذان الشخصان، انظروا في قصتهما، بالله عليكم ما الذي جعل الرجل يأتي من أقصى المدينة يسعى، قال: يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسجلكم أجرا وهم مهتدون، ومالي لا أعبد الذي فطرني واليه ترجعون، ونصحهم، يعني شوف جاي تعبان، بركض ركض من أقصى المدينة مستعجل على قومه بده ينصحهم يا جماعة، مع أنه يعرف أنها مجازفة، ويعرف أنها مخاطرة، وفعلا كانت مجازفة ومخاطرة، وانتهت بأن قومه قتلوه وذبحوه، ثم ربنا نقلنا للمشهد الآخرة. الرجل بعد أن أصبح في جنات النعيم قال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: 26-27].

أنا إذا بدي أخذ منطق الناس اليوم في التفكير، إذا سأخذ منطق الناس اليوم في التفكير، ماذا سيقولون؟ سيقولون: هذا الرجل يا أخي مش كان في حاله بباله؟ يا أخي، أنت كنت في أقصى المدينة بتصلي وبتعبد ربنا، وما حدا داك فيك، ولا أنت داك في حدا، ايش اللي جابرك تروح وتسعى كمان تروح على قومك مع أنه عارف أن هذا الذهاب خطير، والثمن سيكون عالي وباهظ، وفعلا دفع ثمن في عرف الناس طبعا عالي، أنه استشهد رحمه الله عليه. ما الذي دفع هذا الرجل لأنه يخاطر؟ كان في حياة آمنة ومبسوط وما حدا داري فيه في أقصى المدينة، وأموره طيبة، ويعبد الله وبيصلي، وأموره تمام؛ دخل في مخاطرة، اندفع لهذه المخاطرة، والبلاء كان شديد، واستشهد رحمه الله عليه.

سؤال: ما الذي دفعه لهذه المخاطرة أيضا، وأنتم أجيبوا؟ دعو اجيبوا. وأنا الان ساعطيك أيضا نموذج آخر، مؤمن آل فرعون. مؤمن آل فرعون تعرفون قصته في سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: 28]. ليش نطقت؟ مش هيك عرفنا اليوم يا عمي، ليش حكيت؟ يكتم إيمانه، كنت كاتب إيمانك وأمورك طيبة وما حدا داري فيك، الله يسامحك، قال ايش اللي خلاك تقول؟ يا أخي مش كنت ساكت وأمورك طيبة وما حدا داري، ولا فرعون داري، ولا الجماعة دارين عنك، ايش اللي خلاك تنطق؟

قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه: أتقرون رجلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟ وبعدين مشى: يا قوم، إنني أخاف عليكم يوم التناد، يا قوم، إنني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، يا قوم، إنما هذه الحياة الدنيا متاع، يا قوم، مالي أدعوكم، وبدا خلاص يعني زي ما نقول فرطت وبدا، وبدا، وبدا، وبدا، وبدا خلاص قال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر: 44]. طبعا هو وصل لمرحله فستذكرون ما أقول لكم، خلاص أنا هاي أعطيت اللي عندي، أنا خلاص، كأنه بقول: أنا انفجرت، أنا بدي أتخيل مؤمن آل فرعون بتخيله بهذه الطريقة.

هو كان يكتم إيمانه، لكنه كان يرى كيف تدنس معاني الإيمان في قصر فرعون، كان يرى كيف يهان موسى وكيف يذكر وكيف يتعامل معه وكيف يتامر عليه. الرجل كتم، كتم، كتم، في مرحله معينة ما قدر، خلص انفجرت، يقول لك: أنا مش قادر يعني، فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، يعني أنا عندي غيره على معاني الإيمان لحبي لها وتشوفي لها، عندي غيره، أنا مش قادر أصبر أكثر من كده! فهو كان يكتم إيمانه، ولكن في لحظة معينة انتهى الأمر، أقدم على ميدان دعوي هو يعلم أنه سيلاقي فيه بلاء شديدا، وعلى يد من؟ يعني مش ميدان دعوي في بلد مسلم، عند أبطش ملوك الأرض، في قصر فرعون، وأعطاها من يعني بكل التفاصيل والوضوح، وختم: فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله.

لكن هذه نسميها المجازفة، أي ماذا كانت نتائجها؟ قيل إن الله أنجاه؛ فالله سبحانه وتعالى ماذا قال في في ختام قصه مؤمن آل فرعون؟ ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر: 45]. فوقاه الله سيئات يعني استطاع أن ينجو من كيدهم ومكرهم ولم يستطع فرعون أن يصل إليه، ولعله هرب ونجى مع موسى. والبعض قال: فوقاه الله السيئات؛ لا، هو استشهد، لكن شهادته هي كانت بمثابة اصطفاء، وأن الله أخذه إليه وأبعده عن فرعون وجنده، لكن ربما سياق الآية قد يدلل على المعنى الأول؛ أنه استطاع أن ينجو بغض النظر عن تفاصيل نجاته.

إذا، مؤمن آل فرعون خلينا نعتبره مثالا على رجل ما استطاع يستحمل، وأعلنها ثم نجى في الدنيا. وفي قصة ياسين رجل، طبعا ركزوا هدول مش أنبياء، هدول زيي وزيكم، يعني مش أنبياء هم، أنا رجل جاء من أقصى المدينة يسعى، كان في حالة بباله، ما حدا داري عنه، اجا يسعى رضي الله عنه ليدعو قومه وكانت النتيجة الشهادة. ما الذي جعلهم؟ ما الذي انطقهم؟ ما الذي حركهم؟ ما الذي؟

دفعهم مع أنهم كانوا في مأمن، ما الذي يجعل الإنسان يخاطر؟ هي الغيرة، طبعا أشياء كثيرة، لكن منها؛ منها الغيرة على معاني الإيمان والعبودية أن تدنس، فاللي جاء من أقصى المدينة كان عنده غيرة، كيف يشرك بالله، كيف يشرك بالله؟ ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 22]، ومؤمن آل فرعون يا أخي كيف يداس موسى، كيف يتآمر عليّ، كيف كيف وأنا موجود؟ فعندهم نوع من الغيرة، وهذه الغيرة يعني يصاب بها الإنسان الصادق فعلاً، المحب لله عز وجل، فتجعله خلص يصل لمرحلة مش قادر، والله ما أنا قادر لازم أحكي، مهما كان الثمن لازم أعبر عما في داخلي مهما كان الثمن.

طبعا هذه الغيرة الآن قضية ضبطها معرفة ما يترتب عليها من مفاسد في المجتمع، يعني وقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحكام، وهذا موضوع آخر ليس هذا مكان دراسته، لكن أنا هنا فقط أتكلم عن جانب واحد، أن الغيرة على معاني الإيمان هي من أكبر الحوافز التي تجعل الإنسان يخط طريقه ثغراً من ثغور الأمة، مع أنه يعرف يمكن أن يبتلى في هذا الطريق.

طيب القضية الثالثة مما يجعل الإنسان يتقدم إلى طريق هو يعلم أن فيه أذى يا رب، يعني أحاول أقرأ تعليقاتكم سريعا، يعني كلام طيب ما شاء الله.

طيب، النقطة الثالثة قضية الراحة والأنس التي يجدها الإنسان الذي يتقدم إلى سد ثغور الأمة، شوفوا يا إخواني، الذي يختار طريق سد الثغور وأن يكون مرابطا على ثغر من ثغور الأمة علميا دعويا فكريا، إخواننا في غزة يقاتلون بني صهيون، الذين يختارون سد الثغور هؤلاء يذوقون من الراحة واللذة والسعادة القلبية أشياء إنما تذاق ذوقا ويصعب وصفها بالكلام.

يعني في نوع من السعادة، هذا نوع غريب ولا يعرفه إلا مجرب، نوع من السعادة والراحة والطمأنينة وهداية البال في رحم وفي ساعات البلاء تأتي، لا تأتي في ساعات الحياة الطبيعية، عندما يتذوق الإنسان هذا الطعم من الراحة والسعادة والجمال يصبح يحب أن يتقصد الطرق الموصلة إلى الله على ما فيها من البلاء طلبا لهذه الراحة ولهذه السكينة التي يجدها في بطن الحوت.

هنا يعني إذا بده يخطر ببالي نموذج، ربما يكون قريب نوعا ما، صعب أقول لك مطابق، لكنه قريب، نموذج عبد الله بن حرام والد سيدنا جابر بن عبد الله، عبد الله بن حرام استشهد في غزوة أحد رضي الله عنه، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبنه أن الله تكلم مع أبيك كفاحا لا يوجد بينه وبينه ترجمان.

فماذا قال الله؟ ماذا قال الله لعبد الله بن حرام بعد أن استشهد؟ طلب منه أمنية يحققها الله، يقول عبد الله بن حرام: أطلب أمنية يحققها لك، تعرفون ما هي الأمنية التي طلبها عبد الله بن حرام؟ يلا هذا سؤال للجمهور، ماذا طلب عبد الله بن حرام من الله بعد أن استشهد؟ ربنا قال له: اعطني أمنية أحققها لك، ماذا كان طلبه؟

أيضا الإخوة على التليجرام أيضا ممكن استقبل مشاركات، لا لا ممتاز، الإخوة على التليجرام والأخوات أجابوا: أن يعود ويستشهد مرة أخرى.

بالله عليكم أنا هذه الإجابة اللي قدمها عبد الله بن حرام يعني بديش صعقتني وجعلتني متعجب، ليه؟ هسه الإنسان لما يكون في بلاء ويستشهد وخلص ويفتك، مش بقول يا سيدي الحمد لله هي استشهدنا وافتكينا من الدنيا وارتحنا الحمد لله رب العالمين؟ ايش اللي بخلّي عبد الله بن حرام يتمنى أن يعود إلى تلك المجازفة مرة أخرى؟ يتمنى متخيلين أنه يطلب من الله طلب: يا رب بدي أرجع للمعادن مرة أخرى، مع أنها المعارك فيها دماء وأشلاء ورؤوس بتطير وو... بده يرجع مرة أخرى!

يا رب بدي أعد أعيد تلك المعمعة عشان أستشهد مرة أخرى، أليس شيئا غريبا بالله عليكم أن أنسان يطلب هذا الموطن مرة أخرى؟ يا أخي أنت دخلت هذا الموطن وربنا رزقك فيه الشهادة وافتكيت منه، مش هيك ممكن الواحد يفكر وخلص انتهت أمورك، معقول أنت تريد تعود مرة أخرى إلى هذا الموطن لتعاني ألم الشهادة؟

بقول لك: نعم، أنا بدي إياه، ليه؟ لأنه في هناك لذة وراحة وسعادة في أثناء هذا القتل أو أثناء هذا البلاء، هو يعني برجع بقول لك أنه أنا واياكم عم بحكي عنها بس مش عارفين نتذوقها، ونسأل الله أن يذيقنا طعم الشهاده في سبيله مقبلين غير مدبرين، لكن برجع بقول: في هناك طعم، في هناك لذة، في هناك سعادة حصلها عبد الله بن حرام في تلك في رحم البلاء، في رحم تلك الساعة، في رحم ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ [آل عمران: 195]، أعطاه الله طعم شيء هو يريد أن يعود إليه، يريد أن يجربه مرة أخرى، يريد أن يتذوقه، بقول لك طعم عجيب.

فاذا إخواني في هناك في ساعات البلاء الصعب ساعات، ربما البارح واح بنتكلم أيضا مع الشيخ فايز وحاور مع الشباب، أنه تمر على الإنسان في البلاء ساعات ودقائق وربما أيام بحسب كل انسان يشعر فيها أنه في الجنة، فإذا عاد إلى صخب الدنيا فقد هذه اللذات فلربما عاد ليطلب مواطن البلاء ليس حبّاً في البلاء، بد الانسان نسأل الله العافيه، لكن حبّاً في تلك الراحة واللذة التي وجدها في تلك الساعة.

يقول لك: يا اخي في في سعادة في راحة في شيء وجدته، صح أنا كنت مبتلى في طريقي إلى الله، كنت في سجن، كنت في ضائقة، كنت كنت، لكن يا اخي في لذة في شيء أنا مش عم بتذوقه مرة أخرى في حياتي، لا بدي أرجع مرة أخرى، ولعلي لو بترد أن أرجع لذاك الطعم اللذيذ الجميل، فطبعا هذا حافز لمن لمن دخل في بلاء فشعر بالراحه ثم نجاه الله منه، حافز له أن يستمر في ثغره.

لذلك أنت ممكن تتعجب من الإرادة الحديدية لبعض الناس اللي ممكن يبتلى عشرة وعشرين وثلاثين وفاقد وفاقد وفاقد وفاقد، بتلاقيه مصر مصر مصر على الاستمرار في هذا الطريق على ما فيه من البلاء والثمن المدفوع، ليه؟ لاني بقول لك هؤلاء الناس هم يشعرون بلذة وراحة في هذا الطريق.

فما عادة بالنسبة لهم البلاء والالم هو اللي مزعج أو مكركب، بالنسبة لهم الراحة التي يجدونها والسعادة التي يتذوقون في بطن الحوت وفي رحم البلاء وفي هذه الشدائد التي هي طبعا ثمن ثمن الدخول في سد الثغور، هذه هذه الراحة هم أصبحوا يطلبونها.

وهذا جمالية هذا الدين، يا الله ما أجمل الدين وما أجمل الطاعة وما أجمل طريق الالتزام والهداية، وما أجمل أنك تسد ثغر من ثغور الأمة وأنك ما ترتبك من البلاء، لأنه في ناس أصبحت تعشق تلك الساعات، في أناس أصبحت لا تطرب إلا في تلك الساعات.

أنا أزعم أن كثير من إخواننا الذين يرابطون في غزة وأيديهم على الزناد، على شدة الألم والكرب والفقد والجوع، لكن بعضهم يطرب في تلك الساعات، يطرب وهو يوجه بندقيته ومدفعه نحو بني إسرائيل، يطرب وهو يدمر دبابة، يطرب وهو يفعل ويصرخ: الله أكبر، هو و... طبعا ممكن يكون أبوه وأمه وإخوانه وكذا استشهدوا، بيته أُدمّر اللي جمع له ماله وكل الحياة كركبت ومعهوش يعني بالكاد تمرات يكمل بها بقيه يومه، لكن كل هذه الأمور بالنسبة له ما عادت تعني شيئا ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ [آل عمران: 195] هو هذا شعاره الذي رفعه.

فهذا طربه وهذا ديدنه وهذه سعادته في تحت كما يقولون أي ضجيج الطائرات وصوت المدافع يشعر بلذة وراحة لا يعلم بها إلا الله، طبعا هذا كلام برجع بقول نحن نتكلم نصف، لكن صعب أنك يعني تعرف ما هو ما هو بالضبط وماهيته وحقيقته حتى يعني تجرب تلك الراحة.

إذن هذه النقطة الثالثة التي تجعل الإنسان يتقدم في ميادين وسدها مع معرفته بما فيها من البلاء، النقطة الثالثة ولا الرابعة؟ الثالثة ربما.

طيب ناتي إلى النقطة الرابعة الآن، النقطة الرابعة اللي أيضا بتخليني أتقدم لاسد ثغور الأمة كإنسان مسلم أو أنت كإنسانة مسلمة، إيش اللي بخلّيك تتقدمي؟ هو إدراكنا لحقائق عظمى ربنا أخبرنا فيها، وهو أنه في حال أنه كل واحد فينا تراجع عن هذا التقدم، وكل انسان يريد أن يتلمس الدنيا من حوله ويريد أن يبقى آمنا في سربه، لا يشاك بشوكة ولا يصاب بألم ولا أحد يتكلم معه ولا أحد يؤذيه، كل شخص يريد هذه المنهجية، فهنا يخبرنا الله أنه سيسلط علينا جميعا عذابا يستاصل ليه؟

لأنها برجع للنقطة اللي حكينا عنها ابتداء أن الجندية إلزام مش اختيار، فإذا الكل انسحب من نداء الجندية، الكل انسحب، الكل انسحب، الكل انسحب، لهنا سيهلك الله سبحانه وتعالى بعذاب من عنده، فأنا فعليا لما أتقدم للثغر لأسد أنا عم بحمي نفسي من عذاب شديد وهو عذاب الاستئصال والاستبدال.

يعني أنت خايف عليّ أني أدخل هذا الطريق ممتاز، وبتقولي يا شيخ ترى هذا الطريق والله في بلاء والله في سجون وفي حياة صعبة لا تورطوا أنفسكم، بقول لك تمام، بس هو السؤال اللي بدي أساك إياه: لو أنا رجعت وصرت مثلك، إحنا وكلنا هيك رجعنا صرنا مثل هاي النفسية اللي ما بدنا نشتغل، بدنا طعامنا وشرابنا وحياتنا وما بدنا حدا يصيبنا، ولا هل تضمن لي أن الله لا يستاصل مني ولا يعذبني؟

هون أبو بكر الصديق رضي الله عنه أدرك أن بعض الناس بدأوا يفهمون القرآن بشكل خاطئ، في آية في القرآن في سورة المائدة الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105] بعض الناس الجدد اللي أضافوا للإسلام جدد، كيف فهموا الآية وكيف ممكن حتى بعض الناس اليوم المعاصرين يفهموا الآية بل ممكن يحتج عليك في الآية، كيف فهموها؟

يلا إجابة من عندكم سريعة: عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، آه أحسنتم، بعض الناس بفهمها بايه أنه أنا عليّ بنفسي، أنا الحمد لله بعمل معاصي ما برتكب كبائر ومحرمات كبرى، وهيني محافظ على بيتي وأولادي، وخلص عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل، اللي بده يضل يضل يدبر حاله، أنا ليش أدعو وأتعب وأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأعرض نفسي للمصائب؟

أبو بكر الصديق بدأ يدرك أن الناس عم تفهم الآية خطا، فخطب فيهم خطبة قال لهم: أيها الناس إنكم تقرون هذه الآية وتنزلوها في غير منزلها، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، أو ليجعلن الله بأسكم بينكم، أو ليخالفن بين قلوبكم، إن نسيت الختام الذي ختم به فقال: إذن أوعك تفهموا الآية هيك، أنه كل واحد عليه نفسه، أنا ما لي دخل بالناس اللي حواليه، كل واحد يدبر حاله، ليش أتعرض لأذى ومسبات وشتائم؟

فهنا أبو بكر بقول لهم: أنتم تنزلون الآية على غير منزلها، عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم معناها أن أنت انصح الناس أوجه الناس أمارس الدعوة، إذا أنت مارست الدعوة وسددت الثغر وفيّه والناس رفضت ولم تنصع أنت عملت اللي عليك وهم اللي ضروا أنفسهم، فالآية لا تقول لك انسحب من المشهد وانعزل وما لك بالمجتمع واحمي نفسك، لا الآية بتقول لك: وقف على ثغرك والتزم واصبر هنا الله ينجيك، أما الناس انصاعوا مشوا معك ما مشوا معك لبوا نداءك ما لبوا نداءك هذا أيها الكرام هو هم يدفعون ثمنه.

فإذا من الأمور اللي بتدفعني إلى سد ثغور العلم والتربية والاصلاح كإنسان مسلم أو أنت كإنسانة مسلمة هي أنني لا أُريد أن أعذب في الدنيا، يعني فعليا أنا أطلب النجاه بالذهاب في تلك الطرق، أنت تظن أنني أذهب إلى البلاء، والله أنني أذهب إلى النجاه، وأنت الجالس والحريص على مالك وذريتك وعيالك وكذا ترى أنت الخسران وأنت اللي عم تلقي بنفسك في التهلكة كما قال ربنا، وأنت اللي عم بتضيع نفسك، وأنت الذي ستستأصل مع المستأصل لأنك يعني ما بنفع بس تكون صالح في المجتمع، ربنا بدك ياك تكون مصلح، بدك ياك تكون ايش؟ مصلح.

إذا ما بتمارس المصلح وليس الصالح فإذا جاء البلاء سيعم معهم، إذا جاء البلاء سيعم معهم، فإذا حقيقة من الأمور التي تجعلك تفكر في سد ثغر من ثغور الأمة النجاة، النجاة يا عباد الله فعلا هذه هي سبيل النجاة وليست سبيل البلاء كما يزعم البعض.

طيب نجي الآن على النقطة الخامسة والأخيرة التي تدفعنا أيضا لسد الثغور هي نقطة ماذا؟ نقطة أن هناك منازل في الجنة لا يصل إليها إلا المبادرون، هناك منازل في الجنة لا يصل إليها إلا المبادرون.

يعني بالله عليكم فرق بين انسان حل به البلاء اضطراراً عليه وبين انسان أقدم وبذل في سبيل الله فنزل به البلاء بسبب إقدامه، صح؟ لا يستويان عند الله، لا تقولي لي أن هذا زي هذا كأصل عام، كأصل عام انسان كان فقط همه أن يعيش وحده فامن ما حدا يبلش فيه وقد ضل الله يصير معركة طاحنة في البلد فابتلي مع المبتلين، هل هذا منازله كمنزل من هو الذي اختار أن يدخل الطريق مع انه كان معافى وامن وكان بامكانه يعيش سنوات ما حداش بشلش فيه لكنه هو اختار الدعوة وسد الثغر للأمة ودفع الثمن في ذلك؟

هل يستويان عند الله؟ لا يستويان، لا يستويان أيها الكرام، وبالتالي هناك منازل في الجنة أعدها الله عز وجل لأصحاب الهمم، لأصحاب النفوس، لأصحاب الإقدام، للأئمة الذين قادوا الأمة نحو الخير والصلاح وأتعبوا أنفسهم وأسهروا ليلهم وأنهوا أجسادهم، دفعوا الثمن في الدنيا من أجل أن يحصلوا في الآخرة الغرف، لا تنال بسهولة، هناك غرف في أعلى عليين.

اللي همته عالية فليشمت لها.

ودائما شوف، بدي أعطيك قضية: إذا أنت فكرت بالدنيا وما فيها من الآلام والاتعاب واللذات والمنغصات، وبدأت تحسبها صح -وها، وبدأت تحسبها صح- طب دنيا! ماشي، ممكن في لذة نساء، في لذة كذا، في لذة كذا، بس والله كلها منغصة، والله كله لذاتها فيها كدر، وحسبتها. طب في جنة عرضها السماوات والأرض، وفي غرف محددة في الدرجات العلى، هناك ما يسمى الفردوس الأعلى. هذا الفردوس الأعلى فيه غرف لمن يكون هو المبادر، لمن يكون هو الباذل، أفلا يستحق الأمر أن أبدل لها؟ إذا أنت حسبتها صح ستبذل. بعطيك اياها بوضوح، إذا أنت تحسن حساب الأمور بشكل صحيح ومنطقي، والله ستبذل؛ لأنه في النهاية بتقول: يا أخي الدنيا في أي لحظة حادث سير، بينيني، مرض لا سمح الله! والله شباب، شاب في منطقتنا أصغر مني ومن أهل الصلاة، فجأة يخبرون الإخوة حل به سرطان، والله يعافينا، وضعه الآن الصحي صعب جدا. يعني أنت في أي لحظة مهدد بالانقراض من هذا الوجود، فلماذا لا يكون انقراض أو نهايتك بعد بذل وعطاء، حيث تلقى الله عز وجل وقد أصبت الخلود الأبدي؟ وبعدين غرف الجنة ونعيم الجنة هذا أبدي ما بينتهي أبد الآباد أبد الآباد.

فإذا حسبت الأمور بالشكل الصحيح ستعرف أن سد الثغور مقابل سكن القصور في جنات النعيم أفضل من الاضجاع في الدنيا مع ربات الخدور. هذا زبطت معي تمام: أن الانسان يرابط على ثغور الأمة ليسكن قصور الجنة أفضل من المرابطة في ربات الثغور في المنازل وتبكي على دنياك. هكذا هي بغض النظر عن ضعفي أو ضعف أي انسان ممكن يتحدث في هذه الأمور، لكني أنا مؤمن تماما بهذه الفكرة. بغض النظر عن ضعفنا لكننا مؤمنون تماما بهذه الفكرة.

فإذا، هذه خمس نقاط أنا أسميها هي النقاط التي تجعلك تفكر كيف تسد ثغرا سريعا. النقطة الأولى: تجذر محبة الله في قلبك فتريد أن تبدل للمحبوب كل ما يحبه. النقطة الثانية: الغيرة على معاني الإيمان بعد أن عرفت طعمها ومتعتها، تغار عليها أن تدنس أو أن يجهل الناس بها. النقطة الثالثة: الراحة والسعادة واللذة التي توجد في هذا الطريق على ما فيه من الآلام. النقطة الرابعة: معرفة الإنسان أن سلوكه هذا الطريق هو نجاة وأن تراجعه هو خسارة واستئصال. النقطة الخامسة: هناك غرف في الجنة لا ينالها إلا الباذلون.

أخيرا، حتى لا أطيل عليكم أيها الكرام، أريد أن أختم... والله أنا عندي مشكلة، والله يا إخوان إذا دخلت في موضوع أنني لا أحسب نفسي، أنا أظن أن الساعة أربعين خمسين دقيقة ما تكلمت وشيء، لكن سبحان الله ما أطول كيف مشى معي الوقت، الله المستعان! طيب، إذا سريعا بدي أختم هي الفكرة، أنا عارف سامحوني أنا طولت عليكم، وطول المخيم بجوز المحاضر الوحيد اللي بطول هو أنا، لكنني أحيانا استغرق في الكلام بطريقة، ثم أنظر للساعة فأجد نفسي أسهبت.

أخيراً أخيراً، ما هي مشاعر الذي يريد أن يسلك طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؟ ما هي المشاعر التي يجب أن تكون حاضرة عنده؟ هناك مقطع في القرآن لخص مشاعر هؤلاء الذين يريدون أن يتقدموا لسد الثغور، لأنه طريق سد الثغور هو طريق فيه ألم وفيه طول وفيه تعب وفيه إشكالات كثيرة. أنا بقول هذا لنفسي ولإخواني الطريق مش سهل، فما هي المشاعر التي ينبغي أن تكون في من لبى نداء الجندية لله سبحانه وتعالى؟ ساختصر فيما قاله ربنا في سورة آل عمران: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيِّن قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 146-147].

هذه هي المشاعر النفسية لمن لبى نداء الجندية، هذه هي المشاعر النفسية لهؤلاء الذين لبوا النداء فسدوا ثغور الأمة: ما وهنوا، ما ضعفوا، ما استكانوا، وما كان قولهم إلا أن قالوا... أمر عليها سريعا طبعا هي مترابطة نوعا ما في بعضها. الوهن أشد صور الضعف، لذلك في سورة مريم سيدنا زكريا ماذا قال؟ قال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: 4]. تعب جدا يا، سامحوني قاعد أحرك قدمي، وهن العظم مني أي وصل العظم لشدة التعب. فالوهن أشد مراحل الضعف الإنساني. فالله يخبر: كم من نبي قاتل معه ربيون؟ طبعا اختلف المفسرون معنا ربيون كثير يقولون يعني أعداد كبيرة من المرابطين السادين للثغر. يعني كم من نبي من الأنبياء كان معه عصابة كثيرة من أهل الإيمان؟ هؤلاء العصابة الذين رفضوا نعيم الدنيا ولذيذ الفرش والحياة الهادئة، ماذا كانت مشاعرهم وهم يخوضون الرحلة إلى الله على ما فيها من الآلام؟ قال: ما وهنوا، يعني لم يصبهم الضعف الشديد. ثم: ولا ضعفوا، يعني ولا حتى الضعف القليل. يعني الوهن هو الضعف الشديد، إذن لما يقول ربنا: فما وهنوا لما أصابهم، لما أصابهم للألم ها، لما أصابهم في سبيل الله وأوذوا في سبيله لم يهنوا عندما أصابهم الألم ولم يضعفوا، قال: وما وهنوا لما ص... وما ضعفوا، لم يضعفوا إذن لا شديد الضعف أو عفوا لا شديد الضعف ولا خفيف الضعف أبدا، همة عالية!

شوف التعبير الأعلى والأعلى، قال: وما استكانوا. قال: وما استكانوا. السكون هذا لسه أخف من الضعف، السكون أنه هو ترجع ل... الآن الإنسان يا متحرك يا ساكن صح؟ أنت يا متحرك في الحياة يا ساكن، فلما ربنا قال: ولا استكانوا، يعني حتى السكون، السكون مجرد أنه يبقى ساكن ما بده يقدم أكثر لله، ما فكر بهي الطريقة. إذن لم يصبه شديد الضعف ولا خفيف الضعف، بل حتى السكون، مجرد أنه يسكن ويقف ولا يريد أن يكمل، حتى هذا لم يفكر فيه. قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]. فهذه ثلاثة مشاعر يجب أن تكون فيك يا من لبيت نداء الجندية: لا تهن، لا تضعف، لا تستكن. إياك من الوهن الشديد، بل حتى من الضعف القليل، بل حتى من السكون لا تستكن ابقى متحركا معطاء باذلا مقدما للحظات الأخيرة. هكذا هي الصفات التي يحبها الله سبحانه وتعالى لجنده.

ثم قال: ما هي المشاعر؟ طب هنا السائل: ما هي المشاعر؟ هي مشاعر القوة، يعني هو لم يصب بالمشاعر السلبية، إذا هو ما عنده مشاعر الوهن ولا مشاعر الضعف ولا مشاعر السكون، إذن ماذا ستكون المشاعر؟ ستكون هي المقابل: مشاعر الأمل والهمة والبذل في سبيل الله والرغبة في التضحية إلى آخر نفس. فهو نفى هذه المشاعر عنهم ليدلل أنه بمفهوم المخالفة قامت فيهم المشاعر الأخرى. هيك بدنا نفهمها، مشاعر العطاء والهمة في العمل والحركة والقوة وعدم الضعف والصبر والثبات. هكذا كانت مشاعرهم.

ثم ختم فقال: وما كان قولهم... شوف هذا الختام، ما أجمل والله ما أجمل! وهذا الذي يعطيك من هو العبد حقا. شوفوا إخواني، ترى أحيانا الإنسان لما يقدم في سبيل الله ويصاب ببلاء يبدأ يشعر بالمنة على الله سبحانه وتعالى وعلى الناس، ويبدأ ينظر لنفسه بعين الاعجاب أنه أنا رغم طول الطريق الحمد لله أنا صبرت وبذلت لدين الله ولم استكن ومن معركة إلى معركة. فربنا بخبر: آ... أوءك يجيك هذا النفس، نفس أن تشعر في داخلك بشيء من العجب أنه أنا الحمد لله عم بققدم وغيري ما بقدم، أنا عم ببذل وغيري ما ببذل، أنا عم بسعى وغيري ما بسعى، أنا شوفوا كم سجن سجنت وكم طال سجني، انظروا كم جراح جرحت وكم طالت جراحي. هذا شعور مخيف، وليس هذا من شعور العبيد، وإنما الصادقون ماذا قالوا؟ وما كان قولهم إلا أن قالوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: 147]، يعني وهم يبذلون وعلى الرغم مما أصابهم عندهم مشاعر الافتقار لله، أنه يا رب بس يا رب تقبل هذه الأعمال اللي عم نصاب فيها، تقبلها لتكون سببا في مغفرة ذنوبنا اللي يا رب احنا مقصرين احنا يا رب نحن المفتقر إلى أن تستعملنا، احنا المفتقرين المحتاجين يا رب انك تستعمل منا. وما كان قولهم إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا. بس يا رب هذا اللي بدنا يااه، يا رب لا ندلي عليك والله لا نمن عليك بهذا العطاء، والله يا رب لا نمن عليك بأننا قدمنا شيئا لدينك، بالعكس احنا الفرحين يا رب احنا المسرورين انك أتحت لنا المجال للاستعمال ولأن نتقدم وليكون لنا بصمة، ونرجو أنه بعد كل هذا بكل نفسية مفتقر أنه يا رب تكون كل هذه الآلام وكل هذه الجراح سبب انك تغفر ذنوبنا يا رب وتقصيرنا في أمرك.

ترى أخوان الواحد بيعمل شيء يسير جدا ويمن على الله به شهرا وسنه ويظن نفسه أنه فعل وفعل، وعالسوشال ميديا: وأنا ألفت كتاب وصنفت كتاب وأنا بذلت وأنا خرجت وأنا عملته وبصور نفسه في كل طاعة. وعلى إيش بتصور نفسك في كل طاعة يا أخي؟ أنت المفتقر، أنت المحتاج، ترى أنت يعني لا تظن نفسك يعني يعني تفعل شيئا تمن به على الناس. مشاعر الافتقار تبقى حاضرة عند هؤلاء: يا رب اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا.

وثبت أقدمنا... مشاعر الخوف من الاستبدال. شوف: وثبت أقدمنا بعد مشاعر الافتقار مشاعر الخوف من الاستبدال أنه ثبتنا يا رب لأنه في ناس ترى دخلت الطريق بس ما تحملت البلاء، في ناس فكرت أنها تخدم دين الله وتقف على ثغر بس لما حرارة البلاء انسحبت قالت: لا أنا ما بقدر ما بدي أكمل. فهنا بيجي الدعاء: يا رب ثبتنا احنا بحاجة انك تثبتنا وهذا ربما استدامة، لكن هي شعور أيضا استدامة لمعاني الافتقار، لكنه شعور بالخوف، شعور بالخوف أن يستبدل، فيا رب ثبت أقدامنا، ثبتنا حتى نستدير هذا العطاء ونستلم هذا البذل ونستلم حراسة ثغور الأمة. وانصرنا على القوم الكافرين.

ربنا بقول لك: هي المشاعر أنا هي اللي بحبها. هيك ربنا بعلمنا: أنا بحب هي المشاعر. الانسان الذي لا يضعف ولا يهن ولا يستكين متحمل إلى أعلى درجات التحمل، وفي المقابل لا يمن علي أنه عم بشتغل، لا، يبقى مفتقرا لي، شاعرا بحاجته هو إلى الاستعمال وبغنيي أنا عنه وبغنيي سبحانه أنا عنه، فيبقى خائفا من أن يرد على عقبيه. شوف شعور يا أخي أنت تبتلى وخايف أنه تنتهي رحلة ثباتك وتعود على عقبك! نعم، مش مشكلة أن أصاب في سبيل الله، مش مشكلة، المشكلة أنني أستبدل وأرد على عقبي بعد أن استعملني الله. إخوان هذا معنى عظيم، ليس مشكلة أن تصاب في سبيل الله لكن المشكلة أن ترد على عقبك بعد الاستعمال، هون المخيف، هون المرعب. أما أن تصاب في سبيل الله مت شهيد وصرت اعتقلت حدث ما حدث بهون تمشي الحال، لكن المشكلة أن يردك الله سبحانه وتعالى ويحرمك من أن تكون على هذا الطريق، أن تكون من الرعيل الأول ممن اصطفاهم الله واجتباهم في الفردوس الأعلى.

هذه مشاعر سريعة أحببت أن أخبر بها، يعلمكم أن هؤلاء الذين سيؤذن في سبيل الله لابد تكون هذه مشاعرهم ولا بد أن تكون تلك دوافعهم أصلا لأن يتقدموا إلى هذه المواطن الشريفة. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.

هذه آخر محاضرة في موضوع البلاء، طبعا غدا يعني لن تكون محاضرة وإنما أمسية خفيفة باذن الله خفيفة، وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم كما جمعنا في هذه المرحلة وفهمناها أن يجمعنا عنده في مستقر رحمته. سامحوني على الإطالة وكثرة العبارة لكنني حريص على أن أوصل الخير لنفسي ولإخواني. جزاكم الله عنا كل خير. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سجّل الدخول لتحفظ ما أنهيته من الدروس في مكتبتك

هذا آخر دروس دروس