دخولتسجيل الدخول

المدخل إلى علم النحو

الشيخ سالم القحطاني
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا مدخل إلى علم النحو. يقصد بهذا المدخل أن يتعرف الطالب الذي يستمع إلى هذه المحاضرة أو إلى هذه المقدمة أو المدخل -سمها ما شئت- على هذا العلم؛ يتعرف عليه معرفة عامة، ويعرف هذا العلم؛ ما اسمه؟ من الذي أسسه؟ من الذي وضعه؟ ما فائدة هذا العلم؟ ما أهم الكتب المؤلفة فيه؟ ما هي المسائل والمباحث التي تدرس في هذا العلم؟ واضح؟ يعني معلومات عامة، فكرة عامة عن هذا العلم. يعني ينبغي أن تكون هذه المقدمة تشويقية، واضح؟ ينبغي أن تكون مقدمة تشويقية للمستمع؛ لأن يتحفز وأن يتشجع لدراسة علم النحو.

إذن، نحن سنحاول في هذه المقدمة أن... خلاصة هذه المقدمة وخلاصة هذا المدخل يقوم على أمرين: الأمر الأول هو أن يتعرف الإنسان على هذا العلم؛ يتعرف عليه معرفة عامة. والامر الثاني: أن يتشوق لدراسه هذا العلم، الذي هو من الضروريات لطالب العلم. لا يمكن أن تكون طالب علم دون أن تتقن -ليس فقط أن تدرس، لابد أن تتقن- علم النحو. وليس فقط علم النحو، بل مجموعة من العلوم العربية، وذلك أن علوم اللغة العربية تصل إلى اثني عشر علماً.

وهذه العلوم أنت يا طالب العلم لا تحتاج إليها كلها، وإنما تحتاج أهم هذه العلوم هو النحو، ثم يليه الصرف. وأقترح أن تدرس هذه العلوم بهذا الترتيب: تبدأ بالنحو، ثم تنتقل إلى الصرف، ثم تنتقل إلى البلاغة بفنونها الثلاثة، ثم بعد ذلك تنتقل إلى العلم الرابع والأخير وهو الأدب. هذه العلوم الثلاثة -يا طالب العلم- لابد أن تأخذ نصيبك منها، وبإذن الله تعالى تكون لنا مقدمات ومداخل في هذه العلوم الأربعة. فهذه المقدمة الأولى، وهي مقدمة في علم النحو أو مدخل في علم النحو. المجلس الثاني إن شاء الله سيكون مدخلاً في علم الصرف، والثالث سيكون مدخلاً في علم البلاغة، والرابع والأخير سيكون إن شاء الله تعالى مدخلاً في علم الأدب أو في فن الأدب. تمام؟

طيب، هل معنى هذا أن العلوم الباقية ليست مهمة؟ بل هي مهمة، لكنها أقل أهمية وحاجة لطالب العلم من هذه العلوم الأربعة. يعني مثلاً من العلوم الاثني عشر عندنا علم متن اللغة؛ هو في الحقيقه مهم، مهم، لكن لضعف همم طلاب العلم في هذا الزمان لا يدرسونه إلا من رحم الله. والا هو في الحقيقة أيضاً من العلوم المهمة جداً علم متن اللغة؛ يعني علم مفردات اللغة العربية. وهذا يدرس في العادة إما عن طريق الأشعار -وهو الأغلب- وإاما عن طريق النظر في المعاجم والقواميس ونحو ذلك، تمام؟ فهو في الحقيقة أيضاً علم مهم، لكن لأن الطلبة لا يصبرون، ويعني يريدون الانتقال بسرعة إلى العلوم الأخرى، فلذلك نحن نحرص أن نعلمهم هذه العلوم الأربعة: النحو والصرف والبلاغة والأدب. وطبعا في الأدب ستأتي معه كثير من المفردات من متن اللغة، كذلك في علم النحو ستجد متن اللغة، وفي الصرف كذلك، وفي البلاغة كذلك. لكن في علم متن اللغة يكون الكلام مختصاً ومنصباً ومنحى في شيء واحد، وهو تعلم المفردات العربية، فهو مفيد. وأنا بالنسبة لي أدرسه للإخوه وللشباب، ولكن يعني نحاول أن نحبب الطلاب في هذه العلوم الأربعة أكثر.

طيب، على كل حال، كما قلت لكم، في هذه المقدمة نحن سنشوق المستمع إلى تعلم النحو خصوصاً، وإلى تعلم علوم اللغة العربية عموماً. وقد اتفق العلماء -كما يحكي ذلك جماعة من العلماء كالسيوطي رحمه الله تعالى، وابن حزم، وكثير من العلماء والأئمة- نصوا على أن الذي لا يعرف اللغة العربية لا يجوز له أن يتكلم في دين الله بكلمة، كما قال ابن حزم وغيره لما قال: وحرام -هذا ابن حزم رحمه الله يقول:- وحرام على من كان جاهلا باللغة والنحو أن يتكلم في دين الله بكلمة، حرام الجاهل باللغة العربية جاهل بالشريعة.

الشاطبي رحمه الله تعالى له كلمة مشهورة جداً في الموافقات يقول: الضعيف في العربية ضعيف في الشريعة، والمتوسط في العربية متوسط في الشريعة، والمتقدم والمجتهد في العربية مجتهد في الشريعة. فكل هؤلاء الائمة الذين تراهم والذين نعرفهم كالأحنف والثوري، كل هؤلاء ترى أئمة في اللغة، أئمة في اللغة، كل واحد فيهم ضبط اللغة واتقنها وتشربها. الشافعي يذكرون عنه أنه جلس في بادية هذيل ما يزيد على عشر سنين، ما يزيد على عشر سنين يتعلم ويتشرب اللغة العربية من عرب هذيل. ف... يعني هذا أمر مفروغ منه، متفق عليه؛ لا يمكن أن تكون عالماً بالشريعة وأنت جاهل بالنحو، لا يمكن، لا يمكن، هذا أمر متفق عليه عند العلماء سلفاً وخلفاً، لا خلاف فيه أن طالب العلم يجب عليه أن يتعلم علوم الشريعة. يجب عليه، ثم بعد ذلك هذا الوجوب قد يكون وجوب عين وقد يكون وجوب كفاية بحسب المقام والحال.

لكن بصفة عامة نقول -كما قال ابن تيمية وغيره في الاستقامة، لما قال... ليس في الاستقامة، عفواً، في الكتاب الآخر الذي هو اقتضاء الصراط المستقيم وخالف أصحاب الجحيم- نص وغيره من الأئمة القدامى قالوا: إن تعلم العربية واجب على كل مسلم. والشافعي أيضاً يعني نص على هذا في الرسالة: أنه يجب على كل مسلم أن يتعلم من العربية ما يقيم به دينه. فإذاً، لا يمكن -أخي الكريم- أن تكون طالب علم، أو أن تكون مفتياً، أو أن تكون مجتهداً، أو أن تكون قاضياً، أو مؤلفاً، أو خطيباً إذا كنت جاهلا بالعربيه، لا يمكن.

قال أبو البركات ابن الأنباري رحمه الله تعالى: إن الأئمة من السلف والخلف اجمعوا قاطبة على أنه شرط في رتبه الاجتهاد. ما الذي هو شرط في رتبه الاجتهاد؟ اتقان النحو. وأن المجتهد لو جمع كل العلوم لم يبلغ رتبه الاجتهاد حتى يعلم النحو. انتهى كلامه. كلامه واضح جداً، أن هذا أمر معلوم متفق عليه عند السلف والخلف؛ يقول: اجمعوا قاطبة على هذا.

وقال أبو اسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى في بيان صفة المفتي يقول: ويعرف من اللغة والنحو ما يعرف به مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم في خطابه. ما... إذاً، هنا اشار أبو اسحاق الشيرازي رحمه الله إلى فائدة علم النحو -وهو سياتينا إن شاء الله مفصلاً- وهو أن فائدة علم... لماذا علم النحو ضروري ولابد منه؟ لأنه بواسطه هذا العلم نفهم القرآن والسنة. فإذا كنت جاهلاً بالنحو لن تفهم القرآن والسنة، قد تفهم فهماً سطحياً عاماً، نعم، لكن الفهم الدقيق، الفهم العميق، الفهم الذي هو فهم العلماء والصصحابه والاوائل، هذا لا يكون وأنت جاهل باللغة العربية، وخصوصاً بعلم النحو؛ لأنه كما قلنا علوم اللغة العربية اثنا عشر علماً، يتفرع منها النحو، ويتفرع منها الصرف والبلاغة وغير ذلك.

وقال العلامة خالد الأزهري رحمه الله تعالى -وهذا الاسم من الأسماء المهمة لك في فضائل علم النحو. هناك اسماء بارزة في علم النحو مثل سيبويه، ومثل ابن هشام الأنصاري، مثل مالك، وأما أكثر متقدمون ومتاخرون فمن الأسماء اللامعة في سماع من النحو العلامة الشيخ خالد الأزهري رحمه الله تعالى، وهو يعني جاء بعد زمان السيوطي رحمه الله بقليل يعني، هو ليس معاصراً. الاسم، أنا أعرف أنه قد يوهمك أنه معاصر، هو ليس معاصراً يعني، توفي تقريبا قبل 500 سنة تقريبا- فهذا عالم كبير جداً في فن في علم النحو، شروحه مباركة، وله كتاب اسمه موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب، هو كتاب مهم جداً، وإن شاء الله سنعلق عليه بإذن الله تعالى.

ماذا يقول الشيخ العلامة خالد الأزهري رحمه الله؟ يقول: إن معرفة الإعراب من الواجبات التي لابد لكل طالب علم منها، ومن المهمات التي لا يستغني الفقيه عنها. انتهى كلامه.

وقال شرف الدين العمريطي -العمريطي معروف أيضاً، فقيه شافعي، صاحب نظم الورقات وصاحب نظم الآجرومية- فيقول في نظمه على الآجرومية: والنحو أولى أولاً أن يُعلما، إذ الكلام دونه لا يُفhma... لا يُفهم لا يُفهم، لا يمكن أن تفهم الكلام بدون النحو، لا يمكن. وقد أحسن من قال: النحو زين للفتى يكرمه حيث أتى، من لم يكن يعرفه فحقه أن يسكت. الأبيات أيضاً واضحة؛ يقول: النحو زين، والزين هو ضد الشين، يعني يزين صاحبه؛ إذا تكلم الإنسان وراعي قواعد النحو فهذا يزينه، يزين الرجل ويزين كلامه، يكرمه حيث أتى. كان السلف رحمه الله يكرمون الرجل الذي لا يلحن، وذكروا أفراداً كانوا لا يلحنون، ذكروا أن الحسن البصري كان لا يلحن، وذكروا أن الحجاج كان لا يلحن، وغيرهما من الأفراد القلة الذين كانوا لا يلحنون. ما معنى لا يلحنون؟ يعني لا يخطئون في النحو، لا يخطئون في الإعراب. هذا معنى اللحن؛ اللحن هو الخطا في الإعراب. هذا مصطلح لابد أن تعرفه في هذه المقدمة؛ لأن هذه المقدمة هي مدخل، فمدخل ينبغي أن تتعرف على المصطلحات الشائعة في هذا الفن، على الأعلام والشخصيات المهمة في هذا الفن، واضح يا شباب؟

وقال آخر: وكيف يرتقي إلى المعاني من ليس ذا نحو ولا بيان؟ كيف يرتقي إلى المعاني أو إلى المعالي من ليس ذا نحو ولا بيان؟ ليس عنده علم النحو ولا عنده علم البيان؛ علم البيان الذي هو واحد من علوم البلاغة الثلاثة التي سنتكلم عنها إن شاء الله تعالى في المدخل الثالث: مدخل في علم البلاغة.

وقال الشاعر: وبعضهم يفتي وهو جاهل اعراب، بسم الله عنه ذاهل. فليس من أهل اللسان العربي، وفي الأصول ما له من أرب، يعني ليس له حاجة -الأرب هو الحاجة-. ومثل هذا لا يكون مرشداً لجهله النحو. ومما أنشد، وكلمة ابن مالك في الكافية إذ قال في بيتين وهي كافية: وبعد فالنحو صلاح الألسنة، والنفس أن تعدم سناه في سنة. عليك بالنحو فإن النحو لحن الخطاب لفظه والفحوى.

نعم، إذن يعني الأشعار يا إخوان في الكلام على فضل علم النحو، وحرص السلف والخلف على علم النحو، وفائدة علم النحو وفضل... يعني كلامهم في هذا طويل وكثير جداً جداً جداً، نثراً وشعراً.

طيب، نحن في هذه المقدمة أو في هذا المدخل لن نغطي جميع ما يذكره العلماء عادة في المداخل، وإنما يعني سنذكر المهم من ذلك؛ كاسم هذا العلم، وواضع هذا العلم، ونحو ذلك. لكن يعني قبل أن ندخل في هذه المبادئ التي تسمى بالمبادئ العشرة، أحب أيضاً أن أقرأ عليكم جملة من النصوص من نصوص العلماء والأدباء المتقدمين والمتاخرين، من العرب ومن غير العرب، من المسلمين وغير المسلمين في فضل... ماذا؟ في فضل اللغة العربية؛ لأننا -يا إخوان- نحن في زمن الآن ضعفت فيه اللغة العربية جداً، وصار ينظر للغة العربية على أنها لغه المتخلفين، أو لغة الجهل، أو لغة المتحجرين، ونحو ذلك.

فللأسف الشديد يعني انحطت منزلة اللغة العربية في هذا الزمان في نفوس العرب فضلاً عن غيرهم، ولذلك نحن نحتاج أن نحيي اللغة العربية في نفوس الناس وفي نفوس المسلمين، وأن نصلح أفكارهم عن هذه اللغة؛ لأن الفكرة الموجودة عند الناس الآن -إلا من رحم الله- عن اللغة العربية أنها لغة هي لغة... يعني لغة أهل الجاهليه، هي لغة المسلسلات والمسلسلات والأفلام التاريخية، هي لغة ميتة، لغة لا تصلح لهذا الزمان، لغة ليس فيها شيء من الجمال والإبداع، لغة معقدة، صعبة، بغيضة، كريهة. هذه هي فكرة الناس عن اللغة العربية. والواقع أن اللغة العربية هي... إن لم نقل نحن الذي ندان الله عز وجل به أنها هي اعظم لغة، الذي ندان الله عز وجل به أنها أعظم لغة، لكن لو تنزلنا فنقول هي من اعظم ومن اجمل اللغات -على سبيل التنزل- من أعظم ومن أجمل اللغات.

قال الرافعي: ما ذلت لغة قوم إلا ذلّوا، ولا انحطت إلا كان أمرهم في ذهاب وأدبار. إلى آخر كلامه في كتابه رحمه الله: وحي القلم. وهذا الذي... هذا الحاصل الآن؛ لما ذل العرب وذل المسلمون -إلا من رحم الله- ذلت لغتهم وذل القوم أنفسهم. فعزنا برجوعنا إلى هويتنا. وما هي الهوية؟ الهوية هي هذه الأمور الثلاثة المعروفة: الدين واللغة والتاريخ. فلما ضيعنا لغتنا ضيعنا الثلث، ثم ضيعنا تاريخنا -فلا يعرف الإنسان من تاريخه إلا الشيء القليل- ضاع الثلث الثاني، فضاع... يعني بطبيعة الحال ضاع الثلث الثالث وهو الدين، فضاعت هويتنا، فصار المسلم الآن لا لغة له ولا تاريخ له ولا دين له إلا من رحم الله، إلا من رحم الله.

قال الثعالبي: من أحب الله تعالى أحب المصطفى صلى الله عليه وسلم -لاحظ، لاحظ الآن التدرج كيف ها؟ يقول:- من أحب الله أحب النبي: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. من أحب الله أحب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي نزل بها أفضل الكتب على أفضل العرب والعجم، ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته إليها. انتهى كلام الثعالبي رحمه الله.

إذن، الذي يقول: أنا أبغض العربية، هذا على خطر، وهذا على خطر ويخشى عليه، بل قد تكون هذه شعبة من النفاق. يعني أنا أعرف أنه قد يبغضه ليس لذات اللغة، ليس لأنه يبغض الدين، لا، ولكن لأنه لم يوفق إلى معلم جيد فبغّضه في اللغة العربية. فهذا متفهم، لا أتهمه بأنه...

منافق لا، لكن أنا أتكلم عن الإنسان الذي يبغض اللغة العربية لأنها لغة القرآن أو لأنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم أو لأنها لغة الصحابة؛ هذا لا شك أنه نفاق، لا شك أنه نفاق. فالمؤمن المؤمن يحب اللغة العربية، لماذا؟ ليس لذاتها، لكن لأنها لغة القرآن، لأنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها لغة الصحابة، ولأنها لغة هذا الدين.

كما قال الشاطبي: إن هذه الشريعة عربية، إن هذه الشريعة عربية، ثم قال الكلام الذي ذكرته لكم قبل قليل. فإذا اردت ان تفهم هذه الشريعة العربية، لابد أن تتقن هذه اللغة العربية. إذاً، فضل هذه اللغه يعود إلى فضل من نزلت عليهم هذه الشريعة، فلو كانت، لو نزل القرآن، يا إخوان، لو نزل القرآن باللغة الفارسية لوجب علينا نتعلم الفارسية، لو نزل القرآن باللغة الأردية لوجب علينا تعلم الأردية. لكن القرآن نزل بالعربية، وهذا لحكمة أراد الله عز وجل، أراد الله عز وجل لحكمة عنده أن يجعل آخر الكتب وأخر الأنبياء باللغة العربية، فلا شك أن هذا لحكمة.

ما هي هذه الحكمة؟ نظرنا في هذه اللغة فوجدناها صالحة لأن تستوعب معاني الوحي العظيم. قال الشافعي رحمة الله تعالى: اللسان الذي اختاره الله عز وجل لسان العرب، فانزل به كتابه العزيز وجعله لسان خاتم، لسان خاتم (يجوز خاتم وخاتم كلاهما وجهان صحيحان، لغتان فصيحتان، قراءتان متواترتان). قال: وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم. ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها، لأنها اللسان الأولى. انتهى كلامه.

وقال الشاطبي: إن هذه الشريعة المباركة عربية، هذا كلامه الذي ذكرته لكم قبل قليل: إن هذه الشريعة المباركة عربية، فمن أراد تفهمها فمن جهة اللسان العربي يفهم، ولا سبيل لفهمها من غير هذه الجهة، لا يمكن، ليس هناك طريق ولا جهة ولا سبيل لفهم هذه الشريعة إلا عن طريق اللغة العربية.

ولذلك المستشرقون، كثير منهم لما أراد أن يفهم هذا الدين تعلموا اللغة العربية سنين، سنين يقضيها واحد منهم، يترك أهله وبلاده وكل شيء، ويأتي إلى الجزيرة العربية ويتعلم اللغة العربية من الصفر، لأنه يعلم أنه مهما ترجم له، أنه لن يفهم هذا الدين دون اتقان للغتها. قال ابن الأثير: معرفة اللغة والإعراب هما أصل لمعرفة الحديث وغيره، لورود الشريعة المطهرة بلسان العرب.

وقال الرافعي: أن اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة، كيفما قلبت أمر اللغة وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من التاريخ، كما هو حاله الآن إلا من رحم الله، صار الإنسان الآن العربي أو المسلم مشوهاً، لغته مشوهة، دينه مشوه، تاريخه مشوه، إلا من رحم الله.

قال قتاده: لا أسأل عن عقل رجل لم يدله على أن يتعلم من العربية ما يصلح به لسانه.

وقالت المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه، هذه المستشرقة صاحبة الكتاب المشهور الذي اسمه شمس العرب تسطع على الغرب في مجلد واحد، معروف هذا الكتاب، ألمانية -والذي أعرفه أنها لم تسلم، هذا الذي أعرفه أنها لم تسلم والله أعلم بحالها بما انتهى إليه أمرها- انظروا ماذا تقول عن جمال هذه اللغة.

طبعا هنا قبل أن نقرأ كلامها يا إخوان، أنا لا أحب في الحقيقه الإكثار من نصوص الأعاجم في مدح لغتنا، لا أحب عندما أقول الأعاجم، الأعجمي أو العجمي، مع أن هناك فرق بين العجمي والأعجمي. على كل حال العجم، كل من ليس بعربي فهو من العجم، كل من ليس من العرب فهو من العجم، فالناس قسمان عربي وأعجمي، فأنا لا أحب الإكثار من كلام هؤلاء الأعاجم، لماذا؟ لأننا لسنا في حاجة أصلاً إلى شهادتهم، لسنا بحاجة إلى كلامهم، فنحن عندنا من نصوص الأئمة ومن كلام العلماء ما يكفي ويشفي، ما يكفي ويشفي.

لكن لأن هذا الكلام عندما يؤتى به من باب (وشهد شاهد من أهلها)، فهؤلاء، هذه المرأة مثلاً التي معنا هنا هي ألمانية، فعندما تأتي هذه الشهاده من، يعني عندما يأتي العربي ويمدح الكلام الذي ذكرناه لكم الآن لابن الأثير والرافعي وقتاده والشافعي، سيقول قائل: هؤلاء عرب فلا شك أنهم سيمدحون لغتهم، صح؟ لكن عندما ناتي بكلام لألماني أو فرنسي أو ياباني إلى آخره، ثم تجده يمدح اللغة العربية بهذا المدح، فأنت تقول: لا، هذا الرجل متجرد، هو لا يمدح لغة ربطته بها رابطة قومية خاصة.

وأيضاً للاسف الشديد بسبب الهزيمة النفسية التي نعيشها نحن الآن في هذا الزمن، صار الناس عندما تقول لهم قال الشافعي كذا لا يتاثرون، لكن عندما تقول لهم قال المستشرق فلاني، وقال الدكتور الفلاني من العجم، من الإنجليز أو الفرنسيين أو الألمان، يتاثر بهذا للاسف الشديد. هذا واقع، لكن المؤمن ينبغي أن يعتز بنفسه، يعتز بهويته، بلغته، بأمته، لكن لا باس أن نذكر شيئاً قليلاً من هؤلاء لأجل الأغراض أو النكات التي ذكرتها لكم.

قالت هذه المستشرقة: كيف يستطيع الإنسان أن يقاوم جمال هذه اللغة ومنطقها السليم وسحرها الفريد؟ فجير العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى أمام ماذا؟ أمام سحر تلك اللغة، فلقد اندفع الناس الذين بقوا على دينهم في هذا التيار يتكلمون اللغة العربية بشغف، حتى أن اللغة القبطية مثلاً ماتت تماماً، بل إن اللغة الآرامية لغة المسيح قد تخلت إلى الأبد عن مركزها لتحتل مكانها ماذا؟ لغة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال المستشرق الفرنسي رينان: من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القومية وتصل إلى درجات الكمال وسط الصحاري عند أمة من الرحل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثره مفرداتها ودقه معانيها وحسن نظام مبانيها، ولم يعرف لها في كل أطوار حياتها طفولة ولا شيخوخة، ولا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى، ولا نعرف شبيها بهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرج وبقيت حافظة لكيانها من كل شائبة. انتهى كلامه.

المقصود من هذا الكلام يا شباب أن عادة اللغات أنها، تعرف هذه اللغة متى ولدت، ثم يكون لها مراحل طفولة مثل الإنسان مراحل طفولة، ثم تشب، ثم تشيخ، ثم تموت. هذه طبيعة اللغات، إلا اللغة العربية، فاللغة العربية سبحان الله، خصوصا بعد أن نزل القرآن، اللغة العربية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فتية، وهي الآن ما زالت فتية لم تمت. نعم، هي تضعف وتنزل وترتفع وتنزل وترتفع، لكنها ما زالت ما زالت لغة غضة طرية، كأنها أنشئت اليوم، كأنها نزلت اليوم.

لذلك من الأشياء التي يتعجب منها جداً الاجانب أو غير العرب، أنهم يرون أن الإنسان العربي الآن يقرا نصا يعود إلى أكثر من ألف وخمسمائة سنة، فنحن الآن مثلا نقرا كلاما لامرئ القيس، ونقرا أشعاراً للطبقة الجاهلية، للطبقة الجاهلية من النابغة الذبياني، طرفة بن العبد، امرئ القيس كما قلت لكم، عنترة بن شداد وأمثال هؤلاء، نقراه ليس فقط نقراه بل نقراه ونتذوقه ونفهمه ونطبقه في حياتنا ونستشهد به في كتاباتنا، وهم ماتوا قبل ما لا يقل عن ألفي سنة.

الآن الأجسام، إذا أراد الإنجليزي مثلاً أن يرجع إلى نص يعود إلى خمسمائة سنة يعاني معاناة شديدة، لأن اللغة تماماً اختلفت، اللغة الإنجليزية قبل خمسمائة سنة شيء والآن شيء آخر، واسالوا أهل الاختصاص يفيدون في هذا. هل تظن أنت أن مسرحيات شكسبير مثلاً كتبت بنفس اللغة التي يتكلم بها الإنجليز الآن؟ لا، لغة شكسبير مختلفة عن اللغة التي يتكلم بها الآن، وقص عليها باقي اللغات.

وأنا ما زلت أذكر إني مرة كنت في قصر الحمراء في الأندلس، فكنت أقرأ على جدران القصر الحمراء الابيات التي كتبت عليه في وصف القصر ومدحه ونحو ذا، فكنت أقرأ وأشرح لبعض الإخوة الذين معي، فكان بجانبي رجل أوروبي فتعجب من هذا أشد العجب، وقال لي: هل تفهم أنت هذا الكلام؟ قلت له: نعم، هو كلام واضح. فقال: كيف لإنسان أن يفهم مثلاً هذا الكلام الذي يعود إلى مئات السنين؟ ماذا يريد أن يقول؟ هو يريد أن يقول: إن اللغات بالعاده تتغير، لكن انظروا كيف يا إخوان، القرآن نزل قبل أكثر من أربعة عشر قرناً ما زلنا نقراه ونتلذذ به كأنه أنزل اليوم، كأنه أنزل اليوم، وهذا من عظمه هذه اللغة، وهذه المزيه لا أظن أن هناك لغة تشارك القرآن الكريم في هذا، تشارك اللغة العربية في هذا. أي نعم.

طيب، هنا مسائل متنوعة سنمر عليها، عرفنا الآن هذه تقريبا نصف ساعة تحدث فيها عن فضل اللغة العربية عموماً وفضل النحو خصوصاً. هنا بعض المسائل التي سنمر عليها ونختم إن شاء الله هذه المقدمة.

المساله الأولى: إن شئت، إذا اردت أن تجعل المتقدم كله مقدمة، فنقول الآن هنا مسائل. المسألة الأولى: اللحن، ما هو اللحن؟ هذا أشرنا إليه قبل قليل، نحن نسمع هذه الكلمة كثيراً، يقولون: فلان لا يلحن، ويقولون مثلاً: هذا لحن، ويقولون مثلاً: فلان لحان (أي يلحن كثيراً). فما هو اللحن؟ بينت لكم قبل قليل أن اللحن هو الخطأ في الإعراب، فالذي يقول مثلاً: رايت المسلمون، بدل من رأيت المسلمين، هذا قد لحن، يعني وقع في الخطا.

وكان السلف رحمهم الله تعالى يتجنبون اللحن كما يتجنب الواحد منهم المعصية، بهذا اللفظ، كانوا يقولون، هذا ليس تعبيري هذا تعبير العلماء، يقولون أنهم كانوا يتجنبون اللحن كما يتجنب أحدنا الذنب والمعصية، وكان أحدهم إذا لحن استغفر الله، إذا لحن يستغفر كأنه أذنب.

لكن ليس معنى هذا أن الإنسان يسلم من اللحن، لأن اللحن ما هو؟ الخطأ. وهل يوجد إنسان يسلم من الخطأ؟ لا يوجد، يعني لا تظن أني أنا الآن مثلاً أدرس النحو أني لن، قد يحصل مني لحن يا أخي، إذا حصل اللحن من بعض كبار ومن مشاهير التابعين الذين هم تلاميذ الصحابة، بل من بعض الأئمة من كبار علماء اللغة كان بعضهم يلحن، فاللحن خطأ، والخطا لا يسلم منه إنسان. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطاء».

فليس المقصود أنك تصل إلى مرحلة لا تلحن، لأن هذا صعب، هذا يكاد، لا أقول مستحيل، لكنه صعب جداً جداً. بدليل أنهم لما تكلموا عن السلف قالوا: الذين كانوا لا يلحنون فلان وفلان وفلان، عدوهم عداً، مما يدل على قلتهم، فقالوا: الحسن كان لا يلحن، الحجاج كان لا يلحن، وفلان وفلان.

فإذاً، لا تظن أن الهدف من دراستك لعلم النحو ألا تلحن، لا، ليس هذا الهدف، وإنما المقصود أن يكون غالب كلامك مستقيماً، غالب كلامك، يعني إذا ألقيت محاضرة ولحنت في كلمة، كلمتين، ثلاث، أربع، لا باس، خصوصا في هذه الأزمنة.

ثم اللحن ليس مقصوراً فقط على الكلام، بل قد تلحن في الكتابة، والكتابة ندقق فيها أكثر، فاللحن فيها أشد. أما اللحن في الكلام، يعني في الإلقاء، فهذا وارد جداً، لكن اللحن في الكتابة هذا تستطيع أن تسلم، يعني تستطيع أن تكتب كتاباً كاملاً ليس فيه لحن، ممكن هذا، ليس مستحيلاً ولا صعباً، لأن الكتابة مختلفة عن الإلقاء.

المسألة الثانية: متى بدأ اللحن؟ متى بدأ اللحن ينتشر بين الناس؟ بدأ اللحن بعد اتساع الفتوحات الإسلامية، لما اختلط العرب، اختلط العرب الفاتحون الأوائل، اختلطوا بالشعوب الأخرى، الفارسية والرومية والأحابش، فبسبب هذه الخلطة بدأ بعض العرب يتاثر بالعجم، فصار العرب، صار بعض العرب يلحنون، يلحنون.

وفي هذا قصص، مثلاً يقولون: قرأ قارئ في المدينة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قول الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 3]. فهو قرأ ايش؟ قال: بريء من المشركين ورسوله، قرا هكذا بعطف رسوله على المشركين. وسنعرف إن شاء الله في علم النحو أن المعطوف على المجرور مجرور، معطوف على المجرور مجرور، فيصبح المعنى أن الله، والعياذ بالله، بريء من الرسول كما بريء من المشركين، أن الله بريء من المشركين وبريء من رسوله والعياذ بالله. فانظر كيف يتغير المعنى بسبب هذا اللحن.

فلما سمع هذا هذه الآية أعرابي قال على سليقته: أنا أبرأ ممن برئ منه الله. فقيل لعمر ذلك، فاستدعى الأعرابي وسأله عن ذلك، فقال له: إن الإمام قرأ: إن الله بريء من المشركين ورسوله. فأصدر عمر أمراً: ألا يقرأ القرآن، أو ألا يقرأ القرآن إلا عالم بالعربية. هذا أصدر أمراً هذه تعبيرات المتاخرين، لكن الأوائل يقولون: فأمر عمر، أمر أن لا يقرأ القرآن، أو أن لا يقرأ القرآن إلا عالم بالعربية.

إذاً الصواب هو ايش؟ أن الله بريء من المشركين ورسوله، أي ورسوله بريء أيضاً من المشركين، فالمعنى ينقلب رأساً على عقب بين الكسر وبين الضم، وهذا ستعرفه لما تدرس النحو. فانظر هنا كيف جاهل بالنحو قد يعكس المعنى تماماً وقد يأتي بكلام كفري.

قال زبير بن بكار: وفدت على المتوكل، فقال لي: ادخل إلي عبد الله، يعني عبد الله المعتز. فدخلت وهو صبي، فسألني عن الحجاز، ثم نهضت فعثرت فسقطت. فقال لي يا زبير: وكم عثرة لي باللسان عثرتها تفرق من بعد اجتماع من الشمل يموت الفتى من عثره بلسانه وليس يموت المرء من عثره الرجل فعثره من فيه تذهب نفسه وعثره بالرجل تبرى.

على مهلي أي نعم، وهذا كلام صحيح. الإنسان قد يعثر بلسانه فيموت بسبب هذه العثرة، إما أن يقع في الكفر وإما أن يشتم أحداً وما شابه ذلك، لو عثر برجله وسقط يبرأ ويتعالج.

قال عبد الملك: اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه الذي هو المرض المعروف، والتفتق في الثوب. لذلك لما قيل لعبد الملك قد شبت -يعني أسرع فيك الشيب- فقال: شيبتني المنابر واجتناب اللحن. يقول: أنا لما كنت أطلع على المنبر أحاول أتكلم بالفصيح ولا ألحن، فلأني متوتر فأخاف أن ألحن، فهذا أسرع في الشيب.

وعندما سمع ابنه الوليد يلحن في الكلام قال: أضر بنا في الوليد حبنا له فلم نلزمْه البادية، يقول: ليتني ألزمته في البادية حتى يتجنب اللحن. وقيل له: لقد عجل عليك الشيب يا أمير المؤمنين! قال: شيبني ارتقاء المنابر وتوقع اللحن. وقال أيوب السختياني الإامام المشهور: تعلم النحو؛ فانه جمال للوضيع، وتركه هجنة للشريف.

وعن المغيرة بن عبد الرحمن قال: جاء عبد العزيز الدراوردي في جماعة إلى أبي ليحرضوا عليه كتاباً، فقرا لهم: دراودي، وكان رديء اللسان يلحن لحناً قبيحاً، فقال أبي: ويحك يا دراودي! أنت كنت إلى إصلاح لسانك قبل النظر في هذا الشأن أحوج منك إلى غير ذلك. النحو يبسط من لسان الكلم، والمرء تكرمه إذا لم يلحن، فإذا طلبت من العلوم أجلها فأجل منها مقيم الألسن -مع أن بعضهم تعقب هذا الشاعر قال: لا، أجلها منها مقيم الدين، يعني علم العقيدة نعم، لكن لعله يريد أجلها من علوم الآلة مثلاً نعم-.

إذاً؛ المرء تكرمه إذا لم يلحن، أما إذا لحن فكانوا لا يكرمونه. نعم، قال بعض أصحابنا يقول الرهبي: قال بعض أصحابنا: إذا كتب لحانٌ فكتب عن اللحان لحانٌ آخر، صار الحديث بالفارسية.

وقال ابن تيمية: ومعلوم أن تعلم العربية وتعليم العربية فرض على الكفاية، وكان السلف يؤدبون أولادهم عن اللحن، فنحن مأمورون -انظر كلام ابن تيمية- نحن مأمورون أمر إيجاب أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربي. ما هو القانون العربي؟ يعني اللغة، اللغة العربية، قواعد العربية، ونصلح الألسنة مائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنة، والاقتداء بالعربي في خطابها، فلو ترك الناس على لحنه يقول ابن تيمية: فلو ترك الناس على لحنه كان نقصاً وعيباً، فكيف إذا جاء إلى الألسنة العربية المستقيمة والأوزان القويمة فأفسدها بمثل هذه المفردات والأوزان المفسدة للسان؟ هذا كلام ابن تيمية قبل 700 سنة تقريبا، ماذا سيقول الآن لو سمع كيف نحن مقصرون في اللغة العربية والنحو؟

طيب، ما معنى كلمة نحو؟ الآن نبدأ في المبادئ العشرة التي بها سنختم هذه المقدمة إن شاء الله. ما معنى كلمة نحو؟ نقول: كلمة نحو في اللغة العربية لها عدة معانٍ، تاتي كلمة نحو بمعنى الجهه، تقول: ذهبت نحو فلان، يعني جهة فلان. وياتي النحو بمعنى القصد، تقول: نحوت معروفاً -يعني اتجهت يعني قصدت معروفاً- نحوت معروف الأمير، يعني قصدت معروف الأمير. وتاتي كلمة نحو بمعنى دون وبمعنى الشبه، تقول: هذا نحو هذا، يعني يشبهه، بمعنى المثل، بمعنى النوع، تقول: هذا الكتاب أو هذه المسالة على خمسة أنحاء، يعني خمسة أنواع وهكذا، وله تقريبا سبع معانٍ في اللغة العربية.

تمام هذه المسالة، هذه المسالة الأولى من المبادئ العشرة؛ العلوم كلها، علوم شرعية أو عربية لها مبادئ تسمى بالمبادئ العشرة: إن مبادي كل فن عشرة الحد والموضوع ثم الثمره نعم إلى آخره. هذه الأبيات تجمع المبادئ العشرة، ما معنى المبادئ العشرة؟ يعني كل فن، كل علم له تعريف لغة واصطلاحاً، له اسم، له موضوع، له مسائل، له واضع -يعني مؤسس- له فائدة وثمره، إلى آخره هذه المبادئ العشرة، يعني أساسيات أي علم. هذا المبدا الأول، ما هو المبدا الأول؟ ما معنى النحو في اللغة العربية؟ عرفناه، يأتي على عدة معانٍ سبعة تقريبا.

طيب ما موضوع... اه طيب قبل أن ندخل المبدا الثاني ما هو ما تعريف النحو في الاصطلاح أي عند النحويين؟ نقول: هو علم بقواعد يعرف بها أحكام أواخر الكلمات العربية. انتبه! علم النحو يدرس آخر الكلمة، كلمة زيد ما آخرها؟ حرف الدال. علم النحو وظيفته أن يبين لك ما هي الحركة التي تضعها على الدال. علم النحو لا يهتم بالزاي ولا بالياء، لماذا؟ لأنه أول ووسط، علم النحو لا يهتم بالأول ولا بالوسط، وإنما يهتم باخر الكلمة. فمتى نقول: زيدٌ؟ ومتى نقول: زيداً؟ ومتى نقول: زيدٍ؟ واضح هذا علم النحو؟ إذاً؛ قواعد تعلمك كيف تضبط آخر الكلمة في حال تركيبها من الإعراب والبناء وما يتبع ذلك. عندنا كلمات معربة وكلمات مبنية والفرق بينها ستعرفه لما تدرس هذا العلم.

المبدا الثاني: ما موضوع علم النحو؟ موضوع يعني الشيء الذي يدرسه علم النحو. واضح علم النحو يدرس الكلمات العربية، لكن من أي جهة؟ من جهة: يبحث في أحوال أواخر الكلمات كما قلنا قبل قليل، ولا يبحث في حال الأفراد، كيف يعني؟ لو جئتني وقلت لي يا استاذ ما إعراب كلمة زيد؟ لا أستطيع أن أجيبك، لا أستطيع! ساقول لك: ضع زيداً في جملة، بعد ذلك ساقول لك: ما إعرابها؟ إذاً علم النحو يبحث في الكلمة في حال الأفراد أم في حال التركيب في جملة؟ في حال التركيب في جملة. فإذا وضعت كلمة زيد في جملة فقلت لي: جاء زيدٌ، هنا ساقول لك: فاعل. ضربت زيداً، هنا ساقول لك: مفعول به. مررت بزيدٍ، هنا ساقول لك: مجرور. لكن قبل أن يوضع في جملة، هل له إعراب؟ لا لا، لا ينظر فيه النحو ولا يبحثه. إذاً أن علم النحو موضوعه الكلمات العربية بعد أن تركب في جملة.

رقم ثلاثة: ما ثمره تعلم علم النحو؟ أظن اصبحت هذه الثمره الآن عندكم واضحة، أهم ثمرة من ثمار تعلم النحو: فهم القرآن وفهم الحديث النبوي فهماً صحيحاً. هذه أهم ثمرة، لكن هل ثمره النحو مقصوره على هذه؟ لا، ليست مقصورة على هذه، ولكن نقول: هذه أهم ثمار ثمار تعلم النحو، أهم ثمارها. ولكن من الثمار الأخرى: صون اللسان عن الخطا في النطق، وصون البنان الذي هو القلم عن الخطا في الكتابة، وصون القلب عن الخطا في الفهم، إلى آخره. وأيضاً كما قلنا لكم بالنسبة لطالب العلم، واجب عليه، لا يجوز له أن يفسر القرآن ولا يفسر السنة إلا إذا تعلم اللغة العربية وتعلم النحو تحديدا.

قال الرازي: اعلم أن معرفة اللغة والنحو والتصريف فرض كفاية، لأن معرفة الأحكام الشرعية واجبة بالإجماع، إلى آخر كلامه. قال السيوطي: وقد اتفق على أن النحو يحتاج إليه في كل فن من فنون العلم لا سيما التفسير والحديث، ثم قال: فانه لا يجوز لأحد أن يتكلم في كتاب الله حتى يكون ملياً -يعني غنياً- بالعربية. وكلامهم في هذا كثير.

طيب هذا المبدا الثالث؛ إذاً المبدا الأول: تعريف العلم. المبدا الثاني: موضوع النحو. المبدا الثالث: ثمره النحو.

طيب المبدا الرابع: واضع علم النحو؛ من الذي وضع هذا العلم؟ من الذي أسسه؟ طبعا النحو أو قواعد النحو موجودة عند العرب، موجودة منذ أن وجد العرب تماماً من أيام الجاهلية يتكلمون بقواعد النحو، لكن من الذي أسس لهذا العلم وصنف فيه؟ يقولون: الذي وضع هذا العلم وجمع قواعده -جمعها ولم يخترعها، هي موجودة عند الناس لكنه جمعها- أول من وضع لهذا العلم هو أبو الأسود الدؤلي رحمه الله، وهو تابعي من تلاميذ علي بن أبي طالب، وذلك بأمر من أمير المؤمنين، وذلك في قصة مشهوره يذكرونها: أنه كان عند ابنته فتكلّمت ولحنت ابنة من ابنة أبي الأسود الدؤلي، لحنت، فخاف، هو صدم! كيف ابنتي تلحن؟ نحن في هذا الزمن؟ فذهب إلى علي رضي الله عنه وشكى له أن ابنته لحنت، وأن الناس بدأوا يلحنون، بدأ اللحن ينتشر بين الناس، فأمره علي رضي الله عنه -فيما يقال الرواية تقول- أنه أمره بأن يأتي بكتاب وقال له: اكتب. قال: ما اكتب؟ قال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، الكلمة إما اسم وإما فعل وإما حرف، وهكذا، ثم قال له: ونحو على هذا النحو، فسمي بعلم النحو، سمي بعلم النحو، والله أعلم.

ما حكم تعلم علم النحو؟ نقول: فرض كفاية بالنسبة للمسلمين عموماً، هو فرض كفاية، يجب على طائفة من المسلمين أن يتعلموا علم النحو فهو فرض كفاية، إذا قام به طائفة سقط الإثم عن الباقين، إذا تركه كل المسلمين الجميع يأثم. هل يمكن أن يكون علم النحو فرض عين؟ نعم، يكون فرض عين في حق طالب العلم، إذا أراد أن يتعلم الشريعة فهو فرض عين في حقه، لا يجوز له أن يفسر القرآن ولا الحديث بدون علم النحو.

مسألة: هل تعلم علم النحو سهل ولماذا يستصعبه الطلاب؟ فنقول -يعني كما قال الشافعي تروى كلمة عن الشافعي أنه قال: ليس في علم الكتاب والسنة شيء سهل- يعني نقول نحن عموماً العلوم والمعارف يعني لا توصف بأنها سهلة، لأن هذه العلوم تحتاج إلى جهد، تمام؟ لكن أنا أقول: علم النحو يسير إن شاء الله على من يسره الله عز وجل عليه، تمام. فإذا عرفت الطريقة الصحيحة ووفقت لمعلم جيد فهو سهل إن شاء الله، هو سهل.

ويعني قد تكلمت أنا عن هذه المسألة، مسألة صعوبة النحو: هل النحو هذا سهل أم صعب؟ ممكن ترجعون إلى كتابي "مدارج النحو" الذي شرحت فيه قصتي في تعلم النحو، أرجو أرجو أن ترجعوا إليه ستجدون شيئاً من هذا الكلام عن موضوع السهولة ونحو ذلك، فانا أقول الذي تحتاج إليه من علم النحو سهل سهل، وما زاد على ذلك من الأمور الصعبة فهذا للمتخصصين، هذا للمتخصصين. ودليلي على أن هذا العلم سهل أنني رأيت إخوة من شتى الجنسيات ومن شتى الدول من الشرق ومن الغرب قد تعلموا هذا العلم بل ويتكلمون باللغة العربية فصحى ويكتبون بها، فلولا أنه ميسر لما رأينا هذا واقعاً موجوداً أمامنا.

ثم إن النحو هو جزء من اللغة العربية، واللغة العربية هي لغة القرآن، والله عز وجل قال عن القرآن: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17] فالقران ميسر لأنه فيه وجوه من التيسير منها اللغة العربية، فلو كان لو كان هذا يعني مستحيلاً أو صعاباً جداً لما اختاره الله عز وجل ليكون لغة آخر كتبه.

كيف أتعلم علم النحو؟ أقول: شرحت هذا بالتفصيل في كتاب مدارج النحو، لكن باختصار تحتاج أن تتدرج، تبدا بكتاب صغير مثل الآجرومية، أتقنته تذهب إلى قطر الندى، أتقنته تذهب إلى ألفية مالك، وتنتهي تراعي تخلص النية، تدعو الله، تختار المعلم الموفق الذي لا يشغلك بالخلافات.

طيب إذا عرفنا بعض من هذه المبادئ العشرة، فعرفنا تعريف هذا العلم لغة واصطلاحاً، وعرفنا واضع هذا العلم، وعرفنا ثمرة هذا العلم، وعرفنا موضوع هذا العلم. تمام، مما يذكرونه أيضاً مبادئ المسائل، مسائل هذا العلم. مسائله كثيرة، يعني من مسائله أنه يدرس لك مثلاً الجمله الاسمية والجمله الفعلية والمبتدأ والخبر، الفعل والفاعل. طيب مسائله تدرس في الفن نفسه.

طيب إذاً أقول: عرفنا تعريف هذا العلم، موضوع هذا العلم، ثمرة هذا العلم، وواضع هذا العلم، هذا كم مبدا؟ هذه أربعة من أصل عشرة.

الخامس: فضل هذا العلم، قد عرفناه من خلال ما قرأناه من نصوص الأئمة سلفاً وخلفاً.

السادس: اسم هذا العلم، ما اسمه هذا العلم؟ اسمه علم النحو، أحياناً يقولونه علم القواعد، قواعد العربية، أحياناً الناس يقولون علم الإعراب، لكن الاسم المشهور هو علم النحو.

طيب، المبدا الذي بعده الاستمداد، من أين يستمد هذا العلم؟ من أين يستمد؟ من أين يؤخذ؟ من أين يستقى؟ يستقى من القرآن الكريم وكلام العرب الأوائل، كلام من؟ العرب الأوائل، فيدخل فيه أهل الجاهلية، ويدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم بلا شك، ويدخل فيه الصحابة إلى الفترة التي انتشرت فيها اللحون.

المبدا الذي بعده النسبة، ما نسبة هذا العلم؟ يعني ما علاقة هذا العلم بباقي العلوم؟ نقول: نسبة هذا العلم أنه يعود إلى علوم اللغة العربية، هو نسبته أنه فرع من فروع اللغة العربية.

هذه هي المبادئ والمسائل، طبعا أشرت إليها قبل قليل، أنظروا ماذا يقول الناظم؟ يقول: إن مبادي كل فن عشرة الحد والموضوع ثم الثمرة وفضله ونسبه والواضع والاسم الاستمداد وحكم الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى ومن درى الجميع حاز الشرف

نعود إليها: الحد يعني التعريف عرفناه. الموضوع عرفناه. الثمرة عرفناها. الفضل فضل هذا العلم عرفناه. النسبة قلنا: هذا العلم من علوم اللغة العربية. هذا الخامس. السادس: الواضع، واضع هذا العلم هو أبو الأسود الدؤلي. السابع: الاسم، اسم هذا العلم النحو. الثامن: الاستمداد، عرفنا من أين يستمد. التاسع: حكم الشارع، حكم الشريعة، ما حكم الشريعة في تعلم النحو؟ قلنا هو فرض كفاية الأصل لكن أحياناً يكون فرض عين. العاشر والأخير: مسائل هذا العلم، مسائل هذا العلم تدرس في في كتبه المختصة مثل دراسة باب كان وأخواتها، إن وأخواتها، حروف الجار، هذه هي مسائل هذا العلم.

طيب هناك في الحقيقة نصائح كثيرة ممكن أن ينصح بها وقد يعني أو جزتها أنا في كتابي مدارج النحو، لكن لا باس من الإشارة إلى بعضها هنا، وهو قضية الأخطاء التي يقع فيها بعض الطلبة في تعلم النحو، فمثلاً من الأخطاء: بعض الطلاب لا يريد أن يحفظ شيئاً في النحو ثم يريد أن يتقن النحو، فانا أقول علم النحو شيء منه يحتاج إلى...

ليس كل النحو حفظاً، ولا كل النحو فهماً؛ فيه ما يحفظ، وفيه ما يفهم، أغلبُه فهم، لكن هناك جزء لا بأس به من علم النحو لابد أن يحفظ. فهناك أشياء تحفظ ولا تفهم، مثلاً حروف الجر، حروف الجر هذه الحروف لابد أن تحفظها كاسمك، وإلا كيف ستعرف أنه حرف جر؟ فهذه تحفظ كما هي وليس فيها ما يفهم، واضح؟

مثلاً حروف الجزم؛ لابد أن تحفظها، أن تعرفها كما هي دون زيادة ولا نقصان. حروف النصب، النواصب التي تنصب الفعل المضارع، هذه لابد أن تحفظ كما هي، واضح؟ فإذاً، هناك جزء من النحو لابد أن يحفظ، والباقي أكثره -يعني نستطيع أن نقول ربما نسبة 70%، ربما الله أعلم- معظم علم النحو هو عبارة عن فهم وتطبيق.

وهذه هي النصيحة الثانية، أنه إذا أردت أن تتقن النحو فعليك بكثرة التطبيق، كثرة التطبيق. كلما تدرس قاعدة طبقها؛ فدرست مثلاً باب الفاعل أن الفاعل مرفوع، حاول دائماً أن تستخرج الفاعل في الجملة تماماً، فعلم النحو هو علم تطبيقي، فاذا كنت لا تطبق فلا فائدة من دراسة القواعد النظرية.

فلا بد أن تطبق كثيراً ما تدرسه من القواعد النظرية، تطبقه في كلامك، تطبقه في سماعك، حتى لما تسمع إلى شخص تحاول أن تعرف لماذا هنا المتكلم رفع هذا، لماذا نصب هذا، لماذا جر هذا؟ تطبق ما تسمعه، تطبق ما درسته على ما تسمعه، وأيضاً تطبقه في كتابتك. لما تكتب -حتى ليس شرطاً أن تكتب كتاباً مثلاً، لكن عندما تكتب رسالة لصاحبِك باللغة العربية، أو تكتب تغريدة، أو تكتب ما شابه ذلك- حاول أن تطبق القواعد التي درستها، ستخطئ مرة ومرتين وثلاث وأربع وخمس إلى أن تصل إلى درجة الإتقان بإذن الله تعالى.

إذاً، النصيحة الأولى: احفظ، والأشياء التي تحفظ قد بينتها بالتفصيل في كتاب مدارج النحو، أشياء قليلة تحفظ منظومات وما شابه ذلك، منظومة عبيد ربه مثلاً هذه تحفظ كاملة، تماماً، قطر الندى لا يحفظ، ألفِ تحفظ منه الذي تستطيع. طيب، إذاً النصيحة الأولى: احفظ القواعد المهمة، ثانيا: طبق ما تدرسه على كل شيء، تماماً.

ثالثاً: لا تستعجل الثمرة، لا تستعجل. لا تقول: أنا درست كثيراً وقرأت كثيراً وحضرت دروساً كثيرة ومع ذلك لم أستفد، اصبر، هناك ابحث عن الخطأ، ما هو؟ هناك شيء خطأ، إما أنك لا تحفظ، إما أنك لا تطبق، إما أنك تدرس بطريقة خاطئة، إما أنك تدرس كثيراً وتجهد نفسك، واضح؟ أما أن الكتاب الذي اخترته ليس موفقاً، تماماً. فإذا مشيت على ما ذكرناه بالتفصيل بالدقة لابد أن تصل إن شاء الله، وإلا هناك شيء خطأ؛ لأن هذه الطريقة التي نحن ذكرناها، هذه طريقة العلماء قديماً، هذا التدرج، الآجرومية ثم قطر الندى ثم الألفية، فهذه الطريقة شائعة دارجة معروفة سلكها كثيرون قبلك ووصلوا إلى ما أرادوه. فإذا لم تصل، هناك مشكلة؛ إما مشكلة فيك، أو مشكلة في الكتاب الذي اخترته، أو مشكلة في المعلم الذي يدرسك، واضح شباب؟

أي نعم، أرجو أن تكون هذه المقدمة تشويقية بما فيه الكفاية، وأرجو أن يكون الطالب قد اقتنع وأيقن أن هذا العلم -علم النحو- ضروري ولا بد منه. واسأل الله عز وجل أن يزيدنا وإياكم علماً نافعاً وعملاً صالحاً، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سجّل الدخول لتحفظ ما أنهيته من الدروس في مكتبتك

هذا آخر دروس دروس