بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة ألفية ابن مالك في النحو والصرف، سائلين الله سبحانه وتعالى أن يعيننا، وأن يمدنا بقوة من عنده على الدرس والتحصيل والتحليل والفهم والشرح، وأن يديم أعمارنا في طلب العلم وتحصيله وأن يوفقنا في هذا الميدان وهو راضٍ عنا. اللهم إنا نسألك أن تشغلنا بما يقربنا إليك ولا تشغلنا بالدنيا وملذاتها، ولا تشغلنا بما لا نفع فيه. اللهم اجعل هذا العلم خالصًا لوجهك الكريم، اجعله مقربًا لنا إلى مرضاتك، ولا تجعله مبعدًا لنا عن دربك ونهجك، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
وصلنا أحبابي الكرام إلى الفقرة الأخيرة من باب النعت، أو الموضوع الأخير من باب النعت، وهي ما يسمى بقضية: هل يمكن الاستغناء عن النعت؟ هل يمكن الاستغناء عن النعت وتحويله من نعت إلى شيء آخر؟ هنا يأتي ابن مالك ليقول لنا: «وإنْ نُعُوتٌ كَثُرَتْ وَقَلَّتْ ... مُفْتَقِرًا لِذِكْرِهِنَّ أُتْبِعَتْ أَوْ أُتْبِعَنْ إِنْ يَكُنْ مُعِينًا ... بِدُونِهَا أَوْ بَعْضِهَا أُقْطِعَتْ أَوْ أُنْصِبَا لَنْ يَظْهَرَا مُضْمَرَةً ... مُبْتَدَأً أَوْ نَاصِبًا لَنْ يَظْهَرَا»
فهذه الأبيات الثلاث تكلم ابن مالك رحمه الله تعالى عن موضوع قطع النعت. وهنا في الحقيقة سنجد أن المسألة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام، أو إلى ثلاثة أنواع بحسب افتقار المنعوت إلى نعته. الآن المنعوت ذُكر بعده نعت أو نعوت؛ عندنا منعوت ذُكر بعده نعت أو مجموعة من النعوت. عندك منعوت ثم بعده نعت، قد يكون نعتًا واحدًا، قد يكون نعتين، قد يكون ثلاثًا وهكذا.
الآن المنعوت علاقته بالنعت الذي بعده لها ثلاث صور. الصورة الأولى أن يكون المنعوت مفتقرًا إلى جميع النعوت، حتى يتضح ويفك الاشتباه بينه وبين غيره. ففي هذه الحالة يجب أن تبقى جميع النعوت على النعتية، وهذا هو الذي قصده في البيت الأول لما قال: «وإن نعوت كثرت وقتلت»؛ هذه النعوت الكثيرة إذا جاءت لمنعوت مفتقر لها لا يمكن الاستغناء عنها، هو يحتاج لها حتى ينفك الاشتباه بينه وبين غيره، في هذه الحالة يجب الاتباع، ويجب أن تبقى هذه النعوت على نعتيتها ولا يجوز أن تنقل إلى حل آخر أو إلى شيء آخر.
الحالة الثانية أن يكون المنعوت مستغنيًا عن جميع النعوت، أي أن يكون المنعوت واضحًا جدًا لا يحتاج إلى نعت أصلًا، فإذا جاءت بعده نعوت في هذه الحالة، سيأتي معنا أن هذه النعوت يجوز أن تبقى على النعتية على الاتباع، ويجوز أن تُقطع. وهنا يأتي معنا أول مرة ما يسمى بقطع النعت. إذا كان المنعوت مستغنيًا عن جميع النعوت، فهنا إما أن تتبع وإما أن تقطع، فتصبح مخيرًا بين الاتباع وبين القطع.
ما معنى القطع؟ القطع أحبابي هو أن أخرج النعت عن النعتية وأجعله خبرًا لمبتدأ محذوف، وسيأتي معنا هل يلزم حذفه ولا لا يلزم حذفه؟ لكن بدي إياك تفهم ما هو القطع. القطع هو أن تخرج النعت عن النعتية وتجعله خبرًا لمبتدأ محذوف، في العادة تقديره «هو»، أو تجعله مفعولًا به لفعل محذوف تقديره «أعني».
فمثلاً لو قلت: «جاء زيدٌ التاجرُ»، نعتبر زيدًا واضحًا عند جميع السامعين، هو لا يحتاج إلى النعتية، فهنا التاجر وهو النعت يجوز أن أُبقيه نعتًا، وهذا الخيار الأول. ويجوز أن أخرجه عن النعتية وأقطعه؛ فإما أن أجعله خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره «هو»، فأقول: «جاء زيدٌ التاجرُ»، التاجر هنا بقيت مرفوعة لكنها ليست مرفوعة على النعتية، بل هي خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، أي: «هو التاجرُ». وهذا هو الخيار الثاني، ويجوز أن أقول: «جاء زيدٌ التاجرَ»، وأجعل التاجر بالفتح مفعولًا به لفعل محذوف تقديره «أعني»، أي: «جاء زيدٌ أعني التاجرَ». فتصبح التاجر مقطوعة عن النعتية وإعرابها مفعول به لفعل محذوف تقديره «أعني».
فهذا متى يجوز أن أمارسه؟ وهو أسلوب القطع، أن أخرج النعت عن الاتباع إلى القطع فأجعله خبرًا لمبتدأ محذوف أو مفعولًا به بفعل محذوف. قالوا: إذا كان المنعوت واضحًا بنفسه مستغنيًا عن جميع النعوت. وبالتالي هذا سيفتقر إلى السياق، أنك أنت تنظر إلى السياق وتقدر، ولذلك أحيانًا بعض الجمل يمكن تعريفها بعدة إعرابات، يعني أنت مخير فيها.
لذلك في مثلاً «بسم الله الرحمن الرحيم»، يأتي بعض النحاة يقول لك: «الله» لفظ الجلالة واضح، لك أن تعرب «الرحمن الرحيم» على أنها نعوت، تقول: «الرحمن» نعت أول، و«الرحيم» نعت ثانٍ. والبعض يقول: بما أن لفظ الجلالة واضح، إذا أردنا أن نقطع النعوت فنقول: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وتكون «الرحمن» خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره «هو»، ونفس الشيء «الرحيم» خبر لمبتدأ تقديره «هو». وبصير مثلاً أقول: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وأقول: «الرحمن» مفعول به لفعل محذوف تقديره «أعني»، أو «أمدحه» كما سيأتي معنا إذا كان أسلوب مدح، و«الرحيم» نفس الشيء. فستلاحظ أنه لك الخيار في كيفية تلفظك بالنعت في هذه الحالة، في حالة كان المنعوت مستغنيًا عن جميع النعت، أنت مخير بين أن تتبع على النعتية وبين أن تقطع.
الحالة الثالثة، وهي حالة المنتصف، وهي أن يكون المنعوت مفتقرًا لبعض النعت مستغنيًا عن بعضه. هذه حالة خلينا نقول إنها في المنتصف، وهي أن يكون المنعوت هو مفتقر لبعض النعوت التي أتت بعده، ويمكنه الاستغناء عن بعضها، هو محتاج لبعضها مفتقر لها، وبعض...
الآخر كمال ثانوي يمكنه الاستغناء عنه. ففي هذه الحالة، إذا كان المنعوت مفتقراً للبعض ومستغنياً عن البعض، فما كان مفتقراً إليه يجب فيه الاتباع للنعت، وما كان مستغنياً عنه يجوز فيه الاتباع أو القطع.
إذاً، ما كان مفتقراً إليه يجب اتباعه قولاً واحداً، وما كان يمكن أن يستغني عنه فهذا يجوز فيه الاتباع ويجوز فيه القطع. إذاً هي ثلاث أحوال للمنعوت مع نعوته: أن يكون مفتقراً إلى جميعها، وهنا لا يوجد مجال إلا الاتباع، وهذا الذي قصده في البيت الأول: «وإن نعوت كثرت وقتلت... تُقرأ لذكرهن». أي تلت هذه النعوت منعوتاً مفتقراً لذكرهن، فليس هناك مجال إلا أن تتبع.
ثم قال: «واقطع أو اتبع إن يكن معيناً». إذا كان المنعوت معيناً بنفسه، واضحاً بنفسه، لا يحتاج إلى كشف أكثر، فأنت مخير بين القطع أو الاتباع؛ فلذلك قال: «واقطع أو اتبع»، أنت مخير بين هذا وهذا. «واقطع أو اتبع إن يكن معيناً»؛ إذا كان المنعوت معيناً واضحاً بنفسه.
«واقطع أو اتبع إن يكن بدونها»؛ هذه الحالة الثانية إذا كان المنعوت مستغنياً عن الجميع، إن يكن بدونها أو بعضها اقطع معلناً. يعني إذا كان مستغنياً عن البعض ومحتاجاً إلى البعض، فهنا زي ما قلنا: اقطع أو اتبع ما هو ما يمكن الاستغناء عنه، ويجب الاتباع فيما هو مفتقر. فالاستغناء قد يكون استغناءً كلياً كما هي الحالة الثانية، وقد يكون استغناءً جزئياً، وهذا ما أشار إليه لما قال: «واقطع أو اتبع إن يكن معيناً بدونها أو بعضها اقطع معلناً».
ثم بين ما هو القطع عندما قال: «وارفع أو انصب إن قطعت». يعني ما هو القطع في البيت الذي يليه؟ بينه عندما قال: «وارفع أو انصب إن قطعت»، فالقطع هو إما أن ترفع وإما أن تنصب. ارفع على ماذا؟ وانصب على ماذا؟ قال: «وارفع أو انصب إن قطعت مضمراً مبتدأ»، إذا استعمل أسلوب اللفظ والنشر المرتب هو الآن، مضمراً مبتدأ. يعني إذا اخترت الرفع، ففي هذه الحالة سيكون النعت المقطوع المرفوع خبراً لما عاد اسمه نعتاً، أصبح اسمه خبراً لمبتدأ مضمر تقديره "هو".
وإذا أردت النصب، ففي هذه الحالة ماذا سيكون؟ قال: «مضمراً مبتدأ أو ناصباً لن يظهر». قضية "لن يظهر" هذه ستأتي معنا، سنكتشف هل دائماً يجب حذف العامل؟ سيأتي هناك تفصيل في صور؛ نعم دائماً يكون فيها عامل الرفع وعامل نصب محذوف، وهناك صور يجوز الإظهار ويجوز عدم الإظهار. لكن يهمني الآن الفكرة أن تفهم ما هو القطع؛ القطع للنعت أن تحوله إلى مرفوع على أنه خبر لمبتدأ مضمر، أو منصوب على أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره "أعني". هكذا بالجملة.
الآن سنأتي إلى قضية هل يظهر ولا لا يظهر بإذن الله، إذاً هكذا شرحنا مجمل الأبيات. دعونا سريعاً نقرأ ما قاله الأشموني، قال الأشموني عليه رحمة الله: «وإن نعوت كثرت وقت تلت، أي تبعت منعوتاً مفتقراً لذكرهن، بأن كان لا يعرف إلا بذكر جميعها، اتبعت هذه النعوت كلها لتنزيلها منه حينئذ منزلة الشيء الواحد».
قال: هذه النعوت الكثيرة تنزل منه منزلة الشيء الواحد، وذلك كقولك: "مررت بزيد التاجر الفقيه الكاتب". الآن تكون كلمة "زيد" مفتقرة لكل هذه النعوت: التاجر، والفقيه، والكاتب. يكون زيد مفتقراً لكل هذه النعوت إذا كان هناك شخص غيره تاجر، وشخص غيره فقيه، وشخص غيره كاتب، في المجتمع كتاب وفقهاء وتجار، فنريد أن نميز زيداً عن كل هؤلاء، فنقول: "جاء زيد التاجر الفقيه الكاتب".
لو قلت: "مررت بزيد التاجر" وسكتت، مش ممكن شخص آخر في المجتمع اسمه أيضاً زيد وهو تاجر، إذاً "زيد" لا يزال يحتاج إلى وضوح أكثر؛ من هو زيد التاجر الذي تقصده؟ فأقول لك: "زيد التاجر الكاتب"، ممتاز، هكذا أنت وضحت، ولكن ممكن أيضاً يكون في المجتمع شخص آخر اسمه زيد ويكون كاتباً وتاجراً، فأقول لك: "هذا زيد التاجر الفقيه". ممكن أحتاج إلى نعت رابع، ممكن يكون فعلاً في المجتمع واحد ثاني اسمه زيد برضه فقيه وكاتب، فضل اشتراك واشتباه.
فالمهم، لاحظ قال: إذا كان هذا الموصوف يشاركه في اسمه ثلاثة. يعني متى احتجت إلى أن أذكر "زيد التاجر الفقيه الكاتب"؟ إذا كان هذا الموصوف وهو زيد، هناك أشخاص آخرون يشاركونه في اسمه، يعني برضه اسمهم زيد وموصوفون بالتجارة. الأشموني قال وفصلها لثلاث، أنت تقدر تحسبها كما تريد؛ قال إذا كان هذا الموصوف وهو زيد يشاركه في اسمه ثلاثة أشخاص؛ واحد منهم تاجر وكاتب، والآخر تاجر وفقيه، والثالث فقيه وكاتب.
كلامه صحيح، يعني عندنا الآن زيد الموصوف، وعندنا في المجتمع ثلاثة أشخاص اسمهم زيد: واحد منهم تاجر وكاتب، وواحد منهم تاجر وفقيه، وواحد منهم فقيه وكاتب. وعيننا زيد الموصوف، فحتى تميز زيد الموصوف عن كل هؤلاء الثلاثة أنت مضطر أن تأتي بجميع الأوصاف الثلاثة حتى تميزه بالخصوصية، وهو زيد التاجر الفقيه الكاتب، لأنه ما عندنا في المجتمع خيار "زيد تاجر وفقيه وكاتب" إلا هو. فلاحظ أن "زيد" هنا مفتقر لثلاثة أوصاف، وإذا استغني عن وصف واحد سيحصل اشتباه بينه وبين شخص آخر في المجتمع اسمه زيد، فهذا هو المراد بقضية الافتقار.
ثم قال: «واقطع أو اتبع إن يكن معيناً بدونها أو بعضها اقطع معلناً»، أي واقطع الجميع أو اتبع الجميع، أو اقطع البعض واتبع البعض. وهذه فائدة جيدة؛ يعني عندما نقول إذا كان المنعوت مستغنياً عن جميع النعت، نحن حكينا إما أن تتبع وإما أن تقطع، أي إما أن أتبع الجميع وإما أن أقطع الجميع. هل يصح لي خيار مثلاً أن أتبع البعض وأقطع البعض كخيار ثالث؟ هذا أنا ما حكيت به، بس أظنه مفهوم ضمنياً، بما أنه يصح لي أن أتبع الجميع أو أقطع الجميع، ضمنياً يصح أيضاً أن تتبع البعض وتقطع البعض.
فهذا أشار إليه الأشموني لما قال: "أو اقطع أو اتبع إن يكن معيناً بدونها أو بعضها اقطع معلناً"، أي إذا كان المنعوت إما أن تكون النعوت معيناً بدونها كلها، أي ليس محتاجاً إلى شيء من هذه الأوصاف، ومثلوا على ذلك بقولهم: «الخرنق لا يبعد».
«من قوم الذين هم سم العيدات وافة الجزر النازلون بكل معترك والطيبون معاقد الازر». جميل هذا البيت، الطيبون معاقد الازر دلالة على العفة، والمقطع الأول دلالة على الشجاعة. قال: «فالنازلون مثلا إذا لا يبعدن قومي الذين هم سموا العداة وافة الجزر، النازلون لكل معترك والطيبون».
فعندك الآن هذه الثلاثة؛ فيجوز رفع النازلين والطيبين على الاتباع لقومه، لأنه قومي -وأعرابها فاعل- هذا هو المنعوت. الآن نعوته؛ كلمة "الذين هم" تجاوزها لأنه اسم موصول لن يتضح عليه التغير، لكن النازلون والطيبون يتضح عليهما التغير، فلذلك ركز عليها الأشموني. فيجوز أن نقول: «لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة النازلون الطيبون»، كلها تكون على الاتباع، هذا الخيار الأول.
ويجوز أن تقطع، أي الخيار الثاني هو القطع الذي جوز هنا، قالوا إن القوم هنا واضحة؛ لأن الخرنق عندما تتكلم عن قومها فقومها معروفون لا يشتبهون بغيرهم، فهذه الأوصاف التي ذكرت لهم هم لا يحتاجونها حتى يتميزوا عن غيرهم، لأنهم واضحون معروفون، فهذه الأوصاف فقط للحاصل لمجرد المدح، فبالتالي لك الخيار في أن تقطع. فإذا قطعت، إما أن تقول: «النازلون» بالرفع أيضًا و«الطيبون» بالرفع أيضًا، خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هم"، التقدير: هم النازلون وهم الطيبون. ولك أيضًا قالوا النصب، فتقول: «النازلين بكل معترك والطيبين»، وفي هذه الحالة إذا قلت "النازلين والطيبين" تجعل النازلين مفعولًا به لفعل محذوف تقديره امدح النازلين أو اذكر أو اعني، وكذلك الطيبين.
إذاً فيجوز رفع النازلين والطيبين على الاتباع، ويلزم الرفع على القطع بإضمار مبتدأ محذوف تقديره "هم"، ويجوز أن تنصب أيضًا في حال القطع، أن تنصب على أنها مفاعيل لمفعول أو مفعول به لفعل محذوف تقديره امدح أو اذكر. وقال: ولك رفع الأول ونصب الثاني على ما ذكرنا، يعني الآن أعطيك كل الخيارات العقلية الموجودة لك: ولك رفع الأول ونصب الثاني، أي يجوز أن تقول "النازلون" فترفعها و"الطيبين" فتنصبها.
إذا قلت "النازلون" ورفعتها، فالرفع إما أن يكون هنا على الاتباع على النعتية، وإما أن يكون على أنه مقطوع لكنه خبر لمبتدأ محذوف، فالرفع يحتمل الاتباع ويحتمل القطع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وستكون الثانية المنصوبة وجهاً واحداً مفعولاً به لفعل محذوف تقديره "أعني وأمدح". وقال: ويجوز العكس وهو أن أنصب الأولى فأقول "النازلين" وأرفع الثاني وهي "الطيبون". هنا انتبهوا في حال العكس، لو قلت "النازلين" ثم قلت "والطيبون"؛ الآن "النازلين" على القطع قولاً واحداً مفعول به لفعل محذوف، قال: "والطيبون" ماذا ستكون؟ هل أيضاً نعطيها خيارين أن "الطيبون" إما نعت وإما خبر لمبتدأ محذوف؟ قالوا هنا لا، ما ينفع إلا وجه واحد وهو أن تكون "الطيبون" في هذه الحالة خبرًا لمبتدأ محذوف، ولا يجوز أن تقول إنها نعت.
لماذا لا يجوز أن أقول إنها نعت؟ قال لأنك قطعت الأول لما قلت "والنازلين"، لما قطعت الأول لا يجوز على الصحيح الاتباع بعد القطع، إذا أنا قلت "والنازلين بكل معترك" أنا قطعت، ما يصير بعد ذلك أرجع وأتي بنعت ما دمت قطعت الأول، إذاً الثاني يقطع. أما إذا اتبعت الأول، الثاني يبقى لي الخيار بين أن أتبع فيه وبين أن أقطع، فانتبهوا لهذه الدقيقة؛ إذا قطعت الأول من النعوت كله يجب بعده القطع ولا يجوز أن آتي بعده بنعت متبع، أما إذا اتبعت الأول فما بعده يجوز فيه القطع ويجوز فيه الاتباع.
لذلك وعكسه على القطع فيهما؛ يعني إذا أنني نصبت الأول فقلت "النازلين" ورفعت الثاني فقلت "والطيبون"، هنا يكون على القطع فيهما، أي في الأول والثاني، فالنازلين مقطوعة على النصب مفعول به، والطيبون مرفوعة على أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هم"، ولا يجوز فيها خيار آخر.
بسم الله، قال: «أو بعضها اقطع، بمعنى هذه الحالة الثالثة؛ إذا كان المنعوت مفتقرًا إلى بعض النعوت دون بعض وجب اتباع المفتقر إليه، وجاز فيما سواه وهو لما يمكن الاستغناء عنه جاز فيه القطع والاتباع»، هكذا في شرح الكافية. في هذه الحالة الثالثة يجب أن يكون هو الذي ابتدأت به، وما يمكن الاستغناء عنه أنت اخترت فيه القطع، فهنا يجب أن تنتبه أن النعوت هي التي تأتي أولاً بالاتباع، ثم يأتي بعد ذلك القطع، زي ما قلنا قبل شوي ما يصير يتقدم القطع على الاتباع على الصحيح من كلام النحاة.
وهنا انظروا ماذا قال: تنبيه؛ الأول إذا قطع بعض النعوت دون بعض قدم المتبع على المقطوع ولا يعكس، هذا هو الصحيح. وقال: وفيه خلاف، قال ابن أبي الربيع الصحيح -يعني ابن أبي الربيع مع الجمهور- أنه لا يجوز غير ذلك، لكن صاحب البسيط قال الصحيح... لكن لا يهمني كلام صاحب البسيط، الأشموني أتى بقول ثالث في المسألة، قال: ولو فرق بين الحالة الثانية (وهي حالة إمكانية الاستغناء عن الجميع) والحالة الثالثة (وهي الافتقار إلى بعض النعوت من البعض) فلا يجوز، لكان مذهباً.
ما رأي الأشموني في هذه المسألة؟ الأشموني أرى أنه يمكن أن يقال بجواز أن يأتي القطع ثم يأتي بعد ذلك الاتباع، أما إذا كان المنعوت مفتقرًا لبعض النعوت مستغنيًا عن البعض، وهذا الذي استغنى عنه اخترت فيه القطع، في هذه الحالة يقول لك لا يجب أن يكون الاتباع أولاً ثم يأتي بعد ذلك القطع. الأشموني باختصار في مسألة هل يجوز تقدم القطع على الاتباع أم لا يجوز؛ يقول إذا كان المنعوت مستغنيًا عن جميع نعوته هنا يجوز أن يتقدم القطع على الاتباع وأن يتقدم الاتباع على القطع، كله جائز. وأما إذا كان المنعوت مفتقرًا للبعض مستغنيًا عن البعض، في هذه الحالة لا يجوز أن يتقدم القطع على الاتباع بل يأتي الاتباع أولاً ثم يأتي بعد ذلك القطع، وجعله مذهباً ثابتاً، وقال لو قيل هذا لصح أن يكون مذهباً ثالثاً، فكانت المسألة أصبح فيها ثلاثة أقوال، القول الأول وهو...
هو الذي سنمشي عليه، أنه سواء في الحالة الثانية أو الثالثة لا يجوز أن يتقدم القطع على الاتباع؛ يأتي الاتباع أولاً ثم القطع، وهذه واضحة.
القول الثاني: مطلقا يجوز أن يتقدم القطع على الاتباع، وهو قول صاحب البسيط، وهذا ما لا يهمنا. القول الثالث: وهو مذهب اقترحه الأشموني، وهو التفريق بين الحالة الثانية والثالثة؛ ففي الحالة الثانية، وهي حالة كون المنعوت مستغنيا عن الجميع، يجوز أن يتقدم القطع على الاتباع. أما في الحالة الثالثة، وهي حالة كون المنعوت مفتقرا للبعض دون البعض، هنا لا يجوز أن يتقدم القطع على الاتباع. هذه هي الأقوال باختصار.
نذهب إلى التنبيه الثاني، والتنبيه الثاني والثالث هنا مهم؛ إذ سيشير في التنبيه الثاني والثالث إلى نوعية معينة من النعوت هذه لا تقبل القطع. وهذه ميزة شرح الأشموني الحقيقية التي تجعله يفوق ابن مالك، عفوا، ويفوق ابن عقيل في شرحه؛ وهو تدقيقه في بعض الاستثناءات والقيود التي تظفر بها في الحقيقة وتستفيد منها. فمثلا هذه الفكرة لا تجدها عند ابن عقيل ولا عند ابن هشام في أوضح المسائل، وهي: ما هي النعوت التي لا تقبل القطع؟
فقال: هذا النوع هو أول واحد منها، إذا كان المنعوت نكرة، تعين في أول من نعوته الاتباع، وجاز في الباقي القطع. يعني المنعوت النكرة إذا كان أول نعت يأتي بعده، فهذا لازم يبقى على النعتية ولا يمكن فيه القطع بشكل من الأشكال، أما الثاني والثالث فنعم أنت مخير بين أن تقطع وبين أن تتبع إذا كان يمكن الاستغناء عنها، أما أول واحد هذا لا مجال فيه إلا للاتباع إذا كان المنعوت نكرة. هذه هي الحالة الأولى التي تستثنى.
أيضا ذكر في التنبيه الثالث قالوا: ويستثنى أيضا من إطلاقه النعت المؤكد. الآن وظائف النعت التي ذكرناها سابقا أن النعت قد يأتي فقط لمجرد التوكيد، ليس لتوضيح ولا لتخصيص ولا لمدح ولا لذم، إنما لمجرد التوكيد فقط؛ مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: 51]، فكلمة «اثنين» فائدتها ليست توضيحا ولا تخصيصا ولا مدحا ولا ذما، وإنما مجرد تأكيد للتثنية التي تضمنتها كلمة «إلهين».
فالنعت إذا كانت وظيفته فقط التأكيد، أو النعت الملتزم، مثل «الشعرة العبور»، يعني نجم الشعرة التزمت العرب نعته بأنه عبور، فهذا النعت الذي التزم عند العرب النعت به كذلك لا يمكن أن يقطع. أيضا الحالة الثالثة، وهي الجاري على مشار به، يعني عنده اسم إشارة وبعديه نعت له بعد اسم الإشارة، كقولنا: «هذا العالم حاضر»، فنعت اسم الإشارة أيضا لا يقبل القطع.
فعندنا إذا جمعنا التنبيه الثاني والثالث مع بعضهما، نخرج بتوليفة وهي أن هناك أربع صور لا يمكن فيها القطع: الصورة الأولى، إذا كان المنعوت نكرة فنعته الأول لا يمكن فيه القطع. الصورة الثانية، النعت المؤكد لمنعوته الذي وظيفته التأكيد لا يجوز فيه القطع. الصورة الثالثة، أن يكون النعت ملتمزا، وهو ما جرت عادة العرب بامتناعه ولم تخرج عنه، مثل «الشعرة العبور»، فهذا نعت دائم للشعرة لم تستعمله العرب إلا على وجه النعتية، فلا يجوز إخراجه إلى القطع. الحالة الرابعة، نعت اسم الإشارة، قال الجاري على مشار به نعت اسم الإشارة.
فهذه الصور لا يجوز فيها القطع بحال، ثم قال: «وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا». قال: وارفع وانصب إن قطعت النعت عن النعتية مضمرا لمبتدأ أو ناصبا لن يظهرا. إذا اخترت النصب، أي لا يجوز إظهارهما، لكن هنا انتبه، سنفصل. لاحظوا ماذا قال؟ قال: «وهذا إذا كان النعت لمجرد المدح أو الذم أو الترحم»، هنا لازم تضبطوا مقاصد النعت التي ذكرناها في بداية باب النعت؛ قلنا النعت يأتي بتوضيح أو لتخصيص أو لمدح أو لذم أو لترحم أو لتوكيد.
فهنا يقول: إذا كان النعت وظيفته فقط المدح أو الذم أو الترحم، في هذه الحالة إذا قطعت فإن المبتدأ لا يظهر ويكون مضمرا وجوبا، والفعل لا يظهر ويكون مضمرا وجوبا. يعني إذا قطعت واخترت الخبرية هنا سيكون المبتدأ محذوفا وجوبا، وإذا قطعت واخترت النصب هنا سيكون الفعل الناصب محذوفا وجوبا. هذا إذا كان النعت مرادا به المدح أو الذم، نحو قولك: «الحمد لله الحميد»، هنا «الحميد» والمراد بها أكيد ليست توضيحا أو تخصيصا للفظ الجلالة، وإنما المراد بها مجرد المدح؛ ففي أي حال «الحميد» يجب أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف وجوبا ولا يظهر المبتدأ أبدا.
ويجوز مثلا أن تقول ونحوه قوله: «وامرأته حمالة الحطب»، «حمالة» نعت مقطوع إلى النصب، وهذا النعت المراد به كان الذم فقط، ليس التوضيح ولا التخصيص لامرأة أبي لهب، وإنما هي معروفة واضحة، لكن المراد هنا ذمها، فلما كان المراد ذمها وجاء القطع إلى النصب فقلت «وامرأته حمالة»، نقول «حمالة» مفعول به لفعل محذوف وجوبا هنا، يحذف الفعل وجوبا ولا يجوز إظهاره، وتقديره: «أذم حمالة الحطب».
قال: أما إذا كان النعت مرادا به التوضيح أو التخصيص، وهي المقاصد الأساسية، وانتقلت من النعت إلى القطع، ففي حال القطع يجوز أن تظهر المبتدأ وأن تضمره، ويجوز أن تظهر الفعل وأن تضمره. فيجوز أن تقول مثلا: «مررت بزيد التاجر»، ونعتبر كلمة «التاجر» كان المراد بها التوضيح، لأن النعوت بعد المعارف للتوضيح. فمثلا لو قلت «مررت بزيد التاجر» وأردت أن أنصبه، فأقول: «مررت بزيد هو التاجر»، يصير أظهره. وكذلك لو نصبت فقلت: «مررت بزيد التاجر»، يجوز أن أحذف الفعل فأقول: «مررت بزيد التاجر»، أي التاجر، فأنصبه.
فهذا جائز أيضا؛ «مررت بزيد التاجر» فيجوز أن تقول «مررت بزيد التاجر» على ثلاثة أوجه: مررت بزيد التاجر على أنه خبر له مبتدأ محذوف، ومررت بزيد التاجر على أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره «أعني»، لأن المراد هنا ليس المدح ولا الذم ولا الترحم وإنما المراد التوضيح.
لك أن تقول: هو التاجر، وأعني التاجر. ولك أن تقول أيضًا الأوجه الثلاثة بدون أن تذكر المضمر، فيبقى مضمرًا. أو تقول: مررت بزيد التاجر، مررت بزيد التاجرة؛ هذه الأحوال الثلاث. ويجوز إذا قطعت أن أظهر المضمرات فأقول: مررت بزيد هو التاجر، ومررت بزيد أعني التاجرة، فهذا أيضًا يجوز.
فإذا كانت في حالة كان النعت للتوضيح أو التخصيص واخترت فيه أنت القطع، ففي حالة القطع يجوز أن يظهر المبتدأ، ويجوز أن يظهر الفعل المحذوف الناصب. ثم ختم فقال: «وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه».
بسم الله، يريد أن يقول ابن مالك في هذا البيت الأخير في النعت: إنه إذا كان المنعوت أو النعت معقولًا في الذهن معلومًا للسامع فإنه يجوز حذفه، وهذا يكثر في جهة المنعوت ويقل في جهة النعت؛ لأن هناك ضوابط ستأتي معنا، لكن أنا أعطي المعنى العام للبيت أولًا.
يريد ابن مالك أن يقول: إذا كان المنعوت معقولًا لدى السامع فإنه يجوز الاستغناء عنه وحذفه، وكذلك إذا كان النعت معقولًا للسامع من السياق فيجوز الاستغناء عنه وحذفه، لكن هذا كثير في المنعوت، وقليل في النعت؛ فالأكثر في النعت حتى لو علم أن يُذكر. إذ قال: «وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه»، لكنه قال: «وفي النعت يقل»، أي يقل في النعت هذا الحذف.
نبدأ بالحالة الأولى وهي حالة حذف المنعوت. ماذا قال الأشموني؟ قال: «وما من المنعوت والنعت عقل أي عِلم يجوز، ويكثر ذلك في المنعوت ويقل في النعت». فالأول يقصد به الأشموني أي حذف المنعوت، وسيبدأ بشرط حذف المنعوت؛ قال: «فالأول» وهو حذف المنعوت شرطه: «أما كون النعت صالحًا لمباشرة العامل»، يعني أن يأتي خلفًا عن منعوته. كقوله تعالى: ﴿أَنْ أَعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أي دروعًا.
هذه في الحقيقة تحتاج إلى توضيح أكثر. قال: «فالأول شرطه أما كون النعت صالحًا لمباشرة العامل»، يعني أن يأتي النعت خلفًا لمنعوته ويكون مكانه صالحًا. هل إذا بدلنا فـأزلنا المنعوت وأتينا بالنعت يكون النعت صالحًا لأن يأتي خلفًا عن منعوته ليباشر العامل؟ متى يكون هذا؟
في الحقيقة، الخضري في حاشية علاء ابن عقيل أشار لهذا الضابط بشكل أوضح فقال: «بشرط صلح لمباشرة العامل»، أي يجوز حذف المنعوت إذا كان نعته صالحًا لأن يحل محله ويباشر العامل. كيف؟ يقول الخضري: «ألا يكون جملة ولا شبهها مع كون المنعوت فاعلاً أو مفعولاً أو مجروراً أو مبتدأ»، إذ الجملة لا تصلح لذلك، بخلاف الخبر والحال، فلا يحذف المنعوت بهما في غيرهما؛ أي في غير الجملة وشبهها، إلا إذا كان بعض اسم مجهول لحال الثاني.
يريد أن يقول أحبابي الكرام: متى يكون النعت صالحًا لمباشرة العامل وأن يخلف منعوته؟ الآن أقسم لك المنعوت في الحالة الأولى: أن يكون المنعوت فاعلاً، أو مفعولًا به، أو اسمًا مجرورًا، أو مبتدأً. إذا كان المنعوت واحدًا من هذه الأمور، فلكي يصلح النعت بأن يأتي محل منعوته ويباشر العامل، لا بد أن يكون النعت ليس جملة ولا شبه جملة، أي يكون مفردًا.
بنات، إذا كان النعت جملة أو شبه جملة -مثلاً عندنا فاعل ونعته جملة أو شبه جملة، أو مفعول به وجاء نعته جملة أو شبه جملة، أو عندنا اسم مجرور ونعته جملة أو شبه جملة، أو مبتدأ ونعته جملة أو شبه جملة- هنا النعت بما أنه جملة أو شبه جملة فهو لا يصلح أن يأتي محل منعوته؛ لأن الفاعل لا يصلح أن يكون جملة أو شبه جملة، والمفعول به الأصل فيه أنه لا يكون جملة أو شبه جملة، والاسم الأصل فيه أنه لا يكون جملة أو شبه جملة، والمبتدأ لا يكون جملة أو شبه جملة، هذا هو الأصل في هذه الأمور.
فإذا كان النعت جملة أو شبه جملة لفاعل أو مفعول به أو اسم مجرور أو مبتدأ، في هذه الحالة لا يجوز أن يحذف المنعوت. تقول لماذا؟ تقول لأن النعت هنا لا يستطيع أن يحل محل منعوته؛ لأن النعت جملة أو شبه جملة والمنعوت فاعل، والفاعل لا يصلح أن يكون جملة أو شبه جملة. نأتي بالمبتدأ مثلاً، المبتدأ إذا كان نعته جملة أو شبه جملة نقول هنا لا يجوز حذف المنعوت وهو المبتدأ؛ لأن نعته لا يستطيع أن يأتي محله، لأن المبتدأ لا يكون جملة أو شبه جملة. فهمتم الفكرة؟ إذا كان المنعوت فاعلاً أو مفعولاً به أو اسمًا مجرورًا أو مبتدأً، وكان النعت جملة أو شبه جملة، هنا لا يجوز حذف المنعوت لأن النعت لا يمكن أن يحل محل هذه الأمور.
أما أحبابي، إذا كان المنعوت خبرًا أو حالًا، فهنا إذا كان النعت جملة أو شبه جملة -أي إذا كان الخبر منعوتًا بجملة أو شبه جملة، أو كان الحال منعوتًا بجملة أو شبه جملة- فيقولون: الخبر يمكن أن يحل محله الجملة أو شبه الجملة؛ لأن الخبر بطبيعته يمكن أن يأتي مفردًا، ويمكن أن يأتي جملة، ويمكن أن يأتي شبه جملة. كذلك الحال بطبيعته يمكن أن يأتي جملة أو شبه جملة كما مر معنا سابقًا.
فإذا كان المنعوت خبرًا وكان نعته جملة أو شبه جملة، هنا يمكن أن يحذف المنعوت وهو الخبر، بأن يأتي النعت مكانه لأن النعت جملة أو شبه جملة. كذلك إذا كان المنعوت حالًا ونعته جملة أو شبه جملة، هنا نعم يجوز حذف المنعوت وهو الحال وأن يأتي النعت مكانه، ويبقى هو القائم؛ لأن الحال المفرد يمكن أن يأتي مكانه حال جملة أو شبه جملة. فهذا هو الفرق بين النعت الذي يمكن أن يأتي كما ذكر الأشموني -وهو النعت الذي يصلح لمباشرة العامل- والنعت الذي لا يصلح لمباشرة العامل. ما هو ضابط هذه المسألة؟ ما ذكره الخضري وما...
ذكرته لكم هنا، يقولون: النعت الذي يصعب مباشرة العامل، هنا عليك أن تفرق إذا كان المنعوت فاعلًا أو مفعولًا به أو اسمًا مجرورًا أو مبتدأ. النعت الذي يمكن أن يأتي مكان المنعوت هو النعت المفرد؛ فإذا كان عندي فاعل منعوت بنعت مفرد، مثل: «جاء زيدٌ التاجرُ»، يصير أقول: «جاء التاجرُ». «رأيت زيدًا التاجرَ»، يصير أقول: «رأيت التاجرَ». «أنا مررت بزيدٍ التاجرِ»، أقول: «مررت بالتاجرِ» مباشرة وأحذف المنعوت؛ لأن النعت المفرد يستطيع أن يأتي ويقوم مقام الفاعل والمفعول به والاسم المجرور والمبتدأ لأنه مفرد، وهذه الأماكن للمفردات.
لكن إذا كان النعت جملة أو شبه جملة، ففي هنا لا يمكن أن نحذف الفاعل أو المفعول به أو الاسم المجرور أو المبتدأ في الأصل. لماذا؟ لأن النعت هنا لا يمكن أن يباشر العامل، أي لا يمكن أن يأتي مكان المنعوت؛ لأن هذه المواطن مواطن مفردات. أما إذا كان المنعوت خبرًا أو حالًا، وكان هذا الخبر أو الحال منعوتًا بجملة أو شبه جملة، فتقول هنا الخبر يمكن أن يُحذف وتأتي الجملة أو شبه الجملة تقوم مقامه؛ لأن النعت يصلح لمباشرة العامل، أي يصلح لأن يأتي مقام منعوته فيباشر العامل الذي عمل منعوته، هكذا الفكرة.
وكذلك يمكن أن يأتي النعت الجملة أو شبه الجملة مقام الحال الذي هو المنعوت؛ لأنه هنا الحال وهو المنعوت يمكن بالوضع الطبيعي أن يكون جملة أو شبه جملة، فيستطيع النعت الجملة أو شبه الجملة أن يأتي مكان منعوته. فعليك أن تفرق: ما هي المواطن التي يمكن فيها حذف المنعوت؟ وما هي المواطن التي لا يمكن فيها حذف المنعوت بناءً على هذا التقرير الذي ذكرته؟ طبعًا هذا كله الحال الأولى.
الحالة الثانية -أحبابي الكرام- التي يجوز فيها حذف المنعوت، هي حالة يكون فيها النعت لا يصلح لأن يقوم مقام المنعوت. الحالة الثانية التي يجوز فيها حذف المنعوت هي حالة قالوا إن نعتها لا يصلح لأن يأتي مكان المنعوت. طيب لماذا جوزتم حذف المنعوت فيها؟ أو ما هو ضابط حذف المنعوت فيها؟ قالوا: لكن بشرط أن يكون المنعوت هذا -وضابطه دقيق شوي- هو الحالة الثانية كما قلت: أن يكون النعت لا يستطيع أن يأتي مكان المنعوت، لكن المنعوت هو بعض اسم مجرور بحرف الجر «من» أو حرف الجر «في».
شُف هذا الكلام الدقيق، كيف يعني؟ قال كقولهم: «منا ظَعنٌ ومنا إقامٌ». طبعًا هذه الحالة لماذا ينص عليها؟ لأنها سُمِعت عن العرب، السماع يعني، ما في إلا السماع فيها؛ مش أقول إن فيها دليلًا عقليًا، لا، هي دليل سماعي. إيش دليلها؟ قالوا العرب تقول: «منا ظَعنٌ ومنا إقامٌ»، طيب إيش يعني؟ الآن المنعوت محذوف، تقديره: «فريقٌ منا ظَعنٌ ومنا فريقٌ إقامٌ». وهذا هو النعت الجملة، وهذا هو النعت الجملة. «منا ظَعنٌ» أي: «منا فريقٌ ظَعَنَ»، و«منا إقامٌ» أي: «ومنا فريقٌ أقامَ». فعندك هذا هو النعت والمنعوت محذوف، والمنعوت محذوف طبعًا.
إيش المنعوت؟ كلمة «فريقٌ». طبعًا «فريقٌ» إعرابها في الأصل أنها مبتدأ، صح؟؛ لأن هذا الجار والمجرور خبر، وكلمة «فريق» وهي المنعوت مبتدأ. ونفس الشيء هنا، ونحن عرفنا أنه المبتدأ إذا جاء منعوتًا بجملة -مش حكينا الجملة لا تحل محل المبتدأ ولا تستطيع أن تحل محل المبتدأ؟- فهنا لا يمكن أن تقول الذي جوّز حذف المنعوت إن النعت يمكن أن يقوم مقامه وأن يحل محله، ما بزبط؛ لأن هنا المنعوت مبتدأ، والمبتدأ إذا كان نعته جملة فإن الجملة لا تستطيع أن تقوم مقامه؛ لأن المبتدأ بطبيعته لا يكون جملة، هكذا الفكرة.
فهنا أكيد هناك مسوغ آخر لحذف المنعوت، ليس المسوغ الأول، أكيد هنا المسوغ الآخر. ما هو المسوغ الآخر؟ قالوا هنا المنعوت هو قسم، هو بعض من اسم قبله مجرور بـ«من». عندنا هنا «منّا»، «من» حرف جر، و«نا» ضمير المتكلم مجرور، وعندنا المجرور هو الضمير وهو «نا»، و«فريق» وهو المنعوت المحذوف هو جزء قسم من «منّا»، «فريقٌ» هو جزء من اسم مجرور بـ«من». هذه الفكرة ذكرها الأشموني: المنعوت المحذوف قسمٌ جزءٌ من اسم مجرور بـ«من». فالضمير هنا ضمير المتكلمين هو اسم مجرور بـ«من»، والمنعوت المحذوف هو بعض منه، جزء منه. ففي هذه الحالة قالوا سُمع عن العرب الحذف في هذه الحالة، يجوز أن يحذف المنعوت لأنه جزء من اسم مجرور.
وكذلك لو كان المنعوت جزءًا من اسم مجرور بـ«في»، كقول الشاعر: لو قلتُ ما في قومها لم تُثْلمي ... يفضلُها في حَسْبِ ومنٍ سِما
الآن أحبابي الكرام ركزوا في هذا البيت: «ما في قومها يفضلها في حسب ومن سم». الآن جملة «يفضلها في حسب ومن سم» من هذه الجملة -الآن «لم تأثمي» خليها جملة معترضة أو هي ليست جملة معترضة هي جواب الشرط عفواً، لو قلتها كذا وكذا وكذا لم تأثمي، هي جواب «لو»، بس دعوكم منها، اسحبوها من السياق، ما بدي إياها- خلينا نركز هنا في قولك: «لو قلتُ ما في قومها يفضلها في حسب ومن سم». هكذا هي. «لو قلتُ ما في قومها يفضلها في حسب ومن سم»، جملة «يفضلها في حسب ومن سم» هي جملة نعتية، ممتاز. أين المنعوت؟ محذوف تقديره: «لو قلتُ ما في قومها أحدٌ يفضلها في حسب ومن سم». هكذا الجملة صحيحة.
طيب لماذا المنعوت وهو كلمة «أحدٌ» محذوف؟ لماذا محذوف مع أنه مبتدأ؟ ركز: «ما في قومها أحدٌ»، مع أنه مبتدأ وفي نفس الإشكالية، في إشكالية «فريق»، نقول قالوا إن هنا كلمة «أحدٌ» المحذوفة هي جزء من كلمة «قوم» المجرورة بـ«في». فعندي حرف الجر «في» وبعده اسم مجرور، ثم يأتي المنعوت المحذوف وهو جزء أو فرد من أجزاء المجرور المحذوف. يعني: «ما في قومها أحدٌ»، «أحدٌ» هو فرد من أفراد القوم، من أفراد القوم. فعندنا إذًا هناك اسم مجرور وهناك منعوت وفرد من أفراد الاسم المجرور، فبالتالي جاز حذف المنعوت لقاء نعتِه، وهذا معنى قوله: «أو كون النعت بعض اسم مخفوض بمن أو فيه». فبدها شوية تركيز، هذه الحالة قال أصله: لو قلتُ «ما في قومه أحدٌ يفضلها لم تأثم»، ثم ذكر الإعراب.
الآن ننطلق: قال «فإن لم يصلح»، أي إذا كان النعت لا يصلح لأن يأتي مكان منعوته، وكان المنعوت ليس بعض اسم مخفوض بـ«من» أو «في»، قال: «فإن لم يصلح ولم يكن عودوا بعض ما قبله من مجرور بمن أو فيه، في هذه الحالة امتنع حذف المنعوت ووجب ذكره». قال: امتنع ذلك. إيش يعني ذلك؟ وهكذا في الصراع.
أي امتنع إقامة الجملة وشبهها مقام المنعوت إذا كان النعت جملة أو شبه جملة ولم يصلح أن يأتي مكان منعوته، لأن المنعوت قد يكون مبتدأ أو فاعلاً أو مفعولاً به أو اسماً مجروراً، وكان المنعوت ليس جزءاً من اسم مجرور. في هذه الحالة لا يجوز أن أحذف المنعوت وأبقي نعته وحده وكان النعت جملة أو شبه جملة.
قال: امتنع ذلك، أي حذف وإقامة الجملة وشبهها التي كانت النعت مقامه، إلا في ضرورة الشعر، كقول الشاعر: لكم مسجدا الله المزران والحصى ... لكم قبسه من بين أثرى وأفترى
من بين أثرى وأفترى، قالوا التقدير: من بين رجل أثرى وأفترى. ولازم أن يكون صلتهما، أي من بين من أثرى ومن أفترى. فكلمة "بين" من بين أثرى وأفترى، لأن هذه جملة فعلية، و"أفترى" أيضاً جملة فعلية. طبعاً "أثرى" أصبح غنياً، و"أفترى" أصبح فقيراً، وهي عبارة عن جمل فعلية نعتية لمنعوت محذوف. التقدير: من بين من أثرى ومن من أفترى. فهنا المنعوت حقيقة محذوف وبقي نعته.
هل نعتبرها نكرة تامة من اسم موصول؟ لا، هي نكرة مش تامة، نكرة موصوفة، نعتبرها نكرة موصوفة بالجملة بعدها، ونفس الشيء في "ومن أفترى". فهذه النكرة الموصوفة التي تقديرها المنعوت قد حذفت، مع أنه لا يوجد ما يجوز حذفها لأن المقام لا يمكن أن تأتي فيه الجملة مقام المنعوت، وليس المنعوت جزءاً من اسم مذكور قبله مجرور بـ "من" أو "في". فهنا حذف المنعوت وأبقى النعت، فجعلناها من قبيل الضرورة.
كذلك قول الشاعر: ما لك عندي غير سهم وحجر ... وغير كبد ناءٍ شديدة الوتر ترمي بكفي رجل كان من أرمى البشر
الآن "ترمي بكفي رجل"، رجل اسم مجرور بالإضافة بكفي رجل، وقد مر معنا أن الاسم المجرور إذا كان منعوتاً بجملة فإن الجملة لا تستطيع أن تقوم مقامه، فالأصل ألا يحذف المنعوت هنا، لكنه حذف المنعوت وأقيمت الجملة مقامه، وهذا كله من قبيل الضرورة. والتقدير: ترمي بكفي رجل كان من أرمى البشر.
وكذلك قول الشاعر: كأنك من جمال بني قريش ... يقاطع بين رجليه بشني
كأنك من جمال بني قريش، أي كأنك جمل من جمال بني قريش. هنا حذف كلمة "جمل" وأبقى النعت، والتقدير: كأنك جمل، صفتك من جماله، فمن الجار والمجرور هو النعت. وكما تلاحظون المنعوت محذوف واعتبر هذا من قبيل الضرورة. أقول: وإن كان هذا قد يحتاج إلى مراجعة، لأن هنا "كأنك جمل" المنعوت خبر، والخبر يجوز أن يحل محله النعت إذا كان النعت جملة أو شبه جملة، فجعلوا هذا البيت من قبيل الضرورة، وأظن أنه يحتاج إلى إعادة نظر.
شف البيت السابق، لا، المنعوت اسم مجرور، واللي قبله نفس الشيء، كان المنعوت اسماً مجروراً لأنه "من بين من أثرى". أيضاً المنعوت اسم مجرور، لكن هنا المنعوت هو الخبر "كأنك جمل"، والخبر مر معنا أنه يجوز أن يحذف ويقام مقامه الجملة وشبه الجملة (النعت إذا كان جملة أو شبه جملة)، فجعلوا هذا البيت ضرورة، وأظن أنه يحتاج إلى إعادة نظر.
قال: وأما الثاني، أحبابي، هو أن يحذف النعت وحده ويبقى المنعوت، فهذا كقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79]. التقدير: يأخذ كل سفينة صالحة، النعت هنا هو كلمة "صالحة" وقد حُذف. ما الدليل على حذفه؟ السياق. السياق يدل على أنه يأخذ السفن الصالحة ولا يأخذ السفن التالفة، فكلمة "صالحة" وهي النعت دل عليها السياق، وهذا جائز وإن كان قليلاً.
ومنه قول الشاعر: قد كنت في الحرب ذات درء ... فلم أعط شيئاً طائلاً ولم أمنع
لأنه هذا هو الذي غضب من أنه لم يُعطَ إلا النزر اليسير ولم يُعطَ الشيء الكثير الذي يستحقه مقابل ما أبلاه في الحرب، فبالتأكيد ليس قصده "لم أعط شيئاً" أي أي شيء، لا، هو المراد "لم أعط شيئاً ذا قيمة"، شيئاً طائلاً، فحذف كلمة "طائلاً" أو "ذا قيمة" ودل عليها.
وقوله: ورب أسيلة الخدين بكر مهفهفة ... لها فرع وجيد
الآن "لها فرع وجيد"، الفرع هو الشعر والجيد هو الرقبة، وهو يريد أن يمدح محبوبته، وبالتأكيد ليس من قبيل المدح أن تقول والله محبوبتي لها شعر ورقبة، فما هي كل النساء لها شعر ورقبة. فبالتأكيد هناك شيء محذوف دل عليه السياق، سياق العرب في المديح للشعر والمديح للجيد. العرب إنما تمدح الشعر الأسود وتمدح الجيد الطويل، فعرف من هذا أن قصده "لها فرع فاحم" أي أسود، و"جيد طويل"، عُرِف حذف النعت لدلالة السياق عليه، ولكن كما قلنا حذف النعت هذا قليل في مقابل حذف المنعوت.
تنبيهات: الأول، قد يلي النعت "لا" النافية أو "أما"، فإذا جاء نعت بعد "لا" النافية أو بعد "أما" فيجب تكرار النعت، فلا يصح أن تأتي بنعت بعد "لا" النافية أو بعد "أما" إلا إذا كان هناك تكرار. قال: فيجب تكرارهما مقرونين بالواو، ونحو قولك: مررت برجل لا كريماً، لا ينفع أن تقول: مررت برجل لا كريم وتسكت، لازم تقول: مررت برجل لا كريم ولا شجاع. لذلك مثلاً تقول: ائتني برجل إما كريم وإما شجاع، ما ينفع أن تقول: ائتني برجل إما كريم وتسكت، لازم تقول: ائتني برجل إما كريم وإما شجاع. إذا جاءت "أما" فإن "كريماً" هي نعت، لكن لما أتت بعد "أما" وجب التكرار.
الثاني، يجوز عطف بعض النعوت المختلفة المعاني على بعض.
نحو مررت بزيد العالم والشجاع والكريم. الآن، هل النعوت يجب كلها أن تذكر على وجه النعتية؟ ولا يجوز أن أعطف بينها؟ هذه مرت معنا في الخبر نفس الشيء؛ إذا تعدد الخبر، هل يجب دائماً أن أقول جاء زيد التاجر الكريم؟ عفواً، الخبر مثلاً ماذا قلنا؟ هذا زيد التاجر، ولكن لنقل زيد التاجر والكريم والشجاع.
أنا أذهب بالذهن إلى أمثلة أخرى؛ نأتي إلى تعدد الخبر. إذا تذكر عندما قلنا في تعدد الخبر يجوز أن أقول زيد تاجر كريم شجاع، فأقول: خبر أول، خبر ثانٍ، خبر ثالث. ويجوز أن أقول زيد تاجر وكريم وشجاع على سبيل التعاطف، صح؟ نفس الشيء في النعت، يجوز أن أقول كما وضعنا: مررت بزيد العالم الشجاع الكريم، فيكون نعت أول، نعت ثانٍ، نعت ثالث. ويجوز التعاطف، فأقول: مررت بزيد العالم والشجاع والكريم، وهذا جائز. إذاً عند تعدد النعت يجوز أن تجعله كله على النعتية، ويجوز أن تجعله على سبيل التعاطف.
قال: «الثالث: إذا صلح النعت لمباشرة العامل جاز تقديمه مبدلاً منه المنعوت». أيوه، إذا صلح النعت لمباشرة العامل. وعرفنا متى يكون النعت صالحاً لمباشرة العامل في المسألة التي ذكرناها قبل قليل. يقول: إذا كان عندي منعوت ونعت، وكان النعت يمكن أن يحل محل المنعوت لغوياً، أي من الناحية اللغوية يمكن أن يصلح، ففي هذه الحالة كنا نتكلم عن جواز حذف المنعوت وإقامة النعت مكانه، لكن هنا سنتكلم عن شيء ثاني؛ وهو جواز تبديل المواقع.
إذا كان النعت يصلح أن يأتي مكان المنعوت فيجوز تبديل المواقع؛ فيجوز أن آتي بالنعت فأجعله مكان المنعوت، وأجعل المنعوت متأخراً. إذا قدمت النعت وأخرت المنعوت بهذه الحالة، ستصبح القضية بدلية، وسيصبح المنعوت المؤخر بدلاً من المقدم. النعت المقدم سيأخذ إعراب المنعوت، والمنعوت المتأخر سيصبح بدلاً.
انظروا في الآية: ﴿إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [هود: 87]، أصلها: إلى صراط الله العزيز الحميد. الآن لفظ الجلالة وهو المنعوت تم تأخيره، والنعت تم تقديمه وهو كلمة العزيز، فصارت العزيز إعرابها مضاف إليه، ولفظ الجلالة الذي كان منعوتاً وتأخر أصبح إعرابه بدلاً. هذا ما يحدث، وهذه فائدة جميلة.
قال: «الرابع: إذا نُعت بمفرد وظرف وجملة». معناه أن النعت قد يكون بمفرد، وقد يكون بظرف، وقد يكون بجملة. فيقول لك إذا اجتمعت هذه الثلاثة في جملة واحدة، وأنا عندي منعوت أريد أن أنعته بمفرد وشبه جملة وجملة، في أي هذه الأحوال يقدم من حيث الترتيب؟ تقدم أولاً النعت المفرد، ثم النعت شبه الجملة، ثم تأتي بالجملة. على هذا الترتيب تأتي بالنعت المفرد، ثم بعده بشبه الجملة، ثم أخيراً بالجملة.
قال: «غالباً»، وليس على سبيل اللزوم. إذا نعت بمفرد وظرف -الذي هو شبه جملة- وجملة، قدم المفرد ثم تأتي بشبه الجملة ثم تأتي بالجملة غالباً، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: 28]. هذا النعت الأول: "مؤمن" وهو مفرد، "من آل فرعون" شبه جملة وهو النعت الثاني، "يكتم إيمانه" الجملة هي النعت الثالث. انظروا كيف؟ في هذه الآية اجتمع نعت مفرد وشبه جملة وجملة، آية مهمة اهتموا بها في الشواهد النحوية، آية لطيفة كيف جمعت في سياق واحد بين نعت مفرد وشبه جملة وجملة.
وقد تقدمت الجملة؛ قال: «ويجوز أن تقدم نعت الجملة على المفرد ولكن على سبيل القلة». في قوله تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92]، "كتاب" هو المنعوت، و"أنزلناه" جملة وهي النعت الأول، و"مبارك" مفرد وهو النعت الثاني، وكما تلاحظون فقد تقدمت الجملة على النعت المفرد. ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 29]. "بقوم" المنعوت، "يحبهم" الجملة هي النعت الأول، ثم قال "أذلة على المؤمنين" وهذا النعت الثاني وهو مفرد، فقدم الجملة على المفرد وهذا قليل.
خاتمة نختم بها كتاب النعت؛ قال: «من الأسماء ما يُنعت ويُنعت به»، كاسم الإشارة نحو: مررت بزيد هذا، وبهذا العالم. يريد أن يقسم سريعاً الأسماء من حيث إمكانية أن تُنعت أو تُنعت بها. القسم الأول: أسماء تُنعت ويُنعت بها، أي تقبل أن تأتي نعتاً وأن تكون منعوتاً، مثل اسم الإشارة؛ يقبل أن يكون نعتاً ويقبل أن يُنعت به. فمثلاً تقول: "هذا الرجل جميل"، فكلمة "الرجل" هنا، أو "هذا" مثلاً، كلمة "الرجل" هنا الأصل فيها أن تكون عطف بيان، "هذا الحاضر القادم جميل"، فكلمة "الحاضر" إعرابها نعت وهنا اسم الإشارة منعوت. ويجوز أن أقول كما قالوا: "مررت بزيد هذا"، فهنا "هذا" أصبحت هي نعت لزيد. وربما تقول لي: يا شيخ، هي ليست مشتقة والنعت المفرد لازم يكون مشتقاً، أقول: هي بتأويل المشتق كما مر معنا، أي: مررت بزيد المشار إليه، فهو في تأويل المشتق. فإذاً اسم الإشارة يمكن أن يكون منعوتاً ويمكن أن يأتي هو بنفسه نعتاً.
الحالة الثانية: أسماء لا تُنعت ولا يُنعت بها، أي لا تقبل أن تكون نعتاً ولا تُنعت هي في نفس الوقت، ومثال ذلك الضمائر على الصحيح، فالضمائر لا تكون نعتاً ولا يُنعت بها، كالمُضمَّن مطلقاً. قال: «خلافاً للكسائي في نعت ضمير الغيبة "تمسك بما سمع من نحوه ﷺ الرؤوف الرحيم"»، فالكسائي يجعل كلمة "الرؤوف" نعتاً لضمير الغيبة في "نحوه"، أي أن الضمير هو المنعوت. والحقيقة هنا "الرؤوف" بدل، قالوا لا نجعلها من قبيل النعت بل نجعلها من قبيل البدل، ولذلك وغيره يجعله بدلاً.
وبالحالة الثالثة قال: «ومنها ما يُنعت لكنه لا يُنعت به»، والنوع الثالث أسماء تُنعت، يعني يمكن أن تأتي منعوتاً...
لكن لا يُنعت بها، ومثال ذلك الأعلام؛ فالأعلام تُنعت لكن لا يُنعت بها. رابعًا، قال: ومنها ما يُنعت به ولكنه لا يُنعت به، وهو عكس الثالث، سنكتبه هنا.
ما يأتي نعتاً لكن لا يُنعت: وهو أي كلمة تأتي نعتاً للنكرات لكنها لا يمكن أن تكون منعوتاً. قال: ومنها ما يُنعت به لكنه لا يكون منعوتاً، كأي: «تقوم المرأة بفارسٍ»، أي فارسٍ، «مررت بفارسٍ»، أي فارسٍ. طبعاً كما أن بعض النكرات يكون إعرابها نعتاً.
إذاً هذا تقسيم الأسماء: هناك أسماء تقبل التنعت ويُنعت بها مثل اسم الإشارة، وأسماء لا تُنعت ولا يُنعت بها مثل الضمائر، فاحفظوا الفائدة؛ الضمائر لا تُنعت ولا يُنعت بها. وأسماء تُنعت لكن لا يمكن أن تأتي نعتاً مثل الأعلام؛ فالعلم لا يمكن أن يأتي نعتاً. وأخيراً ما يأتي نعتاً لكنه لا يُنعت به.
هذا نهاية كلامنا عن باب النعت كاملاً، حتى لا أطيل عليكم في هذه العودة. إن شاء الله المحاضرة القادمة بإذن الله نشرع في موضوع جديد، ألا وهو موضوع التوكيد، وبدنا نصير أسرع في إيقاع العطاء.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يرزقنا علماً نافعاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل