إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم، وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فهذا شرح لمتن الركيزة في أصول التفسير، والذي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيه، ويجعله خالصاً لوجهه نافعاً لعباده.
وقد ألفت هذه الركيزة في دورة الإامم عبد الله بن جبرين رحمه الله في عام 1433، ثم شرحت بعد ذلك مراراً ولم تخرج حتى الآن مطبوعة، وبقيت مذكرة يتداولها الطلاب، وقد لقيت بفضل الله عز وجل قبولاً من عدد من طلاب العلم الذين اطلعوا عليها وقرأوها وقوموا وانتقدوا شيئاً مما فيها، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا هذه المره على شرحها وإيضاح ما فيها من المعاني على وجه الاختصار.
هذه الركيزة قسمناها إلى ثلاثة أبواب رئيسة: باب في طرق التفسير، وباب في الخلاف والإجماع، وباب في قواعد التفسير، وأسأل الله أن يعيننا على بيان المعاني بشكل ميسر.
وقبل ذلك تحدثنا عن مقدمات لهذا العلم، كعادة العلماء رحمهم الله في ذكر المبادئ العشرة التي يستفتحون بها كل علم، حتى يكون عند الطالب تصور لهذا العلم، بحيث يحسن بعد ذلك الدخول إلى مسائل ذلك العلم وتفصيلاته.
ما هو أصول التفسير؟ قبل أن نعرف هذا العلم المركب من كلمتين، نعرف كل كلمة على حدة، ثم نعرف هذا الاسم المركب؛ فأصول جمع أصل، وهو ما ينبني عليه غيره، والتفسير هو بيان معاني القرآن بشكل ميسر، وأصول التفسير علم يعرف به كيفية تفسير القرآن والفصل عند الاختلاف فيه.
إذاً نحن عبر هذا العلم نعلم كيف نفسر القرآن، وأيضاً عندما يختلف المفسرون نعرف كيف نوازن بين أقوالهم عبر هذه القواعد والأصول التي وضعها العلماء لهذا الفن.
موضوع هذا العلم هو أو هي الأسس التي تضبط تفسير القرآن، ويفهم بها كلام المفسرين، هذا هو المحتوى الأساسي الذي يدور حوله العلم. أما ثمره هذا العلم فهي الفهم الصحيح لكلام الله تعالى، وأيضاً من أعظم ثمراته الفصل بين المختلفين فيه في معاني القرآن الكريم، والرد على المحرفين؛ لأننا سنكتشف أن هناك طوائف ضالة كثيرة دخلت عالم التفسير، وأحياناً تأتي بتفاسير تلتبس على الطالب الذي ليس عنده قواعد ولا أصول يستطيع بها أن يعرف الحق من الباطل، فبهذه الأصول بإذن الله عز وجل يستطيع الطالب أن يفهم ويعرف كيف يرد على هؤلاء المبطلين.
وللفائده فقل أن تجد طائفة ضالة إلا ولها تفسير للقران الكريم، ويحرصون على ذلك حتى يلبسوا بدعتهم بشيء من الحق لتروج، لكن أين هو الفيصل؟ الفيصل في شيئين: أولاً طريقة الفهم وهذا ما ناخذه عبر أصول التفسير، وثانياً السنة؛ فإن السنة بإذن الله عز وجل تميز الحق من الباطل، وقد جعلها الله شارحة ومبينة للقران الكريم، ولذلك سمي أهل السنة أهل السنة؛ ليس لأنهم ليسوا أهلاً للقران، ولكن لأن القران تشترك فيه كل الطوائف، وأهل السنة ينفردون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي تبين وتشرح القران العظيم.
أما نسبة هذا العلم فهو منسوب إلى علوم القرآن، فهو أحد أنواع علوم القرآن، ولهذا يذكر أصول التفسير باباً في كتب علوم القرآن، كما أن له مؤلفات مستقلة، من أمثلتها مقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية.
ويذكر بعض المفسرين بعض مسائل أصول التفسير في مقدمات تفاسيرهم؛ كابن جرير له مقدمة تعتبر جزءاً من أصول التفسير، ابن كثير مقدمته في أصول التفسير، الماوردي في النكت والعيون مقدمته في أصول التفسير، ابن جزي في التسهيل مقدمته تعتبر متناً ممتازاً في أصول التفسير، كل هؤلاء يضعون جزءاً من مسائل أصول التفسير في مقدمات تفاسيرهم كبوابة إلى ما في تفاسيرهم من علوم وفهوم.
الراغب الأصفهاني، القاسمي، الطاهر بن عاشور أيضاً وضعوا مقدمات في غاية الروعة والإيجاد، وتعتبر نواة لهذا العلم، وهو علم أصول التفسير، وكثير من قواعد هذا العلم مبثوثة في ثنايا كتب التفسير، يعني عندما تقرا في تفسير الطبري تجد أن الطبري رحمه الله في مسائله عندما يوازن بين أقوال المفسرين يذكر القواعد والأصول التي من خلالها يوازن بين أقوال المفسرين، ويقدم قولا ويؤخر آخر، وقد يبطل قولا بالكلية بسبب مخالفة أصل أو قاعدة من قواعد التفسير، ولذلك اقتبست هذه الأصول من مقدمات المفسرين، واقتبست أيضاً من ثنايا كلامهم في التفسير.
أما فضل تعلم أصول التفسير فهذا الفضل منبثق من فضل تعلم القرآن، فإن تعلم أصول التفسير هو تعلم للقرآن؛ لأنك من خلال هذا العلم تعلم القرآن الكريم وتففهمه، ولذلك الأحاديث الواردة في فضل تعلم القرآن يدخل فيها بلا شك تعلم أصول التفسير؛ لأن بالأصول هذه يفهم القرآن الكريم وتعرف معانيه، ومعانيه أولى من حروفه، فهم معاني القرآن أولى من تلاوه حروفه، وبهذا يعرف أن فهم معاني التفسير أو معاني القرآن داخلة في تعلم القرآن في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وغيرها من الأحاديث.
من واضع هذا العلم؟ وضعه أئمة التفسير كما ذكرنا، كيف أن المفسرين يضعونه في مقدمات كتبهم، وكذلك الذين كتبوا في علوم القرآن فانهم يذكرونه نوعاً أو لونا من ألوان علوم القرآن.
أما اسمه فيقال له أصول التفسير وهذا هو أشهر الأسماء، وخصوصا في هذا العصر، ويسميه بعضهم قواعد التفسير، وبعضهم قد ذكر اسماً آخر: مباحث في أصول التفسير، أو في علوم القرآن، أو في التفسير وأصوله ونحو ذلك.
أما استمداده فانه يستمد من علوم القرآن، ومن أصول الفقه، ومن قواعد الفقه -يعني القواعد الفقهية- ومن علوم اللغة. أما حكم تعلمه فانه فرض كفاية، إلا لمن انتصب لتفسير القرآن فإنه يكون فرض عين في حقه.
أما مسائل هذا العلم فإنها تدور حول معرفة طرق التفسير، والإجماع والخلاف في التفسير، وقواعد التفسير؛ هذه الأبواب الثلاثة هي الركائز الرئيسة لهذا العلم، ولذلك نحن سنتحدث عنها بإذن الله على أنها هي المفاصل الرئيسة لهذا العلم، ونبدأ بأولها.
الباب الأول: طرق التفسير. التفسير له خمسة طرق أحصاها العلماء وذكروها، وهي: تفسير القرآن بالقرآن، تفسير القرآن بالسنة، تفسير القرآن بأقوال الصحابة، تفسير القرآن بأقوال التابعين، تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد. هذه الخمسة سنعرج عليها واحداً واحداً ونذكر جميع ما يتصل بها من مسائل.
ونبدأ بأولها: الطريق الأولى، وهي تفسير القرآن بالقرآن، ولذلك قال هنا وهي أجل الطرق وأصحها؛ لأنه لا أحد أعلم من الله بكلامه وهذا شيء واضح، فإذا وجدنا تفسير القرآن في القرآن لم نرجع إلى ما سواه، ولان النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً فعله، فلما ساله الصحابه وقالوا له في قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]، قالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ هم حملوا الظلم على معناه العام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]» ففسر القرآن بالقرآن.
وكذلك في قول الله عز وجل: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: 59]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله»، ثم تلى آية سورة لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان: 34] إلى نهاية الآية.
وتفسير القرآن بالقرآن له نوعان: النوع الأول صريح ويسمى تفسير القرآن للقران، والنوع الثاني غير صريح ويسمى تفسير القرآن بالقرآن.
ما الفرق بين النوعين؟ النوع الأول تكون الآية مصرحة بالتفسير، بحيث من حين ما ترى الآية وترى الآية الأخرى تعلم أن الثانية تفسير للأولى بلا شك، يعني فيها من القرائن والدلائل ما يدل على أن هذه تفسير لهذه، كان تكون القصة واحدة أو الموضوع واحداً أو نحو ذلك.
أما الثانية لا، فإن العالم أو المفسر يجتهد في جعل هذه تفسيراً لهذه، فتنظر وتجد أنه في الغالب قد أصاب وقد يخطئ، ولذلك النوع الأول هو النوع الأقوى.
يقول هنا فالأول ما دل النص صراحة على التفسير، وهذا النوع يجب قبوله ولا يجوز رده؛ لأنه تفسير من الله للقران؛ مثلاً إذا قال الله عز وجل: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1]، من هو المطففون؟ قال الله في نفس الآيات: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُم أَوْ وَزَنُوهُم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 2-3].
وكذلك قول الله عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: 1-3]، إذاً الطارق هو النجم الثاقب، واضح جداً من الآيات أن هذا تفسير لما ورد في أول السورة من كلمة الطارق.
ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، من هم أولياء الله؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63].
قال وأما الثاني فهو مبني على اجتهاد المفسر وقد لا يكون صحيحاً؛ لأن المفسر يعني راعى قضاي قد يكون أصاب وقد يكون أخطأ، بل إن كثيرين من المبتدعة قد يستعملونه لزيادة التلبيس ولبس الحق بالباطل، فالمبتدعة قد يفعلون ذلك أيضاً، ولذلك نحن يعني نجعل هذا رتبة ثانية، وهو ما يجتهد فيه المفسر من أجل أن يبين معنى الآية بآية أخرى.
يقول هنا وقد يكون تفسير القرآن بالقرآن متصلاً، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: 1-3]، يعني هذا متصل بنفس الموطن.
وقد يكون منفصلاً، يعني كان تكون الآية في سورة أو في موطن، والآية مفسرة في موطن آخر أو في سورة أخرى، مثل قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82]؛ فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم بما في سورة لقمان في قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. فالأول وهو المتصل أصرح يعني صريح جداً وواضح، والثاني أصعب يعني فيه صعوبة في وجود الآية التي تفسر الآية الأولى.
أنواع هذا التفسير -اللي تفسير القرآن بالقرآن أو للقران- كثيرة، منها: بسط الموجز، يعني كان تكون قصة أو شيء أوجز ثم بسط في موطن آخر؛ على سبيل المثال قصة أصحاب السبت أوجزت في سورة البقرة وبسطت في سورة الأعراف.
ومنها بيان المجمل، ما هو المجمل؟ المجمل يقول العلماء ما احتاج إلى بيان؛ كأن يقول الله مثلاً: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43] ثم تبين الصلاة بطريقتها المعروفة. كقوله سبحانه وتعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 1] هذا مجمل بينه بعده بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: 3] إلى آخره.
ومنها تقييد المطلق، وهو المتناول لواحد لا بعينه، المطلق هو الذي يتناول واحداً لكنه غير معين، كيف ذلك؟ لو قلت: اكرم طالباً، فهو يتناول طالباً لكنه غير معين، يعني ما قلت الطالب المجتهد، فهنا يسمى هذا مطلقاً، فإذا أكرمت أي طالب من الطلاب فإن ذلك يكون مؤدياً للغرض.
قال كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: 90]، قيدت بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: 18]. أوضح من هذا المثال: فتحرير رقبة التي وردت في سورة المجادلة، وتحرير رقبة مؤمنة التي وردت في سورة النساء في كفارة القتل؛ فهنا رقبة مطلقة وهنا رقبة مؤمنة، قيدت بمؤمنة، فهذا يعتبر من تفسير القرآن بالقران.
ومنها تخصيص العام، ما هو العام؟ هو الكلام المستغرق لما يصلح له، أكرم الطلاب أي جميع الطلاب، قال: الكلام المستغرق لما يصلح له بحسب الواقع دفعة بلا حصر، يعني يشمل جميع المقصودين والمطلوبين دفعة واحدة.
كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، خص بقول الله عز وجل: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]، فخص من عموم المطلقات أولات الأحمال، المطلقات عام يشمل كل المطلقات وخص منه قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ﴾، فهذا يعتبر من باب تفسير القرآن بالقرآن.
ومنها تفسير الغريب وهو الذي يقل استعماله، الغريب هو الذي يقل استعماله أو أنه يستعمل عند قبيلة ويشتهر عندهم، وعند قبائل أخرى لا يعرف؛ مثل فاطر التي كان ابن العباس يقول: ما عرفت معنى فاطر حتى يختصم أعرابيان على بئر حفروها فقال أحدهما: أنا فطرتها.
ومن الغريب أيضاً ما جاء به الشرع يعني مبيناً لمعناه على غير المعنى اللغوي، المعنى اللغوي تجده واسعاً، والمعنى الشرعي تجده في شيء محدد، فهذا أيضاً يدخل في معنى الغريب، كقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [الحجارة: 74]، ما هو سجيل؟ فسر في آية أخرى في قول الله عز وجل: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ [الذاريات: 33].
ومنها بيان المعنى، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: 19]، فما معنى هلوعاً؟ قال الله بعدها: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: 20-21]، فهذا من تفسير القرآن للقرآن.
ومنها تأكيد المفهوم، يعني كان يأتي مفهوم في لفظ، نحن عندنا للفظ منطوق ومفهوم، يعني شيء يفهم من محل النطق وشيء يعرف من فهم الكلام، مما يفهم من الكلام فهذا الذي يفهم قد يكون وارداً في الآية فتاتي آية أخرى تؤكد هذا المفهوم.
مثلاً في قول الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]، منطوق الآية يدل على أن الكفار سيحجبون عن رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، هذا منطوق الآية، يفهم منه أن المؤمنين سيرون ربهم؛ لأنه إذا كان من عقوبة الكافر أنه لن يرى الله سبحانه وتعالى فالمؤمن سيرى الله جل وعلا، هذا مفهوم.
لكن هذا المفهوم هل دل عليه دليل في القرآن منطوق؟ نعم، قال الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]، فهذا دليل على أن المؤمنين سيرون ربهم بالمنطوق.
والمفهوم كما يقول العلماء هو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، يعني ليس من الظاهر من اللفظ وإنما مما وراء اللفظ، وممن أفضى في هذا النوع الإمام.
الصنعاني رحمه الله، فإنه له كتاب في هذا الباب اسمه إن لم تخنِّي الذاكرة مفاتيح الرضوان في تفسير... نعم، له كتاب اسمه مفاتيح الرضوان في تفسير الذكر بالآثار والقرآن. والصنعاني هو محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير الكحلاني الصنعاني، المعروف بالأمير، المتوفى عام 1122 هجرية. وأيضاً ممن ألف فيه ثناء الله الأمر، وهو أبو الوفاء ثناء الله الهندي، كتب أكثر من 130 كتاباً، وتوفي سنة 1368، واسم كتابه تفسير القرآن بكلام الرحمن، وقد تكلف رحمه الله حتى أدخل في هذا الباب ما ليس منه.
ومنهم الشنقيطي، وهو أحسن ما ألف في تفسير القرآن بالقران في كتابه المعروف أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقران، وقد توفي الشنقيطي رحمه الله عام 1393. وممن ألف فيه وعني به فأجاب ابن كثير، فهو إمام في هذا الباب، فقلَّ أن تمر به آية لها تفسير في القرآن إلا فسرها بما يعلم من تفسير القرآن لها.
ويشترط لمن يقوم به الإلمام بالقران بمعانيه، بعاداته، بالوجوه والنظائر، بالقراءات، بالروابط، أيضاً علم بالسياق حتى لا يقع في محذور؛ لأنه ليس أمراً متاحة لكل أحد، بل لابد أن يكون من يقوم به متاهاً في هذا الميدان.
قد تقول: ما هي العادات؟ العادات يعني الأشياء التي صارت من عادات القرآن فأصبحت مألوفة فيه تعرف فيه؛ يعني إذا قيل مثلاً اليوم الآخر يقصد به يوم القيامة مثلاً. ومن عادات القرآن مثلاً أنه إذا جاء باسم إشارة أو ضمير وليس هناك مشار إليه ولا ضمير يعود إليه الكلام، فالعادي أن المراد به القرآن، مثل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، إلى أي شيء يعود؟ ما هناك أي شيء، هذا أول السورة، أنزلناه أي القرآن، وهل مَجرى.
بهذا نصل إلى خلاصة لهذا الباب كله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير، والى لقاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ محمد الخضيري