بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الأحبة الطلاب في مدرسة رواد القصيد، هذا هو مجلسنا الثالث عشر من مجالس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» للإمام إمام البلاغة والبيان الأديب النحوي النقادة أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى.
كان أبرز ما في مجلس أمس أو المجلس الماضي، أيها الإخوة، كان أبرز ما فيه ردُّه على من قال بالفصل بين الصياغة التركيبية والمعنى، وأتى إلى بعض أبيات الشعر -والفعل هنا منسوب إلى هذا البعض- أتى إلى بعض أبيات الشعر وجرّدها من صيغتها وقال: إذاً ليس وراءها شيء. وأتى بأبيات بينها، وهي نفس الأبيات التي بينها من قبله وردَّ على هذه الشبهة من قبله ابن جني، وهي نفس الأبيات التي قال فيها هذا القول بعينه ابن قتيبة.
ولذلك، قبل أن نبدأ في حصيلة اليوم أو حصة اليوم، رأيت أن أقرأ لكم من كلام ابن قتيبة نفسه مقاطع أكثر، حتى تعلموا أي نمط من الشعر ذمَّه ابن قتيبة، وحتى تعلموا أن الأمر ليس اختلافاً فقط في فهم بعض الأبيات أو المقاطع، وإنما هو اختلاف في المنهج، وأن هذا المنهج مأخوذ على صاحبه من أهل الاختصاص كابن جني وعبد القاهر. الموضع كما عرفنا في كتاب ابن قتيبة في الصفحة السادسة بعد الستين من مقدمته التي كتبها على كتابه «الشعر والشعراء»، يقول: "وضرب منه حسن لفظاً وحلاً، فإذا أنت فتّشته لم تجد هناك فائدة في المعنى، كقول القائل: ولما قضينا من منى كل حاجة".
انظر بعد ذلك بعد ما قرأنا بالأمس وبعد أن قال: وهذا الصنف في الشعر كثير، ذكر منه قول جرير، قال: ونحوه قول جرير: يا أخت ناجية السلام عليكم قبل الرحيل وقبل لوم العذل لو كنت أعلم أن آخر عهدكم يوم الرحيل فعلت ما لم أفعلِ وقوله: بان الخليط ولو طوعت ما بانا وقطعوا من حبال الوصل أقرانا إن العيون التي في طرفها مرض قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا
هذا يا إخوة من الصنف الذي إذا فتّشته على جمال تركيبه ولفظه ونسقه، إذا فتّشته عند ابن قتيبة لم ترَ وراءه شيئاً. أحسب أن ابن قتيبة لو أنصف واستطرد في هذا القسم لقال: ومنه «قفانبك من ذكرى حبيب ومنزلِ»، ومنه «يا دار مية بالعلياء فالسندِ»، ومنه «أذنتنا ببينها أسماءُ»، ومنه الشعر العربي، شعر الفحول كله منه، شعر الفحول كله منه.
قرأت لك هذا حتى تطمئن إلى أن ذلك مذهب لابن قتيبة، اختلط فيه مذهب المنفعة الدينية أو الإنسانية بالمذهب الفني. ولهذا يقول الدكتور حسن طبل عن هذا التقسيم، تقسيم الشعر الذي أتى به ابن قتيبة أو ابتدعه ابن قتيبة، قضية اللفظ والمعنى، وأنه ما حسن لفظه -يعني تراكيبه- ولم يحسن من جهة معناه، أي أصل معناه، يقول الدكتور حسن طبل: "هذا التقسيم دليل على أن مصطلح المعنى الشعري الذي يستشف من صياغته ويدور في فلكها جودةً وقبحاً ليس هو المعنى الذي يريده ابن قتيبة، وإنما المعنى لديه هو الفكرة المجردة من وراء الصياغة".
هذا يقوله في كتاب «المعنى الشعري» صفحة 38، وأنتم درستم وهو مفيد من هذه الناحية جداً، يقول هذا التقسيم دليل على أن مصطلح المعنى الشعري الذي يستشف من صياغته ويدور في فلكها جودةً وقبحاً، ليس هو المعنى الذي يريده ابن قتيبة، وإنما المعنى لديه هو الفكرة المجردة من وراء الصياغة. ولذلك فإن قيمتها عنده لا تستمد من تلك الصياغة، بل من أمور أخرى خارجة عنها.
والدكتور محمد أبو موسى، يا إخوة، قرر من كلام ابن قتيبة على بيت أو على هذه الأبيات التي ربما تنسب إلى كثير عزة: "ولما قضينا من منى كل حاجة"، يقرر الدكتور محمد أبو موسى أنه -أي ابن قتيبة- إنما يُعنى بأصل المعنى وليس المعنى الشعري.
ويقول الدكتور إحسان عباس، وهذا في كتابه «تاريخ النقد العربي من القرن الثاني إلى القرن الثامن»، صفحة 180، قال: "ويستشف من أمثلة ابن قتيبة أن المعنى عنده قد يعني الصورة الشعرية، مثلما يعني الحكمة، يستمد حكمة من بيت واحد أو بيتين أو ثلاثة على الأكثر، قضية اللفظ والمعنى لم تتناول العمل الأدبي كله". كل هذه اختصاصات من نص الدكتور إحسان عباس.
ويرى الدكتور حسن طبل كذلك أن ابن قتيبة وابن طباطبا، أن هذين العالمين على التخصيص كانا يعطيان القيمة للفكرة المجردة في الشعر، فجودة الفكرة المجردة في ذاتها شرط لجودة الشعر عندهما، إلا أنهما يشترطان مع ذلك جودة الصياغة الشعرية الخاصة؛ هذا في كتاب «المعنى الشعري» صفحة 47. نعم، وكذلك يرى أن جودة المعنى المجرد عند ابن قتيبة، الدكتور حسن طبل يقرر أن جودة المعنى المجرد عند ابن قتيبة أن يكون قيمة أو تجربة عامة، هذا في صفحة 49، أن يكون قيمة أو تجربة عامة يستفيد منها القارئ أو متلقي الشعر، بحيث يكون لها امتداد في المجتمع، لا أن تكون مجرد عاطفة ذاتية أو تجربة خاصة لا تكاد تعدو قائلها.
يعني إذاً كل هؤلاء، الدكتور حسن طبل وإحسان عباس والدكتور محمد أبو موسى، يرون أن ابن قتيبة -وهنا أدرج فيه في كلام الدكتور حسن طبل ابن طباطبا، هو كذلك مثله في هذا- أن هذين يريان أن المعنى الشعري، أو أن المعنى في الشعر من حيث الكلام عنه وعن جودته ومنه يتقوّم الشعر عندهم، هو المعنى المجرد أو المعنى الأصلي، وأنه يكون قيمة دينية أو نفعية عامة إنسانية، حتى لو كانت بكاء الشيب، يعني المهم أن تكون قيمة مشتركة.
وكما رأيتم الآن الأمثلة التي ذكرها جرير، ذكرها ابن قتيبة لجرير: «يا أخت ناجية السلام عليكم»، هذه التي أجمع عليها الزمان لنقاد، هذه التي أجمع عليها الزمان: «بان الخليط ولو طوعت ما بانا»، «إن العيون التي في طرفها مرض»، فهذا هو الذي عند ابن قتيبة إذا أنت فتّشته لم تجده أو لم تجد هناك فائدة في المعنى، يعني نفعاً.
قلت: لو أنصف ابن قتيبة وأكمل الكلام، أو سيقول: ومنه «قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل»، ومنه «ألا اصبحي صباحاً أيها الطلل البالي»، ومنه «صرمت لك شوق بعدما كان أقصرا» -أو ربما يخرج هذا صرم الشوق- ومنه «يا دار مية بالعلياء في السند»، ومنه «ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة»، ومنه كل ديوان امرئ القيس تقريباً، ومنه كل ديوان كثير أو أغلب ديوان النابغة الذبياني، وبعض شعر زهير كذلك سيخرج منه، ومنه «أذنتنا ببينها أسماء، رب ثاوٍ يمل منه الثواء»، وهكذا.
ولذلك وقف النقاد ابن قتيبة هنا؛ عمر بن أبي ربيعة سيخرج هو وشعره وقبيلته، عمر بن أبي ربيعة سيخرج هو وشعره وكل العشيرة أصلاً عنده لم تدخل أصلاً.
نعم، فأنا أحببت في أول المجلس أن أقف على إكمال ابن قتيبة حتى لا تظنوا أن الأمر وقف عند سوء فهم لبعض الأبيات، وربما لا يكون مذهباً لابن قتيبة، لأنه قد يقال: لماذا نتخذه مذهباً من مثال ومثالين؟ وهذا صحيح، هذا صحيح، يعني أحياناً تزل قدم الإنسان في موضع وكذا، لا يقال هنا نحدد مذهبه من هنا، مذهبه كبير يا إخوة، ونص على ذلك العلماء، ينبغي أن تُستقصى، كما أنك في تقويم الشاعر يقول الرافعي: إنك ينبغي -واتفقت كلمة العلماء على أن الأحكام ينبغي أن تُستقصى- وإلا كان حكمك مقيداً أو نسبياً نعم، ليس مطلقاً، فكذلك قلت لكم تعالوا نقرأ بعض ما ذكره ابن قتيبة لم أقرأه بالأمس هنا، وأتيت لكم على التخصيص بكلامه في جرير، بأبيات جرير، حتى تعلموا أن هذا مذهب لابن قتيبة.
ويرجع ذلك، أو أرجعه البعض، إلى أن ابن قتيبة وابن طباطبا هما بالأصل -طبعاً ابن طباطبا العلوي وابن قتيبة السني- لكن لهما ميول دينية، يعني هما رجالا شريعة أيضاً، هما رجالا شريعة. وكان كثيراً، الدكتور صديقي الدكتور عبد القدوس، كثيراً ما يقول لي، كثيراً جداً ما يقول لي هذا، يقول لي: لن ترى رجلاً في الشريعة -طبعاً هو هذه لا من حيث الأصل، الأصل ينبغي ألا يكون كذلك، لكن من حيث الواقع- قال: لن تجد شخصاً مغرقاً في الشريعة هي علمه الرئيس وكذا، ثم هو يفهم نظرية الشعر ويدرسها وكذا أو يفهمها، لكن إذا جاء إلى العمل سلِم من التأثير النفسي أو سَلِم من مذهبه الذي اعتاد عليه، لن يستطيع التجرّد تماماً غالباً، يعني هذا تفعلُه الندرة من الناس، أنه يكون شيخ قاضي عالم مهيب، ثم إذا جاء إلى الشعر قال لك: والله «خدر عنيزة» لا توازي أي مدحة نبوية قيلت في التاريخ، هذا ربما لا يطاوعه لسانه به، ربما لا يطاوعه لسانه به، مع أنه حق، مع أنه حق.
النسق الذي جاءت عليه أبيات «خدر عنيزة» وأبيات امرئ القيس عموماً في القصائد الثلاث العظام، لا توازيها إجادة في أي قصيدة قيلت في التاريخ في المدح النبوي. لو جُرّدت هكذا وفُصّلت وكذا، لن تستطيع، لن تجد هذا أصلاً. لكن نفس القول بهذا مهاب، عندما اعتادت نفسه دراسة الشريعة وكذا، لكن الأصل أن لا يكون كذلك.
يعني القاضي الجرجاني لم يكن كذلك، عبد القاهر لم يكن كذلك، وهؤلاء جميعاً درسوا علوم الشريعة أكثر منا أصلاً. القاضي عبد القاهر الجرجاني على كلامه هذا الدقيق وكذا، كان قاضياً شافعياً يقضي في الناس، وكان زاهداً ورعاً، وتزهّد عن الملوك وعن مجالسهم والتقرّب إليهم، حتى قال قصيدته: يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موطن الذل أحجمُ أرى الناس من داناهمُ عندهُمُ ومن أكرمته عزة النفس أُكرمُ القصيدة المعروفة له في «ثمرات الأوراق».
فالفصل صعب أيها الإخوة، وكان هذا في أثناء حوار دار معي، دار بيني وبين الدكتور عبد القدوس حول نقد الرافعي -نقد بالضاد وليس نقد بالدال- نقد الرافعي لبيت أحمد شوقي، والذي كان موضوعاً لمجلس أمس في البث المباشر مع الناس، فقال أيضاً: الرافعي ميوله الإسلامية غلبته هنا، كيف تكون في الخلد كذا وكذا؟
فلما كان -يعني هو الدكتور عبد القدوس قال لي شيئاً مفيداً جداً- قال: هو يكون في سياق، وتحدث في هذا أو تحدثنا جميعاً في هذا عن الرافعي، عن كثير من مواقف الدكتور محمد أبي موسى لما أبطل أبيات النابغة الذبياني وقال ليس فيها من الشعر شيء مع أنها، لا فيها من الشعر وفيها وفيها. وإذا لم تكن هذه شعراً، وهذه تشبيهات وأوصاف، إذا لم تكن هذه شعراً وهذا الذي جاء فيها، إذا لم يكن تشبيهات وأوصاف، فلم يُخلق الشعر ولم يُخلق التشبيه ولم تُخلق الأوصاف. الأبيات الدالية من أول قوله: والبطن ذو عُكَن لطيف طيّه والنحر تنفج بثدي مُقعدِ الأبيات إلى البيت الأخير: وإذا يعضُّ تشدّه أعضاؤه عضَّ الكبير من الرجال الأدردِ الدكتور أبو موسى جاء إلى هذه الأبيات وقال: وهذه ليس فيها من الشعر شيء، وإنما هي بذاء محض. نحن نوافق على آخر الكلام، لا نوافق على أوله، نعم هي بذاء ليس محضاً وإنما هي الشعر، فهو شعر بذيء، نعم، لكنه شعر، فيها بذاء، فيها كلام خارج، فيها كلام قد يُنكر، لكنها شعر، بل أُمُّ الشعر، بل أُمُّ الشعر! فبنى على ذلك أن أنكرها النابغة، وبنى على ذلك أن أبطلها شعراً، قال ليس فيها من الشعر شيء، وأخرجها من قصيدة النابغة، قال: منحول عليه.
طيب يعني هل الذي سينحل سينحل النابغة شيئاً؟ هل سيضع كلاماً لا يكون شعراً؟ المهم، ففي نقاشه مع الدكتور عبد القدوس قال كلاماً جميلاً، قال: الذي يحصل كالتالي: الرجل يكون في سياق نقد، والرجل تربّى تربية أزهرية على الطراز القديم من الجيل قبل الجيل الماضي، الرجل مُسِن، نعم، ويبرّئ امرأ القيس من الذي ذكره في الشعر، وسيضطر معه إلى تأويل هذا الكلام، وهذا الإفساد هذا هو الإفساد، يعني لو أنه برّأ امرأ القيس ولكن ترك القصيدة على معناها، أقول: لا بأس جميل، أنا لا يعنيني امرؤ القيس فعل هذا أو لم يفعل، لا يعنيني فعل هذا أو لم يفعل، أنا سأرفع له ذكراً أو أرفع ذلّة جرير.
هذا هو الذي يحصل، أو ينبهر، ينبهر بمعنى ما، كما حصل أيضاً في صدر كتابه "الشعر والشعراء"، أو آسف، "الشاعر الجاهلي دراسة في منازع الشعراء"، لما جاء إلى بيت لأوس بن حجر وكذا، فقال: ومن الغلط في مجلسنا الأدبي أو في درسنا الأدبي أن نتناول ما في هذا مما تناوله بعض النقاد من خلل في الاستعارة وكذا، ونترك -انظر يقول- ونترك ما كان عليه أجدادنا من مراعاة اليتيم ومن الوقوف على كذا.
لا، لا، لا يا سيدي، هذا ليس خطأ. الخطأ هو أن تترك ذلك بالكلية، لكن ليس خطأ في الدرس الأدبي. في الدرس الأدبي يجب أن نقف على هذا فقط. في الدرس الأدبي من الخطأ التوسع في غير المجال الأدبي، بل الكمال هو -طبعا لا يمنع- لكن الخطأ في خلطه بالدرس الأدبي، أن يكون درساً أدبياً، والكمال في صفاء الدرس الأدبي للأدب، هنا يكون درساً تخصصياً، فليس من الخطأ في الدرس الأدبي أن نقف على الخلل في الاستعارة وأن نترك ما عليه أجدادنا من مكارم الأخلاق ومن إغاثة الملهوف إلى آخره.
نأتي الآن إلى -طبعاً قلنا- الذي أثر في ابن قتيبة وابن طباطبا هكذا، وابن قتيبة كما تعلمون سني، والذي أعرفه عن ابن طباطبا أنه علوي، لأنه ابن طباطبا العلوي. فالذي يظهر لي والله تعالى أعلم، وأظن أنه قاله كذلك بعضهم، قاله حسن طبل -أنتم درستم الكتاب- أنه الميل الديني أو التأثر الديني في هذا.
قال عبد القاهر: القول في النظم وتفسيره، هذا العنوان ليس قول عبد القاهر، هذا العنوان زاده الأستاذ محمود شاكر قال: لأن عليه مدار هذا الكتاب. وإنما هي الفقرة تبدأ من قوله: واعلم أنها هنا أسرار ودقائق لا يمكن بيانها إلا بعد أن تقدم جملة من القول في النظم وفي تفسيره والمراد منه.
هنا يحاول عبد القاهر أن يفسر ما حصل في النظم بعد أن قرر كونه العمود في قيام الفن القولي، يعني كل ما مضى كان يثبت لك في الاستعارة والكناية وفي كذا، يقول لك: انظر لما تغير موضعها، انظر التفاوت الذي يقع في الاستعارة الواحدة، وهكذا. هنا سيبدأ يشرح لك ما الذي يحصل في النظم، ما الفكرة؟ ما الذي حصل فيه بعد أن قرر كونه العمود؟ ما الذي يحصل فيه؟ يجعل هذا التفاوت يحصل بحسب هيئات النظم، إذا ما نظرنا فيه إلى المؤثر الواحد.
يقول: واعلم أن ها هنا أسراراً ودقائق لا يمكن بيانها إلا بعد أن تقدم جملة من القول في النظم وفي تفسيره والمراد منه، يعني سيتكلم عن الأسرار والدقائق لكن لابد من أن نقول ما هو النظم، قال: وأي شيء هو وما محصوله ومحصول الفضيلة فيه، يعني ما تعريفه؟ ما فكرته الأساسية؟ وكيف تتعلق الفضيلة فيه؟ أو كيف تتعلق الفضيلة بمحصول هذه التعاريف أو الحدود أو الهيئات؟
قال: وأي شيء هو وما محصوله ومحصول الفضيلة فيه؟ فينبغي لنا أن نأخذ في ذكره وبيان أمره، وبيان المزية التي تدعى له، من أين تأتيه؟ وكيف تعرض له؟ وكيف تعرض فيه؟ وما أسباب ذلك وعلله؟ وما الموجب له؟ وقد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم وتفخيم قدره والتنويه بذكره، وإجماع الفضل مع عدمه، -إياكم أن تفوتوا هذه العبارة- وإجماع الفضل مع عدمه، مع أن هناك استعارات وهناك كذا، وإجماع الفضل مع عدمه، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له، ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ.
يا الله يا سيدي، ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ! تأمل هنا كيف جمع بين إثبات غرابة المعنى وبين فساد النظم الكاشف عن هذا المعنى، يعني المعنى موجود ومعنى غريب جميل كذا، رأيتم؟ ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ، يعني هو له بالغرابة والعجب، لكن جمع بين إثبات الغرابة في المعنى وبين الفساد في النظم الذي يكشف عن هذا المعنى، وهو يشبه صنيع القاضي الجرجاني في الوساطة الذي أثبت للمتنبي شرف المعنى في بعض الأبيات مع الكشف عن فساد نظمها المؤدي إليها.
فشرف المعنى أيها الإخوة ليس الشعر، شرف المعنى ليس الشعر، وإنما هو شرط الشعر، وشرط النظم العالي، ليس هو النظم العالي، هو شرط النظم العالي أو هو ركن النظم العالي، ولكن يتحقق بالانضمام إلى ركن النظم نفسه ليصير شيئاً واحداً. والنظم حتى يعلو يحتاج إلى المعنى الواسع الشريف الذي يسمح له بالامتداد والعلو، وإلا فلو جئنا بصورة أو بالصورة من النظم العالي مفرغة من المعنى دون مضامين الألفاظ فيها، كان الكلام الهزلي كما تعرفون: "وإني وإني ثم إني وإنني، إذا انقطعت نعلي جعلت لها شسعاً".
أنت عندك تراكيب من المفترض أن تشغل بمعان عظيمة ولكنك أخذت التركيب وركبته على تفاهة، هذا هو الذي يحصل به الهزل. ومن هنا اختلفت مع بعض الدكاترة في مصر في كلية دار العلوم لما تناقشنا، وكان يرى أن ما يعرف بالشعر الهزلي هو شعر عالٍ كذلك، فقلت له: ليس عالياً، لأن الهزل يأتي بالجمع بين الهيئة الفخمة التي توحي -من كثرة ما أتت في المعاني العظيمة- توحي بالمعاني الشريفة الشعرية، أن يجمع بين هذه الهيئة التي هذه حالها وبين ماذا؟ وبين المعنى الذي ليس بشيء، تحصل هنا الصدمة الهزلية.
فالهزل هو علو مع كونه نازلاً، هذا هو الهزل الذي نفهمه، ولهذا يأتي الشعر الهزلي سخيفاً ساقطاً، ولهذا كثر ذلك في شعر الماجن أبي نواس، ولهذا قال بعضهم كما في حمزة الأصفهاني في مقدمته على روايته لديوان أبي نواس يقول: ذهبت اليمن بعامة جد الشعر وهزله، أو ذهبت اليمن بجد الشعر وهزله؛ بجده في امرئ القيس، وبهزله في أبي نواس.
لما كنت أقرأ مع أم قيس هذا الكلام وكذا، قالت لي نظرت وابتسمت وقالت: امرؤ القيس جد الشعر؟ قلت لها: نعم، قالت: يعني خدر عنيزة وتسلل وكذا، هذا جد الشعر؟ قلت لها: نعم، فشرحت لها ما المقصود من الهزل، وأنه حتى لو أتى بالمعاني الفخمة العادية أو المعاني الفخمة في ذاتها لا في الشعر، وأتى بها هكذا في صورة هزلية، يكون هزلاً أيضاً.
يقول: وقد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم وتفخيم قدره، والتنويه بذكره، وإجماع الفضل مع عدمه، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ، وبتهم -أي وعلمت- بتهم علمت إطباق العلماء وبتهم الحكم بأنه الذي لا تمام دونه ولا قوام إلا به، وأنه القطب الذي عليه المدار، والعمود الذي به الاستقلال. وهو يا إخوة عمود عمود الشعر.
نقطة مهمة، هو عمود الشعر، كيف النظم هو المعنى العام؟ النظم هو المعنى العام، ولو أنك رجعت إلى عمود الشعر الذي درسناه في شرح المرزوق، سترى أنه يتكون من ماذا؟ من شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته. طيب، من أين تأتي جزالة اللفظ؟ يعني أن تكون اللفظة في ذاتها دالة قوية على معناها، وهذا على طريقة عبد القاهر يكون بماذا؟ يكون بموقعها في الكلام، وإن كان البعض يثبت لذلك شيئاً في أصل الكلمة، وأن من الكلام ما هو سوقي في الغالب، والمذهب قريب في الحقيقة، وقد يصح استدراك على عبد القاهر هنا أن هناك ألفاظاً هي في جملتها ألفاظ الشعر الفصيح، وأن هناك ألفاظاً هي سوقية، وأنا قلت في الغالب وجملة، وأن ستظل نظرية عبد القاهر مستقرة ومستمرة، ولو في القلة من ألفاظ سوقية لو وقعت في الكلام في سياق يطلب أن تكون كذلك، كأن تأتي بها في شعر فخم تتهكم بها، نعم.
فالكلام هنا ليس خلافاً شديداً في الحقيقة لو نظرت إلى الأغلبية، نعم قد تعترض على عبد القاهر لو نظرت إلى الاستقصاء، لن تعترض على عبد القاهر لأن البعض اعترض على عبد القاهر بهذا، قال: لا، الألفاظ لا تتساوى. وأنا أعلم أن عبد القاهر يعلم أنها لا تتساوى، لكن يقول لك يظل الاحتمال قائماً، أو تظل الفكرة موجودة، وهي أن الألفاظ العامية المبتذلة إذا وجدت في سياق معين تكتسب قدراً آخر، فعندك شرف المعنى واستقامته وجزالة اللفظ.
قل يا عقيل، قل، قل، أقول: مولانا عبد القاهر ذكر ما ذكروه من أن الألفاظ لا تتفاوت إلا بالوحشية والتنافر، مر علينا هذا الأمر، يعني ولكن هو هذا عنده ليس بقدر، خاصة ما ذكرتموه أنتم من السياق أيضاً هو الحاكم في هذا ومؤثر، نعم هو عبد القاهر يقول إن الألفاظ لا تعتبر كما رأيتم فيما سبق، لا تعتبر لها فضيلة في ذاتها، وإنما هي بحسب سياقاتها، وهذا الكلام إذا أخذ على إطلاقه هكذا، فإن البعض اعترض عليه بماذا؟ بأن هناك ألفاظاً سوقية أو غير شعرية في الغالب، وأنا أقول كلمة "في الغالب" تشفع لتعميم عبد القاهر، لأن الاحتمال يظل قائماً في صور دقيقة على الأقل.
مولانا عبد القاهر يقول بالحرف: وهل يقع في وهم، وإن جُهد، أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف، والنظر بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة، وتلك غريبة وحشية، أو أن تكون حروف هذه أخف وامتزاجها أحسن، ومما يكد اللسان أبعد؟ وقال: أنا أقول لك شيئاً حتى نفهم هذا، لو جئنا بكلمة "بندورة" أو "طماطم"، نقول طماطم في مصر، لو جئنا بطماطم، هذه اللفظة يمكنك أن تقول ما وقعت في شعر إلا أفسدته، ولكنني أتخيل أحوالاً قليلة إذا وردت في سياق يصحب حالة معينة، وكأنه يتهكم على قائل يقول هذا، أو يتهكم بملك سيبيع الطماطم مثلاً، هنا ستأتي طماطم في موقعها فصيحة.
لكن لأول وهلة إذا نظرت ستقول كلمة طماطم، ليمون، ها، خضروات، هذه الألفاظ المبتذلة ستحكم حكماً أولياً، هذه كلها ألفاظ سوقية لا يمكن أن تقع في الشعر. تعرف لماذا؟ لأنك تقول لا تقع في الشعر وأنت تتخيل هؤلاء الذين يجعلونها أصلاً في الشعر يتخذونها أصلاً في الشعر، حتى قالوا البعض يقول: أنا لا أقرأ الشعر القديم حتى لا يبعدني عن الناس، يعني نحن أصلاً سبحان الله، شوف البطر! نحن أصلاً هذا منحوس، نحن أصلاً نجتهد في أن نحصل فصاحة القدماء، وهذا يخشى أن تؤثر فيه فصاحة القدماء.
حتى ذكر لي، ذكر لي -ولا أضبط المصدر ولا أذكر إذا كنت قرأتها بعد ذلك ووثقتها أو لا، هذا منذ سنين طوال- أن محموداً، أن قيل لنجيب محفوظ لماذا لا تحضر مجالس محمود شاكر؟ قال: سيفسد لغتي، قال له: لماذا لا تحضر مجالس محمود شاكر؟ قال: سيفسد لغتي، الأدباء يخافون مجالس محمود شاكر، وقال: سيفسد لغتي، سيجعلني أتكلم بغير اللغة التي ينبغي أن أقدمها للجمهور في رواياتي، خلاص، مجالسه مستواها عالٍ، يعني لغة الروايات صحيح، فهو قال مجالس محمود شاكر تفسد لغتي، أنا لا أجلس فيها. تفضل يا عبد الله يا محمد.
مولانا بالنسبة لهذه الكلمات تذكرت أنا مثالاً، يعني الذي يقول الله سبحانه وتعالى فيه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾.
فادعُ لنا ربَّك يُخرِج لنا ممَّا تُنبِت الأرضُ من بَقلِها وقِثائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها. هذه الكلمات قد يَصعُب تَخَيُّلُها أنها تأتي في كلامٍ قليل، لكن عندما جاءت حَسُنت. بالضبط هذا هو، ولذلك أنا في الجُملة مع عبد القاهر في التّعميم؛ وضَع القاعِدة في الاستغراق، لا توجد ألفاظٌ إلا ويَصلُح أن تأتي، لكن قد تَبعُد هذه الطُّرق وتَندُر، وقد تَقرُب وتَكثُر. ونُكمِل بعد الأذان.
نرجع، كُنتُ أقول إن النَّظم هو العمود الذي به الاستقلال، النَّظم هو عَمود الشِّعر. قُل يا عَقيل، تَفَضَّل، ما الذي أردتَ أن أقولَه مما قرأتَه أن عبد القاهر ثَبَّت الأصل الذي هم قالوا به، ثم توسَّع عليه؟ يعني هو لم يَغِب عنه ذكرُ هذا، قَد ذَكرَه بعَينه، عبد القاهر ليس الذي يَغيب عنه هذا، نعم؛ يعني حتى التّعميم الذي عَمَّمه لا يَنفي الاستثناء، ومع ذلك بالمناسبة، مع أنه أيضاً عَرَّج مثلاً على قضيَّة الثِّقَل، ومع ذلك هو لا يَنفي أن الثِّقَل يُطلَب في مواضع، وأن القرآن فيه ثِقَل. هو كأنه قال إن هذا هو الأصل الذي فيه الوحشيَّة والتَّنفير، ثم هذا الأصل قد يَكسِرُه النَّظم إذا طَلَب السِّياق لفظةً فيها ثِقَل أو فيها وحشيَّة.
حتى يعني القرآن، الذي يَنفي أن «ضِيزَى» ثقيلة هذا مُكابِر، الذي يَنفي أن «سَبْحاً» مُكابر، الذي يَنفي أنها فيها ثِقَل، «سَبْحاً» فيها ثِقَل، مُكابر الذي يَنفي أن «يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ» أن فيها ثِقَل؛ هذا مُكابر، «يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ» فيها ثِقَل على المُعاصِر على الأقل. ولهذا بالمناسبة أنا أقول هنا -تتذكَّرون لما تكلَّمنا يا عقيل في هذا الأمر قريباً لما تكلَّمنا في قضيَّة التّلاؤم وكذا- أقول المشكلة في الأمثال التي تأتي في كلام المُتأخِّرين، أقول المشكلة فيها مشكلتان -شكراً يا عَقيل تمام- أقول المشكلة فيها مشكلتان: المشكلة الأولى هي أنهم يأتون بما هو في الثِّقَل نَظير للقرآن، لما في القرآن كما «امدحه، امدحه»، «يا نوح اهبط»، ونَصُّه قالوا التقاء حروف الحلق؛ طيِّب ما حَصَل التقاء حروف الحلق في القرآن «يا نوح اهبط» و«سبحاً»؟ «ضيزى» كَسرُ حرفٍ مُفخَّم بعده الياء ثم الزاي مفتوحة، هذا ثقيل، ثقيل لا شَكَّ فيه ثِقَل. المهم فهم كابَر بعضُهم وكابَر وقال هذا كذا، ولو أطلَقَه لوجَدَه في القرآن.
حاول البعض الخُروج من ذلك بأن قالوا المشكلة في بَيت أبي تمام التَّكرار؛ «امدحه، امدحه» يعني ثَقُل شيئاً خفيفاً، لكن لما تَكرَّرت ثَقُلت أكثر، فهذا المذموم. طيب، المشكلة الثانية أمرٌ نِسبي يا إخوة، وكأنَّ لِساننا أو كأن لِسان الجاهليين كلساننا! نحن نقرأ القصائد الجاهليَّة الجميلة وفيها ما قد يَكُدُّ اللِّسان، لكن آلة اللِّسان عندنا وعندهم، مثلاً يقولون في «مستشزرات»؛ أولاً لم يَنتبِهوا إلى اختلاف مهارة تخليص الحروف عند القُدماء والمُتأخِّرين، حتى في القرآن، أول مهارة تتعلَّمها في القرآن ونَبَّه إليها ابن الجزري وعلماء التجويد جميعاً، تخليص الحروف والصفات؛ إخراج كل حرف من مخرجه مع إعطائه حَقَّه ومُستَحَقَّه، حتى قال ابن الجزري في صفته كصَفٍّ: ليست أن تنطق الكلمة وَحدَها، وإنما أنت تتكلَّم كمن يفعل أفعالاً مُتتالية، وكل فِعل منها يَصعُب مع نَظيره أو مع قرينه، فأنت كمن يرتكب كذا.
حتى قالوا -وهذا يَعرفُه عُلماء التجويد، معنا أختنا زينب ما شاء الله من القُرّاء، من أصحاب القراءات- هي تَعلَم أنَّ الإنسان الذي يتعلَّم التَّجويد في أوَّل أمرِه يؤلِمه فَمه، فَكُّه، وليس بينه وبين تَركِه إلا رياضة امرئ بفَكه؛ كما قال ابن الجزري. فمعروف الذي يتعلَّم التَّجويد يؤلمه فَكُّه في الأوَّل، هذا مفهوم؛ تحتاج إلى تخليص الحروف. فتخليص الحروف مهارة عربيَّة، فأوَّلاً «مستشزرات»، أنت «مستشزرات»، «مستشزرات»، لا تأتي إلى المِصر الذي يقول: الرِّشد أباظة، الرِّشد أباظة، تعرفون كلمة الرِّشد في القرآن؟ في مَجالس التَّجويد في مِصر جميعاً تَجِد الشَّيخ يَجلِس: يا ابني «الرُّشد»، هو «الرُّشد»، يقوله: يا ابني «الرُّشد»، «الرُّشد».
أحبابنا في العراق الجيم عندهم من الحروف الشَّمسيَّة؛ يُدغِم الجيم في الكاف، «الجمال»؛ وأنَّ هذا غير صحيح، هي «الجمال»، كل عراقي سمعتُه يقول الجمال، يعني أي جيم يُدغَم فيها اللام حتى لو كان يتكلَّم بالفُصحى، مع أنَّ هذا ليس من الصَّواب. فالمُهم، فانت لا تأتي إلى زمانٍ هذا حالُه وتقول يَستَصعِب «مستشزرات»، أنا لا أستصعب «مستشزرات»، خلِّص الحروف فقط، «مستشزرات»، «مستشزرات»؛ أنت تقول «مستشزرات» تُريد أن تختصر، «مَزرات». تأتي إلى قومٍ يختصرون 15 لـ«خماشر»، أنا عندي 15 كتاب، 15 مُجلَّد يعني 15 صارت «خمسشر»! كان وَلَدي رحمه الله يُلقي السَّلام على أحدهم ويقول له: ولا تقل لي «عَ السَّكاتة»، «عَ السَّكاتة»، «عَ السَّكاتة»؛ والدي يقول له: السلام عليكم، يقول له: «عَ السَّكاتة»، اتفضَّل «عَ السَّكاتة»، قُل لا تقل لي على السَّكاتة؛ أو لا تقل لي على طائفةٍ أخرى: «صحت الله وبركاته»، «صحت الله وبركاته» اختصار وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، صارت «صحت الله وبركاته»! تُريد من هذا أن يقول «مستشزرات»؟
تخليص الحروف، ستُخَلِّص بها «مستشزرات»، هذا أوَّلاً، ثانياً غَفَلوا عن أن «مستشزرات» ليست الكلمة في الأصل، التي هي الشَّذر، مادتها الأصليَّة الشَّذر، فتركيب الحروف عليها يُساعِد في تخليصها؛ أصلُها الشَّذر.
الشِّعر: كيف عمود الشِّعر عبارة عن شَرف المعنى؟ وشرف المعنى هو شَرط النَّظم، ويَحصُل بالنَّظم وصِحَّته، طبعاً شَرف المعنى وصِحَّته، جَزالة اللَّفظ واستقامته، وهو أن يكون اللَّفظ مما يَجري استعمالُه، لا يكون هذا الوَحشي البعيد الذي لا يُستعمل، لا يكون هذا المُبتذل إذا كان في السِّياق إلى آخره، ثم مُشاكلة الألفاظ للمعاني مع شِدَّة اقتضائها للقافية؛ إيه مَزيَّة، قُل يا عَقيل. جَزالة اللَّفظ واستقامته، نعم هي الثَّانية في عمود الشِّعر، مُخلص أنك الآن أتيتَ على ذكر عَمود الشِّعر لأنه به تتحقَّق المزيَّة، به تتحقَّق المزيَّة في النَّظم.
لا، أنا أقول إنَّ النَّظم هو العمود لعَمود الشِّعر، يعني لو نظرتَ إلى عمود الشِّعر سترى أحوالَه كلَّها تتحقَّق عن طريق النَّظم، لكن بالتَّخصيص بالشِّعر، وسأُثبِت لك الآن هذا جيِّداً إن شاء الله. يعني البعض كان يَسألني ما العلاقة بين نظريَّة النَّظم وعمود الشِّعر؟ أقول له: نظريَّة النَّظم عامَّة، عمود الشِّعر خاص بالشر، ولكنه يتشكَّل من مادَّة النَّظم، يعني نظريَّة النَّظم هي النَّظريَّة العامَّة في الإصابة، الإصابة الخاصَّة بالشِّعر تتحقَّق عن طريق النَّظم. قُل يا عَقيل، قُل مباشرةً.
نعم، لكن طبعاً يُمكِن أن نقول إنَّ مَزيَّة النَّظم هو تحقيق شَرف المعنى الذي هو كلُّ أبواب عمود الشِّعر. لا، أنت هنا تُريد أن تؤدّي إلى تحقُّق شَرف المعنى. لحظة، لحظة، لحظة، ما هو الذي سيسأل هذا السُّؤال إذا سيسأل حتى بعيداً عن النَّظم؟ كما سألني البعض قريباً هذا بالفعل قبل أيَّام، بالمناسبة أحد الإخوة قال لي: يعني أنا أُريد أن أفهم ألا يكون شَرف المعنى مُتضمِّناً شاملاً لكلِّ ما يأتي بعده؟ قُلتُ له: الرَّجُل أو العُلماء الذين نَظَّموا لك، نَظَّموا لك قضيَّة شَرف المعنى، وضَع لك شيئاً في الأوَّل يكون رُكناً أو شَرطاً في كل ما يأتي، ثم بعد ذلك خَصَّص ما يأتي لنفس الشَّيء الذي خَصَّ به عبد القاهر المجاز والتَّشبيه والاستعارة والكناية بالدِّراسة.
رأيتَ الذي يَفهمه أن جَزالة الألفاظ وشَرف المعنى أن التَّحا... يا وَلَدي أنا أفهم هذا، أنت تُريد أن تقول شرف المعنى لا يتحقَّق بالأشياء التي في أسفل هذا، الكلام الصَّحيح هو يرتِّب لك، يقول لا بُدَّ أن تقصِد من الأوَّل إلى شَرف المعنى، من الأوَّل تقصد إلى شَرف المعنى، تمام، هو الرَّأس، هو الغاية، هو المزيَّة. هذا أنا سألتُ عن، طبعاً أشوف تحقيقَه، هو قال لك شَرف المعنى، هذا الكلام، هو شرف المعنى، بعد ذلك كلُّ صورة لو تتذكَّر دراسة، لحظة يا محمَّد، اذكر دراسة مُقدِّمة المرزوقي، ستراه نَصَّ على شيء خطير، على شيء يَدُلُّ على أنَّ كلَّ شيء يَخرج عن التَّشبيه والاستعارة، أو نَقل التَّشبيه والاستعارة سيدخُل في الوَصف؛ لما جاء على الوصف وقال وهذا الوصف هو الذي تأتي منه أبيات الحِكمة والأبيات السَّائرة.
نَصَّ على هذا المرزوقي في شَرحه على ديوان الحماسة لما ذَكر الوَصف، الإصابة في الوَصف، قال وتدخل فيه الحِكمة والأبيات السَّائرة، وكذا وكذا، إذاً هو معنى عام في كلِّ المعاني التي يُريد الشَّخص أن يقولَها، الوَصف بالمعنى السَّائر عندنا، ويدخُل فيه كذلك أبيات الحِكمة حتى المعاني الصِّرفة والحِكمة الصِّرفة. طيب شرف المعنى كيف هو؟ طيِّب ما هو قال في الأوَّل صحَّته، قال صحَّته أصلاً. طيب كيف قال مُشاكلة الألفاظ للمعاني مع شِدَّة اقتضائها للقافية؟ أنت بالمناسبة دون أن تَشعُر طبَّقت شَرف المعنى في الجميع، ضَع يداً هكذا، أنا أكتب أمامي الآن عمود عناصر عَمود الشِّعر: شَرف المعنى وصِحَّته، جَزالة اللَّفظ واستقامته، مُشاكلة الألفاظ للمعاني مع شِدَّة اقتضائها للقافية، التحام أجزاء النَّظم على تخيُّرٍ من لذيذ الوزن، سأكتبها، ثم الإصابة في الوَصف، المُقاربة في التَّشبيه، مُناسبة المُستعار للمُستعار له، هذه أبواب السَّبعة، كَتَبتُها أمامي، أضع القلم هكذا على شَرف المعنى الأوَّل، ها هو، وسأبدأ أسأل سُؤالاً، وهذا السُّؤال للإخوة جميعاً: هل يُمكِن أن تَحصُل جَزالة اللَّفظة دون شَرف المعنى؟ نعم أو لا؟
تتساوى في من قال لا وقال نعم، هذا يَرجِع إلى تفسير جَزالة اللَّفظ، جَزالة اللَّفظ إذا رَجَعتُم إلى ركِّزوا معي الآن، إذا رَجَعتُم إلى شَرح المرزوقي على ديوان الحماسة وَجَدتموه يقول في جَزالة اللَّفظ: أن تكون لا سُوقيَّة ولا مُبتذلة، يعني من حيث ذاتها، وأنا قُلتُ ومُمكِن من حيث النَّظم. لحظة، نرى الأوَّل نقرأ، طيب ما معنى جَزالة اللَّفظ من الكلام؟ ها، لحظة، اسمع، انظر يقول: وعيار اللَّفظ -الذي هو جَزالة اللَّفظ- وعيار اللَّفظ الطَّبع والرِّواية والاستعمال؛ نحن الآن نُطبِّق شيئاً مع بعضنا الآن في الدِّراسة، وعيار اللَّفظ الطَّبع والرِّواية والاستعمال، فما سَلِم مما يُهجَّن عند العرض عليها فهو المُختار المُستقيم؛ الطَّبع والرِّواية والاستعمال، فما سَلِم مما يُهجَّن عند العرض عليها فهو المُختار المُستقيم، وهذا في مُفرداته وجُملته مُراعى، لأنَّ اللَّفظة تستقر بانفرادها، لأنَّ اللَّفظة، انظر، وهذا في مُفرداته وجُملته مُراعى، لأنَّ اللَّفظة تكرم بانفرادها، فإذا ضامَّها ما لا يُوافِقها عادت الجُملة هجيناً. يعني هو أعطى اللَّفظ مَكانَه قبل، ومَكانَه بَعده، على هذا الكلام هل نتخَيَّل جَزالة لفظة قبل الدُّخول في الكلام والتَّركيب ولا لا يا عَقيل؟ هو يقول، اسمعني جيِّداً، هو يقول: وهذا في مُفرداته وجُملته مُراعى في مُفرداته؛ لأنَّ اللَّفظة تستقر، إذا وافقَها عادت الجُملة هجيناً؛ أنا الآن لا أتكلَّم عن الهجين، ركِّزوا معي، نحن سنأتي باللَّفظ في تركيب ولكن لا يتحقَّق فيه شَرف المعنى، ركِّزوا معي، لا يتحقَّق فيه شَرف المعنى؛ يعني نأتي بأبيات، نأتي يا سيدي ببيت المُتنبي، لحظة واحدة صفحة 265 يا إخوة، لحظة يا عَقيل صفحة 265 من كتاب أسرار البلاغة.
ها يقول عبد القاهر: وكذلك قوله -يعني قول المُتنبي- وكلُّ امرئٍ يُولي الجَميلَ مُحبَّبُ، وكلُّ امرئٍ يُولي الجَميلَ مُحبَّبُ، صريح مَعنى، ليس للشِّعر في جَوهره وذاته نصيب، إذاً عبد القاهر نَفى شَرف المعنى عن هذا الشَّطر أو لم يَنفِ؟ الكلام للإخوة جميعاً، نَفى أو لم يَنفِ يا إخوة؟ نَفى، نَفى، يقول صريح مَعنى، ليس للشِّعر في جَوهره وذاته نصيب، وإنما له ما يَلبَسُه من اللَّفظ، ويَكسُوه من العِبادة، وكيفيَّة التَّأدية من الاختصار وخلافه، والكَشف أو ضِدِّه، إذاً أثبَت له حُسناً في ألفاظه وحُسناً في تراكيبه، ونَفى عنه الشِّعريَّة تماماً، قال ليس له نصيب. إذاً نَفى شَرف المعنى، هل أقول أنا سأسأل، وإذا اختَلَفنا في هذا فخلاص يعني هذا، وقفنا عند آخر الحارة كما نقول.
ها هل نستطيع -أنا مثلاً سأسأل- هل نستطيع أن نقول إنَّ ألفاظ هذا البيت، أو هذا الشَّطر، لأنه نُفي عنه شَرف المعنى، أنَّ ألفاظَه ليست جَزلة، ليست مُستقيمة، حَسنة في ذاتها مع كونه دالّاً، وله ما يلبسه من اللَّفظ، ويكسوه من العبارة؟ ها هو في البعض مش فاهم، أصلاً مش معانا، لا آه ولا لا! ليه؟ هو ليه البعض مش شغال معانا؟ ليه ليه البعض لا نعم ولا لا؟ لماذا؟ نام، مش عايز حد نايم، يا إما هفرض أنَّ كله يفتح الفيديو ما عدا الأخوات، يفتح الرُّؤية، ها؛ إذاً عبد القاهر نَفى، عبد القاهر، ها نَفى ماذا؟ نَفى الشِّعريَّة عن البَيت، ولم يَنفِ عنه حُسن اللَّفظ، ولا يُمكِننا في نظري أنا أن نقول أنَّ ألفاظه ليست جَزلة، «وكلُّ امرئٍ يُولي الجَميلَ مُحبَّبُ»، إذاً جَزالة اللَّفظة الذي هو حُسنها في ذاتها ودلالتها، وكونها غير سُوقيَّة، ومع كونها غير سُوقيَّة وغير وحشيَّة، يُمكِن أن يتحقَّق في نَص، هذه الجَزالة تتحقَّق في نَص لا يكون شِعراً، إذاً اتَّفقنا يا عَقيل، إذاً أقول هنا: هل يُمكِن أن نُثبِت جَزالة الألفاظ دون شَرف المعنى ولا لا؟
يُمكِن، الذي يكتب لا أراه سريعاً، والكلام صغير، لا تَلقُطُه عيني الآن ويذهب بسرعة أصلاً. إذاً يُمكِن، طيب خلاص، دَعونا نُكمِل الأمر، وإذا في نِقاش طويل في مكان آخر. طيِّب، ننتقِل إلى مُشاكلة الألفاظ للمعاني مع شِدَّة اقتضائها للقافية، أيوا، أسأل الآن سُؤالاً هنا، أنا أخشى هنا أن تَزِلَّ القَدم هنا، ها؛ أخشى أن تَزِلَّ القَدم، يقول مُشاكلة الألفاظ للمعاني، يعني أن يكون الكلام من حيث...
رقته، أن يكون الكلام من حيث رقته أو فخامته مناسباً لباب المعنى. هل يمكن أن تتحقق مشاكلة الألفاظ للمعاني مع شدة اقتضاء الألفاظ والمعاني جميعاً للكلمة الأخيرة التي فيها القافية، أو التي هي القافية؟ هل يمكن أن يتحقق ذلك ويكون الكلام من حيث الشعرية أو شرف المعنى ليس بذاك؟ نعم، جميل.
ننتقل إلى الثالثة: التحام أجزاء النظم على تخير من لذيذ الوزن. والتحام أجزاء النظم واضح من شرح المرزوق أنه يريد منه أن يكون سلسًا على اللسان، وهو التلاؤم الذي أدخله عبد القاهر نفسه، وقال: لا أمانع أن يكون مما يجمل به النظم ويكون زيادة في حسنه؛ هو قال هكذا عبد القاهر كما مر معنا، يكون زيادة في حسنه. إذاً، التحام أجزاء النظم مع تخير من لذيذ الوزن، يعني وزن لذيذ جميل في الكلام ونظم ملتحم؛ هل نتخيل هذا دون شرف المعنى الذي هو الشعر؟ أحسنتم، نعم ممكن.
شعر عمر بن أبي ربيعة، أي شعر خفيف لطيف، بل أي نظم خفيف لطيف، مش عايز أقولك ألفية ابن مالك يلا، ها: قال محمد هو ابن مالك أحمد رب الله خير مالكي مصلياً على النبي المصطفى وآله المستكملين الشرفا واستعين الله في ألفية مقاصد النحو بها محوية تقرب الأقصى بلفظ موجز وتبسط البذل بوعد منجز وتقتضي رضا بغير سخط فائقة ألفية ابن معطي وهو بسبق حائز تفضيلاً مستوجب ثنائي الجميلا والله يقضي بهبات وافـ ـة لي وله في درجات الآخره كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلم واحده كلمة والقول عم وكلمة بها كلام قد يؤم بالجر والتنوين والندا وأل ومسند للاسم تمييز حصل بفعلت وأتت ويفعل ونون أقبلن فعل ينجلي سواهما الحرف كهل وفي ولم فعل مضارع يلي لم كيشم وماضي الأفعال بالتا مز وسم بالنون فعل الأمر إن أمر فهم وهكذا، خلاص. التحام أجزاء النظم على تخير من لذيذ الوزن، وليس فيه ريح الشعر.
طيب، لحظة، هل يمكن أن تحصل الإصابة في الوصف من حيث نفسه دون شرف المعنى؟ طبعاً. هل يمكن أن تحصل المقاربة في التشبيه، تشبيه جميل دون شرف المعنى الشعري؟ قل يا عقيل؛ نتفق في هذا، لكن العكس هو الذي لا يمكن أن يحدث، هذا شيء لا يمكن أن يتحقق، يعني لا يمكن أن يتحقق شرف المعنى ثم لا تجزل الألفاظ. خلينا نكمل بس، خلينا نكمل، خلينا نكمل الأول. طيب، هل يمكن أن تحصل مناسبة المستعار للمستعار له دون شرف المعنى؟ ممكن.
إذاً، أول شيء أتى به شرف المعنى، لأنه لو أزال شرف المعنى ولو حققت كل ما بعده؛ جزل لو جئت بكلام جزل الألفاظ، تشاكل ألفاظه معانيه مع شدة اقتضاء القافية، تلتحم أجزاء النظم فيه على تخير من لذيذ الوزن، أصبت فيه بالوصف وقاربت فيه بالتشبيه وناسب المستعار للمستعار له، ولم يمكنك أن تأتي بهذه الصفات ولا تأتي بشرف المعنى. عقيل يقول: لكن لا يمكن العكس. طيب ما إحنا لم نقف عند الوع، هو لم يقل سيحصل الشعر بشرف المعنى يا عقيل، هو لم يقل سيحصل الشعر بشرف المعنى، أنا أيضاً لم أقل، لكن قلت إن هذه الشروط شرف المعنى هي وسيلة لشرف المعنى؛ لأنها من غيرها لا يمكن أن نحصل على شرف المعنى.
هذا شيء، لحظة لحظة لحظة، طبعاً هي يا رجل، هو أدخلها في عمود الشعر، ووضع القصد الأول فوق وهو شرف المعنى، لأنها يمكن أن تتحقق بدونه، في المزية هنا تكون شرف المعنى. هذا شيء، هناك شيء أيضاً آخر هو يخص نقاش في عمود الشعر، أنا يعني عندي توجيهات أخرى لجزالة الألفاظ والتحام النظم، أؤجله إلى وقت آخر، لا طبعاً وقت آخر طبعاً مش في عمود الشعر الآن، أنا فقط أبين كيف أن النظم هو عمود الشعر.
قل يا محمد مولانا، ما يعني أنا فهمت كلام عقيل، لكن هناك قضية، أنا أعتقد أنني فهمتك أنت أكثر، يعني شرف المعنى ليس مزية في النظم نفسه، لكن هو شرط يطلب من النظم، نعم، حتى النتيجة يجب أن تكون شريفة، أنا قلت هذا الشخص الذي شرحته. قل، قل، قل. نعم كنت بالضبط ما كنت أقوله، هو أن شرف المعنى هو الشرط لكي يدخل الكلام في الحد، لمن سألني عن هذا، اتصل بي من خارج مصر ليسألني عن هذا تعيناً؛ قلت هو أراد أن يتعامل مع الجميع على أنه إجرام، على أنه تشكيل، يعني هو رأى أن مناسبة المستعار للمستعار له يتعامل في شيء موجود، وجد أن المقاربة في التشبيه موجودة، الإصابة كذا، الالتحام، مشاكلة الألفاظ، جزالة الألفاظ، كل هذا مع وجود الجسم اللغوي، فما شرف المعنى؟ قلت له: شرف المعنى هو الشيء المعنوي الذي ستحصده، وسيظهر أثر قصده في صناعته كما يأتي.
لماذا؟ لأن هذا الذي، لماذا؟ لأنك يمكنك أن تأتي بهذه العناصر من الثاني إلى السابع دون أن تراقب شرف المعنى، أنت مطالب بهذه الأشياء على وجه يحصل به شرف المعنى، لأنني يمكن أن أقول: أتيت بكذا وكذا من الثاني إلى السابع دون شرف المعنى، يحصل هو، اتفقنا على هذا الآن، لكن لماذا فصل شرف المعنى؟ قال لك هذا غاية بذاته تحصلها، تراعيها وأنت تأتي بما يكون بعد ذلك، بدليل بعضها كذلك من بعض؛ أنت ستأتي بالمناسبة المستعار للمستعار له، وبال مقاربة في التشبيه، وهذان والإصابة في الوصف، وهذان يتصفان بالتحام أجزاء النظم على تخير من لذيذ الوزن، هذا ليس باب، وهذا باب، يعني ليس هناك فصل أول في شرف المعنى، فصل ثاني في مشاكلة الألفاظ، فصل ثالث في كذا، أنت ستأتي في التشبيه المقارب وفي الاستعارة المناسبة ستأتي بها ملتحمة أجزاء النظم على تخير من لذيذ الوزن، ستأتي بها مشاكله الألفاظ للمعاني، ستأتي بالكلام الذي تشاكل ألفاظه معانيه في الاستعارة وفي الوصف والتشبيه جميعاً وفي النظم الملتئم، يعني هو ملتحم في نفس الوقت، مشاكل في نفس الوقت؛ إذا كان استعارة فهو مناسب، إذا كان تشبيهاً فهو مقارب، إذا كان وصفاً فهو مصيب. قل يا عقيل.
لنكمل، يكون هناك توافق أن الغاية والمزية من النظم هو تحقيق شرف المعنى، الكلام ليس بالشعر ليس بمال، هو كذلك. تمام، إذاً الآن سترون أن العمل على كل ذلك هو عبارة عن ماذا؟ هو عبارة عن تمثل النظم ليحقق الشعر، لأن النظم يمكن أن يحقق ماذا؟ يعني هل أحد يجرؤ على أن يقول إن قول المتنبي: وكل امرئ يولي الجميل محببه، لم يراع فيه النظم على صحة المعنى؟ المعنى صحيح وفي ذاته مستقيم، ومع ذلك يقول عبد القاهر: صريحاً ليس للشعر في جوهره وذاته نصيب، خلاص.
فالشعر سيكون شريف المعنى، وأنت ستراعي هذه الأشياء التي عملها النظم، ففي الأخير عمود الشعر هو التمثل الخاص للشعر من خلال النظم، أو نقول عمود الشعر هو التمثل الشعري الخاص للنظم؛ لأنه هو الذي ينبغي أن يكون فيه الوصف على هيئته والتشبيه، لأنه قول إشاري كثيف، فهو المليء بالتشبيه والاستعارة والوصف، وهو الذي يطلب فيه أكثر أن يكون ملتحم أجزاء النظم، على استثناء ما نعرف، خلاص، أن يكون متشاكلة، أن ألفاظه تشاكل معانيه، وهكذا.
فيقول عبد القاهر: وأنه القطب الذي عليه المدار، والعمود الذي به الاستقلال، وما كان بهذا المحل من الشرف، وفي هذه المنزلة من الفضل، وموضوعاً هذا الموضع من المزية وبالغاية، كان حرياً بأن توقظ له الهمم، وتوكل به النفوس، وتحرك له الأفكار، وتستخدم فيه الخواطر، وكان العاقل جديراً ألا يرضى من نفسه بأن يجد فيه سبيلاً إلى مزية علم وفضل استبانه، وتلخيص حجة، وتحرير دليل، ثم يعرض عن ذلك صفحاً، ويطوي دونه كشحاً. قال: وأن يربأ بنفسه، قوله أن يربأ بنفسه يعني ألا يرضى من نفسه. نعم، وكان العاقل جديراً ألا يرضى من نفسه كذا، وأن يربأ بنفسه وتدخل عليه الأنفة من أن يكون في سبيل المقلد الذي لا يبت حكماً ولا يقتل الشيء علماً، ولا يجد ما يبرئ من الشبهة ويشفي غليل الشاك وهو يستطيع أن يرتفع عن هذه المنزلة، وينأى عمن هو بهذه الصفة، فإن ذلك دليل ضعف الرأي وقصر الهمة ممن يختاره ويعمل عليه، كما نقول: ولم أر في عيوب الناس شيئاً كنقص القادرين على التمام.
التزم صيغة المتنبي، اعلم ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها. يقول: وتعرف من مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها. إلى هذا الحد أيها الإخوة، انتبهوا، إلى هذا الحد من كلام عبد القاهر إنما هو في كل نظم صحيح دال، رديئاً ولو كان عامياً، أو بليغاً ولو كان معجزة. وفي الفصل الآتي بعد هذا الفصل، سيبين أن النظم إنما تصاغ أجزاؤه بحسب ما يؤم من الأغراض، وهنا سيبدأ الأمر في الاختلاف؛ لأن الأغراض التي هي شرف المعاني الشريفة هي التي ستحدد علو النظم ونزوله.
ومن هنا اختلفت معه، كان حصل أن زرت أستاذي ووالدي الكريم الجليل الدكتور سعد مصلوح، وهو آخر من بقي من علماء اللسانيات في هذا العصر، فزرته في بيته في مصر لما أتى من الكويت، ونحن نعلم أن هناك شيئاً نختلف فيه، لكن نريد الوقوف عليه؛ ففتحنا الباب وتكلمنا في قول شوقي، وقلت له إن الغاية التي يرمي إليها محدودة، أو أن الغاية التي هي شرف المعنى هنا ليس عالياً، وعلى هذا هو نزل في الكلام أو راعى المتلقي أو شيئاً من هذا القبيل، فإذا بنا بعد مناقشة وأخذ ورد، نقف على موضع الاختلاف وهو ماذا؟ وهو أنه يقيس الأمر بالإصابة لا برفعة المصاب؛ هنا كانت المشكلة، كانت النقطة التي وقفنا عندها.
قلت له: الحمد لله، هذا ما نختلف فيه؛ قال: هذا ما نختلف فيه، كانت عندي لذة فقط في أن عرفت موضع الاختلاف، بعد ذلك لا يضر، هو أستاذي ووالدي وعلى رأسي، وأطأطئ الرأس بين يديه تلميذاً وولداً، لكن عرفنا في أي شيء نفترق، وكيف ستختلف أحكامنا على القصيدة، كان قد قال لي: هناك قصيدة لو تنقدها "ألا حبذا صحبة المكتب" لشوقي؛ فقلت له في الأخير: يعني متوسطة عادية يعني ليست، قال لي: توقعت منك هذا، توقعت أن تقول هذا، كان حثني على نقدها وأنا معه في الكويت، ثم لما جاء إلى مصر كنت قد أنهيت النقد وأريته إياه، المهم فقلت له يعني الوضع فيها من البلاغة كذا وكذا، قال: توقعت أن تقول هذا، هو يراها عالية جداً.
فقلت: لا، يعني أريد أن أضع اليد على هناك شيء بيننا، هناك عيار مختلف؛ فأخذت أسأل أسئلة: ماذا لو وجدت شاعراً يقول قصيدة لطفل، فنزل في المستوى، يعني على طريقة مثلاً خاطبوا الناس على قدر عقولهم، المخاطبة على قدر العقول هي من الحكمة ليست من البلاغة الرفيعة، بمعنى البلاغة التي انتهينا إليها بمعنى البيان، ليست من الفحولة، هي من الحكمة ومن بلاغة عقل المتكلم، وليست من بلاغة النص، هي من ذكاء المتكلم وليست من ذكاء النص؛ ذكاء النص شيء وذكاء المتكلم شيء. يعني أنا لما أذهب إلى شخص أمي في الشارع في الطريق وأكلمه بكلام نازل سوقي حتى يفهم عني، لا يقال كلامي هذا بليغ فعلي بليغ، وكلامي بليغ من حيث بلوغه، غير البليغ من حيث بلوغه هذا العامي، لكن هل أستطيع أن أنافس بهذا الكلام أو بهذه القصيدة على امرئ القيس مثلاً الذي ملأ كلامه بلاغة؟ هنا كان الاختلاف، قال: آه أنا أختلف معك هنا، الرجل الذي يؤدي بلاغة حتى لو كان مقتضى البلاغة نفي البلاغة يكون بليغاً، قلت له: لا، لا أوافق على هذا، هذه حكمة وذكاء وليست بلاغة، هذه مسألة دقيقة بالمناسبة.
وأنبه طبعاً استثني من هذا والد الدكتور سعد مصلوح، عالم جليل، لكن أقول هذه النسبية، هذه الطريقة هي التي قد يتقنها بعض الحداثيين الأكاديميين فيدخل للدارس التراثي من خلالها فيهكم. قل يا عقيل. أنا أخشى من هذا، أنهم هكذا سينفون الاستقامة بين النصوص، لأنه سيكون لكل نص مقتضى حال، وهو مقتضى حالين. نعم، أنا لولا المقام طبعاً، أنا لولا المقام في إعجاز القرآن مباشرة طبعاً يا أحباب، أنا لولا المقام وأنني كنت في الزيارة ناقشت في هذا، ولكن أيضاً مقام الدكتور مني مقام الوالد والأستاذ والعالم، فأيضاً عندي حد أقف عنده في النقاش ولا أزيد، هذه أمور وحقوق، لكن أنا لم يكن لي أدباً من جهة الأدب أن أقول له هذا.
القول عندي من السقوط ومن اللوازم الفاسدة ما يجعله قولاً مردوداً شيئاً واحداً، ولم تقم عليه أصلاً نظرية عبد القاهر. ونظرية عبد القاهر تسقطه من الصفحات الأولى؛ لأنه يتكلم عن تفاوت النصوص، وهذا يقتضي عدم التفاوت أصلاً إذا أصاب كل إنسان، فإذا أقيس بين الإصابات، إذا العامي يصيب، وأنت في المسرحية الخاصة بمدرسة المشاغبين: أنا عايز جملة مفيدة، قل لي جملة مفيدة صح، أنت رحت فين، أنت ولا جيت منين، أنت ولا مين اللي راح فين، ولا مين قال له إيه، ولا يا جدع! أنهار أبيض على اللي حصل.
ثاني يقول: أنا عايز جملة مفيدة، يعني قال: كل كلامهم الثاني مفيد، هو مفيد ومصيب، لو قارنت بين إصابة وإصابة سأدمر قضية سيتساوى القرآن مع غيره، أعرف أن القائلين بها لا يلتزمون هذا، لكنه يلزمهم. القرآن أصاب، وفلان هذا أصاب بما لا زيادة عليه، طيب حتى تحدث الزيادة من أين تأتي بها؟ من مستوى البلاغة، من درجة المصاب، المصاب هو الذي يحتاج إلى اختلاف المرتبة، أما إصابة وإصابة فتتساوى بالضبط، الإصابة والإصابة تتساوى. انتبهوا إلى هذا لأن هذا هو الذي يدخل عليكم منه الحداثيون، لو أتقنوا يلعبون بهذه القطعة، لو أتقنتها ستغلق عليهم وتسقط عليهم السقف أيضاً.
نعم، يقول قال: اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها. وذلك أن انظر إلى هنا، الكلام بماذا؟ على كل نظم صحيح دال، نعم لو كان عامياً لو كان معجزاً. انتبه إلى هذا، الفصل الآتي هو الذي سيتبين به أن النظم أن كل نظم سيصاحب ما يؤم له من الغرض، أو يؤم به من الغرض، وبهذا يحصل التفاوت.
قال: وذلك أنا لا نعلم شيئاً يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر إلى وجوه كل باب، فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك: زيد منطلق، وزيد ينطلق، وينطلق زيد، ومنطلق زيد، وزيد المنطلق، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق. من هنا تلاحظون يا إخوة أن الجرجاني صار يتحدث عن الأسباب بين المعاني على أنها شيء مسلم به، وإلا ما كانت هناك تعلقات، نعم ما كانت هناك تعلقات للنحو أو فائدة لتعلق النحو إلا التعلق الصوري، وفي هذا طبعاً كان سقوط الحداثة.
أنت ترى هنا أنواع التعلقات، ألم يقل من قبل النظم ما هو إلا تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض؟ بدأ يتكلم في الأسباب أنواع التعلق، ما الفرق بين زيد منطلق، وزيد ينطلق، وينطلق زيد، ومنطلق زيد، وزيد المنطلق، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق؟ قال: وفي الشرط والجزاء إلى الوجوه التي تراها في قولك: إن تخرج أخرج، وإن خرجت خرجت، وإن تخرج فأنا خارج، وأنا خارج إن خرجت، وأنا إن خرجت خارج. وفي الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك: جاءني زيد مسرعاً، وجاءني يسرع، وجاءني وهو مسرع، أو وهو يسرع، وجاءني قد أسرع، وجاءني وقد أسرع. فيعرف لكل من ذلك موضعه، ويجيء به حيث ينبغي له، وينظر في الحروف، قال: وينظر في الحروف التي تشترك في معنى، ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى، فيضع كلا من ذلك في خاص معناه، نحو أن يجيء بما في نفي الحال، وبـ لا إذا أراد نفي الاستقبال، وبـ إن فيما يترجح بين أن يكون وأن لا يكون، وبـ ذا فيما علم أنه كائن.
وينظر في الجمل التي تسرد، فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل، ثم يعرف فيما حقه الوصل موضع الواو من موضع الفاء، وموضع الفاء من موضع ثم، وموضع أو من موضع أم، وموضع لكن من موضع بل، هذا في الصلاة بين الجمل. قال: ويتصرف في التعريف والتنكير والتقديم والتأخير في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار والإضمار والإظهار، فيصيب بكل من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي.
انظر: على الصحة وعلى ما ينبغي، يعني ليس مطلق الصحة، قد يكون كما قال ابن رشيق: الكلام دالاً مع الخلل والثقل، لكن حتى الكلام العادي لا بد أن يكون مناسباً، فيه قدر من المناسبة؛ لأن الدلالة كما قال ابن رشيق تحصل أيضاً بما هو تحت الصحيح، تحصل بما هو تحت الصحيح بشيء من الثقل والكزاز والتعنت، وحتى هذا لا يكون في كلام الناس، يعني حتى هذا لا ينبغي أن يكون في كلام الناس، فقال: ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي. والله عبد القاهر يسترسل استرسال الأديب المسهب، ولكنه يأتي بما نظمه غيره، يعني أنت ربما تقرأ ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له هكذا، يعني على أن هذا من ذاك يشبه بعضه وأسهب به، وهذا يقع في كلام الناس، ولكن لو تأملت لو دققت سترى أن على الصحة غير ما ينبغي له، ما ينبغي له قدر زائد، يعني ما يستقيم به، أما الصحة فتحصل بما هو دون الاستقامة، دون البغاء، تحصل، ونص على هذا لو تذكرون ابن رشيق في العمدة في أول باب البيان قال: لأن الدلالة تحصل مع القبح والثقل والعقلة، تحصل الدلالة ودلالة صحيحة، لكن ليست على ما ينبغي، ولو في كلام العامة.
حتى لا تفهموا أن ما ينبغي يعني شرف المعنى، لا، ما ينبغي ما أقوله أنا الآن، ما أقوله أنا الآن في الوقت الذي نتكلم فيه اللحظة هذه، الصاحب، لكن ما أقوله حالاً هذا وما ينبغي له، فهمتم؟ وأنا الآن أكلمكم في الوقت الذي ترونني فيه، وأكلمكم في الوقت الذي هو وقت انعقاد مجلسنا، الكلام صحيح لكن قبيح جداً، لكن في لحظتنا في ساعتنا تلك. رايت، انظروا هنا يا إخوة في هذا الذي ذكره: الجمل، والفصل، والوصل، والحروف، والحال، والتعريف، والتنكير، والتقديم والتأخير، والحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، انظر كيف بدأ يتأسس علم البلاغة على نظرية النظم، لتعلم أنه ينبغي ألا نقف بالبلاغة على شكل المسائل ورؤوس الأبواب التي نجدها في مثل التلخيص، وإنما يتعين الارتقاء منها إلى نظرية النظم. هذه الأشياء جاءت تمثيلاً لنظرية النظم، الآن الطلبة يدرسون التلخيص وكتب البلاغة التقريرية، ثم يريدون أن يفهموا نظرية النظم، كيف؟ تخرجت من الجامعة ودرست أو تدرس كتب البلاغة وتريد أن تفهم نظرية النظم؟ تقول أنا درست البلاغة، البعض يقول أنا درست البلاغة لكن لا ما موضوع النظم، يخرب بيت الشيطان! درست البلاغة التي هي فرع عن النظم وتركت الأصل، قل له: اذهب إلى صفحة 82 من كلام عبد القاهر، هذه المعاني التي هي علم البلاغة التي درست، الذي درسته هذه المعاني ولدت في أثناء الكلام على نظرية النظم، فكان ينبغي أن تفهم هذا، قال: هذا هو السبيل، فلست بواجد شيئاً يرجع صوابه إن كان صواباً وخطؤه إن كان خطأ إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه، أو عمل بخلاف هذه المعاملة فأزيل عن موضعه واستعمل في غير ما ينبغي.
رأيت، فأزيل عن موضعه واستعمل في غير ما ينبغي، وهذا يا إخوة هو العيار الذي يجعل اللفظة الواحدة متفقاً مع غيره أو غير متفق، ملائماً أو غير ملائم، يتلاقى أو لا يتلاقى، يتمكن أو لا يتمكن، قلقاً أو نابياً أو مستكر. فإن كان كالأول كان بديع التأليف، دقيقاً، لطيفاً، كل ما ذكرته من المفردات الآن هي ألفاظ وعبارات استعملها عبد القاهر: متفقاً، ملائماً، يتلاقى، يتمكن، قلقاً، نابياً، مستكر، بديع التأليف، دقيقاً، لطيفاً، كل هذه ألفاظ عبد القاهر، نعم.
قال: فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم أو فساده، أو وصف بمزية وفضل فيه، انظر، فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم أو فساده، أو وصف شيء آخر بقي الزيادة، شرف المعنى، أو وصف بمزية وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل في حال شرف المعنى إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل في أصل من أصوله ويتصل بباب من أبوابه، يعني إذا أردت أن تشرح ماذا حصل سترى أنك تشرح معاني النحو أو ما يسمى الآن الوظائف النحوية، باللغة الدراسية المعاصرة الوظائف النحوية، قال: هذه جملة لا تزداد فيها نظراً إلا ازددت لها تصوراً وازدادت عندك صحة وازددت بها ثقة، وليس من أحد تحركه لأن يقول في أمر ذلك النظم شيئاً إلا وجدته قد اعترف لك بها أو ببعضها ووافق فيها درى ذلك أو لم يدر.
هذا واقع يا إخوة، ورأيته، ترى الإنسان متداخل التصور، يعني ينكر فإذا ناقشته أقر عن طريقه أصل هنا لما قدم عمل كذا، أصل هناك فرق هيئة الكلام اختلفت، يعني هي الهيئة دي إيه؟ من عند الميكانيكي، من عند بتاع القماش، من عند النساج، من عصير القصب؟ يعني إيه هيئة الكلام؟ الكلمات اختلفت من عند بتاع النحو، من عند علم النحو، هذا هو.
قال: وليس من أحد تحركه لأن يقول في أمر النظم شيئاً إلا وجدته قد اعترف لك بها أو ببعضها ووافق فيها درى ذلك أو لم يدر، ويكفيك أنهم قد كشفوا عن وجه ما أردناه حين ذكروا أو حيث ذكروا فساد النظم، فليس من أحد يخالف في نحو قول الفرزدق: وما مثله في الناس إلا مملكا * أبو أمه حي أبوه يقاربه، هذا التعقيد اللفظي ما ترتيبه؟ هذا الكلام مكون من ستة أجزاء متداخلة، ستة أجزاء متداخلة. يقول: وما مثله في الناس، أخوكم يقول ولا عمري فهمت هذا البيت، ولا هتفهمه، مستحيل، مع أن كل تصرف فيه جائز.
شوف قوله: وما مثله في الناس هو القطعة الأولى من الكلام، إلا مملكا القطعة الرابعة، أبو أمه القطعة الخامسة، حي القطعة الثانية، أبوه القطعة السادسة الأخيرة، يقاربه القطعة الثالثة. يعني 1 4 5 2 6 3، أنا لن أتركك لم تفهمه يا مشعشع، تعال اكتب البيت أمامك ريثما أشرب، قد رجعت كتبت البيت أمامك يا محمد، أمسك بالقلم، خذ القلم بقوة، طيب، يقول: وما مثله في الناس، اعمل شرطة، إلا مملكا، شرطة، أبو أمه، شرطة، حي، شرطة، حي وحدها نعم، أبوه، شرطة، اكتب فوق: وما مثله في الناس (1)، إلا مملكا (4)، أبو أمه (5)، حي (2)، أبوه (6)، يقاربه (3). تم؟ إذا أردت أن تقرأ البيت قراءة صحيحة نقرأه على تسلسل الأرقام، التسلسل الصحيح: وما مثله في الناس (1) حي (2) يقاربه (3) إلا مملكا (4) أبو أمه (5) أبوه (6). رتب الأرقام ترتيباً صحيحاً: 1، 2، 3، 4، 5، 6. وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه، أحسنت أحسنت يا زينب، صارت وما مثله حي، وما مثله حي، إلا مملكا أبو أمه حي، أي: وما مثله في الناس حي أبوه يقاربه، وما مثله في الناس حي يقاربه أبو أمه إلا مملكا أبو أمه أبوه. لو أنك تتبعت كل إجراء قام به الفرزدق وجدته جائزاً من حيث النحو، أما البيت فيكاد يستحيل فهمه على النسق، لا بد أن تبحث عن الجائز الذي وقع فيه، لن تفهمه كما هو هكذا.
مما قاله الدكتور محمد أبو موسى، طبعاً لأن هذا الفعل في الشعر قبيح، قال فيما يبدو، يعني مما قد يؤول به هذا: أن الفرزدق كان محباً لآل البيت عليهم السلام وكان يواليهم ويمدح من قلبه، وهذا قاله بمناسبة الشيخ عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف صاحب العود الهندي، وأثنى على الفرزدق جداً بالمناسبة، الشيخ السقاف أثنى على الفرزدق جداً، نعم. فيقول الدكتور محمد أبو موسى فيما عرفت أو بلغني عنه: قال ربما لأن الفرزدق كان يضطر، كان في الدولة الأموية وكان هواه مع آل البيت، فكان يضطر إلى مدحهم لأنه من الشعراء المداحين، معروف من الشعراء الذين يوالون الحكام، ليس لم ينعزل من الأول كعمر بن أبي ربيعة، هو متورط، فكان ربما تجد مدائحه أو أبياتاً له في بعض خلفاء بني أمية أو أمراء بني أمية ويعقد الكلام حتى لا يفهم، هو يقصد إلى أن يعقده، مستحيل أن تقول الفرزدق أخرج هذا البيت على طبيعته ولم يقصد فيه إلى التعقيد، التعقيد والألغاز مقصود، مقصود، مقصود يا ولدي على رأي عبد الحليم حافظ، مقصود، مقصود يا ولدي، نعم، قال: وقول المتنبي، طبعاً بعد هذا البيت.
فهم أي بيت آخر جائز سهل، قال وقول المتنبي: ولذا اسم أغطية العيون جفونها، من أنها عمل السيوف عوامل. أصل الكلام عوامل عمل السيوف، يعني عمل هنا ماذا إعرابه؟ مفعول به عوامل عمل السيوف أو مفعول مطلق عوامل عمل السيوف، فقدم فقال عمل السيوف عوامل. أصلها من أنها عوامل عمل السيوف، فهذه مفعول مطلق مصدر قدمه في الكلام من أنها عمل السيوف عوامله.
وقوله: الطيب أنت إذا أصابك طيبه، والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل. يعني أنت الطيب إذا أصابك الطيب، وإذا اغتسلت فأنت الغاسل الماء؛ فهذا طبعاً قدم وأخر على هيئة أحدثت إشكالاً وقع من جهة.
قال وقوله: وفاؤكما كالربع أشجا طاسماً بأن تسع، والدمع أشفاه ساجمة. أصله أصل التركيب وفاؤكما بأن تسع، وفاؤك بأن تسع. طبعاً هذا البيت كما تعلمون من حيث اللغة فيه قصة طريفة وقعت للمتنبي مع ابن خالويه، وهذه قصة مما يستشهد به على أنه ليس كل أهل اللغة وليس كل أهل العربية والنحو يفهمون عمل الشعراء، وأن علم الشعراء كما أجمع العلماء جميعاً هو علم يستقل بذاته وله ناسه ورجالاته.
أورد هذه القصة أبو البركات الأنباري في نزهة الألباء في ترجمة المتنبي، أنه لما أنشد سيف الدولة قصيدته وفاؤكما كالربع أشجا طاسماً بأن تسع والدمع وأشفاه ساجمة، كان ابن خالويه موجوداً حاضراً فقال له: ما هكذا يا أبا الطيب وإنما شجاه. قال له المتنبي: اسكت فما بلغ هذا الأمر إليك! وإنما فعل المتنبي ذلك لأنه وجد ابن خالويه يظن اللفظة على الماضي، حسب أن المتنبي أراد بها الماضي، وإنما المتنبي أراد بها أفعل التفضيل. فلما قال له لم يبلغ هذا الأمر إليك، أي أمر الشعر وفهم المطالع وفهم كلام الشعراء، فلم تفهم أنني أريد أفعل التفضيل. كان من الممكن أن يقول له هي أفعل التفضيل، لكن أراد أن يرجعها إلى سببها، لماذا لم تفهم أنها أفعل التفضيل؟ لا المتنبي ولا ابن خالويه يجهل أن الماضي في شجا هي شجاه وليس أشجا، وأن أفعل التفضيل أشجا؛ لم يجهل أحد منهما ذلك، ولكن ابن خالويه جهل أنه أراد أفعل التفضيل وفهم أنه شجاه طاسمه. هل تستقيم أصلاً وفاؤكما كالربع شجاه طاسمه؟ صارت غير شعر، شجاه طاسمه يعني سبب له الشجا طاسمه.
قال وقول أبي تمام: ثانية في كبد السماء، ولم يكن لثنين ثان إذ هما في الغار. فجاء بالمنصوب في لفظ المخفوض، وهو رديء عند البصريين، والفراء يجعله لغة للعرب. المعنى أن هذا الرجل ثان للآخر. قال التبريزي في الشرح في هذا البيت في المجلد الثاني صفحة 207: ولم يكن لاثنين ثانٍ إذ هما في الغار؛ قال لاثنين ثانٍ رديء عند البصريين لأنه جاء بالمنصوب في لفظ المخفوض، وذلك عند الفراء لغة للعرب، فوقع الخلل هنا من جهة النظم.
قال وقوله: يدي لمن شاء رهن، لم يذق جرعاً من راحتيك درى ما الصاب والعسل. تعرفون ما الذي وقع هنا؟ الحذف حتى إن هذا البيت أخذه عليه صاحب الموازنة وصاحب الوساطة. يقول الجرجاني في الوساطة صفحة 75: يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعاً من راحتيك درى ما الصاب والعسل، قال الجرجاني: فحذف عمدة الكلام وأخل بالنظم، وإنما أراد يدي لمن شاء رهن إن كان لم يذق، فحذف «إن كان» من الكلام، وأراد بالرهن بمناسبة المصافحة، فحذف «إن كان» من الكلام فأفسد الكلام عن وجهه، يعني السبب واضح في أنه إخلال بالنظم.
نرى ما قاله صاحب الموازنة الآمدي في الجزء الأول صفحة 190 يقول: ومن خطأ أبي تمام قوله: يدي لمن شاء رهن، لم يذق جرعاً من راحتيك درى ما الصاب والعسل؛ لفظ هذا البيت مبني على فساد لكثرة ما فيه من الحذف؛ لأنه أراد بقوله يدي لمن شاء رهن، أي أصافحه وأبايع معاقد أو مراهنة إن كان لم يذق جرعاً من راحتيك ما درى ما الصاب والعسل، إن كان لم يذق جرعاً من راحتيك درى ما الصاب والعسل، ومثل هذا لا يسوغ لأنه حذف «أن» التي تدخل للشرط ولا يجوز حذفها. لذلك لم يجعل المولدون حجة في اللغة للبيان. هذا المتنبي حذف بجرأة، هل يجوز في اللغة؟ لا. ها هو هذه حكمة لكم أيضاً أنتم في النقد، إذا وجدتم الشاعر أخطأ في الحذف والإثبات تحت احتدام مشاعره وأخطأ وحذف، ستقول أخطأ، لكن لا تسقط شاعريته؛ هؤلاء مجمعون على فضل أبي تمام وعلى تقديمه، ومع ذلك خطؤه في الحذف قال الآمدي لا يجوز، لا يسوغ في العربية. وقال صاحب الوساطة الجرجاني: وهذا خطأ في اللغة في اللسان، حذف عمدة الكلام.
هل قالوا هذا منه جهل؟ وكيف يكون شاعراً من يفعل هذا؟ لا يا حبيبي، شاعر ويفعل هذا ويخطئ ويقوم وينبه إلى خطئه وانتهينا، ويظل شاعراً عظيماً، فقط هو ليس في اللغة، لا تعتمد عليه، يبين خطؤه وانتهى، تعلموا من هذه المحطات التي نقف عليها يا إخوة. قالوا لا يجوز يعني خطأ أبا تمام في النحو، أبو تمام أخطأ في النحو نعم، لم يعقد كالفرزدق وكالمتيم، حذف ما لا يصح حذفه، حذف عمدة الكلام الشرط. قال لفظ هذا البيت مبني على فساد لكثرة ما فيه من الحذف، ومثل هذا لا يسوغ لأنه حذف «أن» التي تدخل للشرط ولا يجوز حذفها؛ لأنها إذا حذفت سقط معنى الشرط، وحذف «من» وهي الاسم الذي صلته لم يذق، فاختل البيت وأشكل معناه، يعني أخطأ خطأ صريحاً حتى الذي أتى بوجوه تصح في الأصل فأشكل في المعنى، هذا أخطأ خطأ صريحاً سواء كان أبا تمام أو كان غيره.
أين هذا الحذف من الحذف الذي أتى به امرؤ القيس حين قال: ليالي يا سلمى إذ تريك منصباً، وجيداً كجيد الرئم ليس بمعطر، أي اذكر ليالي يا سلمى. لا تسقط به الشاعرية، ولكن يسقط به البيت أو الكلام الذي وقع فيه ذلك. أنا أقول هذا لأننا نعيش في عصر الناس فيه صاروا بين طرفين متطرفين جداً؛ يعني صاروا إما هكذا وإما هكذا، لا، زلات كبيرة تقع من أناس ثبت لهم فضل كبير، ولا يمكن في ذلك لا يمكن السكوت على الخطأ، ولا يمكن إسقاط الشخص بخطأ إذا كان يقوم بغيره.
قال: وفي نظائر ذلك مما وصفوه بفساد النظم وعابه من جهة سوء التأليف، وفي نظائر ذلك، يعني فليس من أحد يخالف في نحو قول الفرزدق إلى آخره، وفي نظائر ذلك لا يخالف، يعني في نظائر ذلك مما وصفوه بفساد النظم وعابه من جهة سوء التأليف، أن الفساد لا أحد يخالف. هو ذكر الشيء الذي يقع فيه، ليس من أحد يخالف في نحو قول الفرزدق وفي نظائر ذلك أن الفساد يعني في أن الفساد والخلل كان من أن تعاطى الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وصنع في تقديم أو تأخير أو حذف وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول لهذا العلم.
وإذا ثبت أن سبب فساد النظم واختلاله ألا يعمل بقوانين هذا الشأن، ثبت أن سبب صحته أن يعمل عليها. ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا العلم، ثبت أن الحكم كذلك في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه. وإذا ثبت جميع ذلك، ثبت أن ليس هو شيئاً غير توخي معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم. والله الموفق للصواب.
وإذ قد عرفت ذلك، فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن وتشاهدوا له بالفضل، ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر. يعني النص قد تستحسنه من جهة شيء غير الشعر، قال دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر من معنى لطيف أو حكمة أو أدب أو استعارة أو تجنيس أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم. لا يدخل فيه باعتبار تجريده في النظم، أو عن النظم، فالكلام عليه باعتبار ماذا؟ الكلام عليه الآن لأن البعض يأتي يقول عبد القاهر تناقض، يا أخي تناقض في عينك! الكلام الآن باعتبار أصله وتعليل جودة الشعر بمجرد وقوعه في النظم، لأنه سبق في الكلام بأن فيه النظم، وتكلم من قبل عن الاستعارة باعتبارها النظم، الآن سبق في الكلام وقال لا يتكلمون عن النظم، وإنما عن الاستعارة أو المجاز أو معنى لطيف أو حكمة، إذا أصبح في المعاني المجردة.
تذكرون لما قلت لكم مراراً منذ مدة طويلة منذ أعوام ربما، قلت لكم الوجوه الفنية نفسها إذا أعجبتك لذاتها، فأتيت بها لذاتها أو أعجبت بها في قصيدة لذاتها، فهذا إعجاب بالمعنى المجرد لا إعجاب بالشعر. تذكرون قلت هذا أنا كثيراً، سمعتموه مني من قبل صح؟ لما قلت المعاني الفنية نفسها إذا أعجبك تقديم وتأخير، أعجبتك تورية وذهبت تستعمل ذلك لأنك يعجبك لا أن النظم طلبه، فهذا إعجاب بالمعنى المجرد، وإن كان فنياً غير مرة صح. أنا قلت هذا كثيراً وكنت أخشى ألا يُفهم عني، بالضبط هكذا نشأ البديه.
أحسنت يا مشعشع أو حميري، أحسنت عبد القاهري هنا، شوف يا إخوة المشكلة أنا قرأت عبد القاهر هذا منذ عمر طويل منذ مدة طويلة، وقرأته مرة أو مرتين وأُلقي في نفسي فصرت أتكلم بما فيه، وبعض أشياء تنضح على ذاكرتي وهي أصولها من هنا، فلما راجعت وقرأته بعد ذلك مراراً انتبهت إلى أن كثيراً من ثقافتي في الكلام صارت من عند عبد القاهر، وأنت لا تميز هذا من صياغتك من صياغة عبد القاهر، لذلك ألفاظ التركيب والتأليف والنظم هذا لن ينخلع من عظامنا، لا سيما في مثل هذا الكتاب الذي يأخذك ويكرر ويعيد ويزيد حتى سينفر في عظامك.
قال: انظر عبد القاهر جعل الاستعارة والجناس مما يستحسن له الشعر من غير النظم، مثله في ذلك مثل الحكمة والأدب، شفت جميل هذا النظم في السلك، جميل هذا النظم في السلك، معنى لطيف، حكمة، أدب، استعارة، تجنيس، أي شيء غير النظم، رأيت؟ فالكلام عنه من حيث مجرد وقوعه في النص، لا من حيث موقعه وأثره.
وتأمل فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت، فانظر إلى حركات الأريحية مما كانت، وعند ماذا ظهرت. انتبهوا لأنهم جعلوا "ما" لاصقة في "عند"، فظهرت كأنها "عندما"؛ وهذا خطأ. اصنعوا سهماً هكذا يفصل، اجعل سهماً تحت "ما" إلى "ذا" بقلم رفيع؛ يعني عند أي شيء ظهرت؟ فإنك ترى عياناً أن الذي قلت لك كما قلته.
اعمد إلى قول البحتري: بَلَوْنا ضَرائِبَ مَنْ قَدْ نَرى ... فَما إِنْ رَأَيْنا لِفَتْحٍ ضَريبَة هُوَ المَرءُ أَبْدَتْ لَهُ الحادِثاتُ ... عَزْماً وَشيكاً وَرَأياً صَليبَا تَنَقَّلَ في خُلُقَي سُؤْدَدٍ ... سَماحاً مُرَجّىً وَبَأْساً مَهيبَا فَكَالسَّيفِ إِنْ جِئْتَهُ ...
مستثناة في صفحة 88، إن هذا مما لا تظهر فيه الجودة إلا بمجموع أبياته واستيفاء العدد من الأبيات. قال: فإذا رأيتها قد راقتك وكثرت عندك. الله يا أخي! هذا التعبير يستوقفني في كل مرة أقرأ فيها هذا الكتاب. يقول: "كثرت عندك"؛ يعني رأيتها كثيرة في الذي تمنحك إياه من المعاني، إذا رأيتها كثرت عندك أي في معانيها وأثر معانيها الشعرية وأثرها في النفس مع قلتها، فلم تقرأها كما يقرؤها كثيف الطبع الذي لا يقف منها على غير الأخبار المباشر. انظر "كثيرة عندك"، ولهذا الشعر القصيدة سبعة أبيات، الطويلة عشرون بيتاً، تبدأ من عشرين بيت فما فوق ذلك مطولة. "مطولة"، أخي الكلمة عجباني بصراحة لأنها تعبر عما في نفوسنا مما نجده من الشعر، وعما في نفوسنا من تعظيم الشعر. أنا في نفسي تعظيم الشعر إلى أبعد حد أيها الإخوة، هو عند الدنيا أنا أعظم الشعر إلى أبعد حد، لا أرفع عليه شيئاً، إلا أن يكون كلام الله تعالى؛ إذا درست البلاغة لا أنتقل منه إلا إلى كلام الله تعالى، هو ينقلني إلى كلام الله تعالى.
ها نقرأها مرة أخرى: فإذا رأيتها قد راقتك وكثرت عندك ووجدت لها اهتزازاً في نفسك، فعد فانظر في السبب، واستقصِ وكرر وتوخَّ على الجملة وجهاً من الوجوه التي يقتضيها علم النحو فأصاب في ذلك كلَّ، ثم لطف موضع صوابه وأتى بما يوجب الفضيلة. أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها قوله: "هو المرء أبدت له الحادثات"، يا سلام! "هو المرء أبدت له الحادثات". ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]. الله الله! زقف شوي، والله العظيم في روضة كده وقعت فيها وهب النسيم، يا سلام!
أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها قوله: "هو المرء أبدت له الحادثات"، ثم قوله: "تنقل في خلقي سؤدد"، يا أخي انظر إلى الفرق بين عبد القاهر في النقد وبين الباقلاني في نقده على امرئ القيس والبحتري، عجيب عجيب حقاً عجيب. ثم قوله: "تنقل في خلقي سؤدد" بتنكير "سؤدد" وإضافة "خلقي" إليه "خلقي سؤدد"، ثم قوله: "فكالسيف" أين قاله؟ في آخر بيت! انظر: ثم قوله "فكالسيف" وعطفه بالفاء مع حذفه المبتدأ؛ لأن المعنى لا محالة فهو كالسيف، "فكالسيف" مباشرة، ثم تكريره الكاف في قوله "وكالبحر"، ثم إن قرن إلى كل واحد من الشبيهين شرطاً جوابه فيه، ثم إن أخرج من كل واحد من الشرطين حالاً على مثال ما أخرج من الآخر. وهذا القدر يا إخوة الذي ذكره من كلام البحتري هو من خصائص البحتري، ظاهر عنده جداً. "إذا احتارت يوماً ففاضت دموعها"، "تذكرت القربة ففاضت دموعها"، وله أمثال على هذا كثير؛ هذا الأسلوب من الطبع، من الصنعة المطبوعة الخفية عنده، وهو في هذا الطبع يختلف عن أستاذه أبي تمام رحمهم الله جميعاً. هذا القدر يا إخوة فيه صناعة لصورة تركيبية يمكن اقتناصها وتثمينها، وهكذا كان الشأن في اقتناص البديع، ولكن كل ما أعجبك لذاته فذهبت تستعمله لذلك سقط.
نعم، قال: وذلك قوله "صارخاً هناك" و"مستثارة هناك" و"مستثارة". رأيت؟ ها شوف لماذا وضع "أفلا ترى" وفي الآخر وضع علامة الاستفهام، هاهنا لا ترى حسناً تنسبه إلى النظم ليس سببه ما عددته، يعني مما هو كله من النحو ووجوه تركيب الكلام على قوانين النحو. قال: طبعاً أنا أعرف أنني تجاوزت الساعتين لكن أريد أن أتم قدراً؛ يعني هو بكل حال يختصر يحذف تختصر الفراغات فيقل تقل المدة، لكن الكلام أريد أن أتمه لأقف على شيء هنا.
نعم، يقول: لا ترى حسناً تنسبه إلى النظم ليس سببه ما عددته أو ما هو في حكم ما عددته، فاعرف ذلك. وإن أردت أظهر أمراً في هذا المعنى فانظر إلى قول إبراهيم بن العباس: فَلَوْ إِذْ نَبَا دَهْرٌ وَأَنْكَرَ صَاحِبٌ ... وَسُلِّطَ أَعْدَاءٌ وَغَابَ نَصِيرُ تَكُونُ عَنِ الْأَهْوَازِ دَارِي بِنَجْوَةٍ ... وَلَكِنْ مَقَادِيرٌ جَرَتْ وَأُمُورُ وَإِنِّي لَأَرْجُو بَعْدَ هَذَا مُحَمَّدًا ... لِأَفْضَلِ مَا يُرْجَى أَخٌ وَوَزِيرُ يا سلام على الماء! "فلو إذ نبا دهر وأنكر صاحب وسلط أعداء وغاب نصير، تكون عن الأهواز داري بنجوة، ولكن مقادير جرت وأمور". يذكرك "فلو أنها نفس تموت جميعة ولكن نفس تتساقط أنفس". رأيتم؟ "وإني لأرجو بعد هذا محمداً لأفضل ما يرجى أخ ووزير".
فإنك ترى ما ترى من الرونق، انظر، فإنك ترى ما ترى من الرونق والطلاوة ومن الحسن والحلاوة، ثم تتفقد السبب في ذلك، فتجده إنما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو "إذ نبا" على عامله الذي هو "تكون". نعم، يقول: فتجده إنما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو "إذ نبا" على عامله الذي هو "تكون". وهذا صريح أيها الإخوة، خذوا هذه كي تفهموا كيف تستنبط مذاهب العلماء في المسائل البعيدة التي لم ينص عليها؛ هذه العبارة فيها مذهب لعبد القاهر في مسألة نقدية مشهورة واسعة، من يعرف منكم؟ يلا، من يعرف؟ من سينتبه سيكون حقاً نبيهاً. من يعرف يتكلم مباشرة لا يستأذن. السؤال: هذا السطر عند عبد القاهر قوله "فتجده إنما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو إذ نبا على عامله الذي هو تكون"، أنا أسألك ماذا فيه؟ فيه دلالة أو فيه ظهور مذهب عبد القاهر في مسألة نقدية مشهورة. ليس التقديم والتأخير، لا ليس التقديم والتأخير، ليس التعليل، ليس شرف المعنى، مسألة نقدية في الشعر، خاصة في الشعر، في الشعر فقط.
إيه النظم؟ مش فاهم، يعني إيه النظم يا زينب؟ ما المراد بالنظم؟ كلمة عامة. قل يا عقيل تفضل. التشعيث مولانا؟ ليس التشعيث أيضاً، قد يكون لكن ليس المنظور هنا مسألة مشهورة، لا، التشعيث لم يتكلم فيه كثيراً القدماء، لكن مسألة مشهورة، لا تأخير ما حقه التقديم. طيب ركزوا معي، عبد القاهر، النظم من غير "لا" ولا النظم، عبد القاهر هذه ليست مسألة مختلفاً فيها أصلاً. عبد القاهر مدى حصافته بأن قدم الظرف في أول البيت الأول خلاص وأخر العامل في أول البيت الثاني، وهذا صريح في أن عبد القاهر لا يعتبر ولا ينظر في وحدة البيت التي قال بها المتقدمون ولا يعيب التضمين، ولا يعيب التضمين إذا كان ما كان النظم يقصد إلى التضمين قصداً لأجل غرض في المعاني، عبد القاهر هنا مدح هذا الصنيع وقال: أحسن جداً بأن قدم في البيت الأول وأخر في الثاني، ولو كان في ذلك سوء بفصل المعاني لما استحسنه عبد القاهر؛ لأن الذين عابوا التضمين عابوه من جهة المعنى، وعبد القاهر حسنه من جهة المعنى، بل على العكس، بل على العكس بعض الذين خففوا في أمر التضمين قالوا يخف كلما اقترب المعنى المتعلق ببعضه من أطراف الأبيات؛ يعني جاء المعنى الأول في آخر البيت الأول وجاء تكملته في أول البيت التالي، لا، أوله في أول البيت الأول وثانيه في أول البيت الثاني.
فعبد القاهر ناقد حقيقي لا شكلي، اللي يقول لك التضمين ولا يجوز الفصل، حتى ذهب صاحب "الصناعتين" يقول لك أخطأ فلان، لا، لم يستطع أن يضع المعنى في بيتين يا سلام أو في بيت واحد، فلان اتزنق، اتزنق فوضع المعنى في بيتين، وضع المقولة والقول في بيتين، يا سلام! يعني كان يريد القيسي مثلاً أن يقول: "فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازاً وناء بكلكل، ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل"، كان الأصل أن يأتي في بيت واحد. وال.. هذه هذا الظرف كله "لما تمطى بصلبه" كل ده ما لوش أهل يسألوا عليه يعني، خيالنا أتى واقف شفاف ما أنت شايفه مش مقصود، يبقى في مكانه كل ده كده كلام فارغ يعني؛ في النص كان ينبغي أن يضم المقولة إلى القول كلام فارغ، هذا كلام فارغ، لكن انظر، عبد القاهر قال لك: "فتجده إنما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو إذ نبا على عامله الذي هو تكون"، وإن لم يقل "فلو تكون عن الأهواز داري بنجوة إذ نبا دهر"، ثم إن قال "تكون" ولم يقل "كان"، يا سلام! ثم إن قال "تكون" ولم يقل "كان".
باختصار يا إخوة، وخذوا هذه، اكتبوها وأضيفوها إلى ما عجلنا به من الكلام كما تكلمنا في بعض الفقرات عن قوله تعالى ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: 100]، يعني من معايير معرفة الفرق بين أصل المعنى والمعنى الفني باختصار: كل تصرفات في صيغة النص بحيث تدل على انفعال خاص مع المعنى يزيد على مجرد الإخبار وعلى الإعجاب بذاته هو النص الفني. مرة أخرى عشان بس في ناس بيختلط عليها يقول لك طيب ما التأكيد ده أصل معنى، لا، أصل المعنى الحصول، التأكيد أمر نفسي؛ "جاء أخوك"، "قد جاء أخوك"، "لقد جاء أخوك"، المعنى واحد، لا، هتقول لي المعنى فيه تأكيد، لا، التأكيد انفعال آخر مع نفس المعنى يؤديه "جاء أخوك". شوف باختصار، ها، هذه قاعدة اعتبروها ذهبية مؤقتاً حتى إلى أن يثبت الزمان: ذهبيتان تدخل على صيغة النص بحيث تدل، يعني في تصرفات ما بتغيرش، تغير تحت مظلة المعنى العامي لم يفعل شيئاً، ها، كل تصرفات في صيغة النص بحيث تدل على انفعال خاص مع المعنى يزيد على مجرد الإخبار، ويزيد على الإعجاب بذات المعنى هو النص الفني الخاص.
فلو كان هناك انفعال، ركز، هذا تمام العبارة، لو كان هناك انفعال مع نفس المعنى يعني لو كان نفس المعنى هناك انفعال آخر نفس المعنى سبب له وليس لأجل تصرفات جديدة زائدة، لو كان هناك انفعال مع نفس المعنى فهو شيء زائد على نفس المعنى، كيف تعرفه؟ ما دليله؟ ما هذا الدليل على أن هذا المعنى أن هذا الانفعال ليس من صيغة النص وإنما من أصل المعنى؟ أن ترى النص اللغوي جاء خالياً عن أي تصرفات زائدة على النص ومع ذلك وقع لك هذا الانفعال، يعني إذا وجدت النص، ها، إذا وجدت النص جاء على صيغة جرداء مجردة مباشرة لا فن فيها وانفعلت أنت معها، فأنت تنفعل مع ذات المعنى المجرد، أو إذا كان في النص اللغوي زيادات من اللطائف والخصائص التي ذكرها عبد القاهر مثلاً ولكنك ظللت معجباً لا بما توحيه إليك هذه التصرفات، أو وجدت نفسك معجباً نفس الإعجاب لو عبر عن هذا المعنى بصيغة أخرى مجردة من هذه التصرفات، فوجدت نفس الإعجاب، فهذا الإعجاب هو بذات المعنى وليس بوجوه الفن الزائدة. فهذه الكلمة التي قلتها لك الآن ضمها وصغها واسمعها مرات وصغ نقعها، نقعها هكذا، فوجدت وضعت لك فيها كافة الوجوه، إذا كان النص بالفعل مجرداً إذا كان زائداً، فأنت ترى نفسك معه ومع صيغة أخرى مجردة، أو ترى نفسك تنفعل لا كانفعال المتأثر بهذه الزوائد، فهذا انفعال مع نفس المعنى.
انظر "ثم إن قال تكون ولم يقل كذا"، يعني في الأخير يا إخوة، هناك انفعال الشاعر، هو الذي يترجم، والحدث واحد والحدث واحد. قال: "ثم إن نكر الدهر ولم يقل فلو إذ نبا الدهر"، قال "دهر" و"دهر" هو الدهر بالمناسبة، لكن نكرة. المعنى في الواقع من الذي نبا؟ عين الذي نبا واحد، هتقول الدهر، هتقول دهر، هو واحد، لا تقل لي اختلف المعنى، لم يختلف بدليل أنك لو قلت "نبا دهر" و"نبا الدهر"، الواقع في المعنى واحد، إذاً لم يختلف. طيب وما "الدهر" و"دهر"؟ انفعال الشاعر ورؤيته الخاصة. "ولو إذ نبا"، أنا أعرف أن هذا الفصل يحتاج إلى التدريب، ولكنني أختصر لكم الزمان، أنا هذا الأمر ترسب عندي بعد سنين بالمناسبة، لا تحسب أنني بدأت وأنا لا أخلط بين المعاني، لا تحسب أنني بدأت وأنا لا أقول "أحب الشعر الذي في كذا وكذا" وأنا بالفعل أراه الأحسن فنياً بحسب المواضيع وأقول المواضيع تحسن في كذا، رضي الله عنك يا مشعشع، أقول المواضيع تحسن في كذا، لا ما بدأت هكذا بالمناسبة، لكم أن تستغربوا أنني كنت طالب علم أزهرياً وكان دخولي على الشعر مهيباً، كنت أهيب.
كنت أرتقي إلى السماء العليا بزهير بن أبي سلمى وبامرئ القيس، هذا تخيلوا الذي سمي تبنى عليه بعد ذلك، ما امرؤ القيس هذا؟ مع الوقت، ومع الوقت، ومع الوقت، ما أصل أنا طالع، أنا دراساتي كلها شريعة وحكمة وتفسير وحديث وكذا من الابتدائية الأزهرية الإعدادية الثانوية، ختمنا القرآن في الابتدائية، وختمنا في الإعدادية والثانوية مرة أخرى، ودرسنا العلوم شروح الحديث، شروح مسلم ودرسنا كذا، ثم دخلت كلية الشريعة، ماذا تنتظر؟ ماذا تنتظر؟ ماذا تنتظر؟ فبدأت في زهير بن أبي سلمى: «ومن لم يصانع في أمور كثيرة، يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم».
ويوم دخلت خدر عنيزه، فقالت لك الويلات إنك مرجلي، أنا أتخيله حدثاً عادياً، فالحدث السردي يسبق البلاغة، لكن عند زهير البلاغة حاضرة مع السرد مع النص، فأنت تأخذ منها، والإنسان عدو ما يجهل. أنا لم أحصلها التي عند امرئ القيس بعد ذلك، أقف على تفتيش وزمان، أقف على الجمال، ما هذا؟ ما هذا؟ ما هذا؟ نعم، فالأمور يا إخوة أشكالها لا تشكل. قال: «ثم إن نكر الدهر»، ولم يقل فلو إذ نبأ الدهر، ثم انساق هذا التنكير في جميع ما أتى به من بعده، تأمل تكرار التنكير ها في البيت الأول: «فلو إذ نبأ دهر، وأنكر صاحب، وسلط أعداء، وغاب نصير»، تكرار التنكير هو نفسه كان هيئة للنظم باجتماع النكرات، وهذه أيضاً جهة تقع بها البلاغة: حمال ألوية، شهاد أندية، قوال محكمة، جواب آفاقي، له أيطل ظبي، وساق نعامة، وإرخاء سرحان، وتقريب تتفل، وتعلو برخص غير شثن كأنه، أساريع ظبي أو مساويك إسحل، مكر مفر مقبل مدبر معاً، كجلمود صخر حطه السيل من علِ، بمنجرد قيد الأوابد هيكلي.
تقطيع العبارات وتاليها على نفس الصيغة قيمة نظمية، لذلك المغفل غير النقادة الفهامة في الشعر هو الذي يقول إنما حسن قول امرئ القيس: «كأن أبانا في أفانين ودقه، كبير أناس في بجاد مزمل»، عيني عقيل يقول مولانا لو تعلل هذه القيمة، حاضر يا سلام، حبيبي جئت لهواي، لكن دعنا نبين الأول ما عند امرئ القيس، يقول: «كأن أبانا في أفانين ودقه، كبير أناس في بجاد مزمل». المغفل هو الذي يقول إنما حسن بذات التشبيه، طيب صغ هذا التشبيه على غير هذه الصيغة، هو هو نفس التشبيه الواقعي، يعني المعنى المجرد والله لن يبقى على حاله، والله والله لن يبقى على حاله، لن يبقى على حاله، إذا ما الروعة في هذا التشبيه؟ ليس المعنى المجرد الذي هو عين التشبيه، وإن كان حلواً لكن ليس الذي صار به امرؤ القيس شاعراً، وإنما صار شاعراً بالمقابلات التي أجراها بين الشطر الأول والثاني باتفاقه في صيغة التشبيه وترتيب مكوناته وآلته، ثم بشدة التباين مع ذلك بين الاثنين.
يعني لما قال: «كأن أبانا في أفانين ودقه»، شوف أولاً الشطر الأول موضوعه مهيب في ذاته، كان جبل أبانا في، وليست ليس الودق على أبان، الودق الودق على أبان فوقه، هذا أقصى ما يفعله الودق، يعني سال المطر عليه شديداً حتى حفر فيه مجاري، أو صار يجري فيه في طرقات في مجاري، فصار خطوطاً، صار جبل أبانا مخططاً، أبانا صار في أفانين الودق، الودق يعني السائل، يعني بعد أن نزل المطر الحبيبات حبات المطر اجتمعت ومن شدتها صنعت مجاري فيه، عيون صنعت مجاري للماء فيه خطوطاً، فصار مغطى، فصار أبانا في أفانين الودق، والأصل أنك تضع الظرف في المظروف، تضع المظروف في الظرف معذرة، الأصل أنك تضع المظروف في الظرف، وليس أن الظرف يأتي على المظروف، فهو جعل كأنك جئت بأبان ووضعته في أفانين الودق، ألم تنتبهوا إلى هذا؟ «كأن أبانا في أفانين ودقه»، يعني أنت رأيت كأن الأفانين هي الظرف الأساسي المنفصل وأبان وضع فيها.
كأن أبانا في أفانين ودقه، وانظر إلى الترهيب من السيل، من هذا المطر الغزير أو السيل في أفانين ودقه، ودق السيل البر الذي أغرق، كأن أبانا في أفانين ودقه، غير النبرة بقى: «كبير أناس في بجاد مزمل»، طب ما هو عادي، ما هو فعلاً مظروف في البجاد، كبير أناس رجل عظمة كبيرة جداً مج، موضوع في بجاد مزمل، في بجاد يعني ثوب مخطط وقد زمل به، فمجيء بذات الصيغة في بين صورتين متباينتين هو الذي أوحى لك بأن في المهيبة المجازية في أفانين ودقه، شبهت لقوة السيل وقوة جبروته على الجبل، شبهت بـ "في" التي تربط بين الرجل والثوب البجاد، كأن أبانا في أفانين ودقه، كبير أناس في بجاد مزمل. أنت ستستحق جملة المكونات التشبيهية في الشطر الأول لتذهب إلى جملة المكونات التشبيهية في الشطر الثاني، وتعجب قطعة قطعة من إنزالها وإسقاط كل واحدة من المهيبة على الواحدة من المهينة أو العادية ليؤكل ذلك في الأخير إلى ماذا؟ إلى هكذا كأن أبان في أفانين الودق.
كذلك لما يقول من هذا الجنس لما يقول: «كأن به رأس المجيمر غدوة، من السيل والأغفاء فلكة مغزل»، إيه ده؟ كأنك ترى فلكة مغزل من الهيئة يرهبك، ليربك، قال: «به» ليس منه، ليس بسببه، كأن أبانا كان كأن به رأس المجيمر غدوة، إيه ده؟ كأن به بماذا؟ به هنا الظرفية، الباء الظرفية يا إخوة، يعني كأن رأس المجيمر بالسيل، يعني إيه بالسيل؟ يعني مظروف فيه، الظرفية هنا أحاطت به، السيل أحاط به، رأيت؟ طيب، نأتي إلى قضية الربط بين الجمل المتشابهة المتعاونة، ستلاحظ أولاً أن الوظيفة النحوية في هذه الهيئة ستكون واحدة، تختلف فقط بما فيها من المعنى، ولهذا سترى أنهم في هذه العبارات يحذفون الصلة، لا يقولون حمال ألوية، وشهاد أندية، وقوال محكمه، وجواب آفاق، لا، إخبارات متتالية، حمال ألوية، حمال ألوية بنفس هذا التأكيد سيستغني عن الحرف المضاف، شهاد أندية، قوال محكمة، جواب آفاقي.
لما فعل هذا؟ كأنه يقول لك أتيت لك بكل صيغة كالتي قبلها لأقول لك أنها ثابتة، ثباتها وكل هذا ثابت له بنفس النهج، ولو عطف بدأ معنى جديداً وأفقد الثانية الاستفادة من الأولى، إلا لغرض آخر كالذي هنا يقول اسمع: «فلو إذ نبأ دهر، وأنكر صاحب، وسلط أعداء، وغاب نصير»، لما كانت هذه أحداثاً مستقلة، كل واحد منها يعتبر كارثة بذاته، ولم تكن نعتاً لشيء واحد يكون غرضك إثبات هذه النعوت له، فصل بالواو، ولكن أتى بنفس الصيغة ليقول لك الوقوع كان هو هو مكرراً، «فلو إذ نبأ دهر، هذا إذ نبأ»، انظر نبأ دهر، وأنكر صاحب، المعنى الذي ستأخذ من هذا التنكير سترى نفسك تضيفه في كل واحدة من المعاني التالية التي جاءت على نفس الصيغة، ولكنه يسقط الحرف في مثل حمال ألوية، شهاد أندية، قوال محكمة، جواب آفاقي، وهذا على قانون الفصل والوصل، لكن الشاهد من تكرار العبارة أنه يقول لك أنني أبثك في هذا المعنى الجديد ما بثثت في الأول، وما ألقي في نفسك من الصياغة الأولى ألقي مثلها في هذه الصياغة، ولو غير الصياغة ولم يكررها فكأنه ينشئ إنشاء جديداً يحتاج إلى إثبات جديد.
قل يا عقيل، أنا تحب أن أشرح؟ أقول، أقول؟ أنا أرى يتحدث هو، أنت تشرح؟ لا لا، أنت تشرح نفس الفلسفة والفكرة، أم الأبيات بعينها؟ أنا أشرح الأبيات كيف وقع فيها شرف المعنى، أنت لاحظت أنني كنت أشرح أقرب فلسفة توارد المتشابهات، لاحظت؟ أنا عنيت مفهوم، مفهوم، لكن هل تحب أن أشرحها مولانا؟ يعني بتذوق خاص لها، بتعليلي الخاص، طيب يلا، عشان حتى لو على الوقت بس مش مشكلة، لا، بس أنا أرى هنا في في في هذه الأبيات يتحسر، فبدأ بـ "لو" التي للتمني، ثم قدم السبب الذي يدعوه للتمني، فقال: «فلو إذ نبأ دهر»، وأتى بالتنكير، التنكير إما أن يقع تعظيماً وإما أن يقع تحقيراً، وفي الحالتين هو دال على العموم، وهنا أنا أرى وقع التنكير «فلو إذ نبأ دهر، وأنكر صاحب» بالعموم والتحقير، «وسلط أعداء وغاب نصير»، أيضاً كذلك، تكون أتيت الآن بالتمني، تكون هل لاحظت وأنا أشرح لما جئت هنا، لو رجعت التسجيل ستراني قلت ماذا؟ فالمعنى الذي وقع في نفسك، لأنني أعرف أنكم في بداية التذوق سيقول البعض الترهيب، ويقول البعض سيقول البعض التفخيم، وسيقول البعض التحقير، التحقير هنا على الذي أراه أنا.
نعم، تكون: «عن الأهواري داري بنجوة»، كان الأصل أن يقول تكون داري بنجوة عن الأهوار، لكنه قدمها ليخصص لأنه واقع فيها، فهو يقول لك: أنا أخص الأهوار بأني أتمنى أن تكون داري بنجوة فيها، وداري فيها، فهذا أشد في التحسر، ولكن مقادير جئت وأمور ومقادير تنكيرها على التعظيم، وعبدها بالنعت، وهذا أوقع لها، هذه المقادير وقعت وحصلت. عقيل بدأ يسخن، إزاي عقيل بدأ يسخن؟ أهو! يلا، ثم يقول: «وإني بعد لأرجو»، بعد هذا، وانظر كيف أكد الرجاء بـ "إن" والجملة الفعلية والجملة الاسمية واللام التي هي، لأنه لا رجاء بعد هذا، كيف ترجو بعد كل هذا الذي حصل؟ لا، وقع منه رجاء بعد محمد، وهذا تعظيم، قدم الظرف، نعم، «وإني لأرجو بعدها»، لأنه هذا استنكار، أنا نفسي لا يرجو محمداً بعد هذا، مات الكلام، لا لا، برد وسخف، «وإني لأرجو بعد هذا»، بعد ترجو أصلاً، أكد لتقديمه الظرف، لأنه لا رجاء بعد هذا، محمد، وفي هذا تعظيم لمحمد، ماذا؟ لأفضل ما يرجى أخ، وهذا على التعظيم هنا، ووزير، وأكتفي بهذا وفيه زيادة مع، ما شاء الله، فتح الله عليك، والله جميل جميل، والله فتح الله عليك يا ولدي، وإن شاء الله جميعاً أنتم جميعاً إن شاء الله، أنا لا أبذل معكم يا إخوة يا أحبابي الكرام، لا أبذل معكم هذا الجهد حتى نتناقش نحن فقط هكذا وينتهي الموضوع، نحن نصنع تاريخاً جديداً أيها الإخوة، أنتم ستخرجون وتناقشون ما يصدر من قصائد الناس بهذا، حتى يعلم كل من يصدر شيئاً يحسب على عربية هذه الأمة، ويعمل في ذهن هذه الأمة وفي أبنائها، في ذهنها العربي اللغوي الذي ينبغي أن يكون صحيحاً، وأن يعاد به إلى حالته وسيرته الأولى، يعلم أنه سيحاسب بهذه الطريقة، وأن كلامه سيتناول، فيراعي فيه وجه الله أولاً، ثم وجه العربية، ثم سيف النقاد ثالثاً، نعم.
قال، انظر قال: «ثم إن قال وأنكر صاحب»، ولم يقل وأنكرت صاحباً، لا ترى في البيتين الأولين شيئاً غير الذي عددته لك تجعله حسناً في النظم، وكله من معاني النحو كما ترى، وهذه يا إخوة هي الميزة الإبداعية التي تغلب على أشعار القدماء، فلا شك في أن المحدثين، لا شك في أن المحدثين قد فاقوا في أعين المعاني، ها قد فاقوا أعين المعاني المجردة، فاقوا الجاهليين والإسلاميين، هذا متعلق بالحضارة، إياكم أن تقولوا كهذا الدكتور محمد صالح المغامسي أو المغامسي يقول شوقي أشعر من المتنبي، لأن شوقي شهد من الفصاحة، من أسف من الثقافة والثقافة الغربية اليونانية والثقافة الكذا ما لم يعرفه المتنبي، بـ "أب" كانت، إذاً نحن الآن جميعاً أشعر من شوقي، نعرف ما لا يعرفه شوقي، شوقي بالنسبة إلينا الآن ما تعلم علماً كافياً، بالنسبة لكثير منا الآن، هذا هو ما يحصل به الشعر، إذاً كلنا الآن أشعر امرئ القيس، امرؤ القيس في هذه الأشياء صفر، الرجل لم يرَ إلا النجوم مربوطة في الجبال، صح؟ رأى النجوم، أحدهم قال: انظر إلى الفكر الساذج، يرى النجوم مربوطة في الجبال، فقلت والله ما ساذج إلا أنت، يعني تحسب أنه بالفعل يربطها في الجبال؟ أفضل فيما يرجى أخ وزير، آه آه نعم.
طيب ماذا مولانا؟ أريد أن الإضافة التي خصصت، "أفضل بما يرجى أخ وزيره" أدل على مدح محمد، لو تذكر هذا؟ طب أذكره يا عقيل، قله، قله بصيغة، أردت أن أزيد وجهاً وهو المزيد الإضافة التخصيص، فقال لأفضل ما، قال للأفضل، لا لأفضل، وما قال لأفضل ما، ثم يعني أضاف أفضل إلى ما لتخصيصها، آه خصصها بما يرجى أخ ووزير، وهذا أدل على مدح محمد، صحيح أنه رجاه، لماذا رجاه؟ لأفضل ما يرجى أخ ووزير، والتعظيم كما قلنا في أخ ووزير، نعم، فتح الله عليك، قل يا عبد الله محمد عبد الله، مولانا فقط أنا سأسأل شيئاً، يعني عقيل قال: «فلو إذ نبأ دهر»، يعني هذه الصفات المتتالية، قال إن التنكير هنا التحقير، ويعني أنت كأنك أقررته، فما هو السبب هنا لكون حال التحقير؟ أنا لم أقرر، أنا قلت تلاحظ أنني قلت الشعور أجملت أبهمت، قلت الشعور الذي سيأتيك في هذا ستنقله إلى سائر العبارات المتقاربة أو المتشابهة أو المطابقة في الهيئة النحوية، وقلت بهذه الصيغة العامة حتى يشمل من سيقول أنها للتحقير، ومن سيقول أنها لمطلق التنكير، بحيث لا يحقر، بل بالعكس الأمر يكون للتهويل، أنكر صاحب، لأن الصاحب، لأن الصاحب، وأنا أعرف أن الأذواق ستختلف هنا، ولهذا كانت، لو رجعت التسجيل سترى عبارتي كانت مبهمة، قلت الشعور الذي سيأتيك في هذا ستكرر.
خلاص طيب ما أنت ممكن تمكث سنوات لتفهم ما الذي أراده امرؤ القيس لما قال: "تمتعت من لهو بها"، يهول من اللهو أم يطلقه ليقول لهو يأتي كما يشاء كما يشاء صاحبه في أي وقت أو كذا أو كذا؟ شفت لهو كاللهو أي أحد، أنت تظل تتذوق حتى تدرك ذلك، حتى تدرك ذلك، ولذلك أنا أجملت جداً وقلت.
أجملت جداً، وقلت الشعور الذي كنت أشرحه؛ كما قلت لعقيل اشرح الأثر، لأنني فهمت من طلبه أن أشرح الأثر الذي يترتب على تكرار نفس العبارة في البيت الواحد، سواء كانت على التعاطف أو كانت على الفصل أو الوصل. فلذلك قلت الشعور الذي سيأتيك ستكرر؛ لأنني أعلم في هذا البيت على التخصيص أنه ستختلف الأذواق، ولن يؤول فيه المرء إلا بشيء من التدبر. وأما القول السريع فربما يغيره صاحبه بعد ذلك، لكن على كلٍ الشرح كان حسناً، والقول في ذلك وإن غيره صاحبه كان حسناً.
وربما أنت رأيت شيئاً أنا رأيته أيضاً؛ وهو أقول ربما أيضاً رأيته: أنكر صاحب "نبا دهر"، فهو هول من شأن الدهر الذي إذا قلنا "نبا دهر به" يبقى راح في داهية، مش "نبا دهر" حقير. "أنكر صاحب"، "صاحب" ينكر هكذا، ممكن وجه. ولكن المهم أن تفهموا، طبعاً الأمر طبعاً أنا لا أعترض على شرح عقيل إلا في هذا، حتى يقول تكون عن الأهواز نعم، عندما يقوله مثلاً "تكون عن الأهواز داري بنجوة"، هذا المعنى يرتفع إذا كان التنكير للتهويل. نعم، يعني يقول فلو أنه على كل هذه المصائب تركت فقط داري تكون بنجوة، وأيضاً يزيد أو يرفع المعنى عند الرجاء، نعم، أنه يرجى بعد تهويل ما فيه فيرفع هذا قدر المرجو.
يعني أنا أرى، نعم نعم أنا أرى، شرح المعنى في "تكون عن الأهواز داري بنجوة" أرى أن الشخص ما يتحقق بكونها نجوة، أي نجوة فقط تكون للأهواز داري بعيدة؛ بأي نجوة؟ أما بتعظيم يقل وينفخ، أما في الأولى.. هذا هو الذي أنا أخشاه، ولذلك أطوي الحوارات يا إخوة، أوقفوا الحوار. هذا تناقش في ذات البيت والقضية، فهمت هذا ما كنت سأقوله الآن. أقول أنا كثيراً ما تجدونني أوقف الحوار عند نقطة معينة؛ لأنني أعلم أنه هنا سندخل في باب آخر لن ينتهي في مدة مجلس، والمجلس هذا الكتاب أو هذا الشرح هو سبيكة للكتاب. وأنا حتى أتجنب هذا استعملت ألفاظاً عمومية في الكلام؛ لأنني لو قلت مثلاً تهويل الدهر، تهويل الصاحب، أنا أعلم أن عقيل سيقول أرى ذلك تحقيراً؛ طيب ماذا سأفعل هنا؟ المجلس ليس مجلساً في نقاش هذا، وإنما في نقاش فلسفته ليس في تفصيل نص بعينه، وهذا ما حصل الآن، تناقشتم هذا جميل جداً لكن ليس في هذا السياق، نكمل الصفحة على الأقل.
قال: أنا كنت أقول يا إخوة هذه الميزية أو هذه الميزة الإبداعية هي التي تغلب على أشعار القدماء، يعني لا شك في أن المحدثين قد فاقوا بطبيعة زمانهم، قد فاقوا الجاهليين في كثرة المعاني، وهذا موجود ونعترف به في الشعر، المعاني والإبداعات المعنوية الذاتية المجردة في شعرهم أكثر، وأكثروا فيها وغالوا، لكن يبقى الفن القولي مع الجاهليين. وتذكرون أن ابن رشيق تناول هذا الأمر في موضع واحد لما أثبت الإجادة والفحولة في الصناعة الشعرية للقدماء، وأثبت كثرة المعاني للمتأخرين.
ونحن هكذا دخلنا في الثلاث ساعات، شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد