فالواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه. والمندوب؛ سنبدأ هذا تعريفا واحدا واحدا وبإيجاز دون استطراد فيما يتعلق بالتعريف. قال الواجب: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه. هذا التعريف الذي يحفظه عامة طلبة العلم حتى الصغار والمبتدئين منهم يحفظون هذا. تعرف إذا قلت: وما الواجب؟ قال: ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه. أليس كذلك؟ هذا التعريف للواجب دارج كثيرا، وأنت تلحظ إمام الحرمين رحمه الله على تقدمه في القرن الخامس الهجري من أوائل من أوردوا مثل هذا التعريف للأحكام الشرعية. وعليك أن تستخرج باقي التعريفات للأحكام الباقية، فستقول في المستحب ما هو؟ ما يثاب فاعله.
ممتاز، في المحرم؟ ما يعاقب فاعله ويثاب تاركه. في المكروه؟ ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله. في المباح؟ ما لا يترتب على فعله ولا تركه ثواب ولا عقاب. كل الذي ذكرتموه الآن لا يصلح أن يسمى تعريفا، لأنها أحكام، لاحظ أنا أقول لك: ما الواجب؟ فتقول: ما يثاب فاعله. أنا ما قلت لك: ما حكمه؟ حكم الواجب أن يثاب فاعله، صح؟ ويعاقب تاركه. هذه أحكام، أنت الآن أعطيتني أحكام. قلت لك: ما حكم الواجب؟ ما حكم المستحب؟ فإذا سألتك: ما الواجب؟ ما المستحب؟ أعطني تعريفا لذاته، هذه الطريقة التي سار عليها المصنف والتي أوردتم من خلالها تعريف باقي الأحكام هو ما يسمونه بتعريف أو بالتعريف بالحكم، ويسمونه عند المناطقة بالرسم.
الرسم أن تعرف الشيء بحكمه لا بذاته، فإذا عرفت الشيء بذاته يسمى حدا. إذا تعريفك للمصطلحات إما حد وإما رسم. فالحد تعريف الشيء بذاته، والرسْم تعريف الشيء بحكمه. أيهما أقوى في التعريفات؟ الحد، ولهذا يعتبر المناطقة التعريف بالرسم ضعيفا، لأنه لا يعرف الماهية بل يعرف حكمها. وعلى كل فهي طريقتان؛ أن تعرف الشيء بذاته أو برسمه.
أقصد بحكمه، قال رحمه الله: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه. في وقفات سريعة ها هنا، قال: ما يثاب على فعله. أراد أن يخرج ماذا؟ لما قال: ما يثاب على فعله، ماذا خرج؟ خرج المحرم والمكروه والمباح، ماذا بقي؟ المندوب الواجب. إذا لو سكت وقال: ما يثاب على فعله، لدخل فيه المندوب. فلما أراد أن يخرج المندوب، ماذا فعل؟ ها، زاد لفظة أخرى، قال: ويعاقب على تركه ليخرج المندوب.
إذا كون لك التعريف من جملتين، سؤالي هو: لو اقتصرنا على نصف التعريف يكفي ولا ما يكفي؟ ليش تستعجل؟ طالع في التعريف وتأمل فيه. أنا ما قلت النصف الأول، ممكن يكون النصف الثاني. نغطي على النصف الأول وأقرأ النصف الثاني. إيش يبقى في النصف الثاني؟ ما يعاقب على تركه، يكفي في تعريف الواجب. وحدة وحدة، لو قلت: المندوب يعاقب على تركه؟ المندوب يعاقب على تركه؟ لا. المباح يعاقب على تركه؟ لا. المكروه يعاقب على تركه؟ لا. الحرام يعاقب على تركه، صار يكفي ولا ما يكفي؟
إذا لو قال في تعريف الواجب بالحكم: ما يعاقب تاركه، يكفي ولا ما يكفي؟ في ناس ما فهمت لسا. طيب، اترك الآن الجزء الأول من التعريف: ما يثاب على فعله، وتعال إلى: ما يعاقب على تركه، وحاول أن تطبق التعريف على الأحكام الباقية. ركز معي، المستحب المندوب هل يعاقب على تركه؟ أبغى الجميع يقول: لا بفهم. المندوب هل يعاقب على تركه؟ خرج ولا ما خرج؟ المباح يعاقب على تركه؟ خرج. طيب الحرام يعاقب على تركه؟ الحرام يعاقب على تركه، لا، يعاقب على فعله، إذا خرج الحرام. المكروه يعاقب على تركه؟ لا، إذا خرجت الأربعة كلها. وصح لك أن تقول إن جملة: ما يعاقب تاركه، يصدق على الواجب فقط. إذا بهذا أنا استغني عن نصف التعريف.
إذا قيل لك: عرف الواجب بالحكم؟ ستتقول: ما يعاقب تاركه، ويكفي. دوما إذا جئت للتعريفات إذا استطعت أن تختصر في الألفاظ وتستغني عما لا حاجة لك به في التعريف فهو أولى، إلى هنا مفهوم؟
طيب، النقطة الثانية في هذا التعريف، لما تجزم بحصول العقاب حتى لو أخذت التعريف الأول: ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، ناقش الأصوليون كثيرا قضية الجزم بحصول العقاب، لأنها تتعارض مع أصول شرعية عند أهل السنة. أنا لما أقول في الواجب: ما يعاقب تاركه. أليس من عقائد أهل السنة أن الله عز وجل قد يعفو عن صاحب الذنب ويتجاوز عنه؟ طيب، شخص ترك واجبا من الواجبات لكنه ما عوقب في الآخرة لأن الله غفر له، هل أصبح الحكم ليس واجبا لأن الله ما عاقبه؟ لا. فقالوا: لا تجزم في التعريف بوقوع العقاب، ولذلك عدل بعضهم عن قولك: ما يعاقب، إلى قولهم: ما استحق أو ما يستحق العقاب على تركه. وبعضهم حتى الاستحقاق هذا قال: ما في داعي تقول استحقاق العقاب، قالوا: ما يذم تاركه، لأن الذم حاصل سواء نال العقاب في الآخرة أو لم ينل، هو مذموم بتركه للواجب.
فإذا بعضهم قال: ما يذم تاركه. وبعضهم قال: ما استحق العقاب. وبعضهم قال: ما توعد بالعقاب. كل ذلك عدول عن قضية الجزم بحصول العقاب، لأنه قد يعفو الله وهو أكرم الأكرمين، وقد يكون في عمل المكلف شيء من الحسنات يغفر الله تعالى لها به ما كان منه من تفريط في الواجبات. أخيرا، في قوله ما يذم تاركه أو ما استحق تاركه العقاب. أما توعد بالعقاب؟ بعضهم يزيد كلمة شرعا، لأنك تفرض أن العقاب على الترك هو من جهة الشرع لكيلا يدخل فيه أشياء أخرى.
على كل، هذا الكلام الذي قلته الآن في تعريف الواجب لن أكرره في المستحب ولا في المباح ولا في المكروه، لأنه ستقيس عليه بطريقة، وسنمشي على عبارة المصنف رحمه الله كسبا للوقت. من أمثلة الواجب: الصلوات المفروضة، وصيام رمضان للقادر على الصوم، بر الوالدين، العدل والأمانة والصدق من تلك الأخلاق التي لا يستثنى منها أحد دون أحد. نعم.
والمندوب: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. نحن قلنا قبل قليل: هذه كلها تعريفات بالحكم، فإذا أردت أن تعرف الواجب بالحد في ذاته، لن تقول: ما يثاب ولا ما يعاقب، ستقول: ما طلبه الشرع طلبا جازما، لأن الواجب هو الذي طلب الشرع فعله بجزم. فإن كان مندوبا، ما طلبه الشرع طلبا غير جازم. وهكذا ستقيس عليها باقي التعريفات. هذا التعريف: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، هو مثال للمندوب، لكنهم يزيد بعضهم في آخر التعريف كلمة مطلقا، ليخرج بذلك الواجب المخير.
الواجب المخير كما لو كفر أحدنا عن يمينه وجاء للكفارة، فإذا هي إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، هو مخير. هو لما ترك الإطعام وجاء للكسوة، لما ترك الكسوة وجاء إلى العتق، ألم يترك بعض الخصال في الكفارة واجبة لكنه لم يذم بتركها لأنه انتقل إلى بديل؟ فلما تقول: ما تركه مطلقا، يعني لم يفعله لا الأصل ولا البدل، فذاك الذي يصدق عليه أنه واجب. فحتى يخرج عن تعريف المندوب يقول: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه مطلقا.
من المصطلحات المرادفة للمستحب أو المندوب عند الأصوليين: مندوب ومستحب وسنة ونفل، كلها مترادفة عند أكثر الأصوليين وبعضهم يفرق بتفريقات دقيقة. نعم.
والمباح: ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. شرب الماء البارد، والاستظلال بالظل الوارف، أكل الطيبات والمباحات، لبس ما أباح الله عز وجل، كل ذلك من أمثلة المباح. المستحبات كالسواك والطيب للجنب وغسلها على قول الجمهور، وأمثلة ذلك كثير. المباح يسمى جائزا أيضا، ويسمى حلالا، ويعبر عنه في الشريعة ببعض الألفاظ مثل: لا جناح، ولا حرج، ولا إثم، ولا بأس، كل ذلك مصطلحات شرعية تدل على حكم المباح.
الأصل في المباح أنه لا يترتب على فعله ولا تركه ثواب ولا عقاب. يستثني الفقهاء من هذا قاعدة: إلا إذا كان المباح وسيلة إلى غيره، أخذ حكم المقصد. إذا كان المباح وسيلة إلى واجب وتوقف عليه حصول الواجب، أصبح واجبا، ولهذا يقولون ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وسيأتيك بعد قليل إن شاء الله في كلام المصنف رحمه الله. نعم.
والمحظور: ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله. ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله، ولو أردت الاختصار كما صنعت في تعريف الواجب ستقول: ما يعاقب فاعله، لأنك قلت هناك في الواجب: ما يعاقب تاركه، فتقول ها هنا: ما يعاقب فاعله يكون كافيا أيضا. وإذا أردت الاحتراز عن قضية يعاقب والجزم ستقول: ما يذم فاعله، أو ما يستحق فاعله العقاب. نعم.
والمكروه: ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله. تكرر أمثلة مكروهة أيضا متعددة، منها كراهة أكل الثوم والبصل والاتيان بهما إلى المسجد لنهيه صلى الله عليه وسلم عن فعل ذلك، كراهة رفع البصر إلى السماء في الصلاة لنهيه صلى الله عليه وسلم أيضا عن ذلك. مكروهات الصلاة كلها مثال يصلح لهذا الباب في تعريف المكروه.
لكن انتبه أيضا فقط إلى مسألة مهمة، وهو أن مصطلح المكروه بهذا المعنى هو مصطلح أيضا متأخر حادث علمي تقرر تعريفه بهذا النحو، ولا ينبغي أن تخطئ فتأتي إلى نصوص شرعية فيها لفظ مكروه فتفسره بهذا المعنى. في سورة الإسراء ذكر الله القتل والسرقة والزنا وأكل أموال اليتامى باطلا والكبر مع تلك المحرمات، وقال في آخرها: كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها، ما أحد يفسر مكروها أن تلك الكبائر كلها مكروهات بهذا المعنى أنها في دون درجة الحرام، كيف فيها الكبائر؟ لكن مكروها هناك محمولة على المعنى الذي يدل على أن الشريعة لا ترضاه ولا توافق عليه وتأباه، ويدخل في ذلك التحريم.
لكن أردت فقط التنبيه على أنه ليس من الطريقة السليمة أن المصطلح الذي اتفق عليه العلماء بعد نزول القرآن بقرون ثم تقول تفسر القرآن بهذا المصطلح الحادث المتأخر. أيضا حتى مصطلحات السلف المتقدمين؛ الإمام أحمد رحمه الله ما هو عبارات؟ كان يقول: أكره كذا. ويعبر عن بعض الكبائر والمحرمات فيقول: أكره كذا، فما تفهم أن أحمد رحمه الله يقصد المكروه بهذا الاصطلاح. فثمة مصطلحات استقرت بعد استعمال سابق، فمن الخطأ أن تسحب تلك العبارات المتقدمة متفسرة بالمصطلحات الحادثة. جرى التنبيه على هذا من باب ألا يقع طالب العلم في شيء من ذلك. حديث: إن الله كره لكم قيل وكقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. هل هو مكروه بهذا المعنى؟ لا، هو المنع الشرعي وقد يقصر إلى التحريم إذا احتفت به القرائن.
الشيخ حسن بخاري