دخولتسجيل الدخول

الأحكام الشرعية وأقسامها

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الأحكام وتعريفاتها، والأحكام سبعة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمحظور، والمكروه، والصحيح، والباطل. عرف الفقه، ثم انتقل إلى تعريف الأحكام. الآن، ما المناسبة؟ في الفرع هناك قلنا استطراد، هنا لماذا يعرف الحكم؟ لأنه جاء في الفقه، جاء في تعريف الفقه. عرف الفقه قبل قليل، ماذا قال؟ معرفة الأحكام الشرعية. وهذا يستدعي أن نعرف ما هي الأحكام. لاحظ التسلسل السلس كيف الانتقال! جاء يعرف الأحكام، وإذا عرف الأحكام سيذكر أقسامها وتعريف كل قسم وما يتعلق به. هذه واحدة.

والأخرى أن أهل الأصول يرون من المداخل المهمة لدارس الأصول قبل أن يغوص في مسائل الدلالات والأدلة أن يعرف الأحكام، ويعتبرونها بوابة مهمة. أنت ماذا ستدرس في أصول الفقه؟ ماذا ستدرس؟ ستدرس الأدلة الشرعية وطرق الاستنباط أو دلالات الألفاظ، هذه كلها من أجل أن تقول: هذا حرام، وهذا واجب، وهذا مستحب، وهذا مكروه. يريد منك الأصوليون قبل أن تخوض في هذه الدقائق أن يكون عندك تصور ولو مجمل لهذه المصطلحات؛ ما معنى واجب، وما معنى حرام، ومعنى مستحب؟ فهذه كلها تساعدك على أن تمتلك التصور الكافي الذي يعينك على إدراك هذه المسائل، فعرفوا هذه الأحكام الشرعية لتكون مدخلاً مهماً.

الأمر الثالث في هذا ما أورده إمام الحرمين رحمه الله. تجاوز رحمه الله، وعلى طريقته الاختصارية الرائعة، تجاوز أن يعرف أصول الفقه باعتباره علماً وبهذا المصطلح باعتباره لقباً، كما درِجت العادة بقولهم: هو معرفة الأدلة الشرعية إجمالاً وطرق الاستفادة إلى آخره. ما أورد هذا، واكتفى بهذا التصوير وهو كافٍ جداً. تعرف الفقه ما هو؟ هو ما تدرسه في الطهارة، وفي الصلاة، وفي الصيام، وفي الحج، والزكاة، والجهاد، والنكاح، والطلاق. هذا هو الفقه. هذه المسائل التي هي في الفقه، هذا العلم هو أصل لها، خلاص هذا كافٍ. إذاً لن تحصل الفقه وتكون فقيهاً ما لم يكن عندك أصله الذي يبنى عليه هذا الفقه، وهذا كافٍ جداً. أما مسائله وماذا يحتوي عليه فسيأتيك تباعاً في فصول هذه الورقات اليسيرة.

قال رحمه الله: الأحكام سبعة. ربما كان هذا من مفردات الورقات، ومن أهَم الأشياء التي تفرد بها عن غيره من كتب الأصول. عادة يقولون: الأحكام خمسة، التي هي: الوجوب، والاستحباب، والإباحة، والكراهة، والتحريم. لكنه قال: سبعة. فماذا أضاف إلى الخمسة؟ أضاف رحمه الله: الصحيح والباطل.

وها هنا جملة من الأمور التي تعينك على فهم مثل هذا التصرف من إمام الحرمين رحمه الله. أولاً: هذا تصرف سابق على ما استقر عليه التقسيم المتأخر عند الأصوليين إلى خمسة أقسام، وبالتالي فأنت لا تحاكم إمام الحرمين إلى مصطلح استقر بعده، هذه واحدة. الأمر الثاني: عليك أن تفهم توجيه هذا التقسيم السباعي الذي ذهب إليه إمام الحرمين، وهل هو أدق أم تقسيم الأصوليين فيما بعد الخماسي؟

الجواب: أنت لو نظرت إلى الحكم الشرعي الذي أراد أن يقسمه انحل عندك الإشكال. هو أراد أن يقسم الحكم الشرعي، والاصوليون فيما بعد قالوا: الحكم الشرعي إما تكليفي وإما وضعي؛ فإن كان تكليفياً فهو خمسة، وإن كان وضعياً فيدخل فيه السبب والشرط والمانع والصحيح والفاسد أو الباطل، وربما أدرجوا معه أيضاً الرخصة والعزيمة. إذاً هو تقسيم من البداية مختلف، مختلف الوجهة، مختلف البناء.

إمام الحرمين رحمه الله قال: الحكم الشرعي، وهو يشمل القسمين؛ التكليفية والوضعية -سيأتيك بيان الفرق بينهما بعد قليل- فقال: الأحكام سبعة، فأخذ الخمسة التكليفية وأضاف إليه الصحيح والباطل. مما يعينك أيضاً على فهم هذا التفسير الذي صنعه إمام الحرمين في التقسيم السباعي أنه نظر إلى الأحكام الشرعية التي تتعلق بالمكلف، فقال: هي واحد من قسمين؛ إما عبادات وإما معاملات. الأحكام الشرعية إما عبادات وإما معاملات. العبادات: أركان الإسلام، الطهارة، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والجهاد، ونحوها. المعاملات: النكاح، والطلاق، والبيع ومسائله وفروعه، ويدخل في ذلك تبعا له أحكام الجنايات والحدود والقصاص والتعزير وما إلى ذلك.

لما يكون الفقه عبادات ومعاملات، فالذي يتعلق بالعبادات هو الأحكام الخمسة، والذي يتعلق بالمعاملات والعقود هو وصفها بالصحة والبطلان. فإذاً هو جمع لك ما يتعلق بالحكم؛ يعني لما يأتي المكلف ويقول للفقيه والمفتي: ما حكم كذا؟ المستفتي إما أن يسأل عن عبادة أو يسأل عن معاملة، فإذا سئل عن عبادة فالجواب سيكون واحد من خمسة أشياء، إما أن تقول له: واجب، أو مستحب، أو مباح، أو مكروه، أو حرام. وإذا سأل عن معاملة، لم تقل له: واجب، مستحب؛ يسأل عن بيع وشراء، يسأل عن عقد من العقود يجريه، ستجيبه: صحيح أو باطل. إذاً الأحكام سبعة على تقسيم المصنف رحمه الله، وسيأتي ما يؤكد لك ذلك؛ أنه أراد هذه النظرة في التقسيم: أن الأحكام عبادات ومعاملات، فالعبادات تدخلها الخمسة، والمعاملات تدخلها الصحة والبطلان.

مما يعينك على الفهم؛ الأحكام الشرعية إن كانت تتعلق بعمل مكلف فهي الحكم الشرعي التكليفي، ويدخلها الخمس: الوجوب، والاستحباب، والإباحة، والكراهة، والتحريم. وإن كانت لا تتعلق بعمل المكلف وهي حكم شرعي؛ ومثال ذلك أن الصلاة واجبة، الوجوب هذا هل يتعلق بالمكلف؟ وجوب الصلاة هل يتعلق بالمكلف؟ الجواب: نعم، إذاً هو حكم تكليفي.

حتى تكون الصلاة واجبة، صلاة الظهر مثلاً لابد أن تزول الشمس عن كبد السماء، زوال الشمس عن كبد السماء يترتب عليه وجوب صلاة الظهر؟ من الذي قرر؟ من الذي ربط وجوب الصلاة بزوال الشمس؟ الشرع، هو حكم شرعي، لكن هل فيه عمل يتعلق بالمكلف؟ الجواب: لا، هذا حكم شرعي وضعي، والأسباب والشروط والموانع هي من هذا القبيل. لما جعل الشرع من أسباب وجوب الزكاة حولان الحول، ومن شروطه ملك النصاب؛ فملك النصاب وأن يحول الحول والمال في يدك هذه أحكام شرعية، لكن لست مخاطباً فيها بشيء، أنت مخاطب إذا ملكت النصاب وحال الحول الواجب عليك إخراج الزكاة. فالحكم التكليفي هنا ما هو؟ إخراج الزكاة، أنت مكلف به.

لكن هل أنت مكلف أن تمتلك نصاباً وتحصله؟ هذا ليس تكليفياً. هل أنت مكلف أن تحافظ على المال حتى يحول عليه الحول؟ أنت لست مكلفاً بهذا، هذه تسمى أحكاماً شرعية وضعية. أحكام شرعية؛ لأن الشارع هو الذي قررها. وضعية؛ لأن الشارع وضعها علامات للمكلف تعينه على التكليف. فقال لك: إذا زالت الشمس وجبت صلاة الظهر، وإذا غاب الشفق الأحمر وجبت صلاة العشاء، وإذا طلع الفجر معترضاً بياضاً في الأفق وهو الفجر الصادق أو الثاني وجبت صلاة الفجر. هذه أحكام الشارع هو الذي وضعها، فسميت أحكاماً وضعية.

فإذاً كل شيء موصوف في الفقه بأنه سبب أو شرط أو مانع، هذه أحكام شرعية؛ لأن الشارع هو الذي حددها، ثم تسمى أحكاماً شرعية وتوصف بأنها وضعية حتى لا تفهم أنها تكليفية، فانه لا تكليف فيها على المكلف. قال رحمه الله: الأحكام سبعة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمحظور، والمكروه، والصحيح، والباطل. وسيعرفها الآن واحداً تلو واحد.