شروط المفتي. ومن شروط المفتي أن يكون عالماً بالفقه أصلاً وفرعاً، خلافاً ومذهباً.
هذا شروع في آخر ما يريدونه في كتب الأصول، وهو الحديث عن المفتي والمقلد. وهذا كما قلنا في أول لقاء ليس من صلب علم الأصول، لكنه تتمة وتبع له. ومن حيث إن المشتغل بعلم الأصول هو المجتهد، فهم يستحسنون إيراد مثل هذه المسائل: من هو المجتهد الذي يحق له النظر في الأدلة ويتعامل معها وفق ما تقدم من قواعد، ويستخرج الأحكام، ويتكلم ويشارك الفقهاء في مداولة الرأي والبحث عن الأحكام؟ اذكروا صفات المفتي المجتهد. ويتكلم أيضاً عن المستفتي. يريدون عادة مسائل لطيفة فيها أحكام تتعلق بالمفتي وماذا يفعل وآداب، والمستفتي كذلك.
ويفيضون الكلام في أمر لطيف جداً: ما الذي يفعله المستفتي عند السؤال؟ طبعا الورقات مختصر، لكن الكتب الموسعة إلى درجة أن الرقعة والورقة التي يدفعها المستفتي إلى المفتي يذكرون آدابها: كيف تكتب؟ وكيف تسلم؟ وكيف يقرأها المفتي؟ وإذا كان المفتي سيجيب شفهياً أو سيكتب، ما الأدب المراعي؟ كيف سيكتب الفتوى؟ وكيف يبعثها؟ وإذا كان سيجيب؟ هذه الدقة منهم حقيقة عناية دقيقة تماماً بهذا الباب الكبير، باب الفتوى، لأنه باب عظيم في الشريعة.
وهو ليس من صلب علم الأصول كما ترى، لكنهم كأنهم يرون أن الأصولي إذا اشتغل بهذا العلم وأححكم صنعته فقد تأهل أن يكون فقيهاً. وإذا صار مفتياً قصده الناس، وممارسته للإفتاء وسؤال الناس إليه بالاستفتاء هي مسألة ينبغي تعلم أحكامها وآدابها. فلهم في هذا مباحث رائعة ولطيفة جداً، وفيها مسائل تتعلق بالمفتي أحياناً.
نضبط مسائل الفتوى، وما يرى في الساحة اليوم من خلل في الفتوى، سواء من جانب الممارس للفتوى أو من جانب المستفتي، هو خلل سببه الحقيقة عدم العناية بهذه المسائل التي تذكر لضبط هذه القضية. تساهل المفتي في الحكم، التسرع، العجلة، عدم الأناة، التحايل عليه، انسياق المفتي خلف حيلة يسوقها المستفتي؛ كل هذا ذكر عندهم بضبط.
أما التساهل اليوم الوارد في كثير من القنوات والفضائيات وبعض وسائل الإعلام، والعجلة في إصدار الأحكام، وعدم الروية، القفز على النصوص، عدم ضبط تلك المسائل؛ كل ذلك خلل، وقد رأى الناس كلهم، عاميهم ومتعلمهم، رأوا أثر هذه الجناية على الساحة العلمية، وأن الفقه أصبح حمى مستباحاً لكل أحد، وأن سور الشريعة أصبح للأسف أقصر الأسوار، يتسلقه كل قصير، فضلا عن الطوال، وأصبح حمى مستباحاً يعبث فيه الناس، فضاعت هيبة الشريعة وجلالة الأحكام.
والله لو كانت المسألة طبية وجلسنا في مجلس وتحدثنا فيها فيما يتعلق بأعراض مرض أو بالادوية الناجعة، فتفلسف فيها كل واحد جالس وقال لا الدواء هذا أنفع من ذاك وأنا جربته، وبيننا طبيب حاضر سيقول له اخسأ! كيف تتكلم؟ ما تفهم! ولا يد لك ولا قدم ولا عنق ولا ساق ولا ذنب في هذا العلم، كيف تتكلم؟ بينما الشريعة من أسهل ما يكون أن يتكلم الحاضرون في المجلس ويدلي كل بدلوه، وكل واحد يتكلم وكأنه يغرف كما شاء، ونهر جاري كل واحد يأخذ منه بكأسه ويشرب كما شاء.
بل أصبحت حتى في مقابلات تلفازية أو إذاعية أو صحفية مع بعض ما أبعد الناس عن الشريعة، ممثلين وممثلات ولاعبي كرة يقال له ما رأيك في التعدد؟ تعدد الرجل للزوجات مسألة شرعية! تقول لواحد من من سقط الناس ما رأيك؟ تسألوه عن رأيه في قضية شرعية! هذه الحقيقة مثال للسقط الذي وصل إليه بعض أطراف المجتمع، سقطت معه هيبة التعامل مع القضايا الشرعية، فضلا عن أن القضايا التي تصدر فيها فتاوى على اختلاف أهل العلم في تقرير الحكم والمسألة أيضاً أصبحت محل غمز ولمز، وكل ينتقد ويعترض، واحد يقول لا صح والثاني يقول لا خطأ، وهذا كله من الجرأة في التعامل.
وكان الواجب أن تحمى الشريعة وتصان، وتحمى أبوابها ومسائلها وأسوارها عن كل ما يمكن أن يدخل منها العابثون، فنحن نوقف هذا الباب ونقول: العناية بهذه المسائل كانت قديمة، ونص عليها أهل العلم في الإشارة إلى ما يجب ويتحتم على أهل العلم العناية به في أبواب الإفتاء والاجتهاد.
من شرط المفتي أن يكون عالماً بالفقه أصلاً وفرعاً، خلافاً ومذهباً. وأن يكون كامل الآلة في الاجتهاد، عارفا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة ومعرفة الرجال وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها. طيب، هذا جملة ما يريده أهل العلم في شروط أن يكون عالماً بالفقه أصلاً وفرعاً؛ أصول الفقه وفروعه، لم؟ كان هذا ميدان الأحكام؛ الفقه والأحكام حلال وحرام، يجوز لا يجوز، مباح ومستحب ومكروه واجب، هذا هو الميدان. لكن كما هو ينبغي أن يتحتم عليه معرفته بالأحكام، ينبغي أن يكون ملماً بهذه الأصول، لم؟
لأنه مهما حفظ من كتب الفقه ومهما درس من مسائل الفروع، ولو استوعب أكبر الكتب، المغني مثلاً والمحلى والمجموع وفتح القدير والكتب الكبيرة، لو حفظها عن ظهر قلب لن تسعفه في الإفتاء في المسائل النوازل. لن يجد فيها المسائل الطبية المعاصرة، لن يجد فيها المسائل الاقتصادية المعاصرة، لن يجد فيها المسائل السياسية المعاصرة. فإذا فقد دقته وعنايته بالأصول لن يسعفه ذلك في تقرير أحكام النوازل. فحتى يصدق أن يكون مفتياً مجتهداً عليه أن يكون ملماً بالفقه فروعاً وأصولاً، خلافاً ومذهباً، حتى لا ينغلق أيضاً في دائرة المذهب، ثم لا يتسنى له أن يقف على خلاف فيتشدد في قول أو يرفض مذهباً آخر أو لا يقف على خلاف فيه. أن يكون كامل الآلة في الاجتهاد، فسر ذلك بقوله: عارفا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام؛ نحو، لغة، معرفة رجال. النحو واللغة لأنه يتعامل مع نصور شرعية، وهذه أول ما يتحتم العناية بها.
الإمام الشافعي رحمه الله كان ممن أكثر من نبه في كتابه الرسالة على وجوب عناية الفقهاء باللسان العربي وضبطه لأنه أعظم الآلات التي يستعان بها في فهم النصوص.
قال ومن شرطه أيضاً معرفته بتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها، هذا المصطلح على تسميته اليوم لدى طلبة العلم بآيات الأحكام وأحاديث الأحكام. هذه جملة من الشروط، بعض الكتب يوسع أكثر في اشتراط الشروط تفصيلا وما الذي يتعين؟ في الجملة هي شروط تدور على إتقان الفقيه أو المجتهد للآلة التي تمكنه من النظر في الأدلة وتعامله معها، وهذا لا ريب فيه.
لكن ها هنا يجب أن ننبه على شرط يذكره بعضهم محل خلاف، وهو شرط العدالة، شرط التقوى والصلاح في الفقيه والمجتهد، ويحررون في هذا أن هذا شرط لقبول فتواه لا لاجتهاده في نفسه. يعني ليس بالضرورة أن يكون عدلاً، يمكن أن يكون مجتهداً فاسقاً. اشتراط العدالة فيه من أجل قبول فتواه، وهذا غير صحيح، لأنه أنت تتكلم عن ماذا؟ تتكلم عن إدراك حكم شرعي، تتكلم عن فقه في دين الله، تظن أن يؤتاه فاسق؟
وقتها لما تكلم على فاسق ماذا يقول؟ أليس المقصود العاصي؟ أليس فينا معصوم؟ لكن تعرف ما معنى فاسق؟ فاسق يعني صاحب كبيرة أو مجاهر بالمعاصي أو مصر على الصغائر، هذا فسق. لكن العاصي التائب الذي كلما زل عاد واستغفر وأناب هذا لا أتكلم عنه، أتكلم عن الفاسق المتجاوز حدود الشريعة، فكيف كيف نحاول أن نقرر أن هذا يمكن أن يكون مجتهدا؟ ليس تحجيراً كلا والله، لكنها يعني نيل لحكم شريعة ومرتبة شريفة في الدين، تتصور أن يؤتاها الناس بتساهل أحكام الشريعة؟ يعني هل تريد أن يكون دليلاً تدل العباد على الحلال والحرام وهو ممن يلغ في الحرام؟ أو يقصر في جنب الله؟ هذا بعيد جداً، ليس استبعاداً عقلياً حتى شرعياً؛ الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: 29]. فعلق حصول الفرقان، وهو النور الذي يفرق به الناظر بين الحق والباطل والصواب والخطأ، علقه بتقوى الله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: 28].
سداد العبد في دنياه وأخراه مناط بتقواه لربه وصلاحه، فضلا عن أن يكون عالم شريعة يدل الناس على دين الله وصراط مستقيم، فأن تقول يمكن أن يكون مع هذا فاسق، صاحب كبيرة واقع في الكبائر أو شيء منها، أو يجاهر بالآثام، أو يعني لا يكترث بدين الله وأحكامه وشريعته، فكل ذلك ينبغي أن يحرر بعناية.
ثم انتقل رحمه الله للحديث عن شرط المستفتي. من شروط المستفتي أن يكون من أهل التقليد، فيقلد المفتي في الفتيا، وليس للعالم أن يقلد، وقيل يقلد. إذاً المقصود بالمقلد من لم يصل درجة الاستقلال بالنظر، فمثل هذا حقه السؤال لأن الله قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7].
الشيخ حسن بخاري