دخولتسجيل الدخول

الاستصحاب

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نعم، الأصل في الأشياء الحظر والإباحة، وأما الحظر والإباحة فمن الناس من يقول إن الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة، وإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الاباحة يتمسك بالأصل وهو الحظر. هذه أحد القواعد الجليلة في علم الأصول وهي الأصل في الأشياء.

وفائدتها فيما لم تجد دليلا أيضا على مسألة بعينها أمامك؛ مطعوم جديد اكتشفه الناس، عقد من عقود البيع استحدثه الناس، صورة جديدة من صور التعامل، لباس، طعام، شراب، هيئات، كل ذلك ما حكمه؟ ستقول هذا الشماغ الذي نلبسه الآن وهذه الطواقي أو الكوافي، لبس النظارات، استخدام الأقلام، ركوب السيارات، أشياء كثيرة جدت في مظاهر حياة الناس، ما ضابط ذلك في الشريعة؟ وليس فيها شيء من النصوص التي تتعلق بأعيانها. هنا يأصلون هذا الأصل الكبير، الأصل في الأشياء ما هو؟

قال الأصل في الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة، يعني أن تقول الأصل في الأشياء أنها محرمة إلا إذا دل الدليل، وجدنا في الدليل: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، فتبحث عن دليل يبيح، إذا ما وجدت دليلا ستوقف. ومن الناس من يقول بالعكس: الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما جاء الدليل بتحريمه.

ها هنا الحديث عندهم عبارة عن أصل كبير يصلح أن يكون دليلا لكل ما يجد في حياة الناس اليوم وغدا وإلى يوم القيامة في أي باب؟ ليس في العبادات، لأنهم متفقون على أن الأصل في العبادات التوقيف أو المنع أو الحظر، فما لم يرد الدليل بوجه من وجوه التعبد فلا يصح، لكنه يتكلمون عن العادات أو المعاملات وهذه الأبواب التي لا منتهى لها.

ساق المؤلف رحمه الله المذاهب في هذا، منهم من قال هو الحظر، ومنهم من قال هو الإباحة، والمتأخرون الأصوليين بل من الرازي ومن بعده حتى يخرج من إشكال يقول لا، الأشياء هذه منها ما هو منافع ومنها ما هو مضار، الأصل في المنافع الإباحة، والأصل في المضار التحريم، ولك نصفي هذا: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]. ثم تقيس على كل ما يجد في حياة الناس، استخرج الناس طعاما جديدا من البحار، نوعا جديدا من اللحوم، شيئا اكتشفه الناس فيما يتعلق بالمعادن واستعمالها، كل ذلك أو الملابس أو المركوبات فانت تطلقه على هذا الأصل.

وأما الحظر والإباحة فمن الناس من يقول إن الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة، فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة يتمسك بالأصل وهو الحظر، ومن الناس من يقول بضده وهو أن الأصل في الأشياء أنها على الإباحة إلا ما حظره الشرع، ومنهم من قال بالتوقف. وقلت لكم إن عددا من الأصوليين كالرازي والبيضاوي ومن بعدهم قسموا هذا فقالوا الأصل في المنافع الإباحة والأصل في المضار التحريم، فكان هذا قولا وسطا وهو جيد حتى لا يطرد عليك أمر ينتقض بغيره.

نعم، الاستصحاب، ومعنى استصحاب الحال أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي. هذا أيضا أحد الوجوه وجعلها ابن قدامة تبعا للغزالي رحمة الله عليهما جعلوه دليلا من الأدلة المتفق عليها وسموه الاستصحاب. الاستصحاب مصطلح فيه معنى طلب صحبة الحكم، لأن الهمزة والسين والتاء للطلب، الاستصحاب طلب مصاحبة الحكم.

بمعنى أن الفقيه يكون أمام مسألة فيقول استصحب فيها الحكم السابق، الحكم السابق هذا طبعا المسألة هذه عندما لا يكون فيها دليل فهو يستصحب فيها حكم شيء سابق. يعني مثلا عدم وجوب صيام شوال استصحابا لأنه لم يجب إلا رمضان، فقام عليه عفوا، فاستصحب فيه عدم وجوب غيره، لأنه كان كذلك قبل أن يفرض رمضان. صيام رمضان ما كان لا رجب ولا شعبان ولا شوال ولا رمضان نفسه ما كان واجبا، فلما وجب رمضان ماذا حدث في رجب وشعبان وشوال؟ مرة أخرى قبل أن يفرض صيام رمضان ما كان واجبا لا رجب ولا شعبان ولا رمضان ولا شوال، في السنة الثانية من الهجرة فرض صيام رمضان، أصبح رمضان واجبا، فماذا عن رجب وشعبان وشوال؟ بقي على الأصل.

هذا هو استصحاب الأصل، ها هنا أنت لا تطالب بدليل يكفيك أن تقول أنا استصحب الأصل الذي هو قبل ورود الدليل أنه كان غير واجب، لما جاء الدليل بوجوب صيام رمضان اكتفينا به وقلنا دل الدليل على رمضان فيبقى غيره على الأصل، يسمى هذا استصحاب البراءة الأصلية أو يسمونه أحيانا استصحاب العدم الأصلي. بمعنى أنك تكتفي بأن الأصل فيه عدم التكليف، براءة الذمة، ولهذا يسمونه البراءة الأصلية أو يسمونه العدم الأصلي، هذا يستصحب فيه الأصل لما لا يجد المجتهد دليلا يتناول المسألة. يعني من جاء فيزعم مثلا أن صلاة غير الصلوات الخمس واجبة، يكون عنده الدليل استصحاب الأصل أنه قبل أن تفرض الصلوات الخمس ما كانت هذه واجبة، فرضت الصلوات الخمس بقي غيرها على عدم الوجوب، كذلك تقول في الصيام، كذلك تقول في وجوه أخر.

هناك استصحاب آخر ما ذكره المصنف رحمه الله هو استصحابه المشهور في الاصطلاح إذا أطلق: استصحاب الحكم السابق. نحن الآن نتكلم عن استصحاب العدم الأصلي، الصورة الثانية أن يكون عندك حكم في مسألة ما كالبيع مثلا أو ثبوت النكاح، ثم يطرأ حالة مختلفة تغير في الحكم، فيختلف فيها الفقيهان، فيقول أحدهما أرى أن الملك في البيع باقي، والثاني يقول أرى أن البقاء في النكاح مستمر، ما دليله؟ قال هو يستصحب الحكم السابق أن الملك ثابت وأن النكاح مستمر ودائم، وهي نوع من الأدلة كما قلت.