دخولتسجيل الدخول

شروط القياس

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

من شروط الفرع أن يكون مناسباً للأصل. ومن شرط الأصل أن يكون ثابتاً بدليل متفق عليه بين الخصمين. بدأ يتكلم رحمه الله عن شروط القياس حتى يكون صحيحاً، هناك شروط تتعلق بالفرع وأخرى بالأصل، ومثلها في العلة أو الحكم. قال أولاً: من شروط الفرع أن يكون مناسباً للأصل. إيش تقصد بالمناسبة؟ مناسب في ماذا؟

نعم، أن يناسب الحكم وأن يناسب الفرع الأصل، يعني يكون بينهما وجه المناسبة وهو العلة، أن تكون هناك وجه للاشتراك بينهما. ومن شرط الأصل أن يكون ثابتاً بدليل متفق عليه بين الخصمين. أي خصمين يتكلم عنهما؟ في مقام المناظرة والحجاج والاختلاف.

طيب، أنا لو أردت أن أقيس وليس معي خصم وليس أمامي مخالف، أنا أبحث عن دليل لمسألة، إذاً لا محل لهذا الشرط. يكفي أن تقول أن يكون حكم الأصل ثابتاً بدليل صحيح. إذا ثبت بدليل يكفي، لكن حقيقة إذا كان هناك مخالف لك في المسألة، يعني أنت تبحث عن مسألة فيها خلاف وأنت مالكي والمخالف لك حنفي أو العكس، فلا يصلح أن تقيس لي في مسألة دليلك فيها أنا لا أوافق عليه. كان يكون مثلاً الدليل فيه عمل أهل المدينة مثلاً وهو حجة عند المالكية وليس عند غيرهم، أو أن يكون حديث آحاد فيما تعم به البلوى وهي حجة عندك وليس كذلك عند الحنفية مثلاً، فهو أصلاً لا يوافقك في أصل الدليل الذي بنيت عليه تأتي وتقيس عليه، هو أصل الدليل لا يوافقك عليه.

فمن شروط صحة القياس عندما تكون في محل مخالفة أو إثبات لمسألة أمام من يخالفك، أن يكون أصلك الذي تستقي منه الحكم لتقيس أن يكون محل اتفاق بينك وبين المخالف، فإذا لم يكن في البخاري في مسألة مخالف فيكتفي أن تقول أن يكون دليلاً صحيحاً.

بالمناسبة التعبير بخصم، خصم تعبير غير لائق. لا أتكلم عن عبارة إمام الحرمين لكنه مصطلح درج وشاع، فيقال في المخالف في المسائل خصم. الخصوم لفظ يوحي بشيء من النفرة وبشيء من الاعتداء والتعادي أو شيء من المواقف التي يتعنت فيها كل طرف لحقه. خلاف الفقهاء الخلاف الشرعي ليس من هذا القبيل، ليس خلاف خصومة، هو خلاف اجتهاد، بل هو خلاف ود وعلم، والعلم رحم بين أهله. ولهذا نبه بعض أهل العلم أن لفظة خصم وهي كما ترى كثيرة حتى في كتب الخلافات الفقهية فقه المخالف قال الخصم فإن قال الخصم كذا قلنا كذا، فهي لفظة تنبيه على أنها يعني لفظة الخصم الأولى استبدالها قال المخالف، قال صاحب القول الآخر، قال المذهب الفلاني، فهي أولى من التعبير بالخصومة والخصم، لأننا لسنا في منازعات ولا قصاص حقوق ولا محاكم شرعية، نتكلم عن خلاف فقهي في ساحة الفقهاء والتعبير بالمخالف أولى.

ومن شرط العلة أن تضطرد في معلولاتها فلا تنتقد لفظاً ولا معنى. من شرط العلة الآن تكلم عن شرط الفرع وتكلم عن شرط الأصل، هذا شرط العلة. شرط العلة الاضطراد. ما معنى الاضطراد؟ قال: أن تكون موجودة في معلولاتها، أن تكون العلة متحققة في كل صورة يوجد فيها هذا الحكم الذي تريد القياس عليه أن تكون العلة موجودة، فإذا وجدت واطردت صح لك القياس. عدم اضطراد العلة يعني عدم تحققها في كل الصور يضعف التعليل بها، فإذا ضعف ضعف قياسك أنت أيضاً.

مثال ذلك، لما تتكلم عن القتل بمثقل، يعني الآن القصاص إنما يكون في القتل بالآلة الحادة التي هي يقصد بها القتل، ماذا لو قتل بمثقل؟ قتل بحجر أو قتل بخشبة ليست آلة قتل في العادة، رمى على الإنسان صخرة فقتله، ضربه بخشبة فقتله، هذا يسمونه المثقل وهو عكس المحدد الآلة الحادة. فمن يقول إن هذا القتل بالمثقل يوجب القصاص سيحتاج أن يبحث عن العلة، هو سيقيسها على القتل بمحدد، فيقول كلاهما قتل عمد عدوان، يقول هو مثل القتل بالة حادة، ذاك وجب فيه القصاص لأنه قتل عمد عدوان وهذا يجب فيه القصاص لأنه قتل عمد عدوان. العلة هذه التي ذكرها الآن علة غير مطردة.

كيف يعني غير مطردة؟ يعني وجدنا صورة من الصور قتل عمد عدوان ولا قصاص فيه، مثل قتل الوالد لولده، ستجيب فيه نص أنا معك، إذن العلة غير مستقيمة، نص الحديث على أنه لا يقتل والد بولده، لكن لو قتل الوالد ولده أليس قتلاً عمداً عدواناً؟ ستقول بلى، ولماذا لم يجب القصاص؟ لو كانت العلة مضطردة لأوجدت الحكم. هذه الصورة هي مثال، مثال لأن توجد العلة ويتخلف عنها الحكم. هذا ماذا يسمى؟ يسمى عندهم نقض العلة، يعني ثبت عندك في صورة تخلف فيه الحكم عن العلة. ما معنى التخلف؟ أن توجد العلة ولا يوجد الحكم، فهذا يعتبرونه وصفاً يسمى نقض العلة، ونقض العلة أحد أكبر وأعظم صور نقض القياس أو فساد القياس، وإذا اعترض أحد ما على القياس في أقوى وجوه الاعتراض نقض العلة، يعني يأتي القائس أمامي فيثبت للقياس ويبدع علته، فلما أنظر في العلة وأكتشف أن علته غير مطردة مباشرة سأعتذر عن قياسه وأقول قياسك غير صالح لأن علتك غير مطردة.

إذاً من شروط العلة أن تكون مطردة، فإذا لم تضطرد فقد انتقضت، ونقض العلة موجب لفساد القياس.

ومن شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات. من شرط الحكم، إذا ذكر شرط الأصل وشرط الفرع وشرط العلة، ذكر الآن شرط الحكم. الحكم الذي هو التحريم في الخمر الذي تريد تعديته إلى النبيذ، الذي هو جريان الربا في البر الذي تريد تعديته إلى الأرز مثلاً. من شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات، هو تماماً نفس شرط العلة، ما قلنا شرط العلة أن تكون مطردة، ما معنى مطردة؟ أنه كلما وجدت العلة وجد الحكم. لما أقول لك ما شرط الحكم ستجول في خاطرك العبارة: أن يكون مصاحباً للعلة، وهذا معنى الدوران كما تحفظون عبارة الفقهاء: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، هو هذا. من شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات، بمعنى أنه يصاحب العلة، إذا انتفت العلة انتفت، وإذا وجدت العلة وجدت، وهذا معنى قول الفقهاء: إن الحكم يدور مع علته ثبوتاً وعدماً.

والعلة هي الجالبة للحكم، والحكم هو المجلوب للعلة. العلة هي الجالبة للحكم، إيش معنى جالبة؟ ما معنى جالبة؟ العلة هي الجالبة للحكم، هي التي أتت بالحكم. الذي أتى بالحكم الشارع أو العلة؟ كيف تقول العلة هي الجالبة للحكم؟

طيب، هذا أيضاً محل نزاع كبير في كتب الأصول في تعريف العلة، فمنهم من يقول: هي المقتضي للحكم، ومنهم من يقول: هي الباعث للحكم، ومنهم من يقول: هي الوصف المؤثر للحكم. اختلاف في التعريفات الحقيقة هو مدرستان كبيرتان، أشاعرة ومعتزلة، وتعود إلى أصل عقدي عندهم، أقولها فقط للفائدة: فيما يرى المعتزلة التحسين والتقبيح العقليين، ويرون وجوب رعاية الأصلح على الله -تعالى الله عن ذلك- فإنهم يثبتون للأشياء أوصافاً مؤثرة بذاتها، فالعلل عندهم تؤثر بذاتها، فلذلك يعرفون بتعريفات قوية، يقولون الجالبة للحكم، يقولون المقتضية للحكم، يقولون الباعث عن الحكم.

والأشاعرة لما كانوا في ردة فعل وعلى موقف مخالف تماماً للمعتزلة وانتقضوا معه في جملة مسائل العقيدة، كان هذا واحد منها؛ أنكرت الأشاعرة مسألة التحسين والتقبيح العقليين بغلو قابل غلو المعتزلة، بلغ بهم الغلو أن ينكروا أن للأشياء أوصافاً من الحسن والقبح في ذاتها، وأهل السنة وسط يقولون: بلى توصف الأشياء بحسن وقبح لكنها لا تستلزم الحكم. على كل، فلما رأى الأشاعرة هذا رفضوا التعريفات التي تقول هي الباعث فقالوا: هي المعرف للحكم، حاولوا أن يبحثوا عن تعريف يتفق مع أصلهم العقدي، قال هنا: العلة هي الجالبة للحكم. أهل السنة يقولون: هو وصف مؤثر، والتأثير ليس ذاتياً بل بجعل الله عز وجل لها تأثيراً، والحكم وعدمه هو اجتهاد من الفقيه والنظر في المسألة.

هنا انتهى كلامه رحمه الله عن القياس وهو على طريقته في الإيجاز، إنما يجب أن أقول في ختام الحديث عن القياس هنا: إن أهم مباحث القياس في كتب الأصول هو الحديث عن العلة، لأنها مربط الفرس. أصل وفرع وحكم في النهاية يدور على تحقق العلة. العلة هذه إن ثبتت في النص ودل عليها مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر»، وقال الله تعالى في مال الفيء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: 7]. متى جاء الدليل مصرحاً بالعلة فإن الفقهاء يكتفون به ويقولون هذا هو علة الحكم. وفي أحيان كثيرة لا يأتي الحديث ولا الآية بذكر العلة، لا تصريحاً ولا تلميحاً، هنا يجتهد الفقهاء في ماذا؟ في ماذا؟ استنباط العلة. وهذا الحقيقة هو أدق أدق مسائل القياس، هو البحث عن العلة واكتشافها، هذا هو أدق المسالك وعمق الغوص في مسائل القياس عند الأصوليين هو اكتشاف العلة.

ويفردون في أبواب القياس مسائل وفصولاً يسمونها مسالك العلة أو طرق البحث عن العلة، ثم يذكرون لك الطرق التي يشتغل بها الفقهاء. عادة تكون هذه المباحث مزعجة عند الطلاب الدارسين لعلم الأصول، ويرونها صعبة ويرون الكلام فيها مزعج ومتعب للعقل، لكنه مسلك دقيق حقيقة، وفهمه لذيذ لمن تصوره وعرف ماذا يقصدون بهذا الكلام. هو يقول لك: هب أنك أمام بحر الشريعة ورميناك لكي تسبح فيه، وقلنا لك استخرج علل الأحكام. المسألة يا إخوة ليست باليسيرة، أنت تتعامل مع أحكام شرعية جليلة، أحكام ربانية، وتجتهد بعقلك البشري القاصر أن تقول إن الإسلام حرم الربا في البر من أجل كذا. هذه في قدر كبير من الجرأة وتخشى أن تكون افتآتاً على الشريعة، لكنك تستنفذ كل الوسائل الممكنة، والذي يحملك على ذلك هو محاولة لتوسيع الحكم وإلحاق فروع ما وجدت فيها دليلاً. فعلى كل هو باب كبير، البحث عن العلة وطرق استنباطها أو مسالكها من أدق المسالك وأصعبها، ولا يقوى عليها -كما قلت في بداية الحديث- إلا من رزق فهماً دقيماً وعمفاً في إدراك مقاصد الشريعة والبحث عن العلل. فهو الحقيقة يكاد يكون هذا الباب هو أصعب مباحث علم الأصول على الإطلاق بدقته وغموضه ودقة مسالكه وندرة التطبيق العملي الذي يكتفي فيه الدارس أحياناً بمجرد التقسيم والتنويع والتعريف ولا يجد ممارسة عملية فيبقى جافاً عنده، لا يكاد يفرغ منه حتى ينتقل إلى الباب الذي يليه، لكنه حقيقة من أجل المسالك.

التنبيه الأخير فيما يتعلق بالقياس: جميعكم يعلم أنه لم يخالف من أهل المذاهب المسلمة أحد في باب القياس إلا الظاهرية، وإنما انفصلوا عن المذاهب الأربعة وأصبحوا مذهباً مستقلاً من أجل هذه المسألة، من أجل باب القياس، فإنكارهم للقياس واعتمادهم على ظاهر النصوص واكتفاؤهم بالألفاظ التي جاءت في النصوص هو الذي جعلهم مذهباً مستقلاً، ومنه استقي اسمهم مذهب الظاهرية، أي الاكتفاء بظاهر النصوص، ويرون أن البحث عن العلل وأن توسيع الحكم هو تشريع ما لم ينزل الله عز وجل به سلطاناً، وهو منازعة للشارع في تشريع الأحكام، وأن هذا نوع من فرض الآراء في الدين، ومذهب قام على هذه الرؤيا لما أسسه داود الظاهري ثم مشى عليه ابنه علي ثم انتصر له ابن حزم وغيره من الظاهرية الذين ساروا على هذا المذهب. مذهب الظاهري قوي ومتين في سائر أبواب الأصول، لكنه في باب القياس لا يعتبر، ويعتبر إنكارهم وخلافهم شاذاً مسبوقاً بإجماع الصحابة وبتطبيقات نبوية حتى في زمنه عليه الصلاة والسلام.

ما أريد الإطالة فيه، لكن لا تفهم كيف تعامل الفقهاء مع خلاف الظاهرية في باب القياس؟ لا يعتبرونه خلافا ولا ينظرون إليه، ولهذا يحكي بعضهم الإجماع، يقول لك: القياس من الأدلة المتفق عليها في الشريعة. كيف متفق عليها وفيها خلاف كبير للظاهرية؟ يقول لك: لا عبرة بخلاف الظاهرية في هذه المسألة، وهم لا يطرحون خلافهم في الأبواب الفقهية، لا في باب القياس ويرون خلافهم شاذاً مطرحاً لا يعول عليه.