دخولتسجيل الدخول

القياس وأقسامه

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نحمد الله تعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله المصطفى ونبيه المجتبى. اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أئمة الهدى، ومن تبعهم بإحسان واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو لقاؤنا الأخير بعون الله وتوفيقه في تدارسنا لكتاب الورقات لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني رحمه الله. اللقاءات الخمس المتقدمة ابتدأنا فيها من أول الكتاب، ومررنا بمجمل أبوابه على نحو متوسط بين الإيجاز وبين ضرب المثال والشرح والتوضيح بما أرجو أن يكون قد حقق المقصود.

نبتدئ الليلة بعون الله وتوفيقه من باب القياس، والقياس أحد الأدلة التي يعمد إليها فقهاء الشريعة لاستنباط الأحكام. الأبواب السابقة كانت حديثًا عن الأدلة والدلالات، كان حديثًا عن دلالة القرآن والسنة وكيفية استنباط الأحكام منهما من خلال قواعد الدلالات في الأمر والنهي، في العام والخاص، في المبين والمجمل، في المطلق والمقيد، في الظاهر والمؤول، في النسخ وصوره وأحكامه، ثم كان الحديث البارحة عن دليلي الإجماع والسنة، وكان هناك باب مهم أيضًا هو باب التعارض بين الأدلة فيما يبدو في الظاهر للمجتهد والفقيه والناظر في الأدلة، والمسالك التي نص عليها أهل العلم للخروج من هذا الإشكال والجمع بين الأدلة والخروج بجواب تلتئم معه الأدلة وتتفق.

الحديث الليلة عن دليل القياس، هو أحد الأدلة الكبرى التي يعمد إليها الفقهاء لاستنباط الأحكام. ومحل القياس إذا لم يجد الفقيه في النازلة نصًا يسعفه للدلالة على حكم المسألة التي يريد، فهو عندئذ ينظر في دليل لحكم منصوص عليه، ثم يقيس عليه، أي يلحق المسألة التي يبحث عن حكمها بمسألة أخرى شبيهة بها ولها تعلق بها، وقد وجد لها حكمًا في الشريعة فيعطيها الحكم ذاته، وهو ما اصطلح عليه بالقياس.

القياس كما قلت أحد الأدلة التي يعمد إليها الفقهاء، والتي يجتهدون فيها في تحرير صوره وأنواعه وضبط طرق القياس حتى يكون صحيحًا معتمدًا، وإخراج ما لا يعتمد من أدلة القياس ونحو ذلك. دليل القياس أحد الأدلة الكبرى من جهة، والصعبة من جهة أخرى، التي يتفاوت فيها الفقهاء المجتهدون ويتمايزون فيها تمايزًا كبيرًا. إذا، دليل القياس واستعماله مسلك وعر، ليس باليسير الذي يتعاطاه كل من تناول الفقه واستعمله، لكنه يحتاج إلى دربة طويلة ودراية؛ لأنه يتكئ على جملة من المعالم والخطوات العسيرة الصعبة رفيعة المنال، يحتاج الفقيه في الوصول إليها أن يكون قد سلك خطوات جيدة حتى يتمكن من استعمال القياس.

ولهذا يقول إمام الحرمين الجويني رحمه الله في البرهان وهو يتحدث عن القياس: هو مناط الاجتهاد ومنه يتشعب الفقه؛ لأن نصوص الكتاب والسنة محصورة، ومواقع الاجتهاد معدودة، والوقائع لا نهاية لها. فهو يبين أن استعمال القياس مهم للفقيه؛ لأن النصوص معدودة وأما الوقائع فهي متجددة كثيرة لا نهاية لها، فإذا أردت أن تبحث لكل مسألة نازلة دليلًا في الكتاب والسنة عجزت؛ لأن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، ولا يمكن أن تستعملها حتى تغطي كل مسألة مما تريد البحث عنها، لا تستطيع أن تبحث لها عن نص يتناولها بالحكم.

هو يبتدئ بتعريف القياس ثم ذكر بعض أنواعه وينتقل للحديث عن أركانه. واما القياس فهو رد الفرع إلى الأصل في الحكم بعلة تجمعهما، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه. ابتدأ رحمه الله بتعريف القياس اصطلاحًا تعريفًا مباشرًا، قال: هو رد الفرع إلى الأصل في الحكم بعلة تجمعهما، لا فرق. هذا التعريف وغيره من تعريفات الأصوليين يحرصون فيها على أن يتناول التعريف الأركان الأربعة للقياس، وهي الأصل والفرع والحكم والعلة الجامعة بينهما. وقبل أن أشرح التعريف، نتناول مثالًا يتضح به مثل هذا التعريف وسواه.

جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام النص على أصناف ربوية، أي يدخلها الربا ويشترط فيها في بيعها التقابض والتماثل إذا بيعت بجنسها، أو التقابض فقط إذا بيعت بغير جنسها. في حديث عبادة: «الذهب بالذهب مثلًا بمثل يدًا بيد، والفضة بالفضة مثلًا بمثل يدًا بيد، والبر بالبر مثلًا بمثل يدًا بيد، والشعير بالشعير مثلًا بمثل يدًا بيد، والتمر بالتمر مثلًا بمثل يدًا بيد، والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد». هذه الأصناف الستة التي اصطلح الفقهاء على تسميتها بأصناف ربوية، الذهب والفضة وأربعة مطعومات: البر والشعير والتمر والملح، هذه يدخلها الربا لأن الحديث نص عليها، فدخول الربا أو جريان الربا في هذه الأنواع الستة المذكورة منصوص عليها.

فإذا جاء الفقيه وقال: الأرز مثل البر، ويدخله الربا كما يدخل في البر، ونزل عليه حكم البر المنصوص، إذا هو قاسه عليه. هكذا باختصار شديد، الأرز غير مذكور في النص بل كان غير موجود أصلًا عندهم في صدر الإسلام، ولا كان طعامًا معروفًا، لكن لما حدث وانتشر وعرفه الناس وأكلوه، أصبح طعامًا وقوتًا لكثير من الآدميين، نظر الفقهاء فإذا هو لا يختلف عن البر في حكمه، فجعلوا له حكم البر في جريان الربا فيه، ومن باع أرزًا بأرز من نوعين مختلفين اشترط في حقه التماثل والتقابض، وجعلوه في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «البر بالبر مثلًا بمثل يدًا بيد».

الحديث ما ذكر الأرز، فانظروا إلى أن الأرز في المثال هاهنا فرع، والبر أصل. الأصل ما هو؟ هو الذي تناوله الدليل بالنص عليه، هذا هو الأصل. الفرع هو المثال الذي يريد الفقيه بحث حكم عنه وإعطاءه حكم مناسب له، فالأرز هو الفرع والبر هو الأصل، والحكم الذي نص عليه الدليل في البر ما هو؟ هو جريان الربا فيه، هذا الحكم هو الذي نريد تعديته أو إيصاله أو إدخاله إلى الأرز. فأنت تريد تعدية الحكم من محل النص إلى محل لا نص فيه، فأنت قست الأرز على البر، ما معنى قسته عليه؟ ألحقته به وساويته به، ولهذا يقولون في تعريف القياس: إلحاق فرع بأصل، أو يقولون: تسوية فرع بأصل، إلحاقه أو تسويته به في ماذا؟ في الحكم، إذًا عندك فرع وعندك أصل وعندك حكم، حتى يتم لك ويتسنى لك إلحاق هذا الفرع بذلك الأصل، عليك أن توجد علة مشتركة بينهما، عليك أن تكتشف العلة التي من أجلها جاء الحكم في الأصل وتتأكد من وجودها في الفرع، فكأنك تبني جسرًا بينهما يتسنى لك به تمرير الحكم من الأصل إلى الفرع.

في هذا المثال نظرت إلى البر، ستحاول أن تجد علة إن لم تكن منصوصة في الدليل، وهاهنا ليست منصوصة، فنظر الفقهاء في الحديث واجتهدوا في البحث عن العلة التي من أجلها جاء تحريم الربا في هذه الأنواع، فمن الفقهاء من قال: العلة هي الطعم كونه طعامًا، ومنهم من قال: بل هو الكيل والوزن، ومنهم من جمع فقال: لا بد أن يكون طعامًا مكيلًا، ومنهم من أضاف إليه شرط الاقتيات والادخار، أن يكون طعامًا من شأنه أن يكون قوت البلد ويمكن أن يدخر، على خلاف بينهم في تحديد العلة في هذا المثال تحديدًا.

فإذا أنا كنت ممن يرى أن العلة هي الطعم كونه طعامًا، فأنظر إلى الأرز فإذا هو طعام مثل البر، لا فرق بينهما، وإذا هو يستعمله الناس قوتًا لهم ويدخرونه وهو قوت الناس، فأرى أن الحكم الذي جاء في البر هو مناسب تمامًا لأن يوجد مثله في الأرز، وهذا هو القياس، والعلة الموجودة في البر التي من أجلها حُرم الربا هي موجودة في الأرز، وهي كونه طعامًا أو قوتًا أو مدخرًا أو طعامًا يكال، أيًا كانت العلة التي يبحث عنها الفقيه. فإذا أوجد العلة في الأصل ووجدها موجودة في الفرع، عدَّى الحكم إليه فتم له القياس. فهذه أركان أربعة لأي قياس يستعمله الفقهاء: أصل وفرع وحكم وعلة جامعة بينهما، وهو الذي تناوله تعريف إمام الحرمين رحمه الله، قال: وأما القياس فهو رد الفرع إلى الأصل في حكم بعلة تجمعهما. ما معنى رده؟ إلحاقه به، انظر ذكر الفرع وذكر الأصل وذكر العلة وذكر الحكم، هذه الأركان الأربعة هي التي يتناولها تعريف الأصوليين عادة للقياس. في تعريف أيسر من هذا ذكره ابن الحاجب رحمه الله وهو استقاه من تعريف الآمدي قال: مساواة فرع لأصل في علة حكمه؛ لأنه تساوى معه في العلة فساواه معه في الحكم، فذكر أيضًا الفرع والأصل والعلة والحكم في كلمات معدودة، يتفاوتون في التعريف ولا يهمنا الآن كثيرًا هنا إذا تم تصور هذا المصطلح وعرفت ما معنى القياس، فإننا لن نقف كثيرًا عند اختلافهم في التعريفات وما الذي يميز كل تعريف عن الآخر.

قال رحمه الله: وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه. قبل أن أذكر التقسيمات التي ذكرها، يمكن الإشارة إلى أن كثيرًا من الأمثلة التي تُضرب عادة في الأصول في باب القياس يُضرب المثال عادة بالنبيذ والخمر، وأن النبيذ حُرِّم قياسًا على الخمر، والخمر هو الأصل والنبيذ هو الفرع والحكم هو التحريم، والعلة هي الإسكار. يقول: الأصل هو الخمر حُرِّم من أجل كونه مسكرًا، العلة ذاتها وجدت في النبيذ، ولأنها موجودة في النبيذ فيُعطى النبيذ حكم الخمر فيصبح حرامًا مثله. هذا المثال على كثرة ضربه في كتب الأصول، عليك أن تعلم أنه مثال افتراضي تقريبي للشرح والتوضيح وليس مثالًا حقيقيًا، السبب أن النص تناول النبيذ بعمومه تارة وبالتنصيص على النبيذ تارة، لكنهم يضربونه مثالًا لطالب العلم حتى لا يتشعب به الأمر، ومثال واضح وفي متناول الجميع ويسهل فهمه فيوردونه، وإلا ليس مثالًا صحيحًا للقياس، ولا يمكن أن تقول إن الدليل في تحريم النبيذ هو القياس، لا، بل هو النص لقوله: «كل مسكر حرام»، هذا عموم، فإن كان المسكر خمرًا أو كان نبيذًا تناوله النص، فإذا هو محرم بالنص لا بالقياس. ومثله أيضًا لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام أبا موسى الأشعري إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها، فقال: وما هي؟ قال: البتع والمزر، فقال: «كل مسكر حرام»، والبتع والمزر هذه أنبذة، نبيذ التمر ونبيذ الشعير، فإذا تناولها النص فهو مثال افتراضي ويشكل على بعض طلبة العلم فيقول: كيف يضرب مثالًا وأنا أجد له نصًا؟ هو مثال للتوضيح ليس إلا، ومثال الأرز أولى بضرب المثال مع وضوحه أيضًا فهمه للناس وهو أقرب للتناول.

انقسام القياس إلى ثلاثة أقسام كما ذكره إمام الحرمين رحمه الله هو أحد تقسيمات القياس، وقيل لك: القياس كم نوع وإلى كم قسم ينقسم؟ سيكون سؤالك تقول: أقسام باعتبار ماذا؟ وهذا سؤال جيد. القياس ممكن أقول لك: القياس ينقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد، قولي القياس ينقسم إلى صحيح وفاسد هذا التقسيم باعتبار ماذا؟ باعتبار صحته وفساده. طيب، هذا التقسيم الذي أورده إمام الحرمين هو باعتبار ماذا؟ قياس علة وقياس دلالة وقياس شبه، باعتبار ماذا؟ وكل الأنواع حتى صحيح وفاسد أنواع، لكن ما ضابط التقسيم؟ باعتبار درجة تحقق العلة في القياس، وكل القياسات لا بد فيها من علة، لكن هذا التقسيم على كلٍّ ينبغي أن تعلم أيضًا أن تقسيمات الأصوليين للقياس كثيرة، وهذا واحد منها. إذًا هذا التقسيم للقياس باعتبار درجة تحقق العلة في القياس، نحن متفقون على أن العلة ركن، لكن العلة هذه تارة تكون قوية التي تستخدم في القياس فيسمى قياس علة، وتارة يضعف أثرها أو دورها في القياس فيسمى قياس دلالة، وأحيانًا ينعدم فيسمى قياس شبه، وسيأتيك المصنف رحمه الله بتعريف لكل واحد ونضرب له المثال.

قياس العلة: ما كانت العلة فيه موجبة للحكم. يقول: ما كانت العلة فيه موجبة للحكم. ما معنى موجبة؟ أنه من قوة ظهور العلة يتعين وجود الحكم. مثال: قال الله تعالى في حق الوالدين: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]، هذا نهي ودلالته تحريم، فيحرم التأفف في الوالدين ويحرم نهرهما بأي صورة، إذا كان هذا الحكم المنصوص في التأفف والانتهار والغلظة في التعامل، فما حكم ما هو أشد من ذلك؟ كالضرب، أجاركم الله، أو اللعن والشتم في حق الوالدين والعياذ بالله، ستقول إنه حرام ومن باب أولى. في صورة يسيرة جدًا لفهم القياس ستقول: هذا قسناه على التأفف؛ لأن التأفف الذي دل عليه الدليل بالتحريم صراحة وبالنص عليه كان لأي علة؟ لإيذاء الوالدين، فكل ما اشتمل من التصرفات على إيذاء للوالدين فهو حرام مثله. لاحظ هاهنا العلة موجبة، لم؟ لأنها موجودة وبصورة أوضح وأكد في الفرع الذي نتكلم عنه وهو اللعن أو الشتم أو الضرب، تحقق الإيذاء فيه أشد من التأفف، فهذا مثال لقياس علة، أن العلة هاهنا الموجودة في الأصل هي موجودة بصورة واضحة وأقوى منها في الفرع، هذا يسمونه قياس علة.

وقياس الدلالة هو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخرين. نأخذ مثالًا آخر لقياس العلة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]، هذا الوعيد في أكل أموال اليتامى جاء في أكل أموالهم، فما حكم من أتلف أموال اليتيم ولم يأكلها؟ طبعًا المقصود بالأكل هاهنا الاستفادة وعبر بالأكل لأنه غالب أوجه الانتفاع، فلو أخذ مال اليتيم واشترى به عقارًا يقول: ما أكلته، يُشترى به متاعًا وأثاثًا ومركوبات ومزارع وقال: ما أكلته، عبر بالأكل هاهنا لأنه غالب وجوه الانتفاع، لكن السؤال هاهنا ماذا لو أتلفه عمدًا ما أكله؟ ما انتفع به أصلًا، أخذه فألفه أفسد ماله، سلط عليه لصًا أو أحرقه أو تركه يضيع يُنتهب تعمدًا، هل أكله؟

ما حكم تعمد إتلاف مال اليتيم؟ من أين قلت إنه حرام؟ قسته على الأكل. ما العلة الجامعة؟ هو إضاعة حق اليتيم، وهذا متحقق سواء بالأكل أو بالإتلاف. فمثل هذا لا يختلف فيه فقيهان، ولن يقف أحد ويتردد ويقول لا، الدليل نص على كذا والأصول الثانية لا بأس بها ولم يدل الدليل على تحريمها. فهذا هو ما يسمونه قياس علة.

أما قياس الدلالة فهو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر، وهو أن تكون العلة دالة على الحكم ولا تكون موجبة للحكم، وهذه درجة ثانية. قال أن تكون العلة دالة على الحكم ولا تكون موجبة، يعني هي أضعف من العلة في النوع الأول. العلة تكون دالة، أي غاية ما فيها أن تكون دليلاً، وما معنى دليلاً؟ يقول فيها إشارة يمكن أن تعلق الحكم عليها ويمكن أن تناقش أيضاً؛ فهي ليست مسلمة، فهي ليست موجبة للحكم بل هي دليل عليه، إذاً فيها إشارة إلى الحكم بصورة أضعف من المثال الأول.

يقول اختلف الفقهاء في وجوب الزكاة في مال الصغير كأن يموت أبوه ويترك له مالاً وهو يتيم، هل تجب الزكاة في ماله؟ من يرى أن الصبي غير بالغ ومن يرى تعلق وجوب الزكاة في الذمة يرى أن ذمة الصبي ليست محل تكليف فلا يوجب الزكاة فيه، ومن يقول الزكاة واجبة في عين المال وهي حق لله تعالى بغض النظر عن مالكه يوجب الزكاة في مال الصبيان. والمسألة بالجملة محل خلاف بين الفقهاء. لكن تعال معي في هذه الطريقة في الاستدلال؛ من يقول إن الزكاة واجبة في مال الصبي أتى بجملة من الأدلة، واحد منها القياس فقال لك كالتالي: الزكاة واجبة في مال الصبي. ما الدليل؟ قال القياس؛ قسته على مال البالغ، ما العلة؟ قال كلاهما مال يتحقق فيه النماء والكثرة. ونظر إلى أن نماء المال الذي وجبت من أجله الزكاة في مال الكبير البالغ موجود في مال الصبي فقاسه عليه. هل هذه الدرجة في تحقق العلية واقتضائها للحكم هي في درجة تحريم التأفيف للوالدين؟ أنتم أدركتم الآن بداهة من البداية أنها ليست في درجتها. إذاً هي درجة أنزل، بمعنى أنه يمكن أن يخالف فيه المخالف، ويمكن أن يبدي وجهاً آخر لا يسلم بهذا القياس أو يعترض عليه بوجوه من الاعتراض، هذا يسمونه قياس دلالة، وهي أنزل درجة من قياس العلة.

قياس الشبه هو الفرع المتردد بين أصلين، ولا يصار إليه مع إمكان ما قبله. قياس الشبه لا وجود للعلة فيه، شوف كيف ترقينا من علة مقتضية للحكم، نزلنا درجة ثانية لعلة تدل على الحكم ولا تقتضيه، الدرجة الثالثة لا علة فيها. طيب كيف لا يوجد علة ثم قسنا ونحن نكون من أركان القياس وجود العلة؟ يقول هذا يسمونه قياس شبه؛ أن يتردد الفرع بين أصلين، فيكون عندك مسألة فلما تبحث عن أصل لتلحقه به يتردد بين فرعين له شبه بكل واحد منهما، له شبه وليست علة مشتركة. ما نقصد بالشبه؟ الشبه الظاهري في الصورة والشكل إلى حد كبير، ولا توجد علة يبنى عليها الحكم، ولهذا قياس الشبه أضعف أنواع الأقيسة عند الأصوليين، ولهذا قال إمام الحرمين كما في بعض الطبعات عندكم ولا يصار إليه، يعني مهما وجدت علة ما يصلح أن تعود على قياس الشبه، بل إذا استعمل الفقيه قياس الشبه في مسألة وله فيها مخالف، أول جواب يقال عنه أن هذا قياس شبه، وهو ضعيف يعني لا يكاد يتماسك دليلاً يقوى في محل الخلاف بين الفقهاء.

أشهر الأمثلة التي يضربونها في قياس الشبه مسألة العبد إذا جنى أو أتلف مالاً لغيره، فهل يضمن أو في رقبته؟ بمعنى أن العبد إذا جنى فهل يلحق بالحر فيضمن قيمة ما أتلف، وبالتالي يتحمل سيده في تضمينه كما لو جنى الحر كما لو جنى ابنه؟ أو هو يلحق بالبهيمة وسائر الأمتعة فتكون الجناية في رقبته بمعنى أنه يباع، ويكون ليس محلاً لتنزيل حكم الضمان؟ الخلاف هذا يتنزل في منزلة العبد، هل يلحق بالحر أو يلحق بالبهيمة؟ يعني لو أن إنساناً عنده عبد وعنده صبي صغير وعنده بهيمة "شاة"، فإذا أتلف الشاة شيئاً لأموال الجيران أو أتلف ابنه الصغير أو أتلف العبد، فكل واحدة لها مسألتها وحكمها. إلحاق العبد بالبهيمة له شبه، وإلحاقه بالحر له شبه؛ إلحاقه بالحر كونه آدمياً ويتعلق به شيء من التكليف وليس كل التكاليف، وإلحاقه بالبهيمة له شبه وهو أنه مال يباع ويشترى ويوهب ويملك إرثاً ونحوه، ومال ينتقل بالبيع وبغيره من صور التملك الشرعي. فلما ينظر الفقيه فإذا بالعبد يتردد بين أصلين وله شبه بكل واحد، فماذا يصنع؟ يلحقه بأكثرهما شبهاً، فيأتي الفقيه ويقول أنا أرى أن شبهه بالمال يعني بالبهيمة أو سائر أنواع الأموال هو أكثر شبهاً ويعدد وجوه الشبه واحد اثنين ثلاثة أربعة، فإذا رآه أكثر شبهاً به أعطاه حكمه وقال هو يباع ويورث ويوقف ويتملك هبة وتضمن أجزاؤه بالنقص من قيمته ونحو هذا، بخلاف الحر ولا يشبهه إلا في الآدمية وفي بعض صور التكليف، هذا مثال لقياس الشبه.

قبل أن ننتقل للشروط التي سيذكرها المصنف الآن رحمه الله، سأقف هنا وقفتين: الأولى، قياس الشبه فيه خلاف كبير بين الأصوليين في تعريفه وفي الأمثلة له وفي الدلالة عليه، خلاف في المصطلح نفسه، ولهذا لا يشكل عليك لو فتحت بعض كتب الأصول أو وجدت لبعض الأصوليين تعريفاً آخر لقياس الشبه غير هذا، فهذا وارد ومحل خلاف. التنبيه الثاني، أن هذا التقسيم وهذا التنويع علة ودلالة وشبه بهذه التعريفات التي ساقها إمام الحرمين رحمه الله أيضاً أمر اصطلاحي، ويتفاوتون في تعريفاته، يعني جرى كثير من المتأخرين -ابن الحاجب والآمدي ومن بعدهم- على تقسيمات العلة والدلالة بغير التعريف الذي أورده إمام الحرمين هنا، وأنا سأورد فقط لأبين لك أوجه الخلاف. يعني هم يقولون قياس العلة ما جمع فيه بين الأصل والفرع بالعلة، لا يقسمونه بدرجة قوة العلة لا، يقولون قياس العلة ما كان الجامع بين الأصل والفرع هو العلة، وقياس الدلالة لا يجمع فيه بالعلة بل بما يلازم العلة بأثرها أو بوصفها، ولهذا يقولون قياس دلالة ليست العلة موجودة.

يضربون له مثالاً يقول مثلاً أنا لما أتكلم عن تحريم الخمر وأقيس عليه النبيذ، ما العلة الجامعة المشتركة بينهما؟ إذا قلت الإسكار هذا قياس علة لأنك تتحدث عن العلة، لكن هو يقول لك أنا أتحدث عن وجه آخر لهذا القياس وهو أن الخمر والنبيذ كلاهما سائل وشراب يشتركان في صورة من الصور بينهما شبه؛ ما هو؟ قال هو سائل يقذف الزبد مع الإسكار يعني له رغوة، وتخمره يسبب له فوراناً. هذا الوصف ليس هو العلة، هو أثر من العلة، بمعنى أنه لو وجد شراباً آخر يسكر وليست فيه هذه الأوصاف لا يعطيه حكمه، وإذا وجد سائلاً آخر فيه الفوران وفيه الرغوة ولا يسكر لا يعطيه حكمه مثلاً، فهذا وصف فيه أثر العلة وليست العلة، ويسمونه قياس دلالة. النوع الآخر يسمونه قياس في معنى الأصل، وهذا القسم لم يرده المصنف رحمه الله. قياس في معنى الأصل لا يبحث عن علة بل ينفي الفارق، هذا قياس بالعكس، يعني لما يريدوا أن يلحقوا فرعاً بأصل لا يبحث عن علة مشتركة بينهما، يكتفي بنفي الفارق ويسمونه أحياناً قياس نفي الفارق أو قياس لا فارق، يعني بمجرد أن يثبت أنه لا فرق بين الفرع والأصل وينفي أي وجه من الاختلاف والفرقة تم له القياس. على كلٍ هي مصطلحات، وإنما أشرت إليها لأنه قد يقف بعضكم على تقسيم آخر للقياس وعلى مصطلحات أخرى، فالباب في هذا متسع، يهمك فقط أن تضبط أركان القياس وعند التطبيق تعرف الشروط التي سيذكرها المصنف. نعم.