دخولتسجيل الدخول

أفعال النبي صلى الله عليه وسلم

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

فعل صاحب الشريعة لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة والطاعة أو غير ذلك. فإن دل دليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص، وإن لم يدل لا يختص به، لأن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].

هذا باب جديد؛ أفعال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو نوع أيضا من فهم النصوص والدلالات في الألفاظ. إذاً، كل الذي تقدم كان فهماً للأقوال؛ أمر، نهي، عام، خاص، مطلق، مقيد، مجمل، مبين، ظاهر، مؤول. كل تلك التقسيمات لماذا؟ تقسيمات لأي شيء؟ تقسيمات للألفاظ للأقوال. ماشي، لكن عندنا نوع آخر في السنة ليس أقوالاً بل هو أفعال. الأفعال هذه من نقلها ومن رواها؟ الصحابة رضي الله عنهم. هل تحفظ مثالا لذلك؟ حديث ليس فيه قول، فيه فعل، هل تحفظ مثالا لذلك؟

كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي تكفؤا. سها فسجد عليه الصلاة والسلام. كان إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». صفة وضوئه؛ ما قال شيء، لكن الصحابة قال: فأخذ الإناء فأكفأ بيديه على إنائه فغسلهما ثلاثا إلى آخر الحديث. هذا كثير جدا، كان الصحابة يرصدون أفعاله عليه الصلاة والسلام فينقلونها للأمة.

سؤال: هل هذا النوع من النصوص في السنة كثير أو قليل حكاية الأفعال؟ كثير جدا، ليست بأقل من الأقوال، كثيرة جدا، ولهذا صرنا بحاجة إلى العناية بهذا النوع من الأدلة أيضا، واحتاج الأصوليون إلى ضبط هذه المسائل أيضا بقواعد.

قال لك: فعل صاحب الشريعة، يعني النبي عليه الصلاة والسلام، لا يخلو الآن، هذا تقسيم؛ إما أن يكون على وجه القربة والطاعة، القسم الآخر ماذا سيكون؟ أو لا يكون على وجه القربة والطاعة. وآخر هذا القسم لأنه فرع الأول، فتابع معي التقسيم: إما أن يكون على وجه القربة والطاعة أو لا يكون. فإن كان على وجه القربة والطاعة ينقسم إلى قسمين: أما أن يدل دليل على الاختصاص به، أو لا يدل دليل على الاختصاص به.

من يعيد لي هذا التقسيم؟ تقسيم فعل النبي عليه الصلاة والسلام؛ إما أن يكون على وجه القربى والطاعة، واما أن لا يكون على وجه القربى والطاعة. طيب، الذي على وجه القربة والطاعة أما أن يكون خاصا به صلى الله عليه وسلم ويدل على ذلك دليل، أو لا يكون خاصا به صلى الله عليه وسلم. فكم نوعا حصل؟

الثاني كم نوع؟ ما تقسم، كم نوع صرنا فيه؟ ثلاثة؛ أما أن يكون فعلا يدل على فعل طاعة وقربى وهو خاص به عليه الصلاة والسلام، هذا واحد. أو يكون فعلا يدل على القربة والطاعة وهو ليس خاصا به صلى الله عليه وسلم. أو يكون فعلا غير دال على وجه القربى والطاعة، فعل من أفعال العادة. هذه ثلاثة أقسام، سيعطي لكل واحدة من الصور الثلاث حكما خاصا بها.

قال: فعل صاحب الشريعة لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة والطاعة. هذا النوع الأول الذي سينقسم إلى صورتين. فإن دل دليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص. مثل ماذا؟ مثل وصاله صلى الله عليه وسلم في الصيام. ما معنى الوصال؟ مواصلة الليل بالنهار في الصيام. ونهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل يا رسول الله! قال: «إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني».

ماذا وجدنا الآن؟ وجدنا دليلا يدل على الاختصاص. فلو قال راوي: واصل النبي عليه الصلاة والسلام، وجدنا دليلا يحكي أنه كان يواصل الصيام، لن نقتدي به في هذا، لما وجدنا دليلا خاصا به. نكاحه عليه الصلاة والسلام أكثر من أربع، لا يقتدى به لأن هذا خاص به عليه الصلاة والسلام. لكن حتى تحمل الدليل على الخصوصية به ماذا تحتاج؟ نحتاج دليلا على تخصيصه، ليش؟ لأنه خلاف الأصل. ما الأصل؟ أن أي فعل يصدر عنه صلى الله عليه وسلم فهو تشريع للأمة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. الأصل في أفعاله الخصوصية أو التشريع؟ التشريع.

فمتى وجدنا دليلا قلنا: هو خاص به صلى الله عليه وسلم، يحتاج إلى ماذا؟ نحتاج إلى دليل. ولهذا لما يختلف الفقهاء في بعض المسائل فيزعمون في بعض الأدلة ما يجدون جوابا، فيقول: لا هذا خاص به صلى الله عليه وسلم. إذا جئت إلى هذا الجواب عليك أن تأتي بدليل.

مثال: نهيه عليه الصلاة والسلام عن استقبال القبلة بغائط أو بول، مع حكاية ابن عمر أنه رآه يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة. أحد الاجابات عن هذا الدليل عند بعض الفقهاء: الخصوصية، هذا خاص به صلى الله عليه وسلم، يعني يجوز له ولا يجوز لغيره. هذا الجواب يعتبر جوابا ضعيفا، لم؟ ما في دليل على الخصوصية.

إذاً، هذا المسلك، لما يأتي فقيه إلى أي حكم في أي نص ويحاول أن يحمل الدليل على الخصوصية، يحتاج دليلا وإلا كان مسلكا ضعيفا. ثم ها هنا، لما أقرأ مثل هذا الجواب، سأستبعده وأعتبر غيره؛ أن الإجابات أقوى لأنه ما في دليل يدل على الخصوصية. كذلك بعض أفعال الحج لما ينقل فعله عليه الصلاة والسلام في بعض الأشياء في بعض الأعمال في الحج، بل إنه فعل، فإن هذا لا يدل على الخصوصية إلا بدليل.

قال: فإن دل دليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص، وإن لم يدل لا يختص به لأن الله قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].

قبل أن ننتقل الآن إلى القسم الثاني الذي لا يحمل على القربى، سنتكلم قليلا عند هذا النوع من الأفعال الذي لا يختص به عليه الصلاة والسلام، وهو على وجه القربى والعادة. قلنا ما حكمه؟ تشريع للأمة، ممتاز. كلمة تشريع هذي عامة؛ سؤال: فعله صلى الله عليه وسلم في هذا النوع من الأفعال هل يدل على الوجوب أم الاستحباب أم الإباحة؟

هذا مهم وفيه تطبيقات كثيرة، يعني بمجرد أن تسمع الصحابي يقول: فعل صلى الله عليه وسلم كذا، والباب باب عبادات. سؤال: هل تحمل هذا على الوجوب؟ ما في قول في فعل، حكاية فعل. ها هنا مذاهب سيحكيها إمام الحرمين رحمه الله.

وإن لم يدل لا يختص به، لأن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا. ومن بعض أصحابنا من قال: يحمل على الندب. ومنهم من قال: يتوقف عنه.

كم قولا ذكر في المسألة؟ ثلاثة، وثمة رابع هو القول بالإباحة. أربعة مذاهب؛ هل يحمل قوله فعفوا هل يحمل فعله على الوجوب، على الاستحباب والندب، أم على الإباحة؟ وهناك من توقف فيه؛ من توقف يعني لم يختر قولا من هذه الأقوال، واحتاج أن ينظر في دليل آخر. والمسألة محل خلاف كبير بين الفقهاء.

وهناك قول يخرج به من هذا الإشكال وهو أن فعله صلى الله عليه وسلم إن كان بيانا لشيء من أقواله فإن ذلك يحمل على حكم ذلك القول. وطبعا، ومن أشهر تطبيقات مثل هذه المسألة أفعاله عليه الصلاة والسلام في الحج، هذه مسألة مهمة؛ كل شيء فعله في الحج هل هو واجب؟ إذا قلت لا، ما الضابط؟

لماذا تقول إن رمي الجمرات واجب والمبيت في منى يوم ثامنة سنة؟ لماذا قلت إن المبيت في منى ثامنة سنة وأيام التشريق واجب، والحنفية يعكسون؟ لماذا تقول المبيت في مزدلفة ليلة العيد واجب، الظاهرية يقولون ركن؟ ما ضابط هذا؟ هذا محل خلاف كبير الحقيقة بين الفقهاء وبابه كبير وواسع، وتفصيلات المسألة أيضا فيها لا يسعفك فيها أن تضطرد فيها على قاعدة واحدة.

أفعاله صلى الله عليه وسلم لها دلالة، لكن تارة تكون الدلالة هي الوجوب، وتارة تكون الدلالة هي الاستحباب. فعندئذ تحتاج إلى مؤازرة هذه الدلالة بغيرها من النصوص الشرعية. الإمام الجويني رحمه الله أورد رؤوس الأقوال في المسألة، وعلى طريقتنا في شرح المختصرات أنه نفيض ولن نستطرد في ذكر أدلتها والترجيح بيننا لأن هذا سيخرجنا عن القصد فيه. نعم.

وإن كان على وجه غير القربة والطاعة فيحمل على الإباحة في حقه وحقنا. هذا القسم الثاني اللي من بداية التقسيم قلنا: إما على وجه القربى وإما.. ايش يعني على غير وجه القربى والطاعة؟ أفعال العادات. مثل ماذا؟ أكله وشربه صلى الله عليه وسلم، يعني أكله باليمين مثلا وتنفسه ثلاثا في الشراب، لا، نوع الأكل ماذا كان يأكل؟ ماذا كان يحب؟ كان يحب الحلو البارد، كان عليه الصلاة والسلام يعجبه كذا، كان يحب الدباء، هذا الذي نقصده. نومه؛ على ماذا كان ينام؟ على حصير، على فراش، على وسادة، هذه التي نقصدها في أفعال العادات. لباسه؛ يلبس إزارا ورداء، يلبس حلة حمراء، يلبس العمامة، يلبس الخاتم، هذه التي نقصدها بأفعال العادات، ليست على وجه القربة والطاعة، فيحمل في حقه وحقنا.

فيحمل على الإباحة في حقه وفي حقنا؛ في حقه لأنها أفعال عاداته عليه الصلاة والسلام ويففعُل ما أبيح له، وفي حقنا سيكون استفادتنا في الحكم من ذلك الفعل حكم.. يعني لما ثبت عندنا أنه كان يلبس كذا ويأكل كذا ويشرب كذا، ما حكم هذا الأكل وهذا الشرب وذلك اللباس وذلك الركوب وذلك.. ما حكمه؟ مباح. كل فعل ينسب إليه صلى الله عليه وسلم على غير وجه القربة والطاعة، الحكم المستفاد منه في حقنا ما هو؟ الإباحة.

ما حكم ركوب البغلة؟ ما حكم اتخاذ الفرس؟ ما حكم استعمال كذا؟ ما حكم أكل كذا؟ ما حكم شرب كذا؟ ما حكم لبس الخاتم؟ ما حكم لبس العمامة؟ هذه العادات هي التي يقال فيها: يستفاد منها حكم الإباحة.

تبقى هنا يعني من المهمات التنبيه على مسألتين؛ المسألة الأولى: الأفعال التي يفعلها صلى الله عليه وسلم وقلنا يستفاد منها الإباحة، وقلنا يستفاد منها الإباحة هي الأفعال كما قلت التي تأتي على غير وجه التعبد. خلاف الفقهاء ليس هنا، خلاف الفقهاء في بعض الأفعال هو هل تندرج في قسم العادات أو تندرج في قسم القربات والطاعات؟ مفهوم. من قال أنها عبادة سيعطيها الاستحباب أو الوجوب، ومن قال هي عادات سيعطيها حكم الإباحة.

خذ مثالا؛ كان عليه الصلاة والسلام إذا انتهى من قيام الليل وصلى سنة الفجر، اضطجع اضطجاعة خفيفة قبل صلاة الفجر. ما حكم هذا الاضطجاع؟ هل هو تدخل في حكم العبادات؟ يعني هو متصل بصلاته، القيام والوتر وسنة الفجر والفجر بعدها، فتقول هو متصل بالعبادة. تقول: من صلى سنة الفجر يضطجع بعدها، هذا من السنن؟ هل هذا سنة؟ أو تقول هو مباح؟ مباح.

لكن شيخ الإسلام رحمه الله له يعني لفتة لطيفة، يقول: من استن به في طريقتي في قيام الليل سن له أن يضطجع هذه الاضطجاعة. يعني من كان مثله يقوم آخر الليل ويصلي إحدى عشرة ركعة ويوتر ثم يدركه الفجر ويصلي السنة، من السنة في حق هذا أن يضطجع اضطجاعة خفيفة قبل قيامه للفجر. لكن واحد نايم لين الفجر ويا الله اقهر وصلى السنة، بيضطجع يطبق سنة قبل لا يقوم لصلاة الفجر، هذا لا يقال أنه سنة أبدا، هذا خلاف.

لبس العمامة، هل هو من قبيل العادات تقول هو مباح، أو تقول هو من السنن الآداب التي هي لباس المسلم وهيئته فتدخل في السنن؟ لبس الخاتم؛ هذا وقع فيه خلاف بين الفقهاء؛ هل هذه السنن يستحب فعلها أو هي مباحات؟ الخلاف هنا ليس في القاعدة، الخلاف في ماذا؟ في تصنيف الأفعال؛ هل هي عبادات أو عادات؟ فإذا قلت أنها عبادات نزلتها على النوع الأول، وإذا قلت أنها عادات نزلتها على النوع الثاني.

التنبيه الآخر وهو مهم؛ إذا اتفقنا أن فعلا من الأفعال ليس من العبادات بل هو من العادات، فما حكمه؟ الإباحة، ما حكمها الشرعي؟ ثواب عقاب؟ يستوي الطرفان، لا ثواب ولا عقاب في فعله ولا في تركه. فلو جاء مسلم وقال: أقتدي في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس العمامة واتخذ الخاتم ولبس شيئا وأكل شيئا وبدأ يقتدي به عليه الصلاة والسلام في أفعال العادات، فقهيا ستقول: هذه مباحات لا ثواب فيها، لأنه ما فعل سنة، فعل أمرا مباحا فقهيا، هكذا يقال.

لكن إذا كنت تسأل هل لصاحبه ثواب وهل يجزئه ذلك؟ يعني أنس يقول: حضرت طعاما قدم بين يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، فرأيته يتتبع الدباء من حول الصحفة، فما زلت أحب الدباء من يومئذ. اقرأ في شمائلي وفي سيره فتقف على أشياء: كان يعجبه الحلو البارد، كان يعجبه من الشراب كذا، كان يأكل كذا. فأصبحت تحاول أن تفعل هذا في حياتك حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبة في التشبه به في سائر شؤونك وفي حياتك عامة. هل يسعك أن تقول هذا انسان خارج الأجر والثواب ولا يفعل إلا مباحات ولا علاقة أبدا؟

إذا كان الدافع هو المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة الكاملة؛ يعني لما جاء للعبادات الرجل استوفاها طبق السنن مجتهد في السنن العبادات في الصلاة في الصيام في الطهارة حريص على أن يطبق كل سنة يتعلمها، لما جاء إلى هذا الباب انطلق فيه يحاول أن كل شيء ثبت عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطبقه، مثل هذا ستقول له: هنيئا لك، ليس أجر هذه الأفعال بل ما هو أعظم من ذلك، شيء يتعلق بالإيمان، هو الإيمان الصادق، هو الحب التام والطاعة التي لا حدود لها.

على هذا يتنزل فعل السلف. ابن عمر رضي الله عنهما، يقول مولاه نافع كما ذكره الذهبي في السير: يقول لو رأيت إلى ابن عمر في تتبعه لسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه لقلت هذا مجنون. هكذا يقول مولاه نافع. تقول: هذا مجنون.

في شدة تحريه واتباعه، إذا هو كان يتجاوز سنن العبادات إلى أفعال إلى هيئات إلى أوصاف. على هذا يتنزل فعل أحمد رحمه الله لما اشترى جارية وسماها ريحانة، يقول: وليس له حاجة إلى التسري، إنما أراد أن يتشبه أن تكون عنده جارية واسمها على اسم جارية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ناداها قال يا ريحانة. يحب أن يكون في حياته ولو يوما يشبه فيه النبي عليه الصلاة والسلام أن نادية جارية يملكها تسمى ريحانة. هذا مبلغ آخر بعيد يا إخوة، كبير أكبر من مسألتنا التي نتكلم عنها؛ مباح أو سنة أو واجب. هذا مسلك بعيد ارتقى إليه سادات السلف.

والإمام أحمد أيضا رحمه الله لما احتجم ذات يوم فأعطى الحجام دينارا، فقيل له: هذا كثير يا أبا عبد الله! قالوا: روينا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه احتجم وأعطى أبا طيبة الحجام دينارا. يحب أن يقتدي ولو مرة في حياته في موقف من المواقف ثبت عنده أن يتشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم. القصة الأعجب لما اختبأ بكر بن هاني في قصة القول بمحنة الخلق بخلق القرآن، مختبأ عنده ثلاثة أيام، قال: ابغني مكانا آخر أنتقل إليه. قال: أين تذهب الآن؟ الطلب الشديد والرصد متتابع، يعني لا يسعك الخروج. قال: إن فعلت أفدتك. فبحث له عن موضع آخر، فلما انتقل إليه قال: الفائدة يا أبا عبد الله؟ قال: تذكرت أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما اختبأ في غار الثور في الهجرة كمل ثلاثة أيام ثم انتقل، أحببت أن أفعله مثله.

هذا الموضع الذي تفكر فيه تلك العقول، حتى في ساعات الحرج والشدة والكرب، أن يشبه في فعله فعل النبي عليه الصلاة والسلام. هذه ليست سنة على المصطلح الفقهي بالعبادات، ليست سنة، لكنها مسلك آخر أشرف من هذا وأكبر. ثم قال عبارة رائعة رحمه الله نقلها الذهبي وغيره، قال: وليس ينبغي أن تتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرخاء وتترك في الشدة. لهذا باب كبير للسلف في العناية بالسنة وتطبيقها، رحمة الله عليه.

بسم الله الرحمن الرحيم. واقرار صاحب الشريعة للقول هو قول صاحب الشريعة، واقراره على الفعل كفعله. هذه مسألة جديدة هي مسألة الإقرار. إقراره صلى الله عليه وسلم على القول ينزل منزلة قوله، واقراره على الفعل ينزل منزلة فعله. والادق من هذا أن تقول: إقراره صلى الله عليه وسلم على قول يقع بين يديه أو على فعل يقع بين يديه يدل على المشروعية. وأمثلة هذا كثيرة. أقر عليه الصلاة والسلام أبا بكر بقوله باعطاء سلب القتيل لقاتله. أقر عليه الصلاة والسلام أكل لحم الضب وأكل بين يديه. أقر عليه الصلاة والسلام الرجل الذي كان يقرأ ويؤم في الصلاة فيختم بقل هو الله أحد. إقراراته عليه الصلاة والسلام هي بمثابة الفعل الصادر عنه الذي يدل على الجواز.

وما فعل في وقته في غير مجلسه وعلم به ولم ينكره فحكمه حكم ما فعل في مجلسه. هذه مسألة أخرى؛ ما فعل في وقته في غير مجلسه وعلم به ولم ينكره. إذا علمه بوقوع شيء وإقراره عليه كأنه فعل بحضرته. ما فعل في وقته صلى الله عليه وسلم في غير مجلسه وعلم به بهذا القيد، ولم ينكره، فحكمه حكم ما فعل في مجلسه. ولها قصة في حلف أبي بكر رضي الله عنه مع أضيافه. لما خرج فترك ابنه عبد الرحمن وأمره أن يضيفهم، فقال الضيوف: لا نأكل حتى يأتي صاحب البيت، وأقسموا على ذلك. فجاء أبو بكر فغضب لما رآهم لم يأكلوا وسألهم: ما منعكم؟ قالوا: ننتظر. قال: والله لا أكلت طعاما الليلة. فقالوا: والله لا نأكل حتى تأكل. فأقسم وأقسموا، ثم قال: والله ما رأيت شرا كالليلة! فمد يده فأكل وأكلوا. فأتى يستفتي النبي عليه الصلاة والسلام فيما حصل، وخاف أن يكون بذلك حانثا. فقال: يا رسول الله، بروا وحدثت، يعني حلفوا ومشت يمينهم وأنا حلفت وخالفت. فقال: بل أنت أبرهم وخيرهم، عليه الصلاة والسلام. فدل هذا الفعل على جوازه لما أقره عليه الصلاة والسلام على ما كان منه.

هذا القيد الذي قال فيه المصنف رحمه الله: ما فعل في وقته في غير مجلسه وعلم به ولم ينكره، مسألة في غاية الأهمية لنوع آخر وقع فيه خلاف الفقهاء، ما ذكره المصنف. ما حكم الأفعال التي تفعل في عهده صلى الله عليه وسلم في غير مجلسه ولم يثبت عندنا أنه علم بها؟ هل مجرد وقوع الفعل في زمن النبوة كاف، أو لابد من ثبوت أنه علم به؟ المسألة واضحة؛ هل مجرد وقوع الفعل في زمن النبوة، مجرد الوقوع كاف؟ اختلف الفقهاء في مسائل، فقال: هل هذا دليل، عليه دليل، ثم يستدل؟ كنا نفعل كذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. إن لم يرد في الدليل؛ غزونا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام سبع سنوات نأكل فيها الجراد، يحكي أنهم كانوا يفعلون. نحرنا فرسا على عهد رسول الله فأكلناه صلى الله عليه وسلم، لما يحكي الصحابة أنهم فعلوا شيئا، إن لم يكن هناك دليل على أنه علم بهذا الفعل، فإن ها هنا يتوقف الفقهاء.

واختلفوا على قولين؛ فمنهم من قال: مجرد وقوع الفعل في زمن النبوة كاف، والإقرار سيكون إقرار الله، لأنه لو كان هناك شيء غير جائز لنزل الوحي. وهذا القول ليس قويا، بدليل تطبيق الصحابة في خلافة عمر لما سأل عن الإكسال؛ مجامعة الرجل أهله من غير إنزال، حكى بعض الأنصار أنهم كانوا يفعلون ذلك. فكان سؤال عمر: شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم؟ فوقف عند المسألة؛ هل عندكم دليل حتى يكون إقرارا أحتج به؟ ولعل هذا هو الأقرب أنه يستدل لذلك.

ولهذا ثمرة فقهية لطيفة؛ هل يجوز إمامة الصبي في الفرض دون البلوغ؟ يستدل فيها بحديث عمرو بن سلمة لما كان يؤم قومه وهو صبي صغير. يستدل الحنابلة على الرواية الظاهرة في المذهب بالجواز بهذا الحديث. الجمهور الذين لا يرون الجواز يقولون: هذا ليس دليلا صريحا، أن غاية ما فيه أنهم فعلوا، لكن هل هناك دليل على علم النبي عليه الصلاة والسلام بهذه المسألة؟ هنا يبقى محل نقاش، وهي تضعف دلالة الإقرار في هذا النوع من الأدلة. ويدل على قول الجمهور أو يؤكد قولهم رواية الراوي في الحديث أنه ربما صلى فانكشف جزء من عورته، فتقول المرأة وقد مروا بهم: غطوا است إمامكم! هذا يدلك على أنه شيء لم يعلمه عليه الصلاة والسلام إلى الحد الذي يفتقد فيه الإمام بعض شروط صحة الصلاة، وهو ستر العورة. على كل، فالمسألة هذه تجاوزها المصنف رحمه الله بالقيد الذي ذكره: ما فعل في وقته في غير مجلسه وعلم به. فهذا القيد هو محل اتفاق بين العلماء.