دخولتسجيل الدخول

باب النسخ

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

أما النسخ فمعناه الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، أي أزالته. وقيل معناه النقل، من قولهم: نسخت ما في هذا الكتاب، أي نقلتُه.

هذا التعريف اللغوي؛ إما أن يُعرف النسخ بالإزالة، أو يُعرف بالنقل، وكلاهما معنى لغوي صحيح. وأما حده اصطلاحاً؛ فهو الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثاتباً مع تراخيه عنه. وهذا من أطول تعريفات النسخ، واشتغل بها المتقدمون الأصوليون؛ الإامم الجويني وأبو الحسين البصري ثم الرازي والآمدي من بعد، وهو طويل وفيه إشكالات وجمل أحياناً قد لا تكون واضحة، لكن أشرح لك ما قاله: الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه.

نضرب مثالاً؛ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: 240]، كانت عدة المرأة سنة، ثم نسخ هذا بقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]. هيا ركز، الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت؛ إذاً قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ دل على ماذا؟ على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم، اللي هو متاعاً إلى الحول غير إخراج، على وجه لولاه لكان ثابتاً؛ لو لم يرد ذلك الدليل لكان الأول ثابتاً، قال: مع تراخيه عنه، يشترط في النسخ أن يكون الناسخ متراخياً، ليش؟

طيب، لو كان معه في نفس النص، ماذا يكون؟ يكون تخصيصاً أحسنت. لو كان معه في نفس النص لكان تخصيصاً، لكن لما تأخر وجاء بعده فإنه يكون نسخاً. والأسهل من هذا أن تقول: رفع الحكم الثابت بخطاب شرعي متراخ عنه. قول المصنف في تعريف النسخ: الخطاب الدال؛ إيش أقصد بالخطاب؟ النص، الدليل، من الكتاب والسنة. سؤال: هل الدليل نسخ أو ناسخ؟ ركز، الخطاب الدال هل هو الناسخ أم هو تعريف النسخ؟ الناسخ يا أخي. إذاً المصنف رحمه الله حد النسخ بالناسخ، فلو أردت أن أذكر تعريف النسخ ماذا سأقول؟ رفع الحكم الثابت، تحذف الخطاب الدال، لأن الخطاب ليس هو النسخ، هو الناسخ الذي حصل به النسخ. نعم.

ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم، ونسخ الحكم وبقاء الرسم، والنسخ إلى بدل وإلى غير بدل، وإلى ما هو أغلظ وإلى ما هو أخف. جميل، هذه صور للنسخ؛ نسخ الرسم وبقاء الحكم، إيش المقصود بالرسم؟ كتابة النص الآية، يعني نسخ الرسم وبقاء الحكم مثل رجم المحصن في الزنا: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله، الحكم باقي وهو الرجم لكنه نسخ من التلاوة.

ومنه النوع الثاني؛ نسخ الحكم وبقاء الرسم، بقاء الآية ونسخ حكمها مثل الآية التي ذكرناها قبل قليل: متاعاً إلى الحول غير إخراج، عدة المرأة سنة، هذا نسخ. ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: 52]، نسخ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: 50].

وقد ينسخان معاً؛ لا تلاوة ولا حكماً، لا رسماً ولا حكماً، مثل قول عائشة في صحيح مسلم: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات. إذاً كان هذا في القرآن بنص قول عائشة إن عشر رضعات معلومات نحرمها، فلا الحكم باقي ولا التلاوة باقية.

قال: وينقسم النسخ إلى بدل وإلى غير بدل، وإلى ما هو أغلظ وإلى ما هو أخف. النسخ؛ كانت القبلة إلى بيت المقدس فأصبحت إلى الكعبة، ما هذا؟ بدل. كان الأمر بتقديم صدقة بين يدي مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوكُمْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: 12]، كان لا يجوز للصحابي أن يأتي ويتكلم يسأل يستفتي يتعلم إلا ويتصدق أولاً، ثم نسخ هذا: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: 13]، فنسخ ما البدل؟ لا أبدا لا أبدا، إذاً النسخ قد يكون إلى بدل وقد يكون إلى غير بدل.

النوع التقسيم الآخر؛ إلى ما هو أغلظ وما هو أخف. كان صيام رمضان فيه التخيير بين الفدية والصيام، ثم أصبح صياما محتماً على القادر، هذا أيضاً من النسخ إلى ما هو أغلظ، ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] ثم قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، هذا تغيير الحكم.

وقد يكون إلى أخف؛ كان الأمر في الجهاد مطلوب فيه أن يجاهد الرجل في الجيش ولو كان العدو يبلغ الضعفين، ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 66] إلى ضعف، ثم نسخ ذلك بأقل: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 65]، كان عشرة أضعاف ثم خفف فصار ضعفا واحداً، هذا من التخفيف، يريد فقط أن يبين لك أن أوجه النسخ متعددة في الصور. سيأتي إلى مثال آخر في صور النسخ التي هي نسخ الكتاب بالكتاب أو بالسنة والصور الواقعة بينهما. نعم.

ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالكتاب وبالسنة. كم صورة ذكر؟ نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالكتاب، والسنة بالسنة، أخرج صورة رابعة ما هي؟ نسخ السنة بالكتاب وفيها خلاف.

نسخ الكتاب بالكتاب؛ كان استقبال بيت المقدس، آية العدة: متاعاً إلى الحول مع قوله: أربعة أشهر وعشر، هذا نسخ آية باية.

النوع الثاني؛ نسخ السنة بالكتاب، هذا نسخ الكتاب للسنة، الذي وقع فيه الخلاف نسخ السنة بالكتاب.

السنس بالسنة؛ استقبال بيت المقدس مع حديث استقباله عليه الصلاة والسلام للكعبة مع ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144]، فكان حكماً ثابتاً في السنة فنسخ القرآن، نسخ السنة بالسنة: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا وتصدقوا وادخروا، نسخ سنة بسنة. الذي وقع فيه الخلاف ما هو؟ نسخ الكتاب بالسنة، وفيه خلاف بين الأصوليين واعتبروا أن الآية لا ينسخها إلا آية مثلها، وأن نسخها بالسنة لا يصح، وعلى كل فالخلاف يكاد يكون لفظياً، فانه لا يكاد يصح له مثال حتى عند القائلين بالجواز، لا تكاد تجد مثالاً صحيحاً، وأقوى من ينسب إليه عدم القول بالجواز هو الإامم الشافعي رحمه الله وله نصوص في كتاب الرسالة يفهم منها ذلك. نعم.

ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر، ونسخ الأحاد بالاحاد وبالمتواتر، ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة ولا المتواتر بالآحاد. طيب، هذه جملة أخيره ذكر فيها أوجه النسخ من حيث التواتر والآحاد؛ متواتر بمتواتر يعني قرآن بقرآن مثله أو سنة متواترة، وأن الآحاد بكونه أضعف ينسخ بالمتواتر وبالآحاد مثله، والصحيح عند المحققين أن الآحاد متى صح سنده في السنة جاز النسخ به ولو لسنة متواترة، وأن هذا هو الأصح. ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة وهو المسألة التي وقع فيها الخلاف.

هكذا نقف على باب التعارض الذي سنبدأ منه من ليلة الغد إن شاء الله. عامة ما وردني من أسئلة يعني ليست في صميم الدرس، بعضهم مناقشة لقضايا فقهية وبعضها يحتاج إلى الخروج عن مقتضى الكتاب، فإن رأيتم أو أصحاب الأسئلة يعني نتكلم معهم فردياً بعد الدرس، لكن سيكون الاقتصار على الأسئلة المباشرة في عبارات الكتاب أو شرح مسألة المشكلة. أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد والله أعلم.

صلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.