نعم. والعلم الضروري ما لم يقع عن نظر واستدلال؛ العلم الواقع بإحدى الحواس الخمس، وهي السمع والبصر والشم واللمس والذوق، أو بالتواتر. وأما العلم المكتسب فهو ما يقع عن نظر واستدلال.
عرف العلم وقابله الجهل فأورده، انتقل إلى تقسيم العلم وقال: هي درجتان. والعلم مرتبتان. العلم هو ما يقع عندك وعندي وعند زيد وعمر وبكر وخالد في أي مسألة في الحياة؛ مسألة شرعية، مسألة دنيوية، مسألة تجارية، أي شيء يقع لك العلم به يسمى علماً. فإن كان بالقيود التي في تعريف العلم فهو علم، أن يكون إدراكاً صحيحاً مطابقاً لما هو في الواقع على طريقة الجزم، فإن كان كذلك فهو علم حصل لك. أنت تعلم أن زوجتك ولدت اليوم، هذا علم، طبق عليه قيود التعريف ينطبق. فإن كنت لا تعرف أو أدركت المسألة على خلاف ما هي عليه إذاً هو جهل.
هنا يقول: العلم الذي يحصل عند أي إنسان في أي مسألة مرتبتان؛ علم ضروري وعلم مكتسب. لأنك لما تنظر إلى أي مسألة يحصل لك العلم بها. نحن سنقف إن شاء الله على تعريف العلم والجهل والشك واليقين وهي آخر فقرة بقيت لنا في هذه المقدمات حتى نستأنف الغد إن شاء الله في مسألة جديدة. قال رحمه الله: العلم الضروري ما لم يقع عن نظر واستدلال، والعلم النظري أو المكتسب الموقوف على نظر واستدلال.
خلاصة الكلام: علمك بأي مسألة في الحياة شرعية أو غير شرعية تحصل لك بأحد طريقين؛ أما أن يحصل لك العلم بها بطريقة تجد نفسك مضطراً إلى قبوله والتصديق به بلا خيار. شيء تراه بعينيك، أما حصل لك العلم به، راعية المطر ينزل هل تحتاج إلى إثبات أن المطر نازل؟ سمعت صوت إنسان كلمك هل تحتاج إلى إثبات أنه كان موجوداً معك؟ رأيت، سمعت، شممت، تذوقت، أمسكت، ما أدركته بحواسك يحصل لك العلم به، هذا العلم يسمى علماً ضرورياً، لما؟ لأنه ما يحتاج إلى إثبات وبرهان ودليل وتفكر وتتأمل، يحصل حتى عند العقول البسيطة اليسيرة كعقول الأطفال إذا رأى شيئاً عالمه. فالعلم الحاصل بأحد الحواس يسمى علماً ضرورياً، ويلحق به العلم الذي يبلغك بالتواتر.
أنت الآن صليت المغرب هنا، ما صليت في المسجد الحرام، لكن تواتر عندك خبر أكثر من شيء ما حصل في الحرم عند أحد الأبواب، أو تسمية الإمام الذي صلى بالناس المغرب اليوم في المسجد الحرام مع أنك ما صليت، لكن قابلت الأول وقال لك والثاني والثالث والفاسد والعاشر واتفق الناس كلهم، ستجد نفسك أيضاً مضطراً إلى التصديق بحيث تستطيع أنت أن تنقل الخبر وتقول حصل كذا. إذا بلغ التواتر هذا يسمى علماً ضرورياً، لأنه لا يتوقف على نظر واستدلال، يعني لا يحتاج أن تقيم دليلاً ولا أن تنظر وتتأمل في المسألة. هذا العلم يسمى ضرورياً لأن النفس تجد ذاتها مضطرة إلى قبوله والتصديق به.
يقابله العلم المكتسب. لماذا سمي مكتسباً؟ لأنك تسعى في اكتسابه وتحصيله بأي شيء؟ بالنظر والاستدلال، فيسمى علماً نظرياً. إذا سمي ذاك علماً ضرورياً يسمى هذا علماً نظرياً. قال: ما يتوقف على نظر واستدلال.
طيب، أنا سأضرب لك مثالاً عقلياً ومثالاً آخر شرعياً. قولي لك: الواحد نصف الاثنين، هذا ضروري ولا نظري؟ ليش ضروري؟ المسائل تدركها بديهة دون نظر ولا تفكير ولا استدلال، إذا كان عقلك يسمح لإدراك مثل هذه المسألة الحسابية بهذه الدرجة. لكن لو تجاوزنا مسألة فقلت لك مثلاً: الأربعة تسع الستة وثلاثين، أربعة تسع ستة وثلاثين، لو أقول لك الاثنين سدس النصف، كم؟ لا، لو قلت لك نصف الاثنعش ستة، فهي ثلث نصف الاثناش الاثنين، هي ثلث نصف الاثني عشر. هذه تحتاج منك إلى خطوة خطوتين. الذكي منا والنبيه واللماح بيجيبها في ثانية وجزء من الثانية، واللي عقله على قده زي حكايتي ياخذ كمان خمسة ثواني زيادة حتى يدركها. في النهاية هل هي تحصل لك بداهة من غير تأمل؟ لا. هذه في الأمثلة العقلية حتى الشرعيات كذلك. من الشرعيات مسائل مسلمة بها، مسلمة بالمعلوم من الدين بالضرورة. لو قلت لك إن الإسلام حرم نكاح الأم، إن الصلوات الخمس واجبة في الإسلام، هذه ما تحتاج إلى أن تبحث عن دليل ولا تقيم لها استدلالاً. لكن ثمة مسائل هي محل خلاف، هل أكل لحم الإبل ينقض الوضوء أو لا؟ مسألة فيها خلاف. وحتى تقول نعم أو لا ويترجح لك شيء أنت تنظر في الدليل والدليل المخالف ويترجح لك أحد الأمرين، فهذا إذاً يسمى العلم بها علماً نظرياً.
طيب، مسائل الفقه هل أغلبها ضروري أم نظري؟ يعني أكثر مسائل الفقه اجتهادية ولا أكثرها مقطوع بها؟ أكثرها اجتهادية، وهذا من رحمة الشريعة بالمسلم أن تكون المسائل غير خاضعة لقطع وجزم يلزم الناس به.
والنظر، والنظر هو الفكر في حال المنظور فيه. والاستدلال طلب الدليل. ما مناسبة إيراد تعريف النظر والاستدلال؟ جاء في تعريف العلم الضروري والنظري: ما لا يتوقف على نظر واستدلال، وما يتوقف على نظر واستدلال. ما هو النظر؟ قال: النظر الفكر في حال المنظور فيه. والاستدلال هو طلب الدليل.
والدليل هو المرشد إلى المطلوب. إن كان الدليل نصاً في المسائل الشرعية فهو دليل، وإن كان الدليل هو إثباتاً في القضايا العقلية، يعني لما قلت لك الاثنين هي ثلث نصف الاثني عشر، أحتاج إلى استدلال، في أحد يخبط ورقة وقلم ويشرح لك واحدة واحدة، الاثنعش نصفها كم؟ تقول: ستة. طيب، الستة ثلثها كم؟ تقول: اثنين. إذاً قال لك: إذاً هي ثلث نصف الاثني عشر. يحط لك ورقة، يكتب لك الأرقام، يشرح لك خطواتها، هذا هو. إذاً الدليل هو المرشد إلى المطلوب.
الشيخ حسن بخاري