بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الكرام في مجلس يتجدد بنا في التعليق على المعلقات العشر، ونختم بإذن الله في هذه الدقائق المعدودة معلقة عنترة العبسي الشاعر العنيد.
هذه المعلقة من المعلقات القوية في أسلوبها، التي فيها الافتخار بالمكارم والأخلاق والشجاعة تحديداً، والشجاعة والقوة بالتحديد. لذلك وجدنا عنترة يتفنن وهو يتحدث عن طريقة قتله لخصومه؛ أولاً من حيث اختيار نوعية الخصم، فهو يبحث عن القوي العنيف الكريم، وثانياً في طريقة الإجهاز عليه، تكون طريقة عنيفة دموية. هذا كله سياق عربي؛ يعني أنتم تلاحظون في المعلقات اختلاف أذواق الشعراء ما بين امرئ القيس، ما بين زهير بن أبي سلمى، ما بين طرفة بن العبد، ما بين النابغة الذبياني؛ كل شاعر من شعراء المعلقات له شخصيته وله الأمور النفسية والحالات الأخلاقية والسلوكية التي يتميز بها عن غيره، وهذا شيء طبيعي باعتبار اختلاف أنواع الحياة وطبائعها بين هؤلاء الشعراء.
الآن بقي علينا أظن الأبيات الأخيرة نعلق عليها، وهي أيضاً أبيات في الفروسية والشجاعة والجرأة. ماذا يقول عنترة في هذه الأبيات؟ يقول: ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها، قيل الفوارس: ويك عنتر أقدمي. وفي نسخة: قيل الفوارس: ويك عنتر أقدمي. تمام، لاحظوا أن عنترة هنا يقول ما هو الشيء الذي يشفي غليلي؟ ما هو الشيء الذي يشفي نفسي ويشعرني بالراحة؟ قال: أنا لا أشعر بالراحة ولا تبرأ نفسي إلا إذا سمعت هذه الصرخة. ما هي الصرخة التي ينتظرها عنترة من أصحابه وزملائه في الميدان؟ يستنى الصرخة أو ينتظر الصرخة التي يستغيثون فيها به. فيقول: ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها، (أبرأ يعني شفا).
سقمها، أمراضها وكل ما تعانيه، طبعاً هنا الأمراض أمراض معنوية؛ الشعور بلم المكانة الاجتماعية، الشعور بعدم الاحترام والتقدير. ما الذي يشفيني في هذه اللحظات؟ أن أسمع قول الفوارس، ولاحظ الذي يناديه، يعني اختيار الكلمات هنا مقصود؛ الذي يناديه ليس عامة الناس، يعني الفوارس الشجعان الذين يظن بهم أنهم هم يخوضون المعارك عندما يحتدم وطيس المعركة، هم نفسهم ينادون عنترة. فهو إذاً على رأس الفرسان وهو فارس الفرسان، فاختيار قيل الفوارس مقصود، ليس قيل أي شخص ضعيف مهزول، بل حتى الفوارس الأقوياء يحتمون بعنترة. قيل الفوارس ماذا يقولون؟ ويك عنتر.
طبعاً هنا عنتر منادى اليس كذلك؟ طب اليس المنادى مبني على الضم؟ لماذا هنا جاء مفتوحاً؟ قلنا في ترخيم، ترخيم على لغة من ينتظر. فالتقدير: يا عنترة، التقدير: ويك يا عنترة. تمام، يا عنترة جيد، لكن لما حذف التاء أبقى الراء مفتوحة على لغة ما يسمى من ينتظر، يعني من ينتظر قدوم التاء. هناك لغتان في الترخيم؛ لغة من ينتظر ولغة من لا ينتظر. فإذاً التقدير: ويك يا عنترة قدمي، وفي نسخة: يا عنترة أقدمي. تمام، فإذاً الفرسان ينادون عنترة ليتقدم وليخوض وطيسها.
تفضل، الآن (وي) كان يعني أحياناً تأتي بمعنى، هي نوع صرخة استفزازية خلينا نقول، يعني قد تكون هي، إذا قلنا هي (ويك) سيكون اسم فعل، أو نتعجب أو نستغيث أو ما شابه ذلك. طيب، دعوني أرى هنا إذا كان نقل شيئاً يا رب. هنا يقول: (ويك) بمعنى ويلك، اعتبرها بمعنى الويل، قال: (ويك) بمعنى ويلك، وقيل معنى (وي) التنبيه والكاف للخطاب. أليس هذا في سورة القصص قال: (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ)؟ فعلى هذه قال: (وي) التنبيه، والكاف للخطاب، لكن (وي) يعني هي للتنبيه، لكنها في العادة اسم فعل بمعنى أتعجب لما قال (ويكأن الله يبسط الرزق)، فإذاً إما أن تقول ويك بمعنى ويلك، وهذا اختيار، أو تقول لا هي (وي) والكاف للخطاب، (وي) اللي هو اسم الفعل المضارع اللي بمعنى أتعجب أو أستغيث، يأتي بهذه المعاني وتكون الكاف كافاً خطابية جيد. هذا أحد المعاني، إذاً ومعنى آخر ويلك.
إذاً: ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها، قيل الفوارس: ويك عنتر أقدمي. ذللت جمالي حيث شئت مشايعي، لبي وأحفزه برأي مبرم. يتكلم عن شخصيته في هذا البيت. ذللت جمالي، الجمال التي يركبها، ما معنى ذللت؟ يعني مذلل، وهو يريد أن يقول إنها تنقاد لي؛ أي دابة يركبها سواء كانت الجمال أو الأحصنة أو ما شابه ذلك، هي دائما تنقاد لعنترة. هذا أن عنترة يحكم الزمام دوماً، لا يوجد شيء يستعصي على عنترة، لا يوجد شيء يرفض، كلما أقحم جمله أو فارسه أو خيله في أي ميدان، كله ينقاد معه، هذا معناه أنقاد الذلول. قال سبحانه وتعالى في وصف البقرة: (لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ)، إذاً فالذلول لك سهلة لا تعصيك.
طيب، ذللت جمالي، وفي نسخة: ركابي، ولعل نسخة ركابي أقوى هنا؛ لأننا هنا لسنا في سياق فصل الرحلة حتى نتكلم عن الجمال، نحن في سياق الخيل والفرسان والمعارك، أليس كذلك؟ فرواية ذللت ركابي تكون أنسب للسياق الذي نحن فيه، أليس كذلك؟ لأنه أنت إيش دخل الجمال هنا؟ في الأبيات السابقة كان يتكلم عن الحصان وزور وبكى وحاوره، فإذاً السياق سياق معارك، والعرف في المعارك لا تتكلم عن النوق، تتكلم عن الخيول. فالرواية، رواية ركابي في أربع نسخ تقريباً وجدها المحقق، إذاً هي رواية قوية، وأنا أقول هي الأنسب، لأننا هنا لسنا في مقام الجمال، بل في مقام المركوب.
ذللت ركابي حيث شئت مشايعي، مشايعي بمعنى ناصري، مشايعي بمعنى ماذا؟ ناصري ومعيني. ما الذي ينصرني في رحلة الحياة وفي رحلة المعارك والحروب؟ مشايعي لبي، لبي يعني عقلي. فبالتالي هو ليس إنساناً فقط قوي الساعد بل هو أيضاً قوي العقل والفهم والدراية. إذاً ذللت جمالي حيث شئت، جمالي وركابي تنقاد معي حيث شئت، هذه الفكرة الأولى، مشايعي لبي، ناصر مني وتابعني يسير معي حيثما كنت، لبي عقلي، وأحفزه برأي مبرم. أحفز يعني أستثير بمعنى التحفيز، أستثير بماذا؟ برأي مبرم، المبرم هو المحكم، يعني آرائي محكمة متقنة. إذاً هو يصف نفسه كما وصف نفسه بقوة الساعد والبدن، يصف نفسه بقوة العقل والفكر. إذاً ذللت جمالي حيث شئت مشايعي لبي، وأحفزه واستثارة ياء من يتبعني، وكيف أستفز هذا العقل وكيف أستثير بالآراء القوية الناضجة والأفكار الجيدة. فإذاً هو أحفز، يعني أحفز هذا اللب.
إن عداني أن أزورك فاعلمي، عاد يتكلم مع عبلة، هو في كل مجموعة أبيات يأتي هكذا يغني، يأتي بطيف عبلة، بعد كل مجموعة من الأبيات يأتي بطيف عبلة، وكما قلت عبلة ليست مقصودة لذاتها، عبلة هي واسطة من أجل أن يتحدث عن نفسه. إني عداني أن أزورك فاعلمي، يعني أنني منعني من زيارتك والوصول إليك ما قد علمت، وبعض ما لم تعلمي. الذي منعني ما قد علمت من مشاركته في الحروب والمعارك، وبعض ما لم تعلمي، وأيضاً ظروف أخرى قد لا تكوني أنت دريت فيها. ممكن يكون قصد المعارك التي أنت تعرفين أنني أخوضها، وهناك معارك أخرى أصلاً أنت لا تعرفين أنني أخوضها، وكان يريد أن يخبر أنه طوال حياته في معارك وفي حروب، بعضها هي على دراية به وبعضها هي لا تعرفه لكثرتها.
سيقولها، أنا لا أظنك تستطيعين أن تعدي وتحصي كل المعارك التي دخلت فيها، فأنت ستعرفين بعضها وتجهلين بعضها. لكن عموماً هذه المعارك التي بعضها علمتيها وبعضها جهلتها هي التي تمنعني من زيارتك يا عبلة. هو في الحقيقة لا يريد أن يتكلم عن زيارتها، هو يريد أن يخبر بأنه إنسان في طوال وقته منشغل بالمعارك والحروب. لكن كيف أعطاك هذه الفكرة؟ أعطاها في سياق أنه يتكلم مع محبوبته، ويقول لها إنني منعني من زيارتك والله انشغالي بالحروب. فالفكرة إذاً أنه إنسان منشغل بالحروب دوماً. طيب، لا، سيفصل أكثر، سيفصل أكثر.
حالت رماح بني بغيض دونكم، وزوت جواني الحرب من لم يجرم. حال بيني وبينك يا عبلة رماح بني بغيض، بني بغيض من هم؟ هم عبس وذبيان، أحد أجدادهم اسمه بغيض، أحد أجدادهم في سلسلة النسب اسمه ماذا؟ بغيض، فعبس وذبيان حرب داحس والغبراء التي ذكرناها في معلقة زهير وفي العديد من المعلقات، فهو يقول لها: حالت رماح بني بغيض دونكم، يعني أنا منشغل بالحرب التي بين بني بغيض اللي هم عبس وذبيان، لأنهما كلاهما يشتركان في هذا الجد. فيقول: هذه المعركة التي نخوضها حالت دون الوصول إليك، أنا مشغول، يعني عقلي الآن لا يتفرغ للوصول والذهاب إليك. حالت رماح بني بغيض دونكم، حالت الرماح عن المعارك التي بين هاتين القبيلتين، حالت بيني وبين الوصول إليكم.
وزوت، أي أبعدت، وزوت جواني الحرب من لم يجرم. زوت قلنا بمعنى ماذا؟ أبعدت. جواني جمع جانية، وكان هناك من كان سبباً في هذه الحرب وجانياً لها. جواني الحرب يعني الجناة الذين تسببوا بهذه الحرب، أدخلوا فيها إنساناً ليس له علاقة فيها، لكنه دخل من أجل الدفاع عن قبيلته. لأنه عنترة من أي قبيلة؟ عبس، عنترة العبسي أليس كذلك؟ فشيء طبيعي أن يدخل مع قبيلته في المعركة، وإن كان هو ليس مجرماً، يعني هو ليس له علاقة بالموضوع، هل هو كان سبب الحرب؟ لا، ما له علاقة، ما احنا مر معنا ذكر سبب الحرب، موضوع خارج عنترة. لكن عنترة لقى حاله في الحرب هكذا، فيقول: وزوت يعني أبعدت جواني الحرب، جواني الحرب كان الحرب لها جناة، هذه الحرب جناتها أبعدوا من لم يجرم.
إيش يعني أبعدوا من لم يجرم؟ قال بعض الشراح: يعني جعلت من لم يجرم مشغولاً فيها، فابتعد عن الحياة العامة. هو لأنه الآن يتكلم مع محبوبته فيقول: زوت يعني أبعدتني عنك جواني الحرب، أبعدتني عنك وأدخلتني معهم فيها، مع أنني لست بمجرم، يعني أنا ما لي علاقة في الموضوع، لست من المجرمين، لست طرفاً فيها حقيقة لكنهم قومي، وفي النهاية يجب أن أدخل معهم، فهمتم؟ إذاً وزوت أي أبعدت، جواني الحرب، الجواني هو الشخص الجاني، والجاني أليس كذلك؟ جمع، كان الحرب هكذا، كان الحرب إضاف، قال جواني الحرب، كان الحرب هي الجانية؛ لأن تقول جواني الحرب، كان الحرب هي الجانية وهي التي أدخلتني فيها مع أنني لست بمجرم، يعني لست طرفاً، لست أنا قاتل ولا مقتول ابتداءً، لكن لا بد أن أدخل أنا عنترة، لا يمكن أن أبتعد. فهذه جواني الحرب باختصار أبعدت عنترة عن زيارة محبوبته. وزوت جواني الحرب من لم يجرم، أبعدت جواني الحرب من لم يجرم، من لم يجرم هو عنترة.
الذي يظهر لي أن معنى "لم يجرم" أي ليس هو المجرم، ليس هو المفتعل للحرب، ليس هو الذي أنشأها. طيب ما معنى أبعدت جواني الحرب الذي لم يجرم؟ مثل عنترة، أي منعته من الوصول إلى محبوبته، هذا معنى أبعدته عن أحبائه؛ لأنه أصبح ماذا مشغولاً، فكانت الحرب جنت على هؤلاء الذين دخلوا فيها مع أنهم ليس لهم علاقة. كان الحرب وليس جاني واحد، جناة وجواني، كان الحرب هي عبارة عن مجموعة من الجناة، والجواني أدخلوا إنساناً ليس له علاقة معهم وأصبح يقاتل، فابتعد عن محبوبه، واضح شيخ؟
هل يمكن أن تكون زوى، (زوى) هنا تأتي بمعنى ماذا؟ (طوى)، لكن هنا لا، بمعنى أبعدت، زوت يعني أبعدت. وحيدته، الآن هو يخاطبها، حالت رماح بني بغيض دونكم وزوت جواني الحرب من لم يجرم، حتى هنا ماذا قال؟ زويت الشيء إذا نحيته، أبعدته، نحيته عن مكانه، تمام، فهي تنحية، لذلك قال: والجوان جمع جان من الجناية. إذاً هو ما زال يبرر لها لماذا ابتعد، وما الذي حال بينه وبينها، فاستعمل في البيت الأول في الشطر الأول الفعل (حالت)، واستعمل في الشطر الثاني الفعل (زوى). كلاهما هو خطاب لعبلة؛ ما الذي حال بيني وبينك؟ ما الذي نحاني عنك؟ تمام، هي المعارك والحروب التي هو مشغول فيها. وأعود فأقول هو حقيقة هو لا يريد أن يخاطب عبلة، هو يريد أن يتكلم أنه منشغل دوماً بالحروب، لا يهدأ ولا يفطر ولا يكل، دائماً في لظى المعارك، فللأسف دائماً هذه المعارك تبعده عن أحبائه ومن يهواهم.
ثم قال: ولقد كررت المهرة يدمى نحره، حتى اتقتني الخيل بابني حذلم. ثم، إذاً هنا في هذا البيت ماذا عاد ليتكلم عن انشغاله بالمعارك؟ فيقول: ولقد كررت المهرة، يعني جعلت المهر أي المهرة، ولقد كررت المهرة يدمى نحره، يتكلم أن مهرة هو بمعنى الحصان هنا، أن حصاني كررتُه مرة بعد مرة في المعارك وفي الحروب، يذهب ثم يعود فيأتي ثم يتحيل ثم يعود فيرجع مرة أخرى، حتى ماذا؟ أصبح، قال: يدمى نحره، أصبحت الدماء تسيل على نحره، وهذا يدل أنه كثر فيه الطعن، لأنه لما كثر الطعن فيه أصبحت الدماء تسيل عليه، وهذه الفكرة كررها أكثر من مرة؛ الفرس الذي أصبح يتعور الكمأة، الفرس الذي يطعم بالرماح من الخصوم فتصبح.
يعني غارقا بدمائه، ولقد كررت المهر يدمي نحره، حتى اقتني الخيل بابني حذيم. اقتني الخيل يقصد بالخيل الفرسان، وهنا يتكلم، ليس فرسان الذين معه، الفرسان الذين في جهة الأعداء. يعني أنا أكر الخيل مرة بعد مرة، وأدخله في وسط الأعداء إلى مرحلة، إلى درجة ماذا؟ حتى اقتني، حتى الأعداء خافوا وفزعوا فاضطروا أن يتقون بماذا؟ بابني حذيم، ابن حذيم. قلما فارسان شجاعان، الله أعلم بتاريخه وما بطولتهما، لكن واضح أن عنترة يعني هو يريد أن يتكلم أنهم وصلوا لمرحلة أنهم وضعوا هذين الرجلين الفارسين العظيمين أمامي، قالوا هذا عنترة، لا أحد يستطيع أن يواجهه إلا هذان الرجلان. فهمتم؟ حتى اقتني فرسان الأعداء اتقوني بماذا؟ بابني حذيم، وضعوهم أمامي، عفواً وضعوهم أمامهم، وسيكون أمامهم الجهة الأخرى، وضعوهم أمامهم، فكأنهم، كان ابني حذيم ترس ودرع يحمون الفرسان الذين يقفون خلفهم، لأن الفرسان هؤلاء لا يستطيعون مواجهة عنترة.
ثم قال: ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر للحرب دائرة على ابني ضمضم. الشاتمي عرضي ولم أشتمهما، والناذرين إذا لم ألقهما، لا بد يقرأ بالتسهيل: والناذرين إذا لم ألقهما دمي، أن يفعلا، فلقد تركت أباهما جزرا لخامع ونسر قشعم. ماذا يقول هنا؟ سيختم بالكلام عن ابني ضمضم، وابني ضمضم هما حسين بن ضمضم ومرة بن ضمضم. حسين أين مر معنا؟ مر معنا في معلقة زهير، الخائن الذي كاد أن يشعل الحرب مرة أخرى بين عبس وذبيان، حرب داحس والغبراء. فيقول، طبعاً عنترة هو في صف عبس، عنترة في صف مين؟ هو عبسي وضمضم، ولا ضمضم هم من جماعة مين؟ ذبيان. فيقول: ولقد خشيت بأن أموت، يعني قال أنا كل ما يخيفني أن أموت ولم تدر للحرب دائرة على ابني ضمضم، كأنه يريد أن يثأر له ثأر عندهم، يريد أن ينهي هذين الرجلين حسين ومرة ابن ضمضم، يريد أن ينهيهما ويقول أنا خايف أموت قبل ما أصل إليهما وأقتلهما في حرب. يعني يتمنى أن لا يموت حتى يجهز على هذين الفارسين. لماذا؟ إيش المشكلة بين عنترة وبين هذين الفارسين؟ قال: الشاتمي عرضي ولم أشتمهما، قال شتموني، شتموا عرضي ودخلوا في. فعنترة طبعاً هو قال لك في البداية يعني أنا إنسان سهل الأخلاق إذا لم أظلم، فإذا ظلمت فإن ظلمي إيش باسل، مر مذاقته كطعم العلقمة، بقول لك يعني ما أحد يظلمني الله يكرمكم حتى ما أنا أكون عنيف جداً.
فهذان الفارسان حسين ومرة ابنا ضمضم ظلموه، دخلوا في عرضه، الله أعلم التفاصيل ما عندنا معلومات عن تفاصيل هذا، لكن واضح من خلال القصيدة أنهم شتما أو قللا شأنه، الشاتمي عرضي ولم أشتمهما. أيضاً ماذا قال؟ والناذرين إذا لم ألقهما دمي، يعني بيتكلموا يعني نذراً علينا أن نقتل عنترة، والناذرين إذا لم ألقهما دمي، يعني إذا لم يراني في المعارك، نذراً دمي، نذراً دمي. قالوا نذراً علينا أن نقتل عنترة، فيقول تمام ماشي: والناذرين إذا لم ألقهما دمي أن يفعلا، فلقد تركت أباهما جزرا لخامع ونسر قشعم. قال أن يفعلا، يعني إذا هم نذر دمي ونذر أن يقتلاني، فأنا يعني أقول معهما حق أن ينذرا دمي، لماذا؟ لأنني ماذا فعلت بأبيهم؟ قال: فلقد تركت أباهما جزرا، تركته لحماً تأكله الضباع والنسور الضخمة المسنة. يعني بقول معهم حق أنهم ينذر دمي لأني أنا هيك فعلت في أبوهم. يعني هو كأنه يتهكم بهم، معهم حق أنهم ينذروا دمي لأني أنا أصلاً ماذا فعلت بأبيهم ضمضم؟ تركته جزر، جزر يعني لحم. الجزر هو اللحم، لذلك الجزار مش هيك بنسميه الجزار اللحام، تمام؟ تركت والدهم عبارة عن لحم على الأرض تنهشه من الخامع هي الضبع، قالوا جيد، والنسر القشعم هو النسر الكبير المسن. النسر القشعم، النسر إذا وصف أنه قشعم يعني هو مسن كبير. يقول تركت والدهم هكذا لحماً على الأرض تأكله الضبع ويأكله النسر القشعم الضخم الكبير. يعني استهانة، الآن هو يستهين بهم فيقول معاكم حق والله أنكم تنذروا دمي، فقد أنا أذللت سابقاً. شوف الختام، الختام الدموي، يعني كل القصيدة مليئة بالدم، مليئة بالأشلاء، مليئة بالقتل العنيف، فختم بكلمة النسر القشعم.
يعني أريدك أن تتخيل آخر كلمة في المعلقة، النسر المسن الضخم الكبير وهو يقع على جثة من ضحايا عنترة العبسي وهي جثة من؟ ضمضم. وشوف العربي لما يكون يسمع أن ضمضم هؤلاء، لما يسمع هذه المعلقة من عنترة وهو يختم بقصة والدهم وقد أصبح على الأرض ملقى وتأكله الضباع والذئاب والنسور، فهكذا يعني تكون انتهت هذه المعلقة. وهي معلقة يعني فيها من الأخلاق الجيدة، أخلاق الشجاعة، لكن ليس بهذه الدموية التي وصل إليها، يعني خلق الشجاعة خلق رفيع والكل يحبه، لا أحد يذم الشجاعة، لكن الشجاعة المعقولة، الشجاعة التي فيها ماذا؟ رحمة في جهة من الجهات. عنترة من النوع الذي عنده شجاعة بس ما عنده إيش؟ رحمة، تمام؟ وطبعاً عنده رحمة في حال أنه لم يظلم، خلق سهل، لكن إذا ظلم فإن ظلمي باسل كريه ينسيك اسمك واسم جدك كما يقولون. هكذا إذا انتهينا من التعليق على هذه المعلقة في خمس وسبعين بيتاً، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وأن يعلمنا ما جهلنا. طيب، الآن إن شاء الله نبدأ في الدرس الثاني في التعليق على معلقة لبيد بن ربيعة، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل