دخولتسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. نستعين بالله ونستفتح الدرس أو المجلس الثاني والعشرين من مجالس غيث الساري من هدايات البخاري، ولا نزال في كتاب الإيمان.

قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب زيادة الإيمان ونقصانه، وقول الله تعالى: ﴿وَزَادُوهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13]، و﴿وَيَزْدَادُ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: 31]. وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]. فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص.

قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا هشام قال حدثنا قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير». قال أبو عبد الله: قال أبان حدثنا قتادة، قال حدثنا أنا، قال حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: من إيمان مكان من خير.

الكلام على هذا من وجوه: الوجه الأول في الصنعة الحديثية والاسنادية. من برأيكم أهم راوي موجود في هذا الإناد غير طبعا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؟ قتادة، يا سلام. قتادة جميل جدا. كان قتادة بن دعامة السدوسي وهو أحد الرواة الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث، وهو تلميذ أنس بن مالك وصاحبه والمكثر عنه، مكثر الرواية جدا عن أنس بن مالك، من أكثر من روى عن أنس بن مالك. فإذا تذكرتم، إذا ذكر قتادة تذكروا أنس. يعني أهم رافد علمي كان لقتادة هو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.

طيب، أين كان قتادة يعيش؟ الجواب مثل ما كان في نفس المكان الذي كان يعيش فيه أنس. أين كان يعيش أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؟ ها، في البصرة، يا سلام. البصرة. لا، ليس في المدينة وإنما في البصرة. في العراق في البصرة، كان يعيش فيها أنس بن مالك وكان يعيش فيها قتادة رحمه الله ورضي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.

طيب، بما أن قتادة أحد الرواة المهمين الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث، وبما أنه محور أساسي، وبما أنه أخذ عن أنس بن مالك وأنس بن مالك أحد المكثرين، فمن الذين اخذوا عن قتادة وحملوا علمه ورووا عنه ونقلوا أحاديثهم؟ الجواب بلا شك أن هناك عددا كبيرا، لكن من أهم هؤلاء الرواة عن قتادة؟ سجلوا عندكم ثلاث، سجلوا عندكم ثلاثة رواة.

هؤلاء أهم رواة رووا عن قتادة وأحفظ رواة رووا عن قتادة على الإطلاق. ثلاثة رواة هم أهم وأحفظ وأضبط من روى عن قتادة على الإطلاق: شعبة بن الحجاج، وتعرفون من هو شعبة وعرفتم سيرته وعرفتم من هم تلاميذه، هذا كله اخذناه. إذاً، شعبة بن الحجاج، والثاني هشام الدستوائي اللي هو موجود الآن معانا في هذا الحديث، هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، والثالث سعيد بن أبي عروبة، سعيد بن أبي عروبة. هؤلاء الثلاثة هم أثبت وأحفظ وأضبط من روى عن قتادة.

حسناً، أين كانوا يعيشون؟ هشام وشعبة والثالث قلنا سعيد، أين كانوا يعيشون؟ أيضاً في البصرة، يا سلام. أيضاً في البصرة، كانوا يعيشون في البصرة. طيب، ممتاز. إذاً هذه الآن تسمى المدرسة البصرية، يعني يمكن أن نسميها المدرسة البصرية، مدرسة أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ومحورها الأساسي بعد أنس بن مالك ومن أهم محاورها قتادة، ثم سعيد وشعبة وهشام. طبعا هناك آخرون مثلاً أيوب السختياني من مراكز البصرة الكبار ولكن لا نذكره مع أصحاب قتادة المكثرين المقدمين. على أية حال، هذه النقطة الأولى أو الوجه الأول من كلام من وجوه الكلام عن الحديث.

الوجه الثاني من كلام الحديث هو في بيان الغريب أو توضيح المشكل، وأظن أن الحديث واضح، وهذا الحال في أغلب الأحاديث. ومرة عاشرا ربما أقول هذا من جمال اللغة العربية وبهاها ومن حسن بيان النبي صلى الله عليه وسلم، انك تجد أن أكثر ما يمر عليك من أحاديثه التي قيلت قبل ألف وأربعمائة عام والتي وافقت علوماً أو أناساً لديهم علوم ضعيفة في اللغة العربية، ومع ذلك يتم فهم أكثر الكلام النبوي بدون شرح، بدون توضيح، وإنما يحتاج الإنسان إلى استنباط المعاني والفوائد وما إلى ذلك. هذا فيه المعنيان المركزيان: الأول حياة اللغة العربية وحيويتها، والثاني بيان النبي صلى الله عليه وسلم.

حسناً، أما الوجه الثالث من كلام أهل الحديث وهو فيما يتعلق بالفوائد المنهجية والتربوية والسلوك النبوي. الفائدة الأولى هي عظمة وأهمية ومركزية قول لا إله إلا الله في النجاة من النار، وأنها مقدمة على غيرها، لا ينفع غيرها بدونها. يعني هنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل إنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من خير فقط، وإنما من قال لا إله إلا الله وفي قلبه... يعني لابد يقول لا إله إلا الله، لابد يكون معه لا إله إلا الله، فهي بوابة النجاة، هي بوابة النجاة.

وقد نبهت سابقا إلى أنه يجب علينا ألا نغفل عن فضائل الأعمال المفروضة. يعني نحن نعلم أن الإسلام لا يصح إلا بلا إله إلا الله وهي بوابة الدخول، ولكن أحيانا نغفل عن فضلها. الفاهم في منازل أو مراتب الأعمال يعلم أن لا إله إلا الله من أعظم ما يمكن أن يتعبد به الإنسان لله سبحانه وتعالى.

الفائدة الثانية هي تفاوت الإيمان في القلوب، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد جعل الإيمان هنا متفاوتا، كما تعلمون في رواية أبان قال من إيمان، وهناك وزن شعيرة وهناك وزن برة وهناك وزن ذرة، وهذا يؤثر حتى في إخراج المؤمنين من النار أو إخراج المسلمين من النار، لأن خروج أهل الشفاعة من النار الموحدين العصاة لا يكون في دفعة واحدة، لا يخرج دفعة واحدة، وإنما يخرجون دفعات بحسب إيمانهم، وهذا سيأتي مفصلا إن شاء الله في باب الشفاعة بإذن الله تعالى، أو في حديث الشفاعة الطويل.

الفائدة الثالثة والأخيرة هي: لا تحقرن من المعروف شيئا. هؤلاء نجوا بوزن برة من خير في قلوبهم أو بوزن ذرة من خير في قلوبهم، فلا يدري الإنسان ما الذي ينجيه من النار، ربما يكون ذلك العمل الذي احتقره ولم ير أنه شيء يكون هو سبب نجاته، وكما تقدم معنا أيضا في البخاري قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة».

الحديث التالي، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا الحسن بن الصباح قال حدثنا الحسن بن الصباح أنه سمع جعفر بن عون قال حدثنا أبو العميس قال أخبرنا قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرأونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم جمعة.

الكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول فيما يتعلق بالصنعة الحديثية والاسنادية. هنا ليس... لا يوجد في هذا الإسناد أحد من الرواة المركزيين أو المدارات الأساسية، وكما قلت نحن نركز على هؤلاء، ولكن هناك تنبيه في الصيغة. أنتم ترون إذا قرأتم حدثنا الحسن بن الصباح سمع جعفر بن عوف ولكن هذه لا تقرأ هكذا، الكتابة في الأسانيد شيء والقراءة شيء. هنا لابد أن تقول: حدثنا الحسن بن الصباح أنه سمع جعفر بن عون. ولا تقول: حدثنا أبو العميس، تقول: قال حدثنا. قال أخبرنا قيس، هذه الطريقة الصحيحة لقراءة الأسانيد: حدثنا الحسن بن الصباح أنه سمع جعفر بن عون قال حدثنا أبو العميس قال أخبرنا قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب. هذه الطريقة الصحيحة لقراءة الأسانيد.

ولابد أن تقول في بداية الإسناد: قال، وتذكر اسم صاحب الكتاب. قال البخاري. ممكن أن تكتفي بها في المرة الأولى في بداية الدرس ممكن. لكن أحيانا بعض الطلاب يقرأ يفتح كتاب فيقول مثلا حدثنا فلان. حدثكم من هو شيخك الذي حدثك؟ حسن بن صباح شيخك، قل: قال البخاري أو قال الترمذي أو قال أبو داوود وهكذا.

الوجه الثاني من الكلام عن الحديث لا يحتاج إلى بيان لأنه واضح. الوجه الثالث من كلامه عن الحديث في الفوائد التي يمكن أن تستنبط من الحديث تربويا ومنهجيا وسلوكيا.

الفائدة الأولى هي في أن غير المسلم أو من يأتي من ثقافة غير مسلمة ولو أسلم ربما يلاحظ معاني في الإسلام لا يلاحظها غيره من المسلمين أو حتى من الفقهاء، وذلك أن الثقافة والأرضية الثقافية تؤثر في طبيعة نظر الإسلام في الإنسان في المعارف، تؤثر في طبيعة نظر الإنسان في المعارف. فانت إذا كنت مختصا في مجال علمي معين أو ثقافي معين فانك تلحظ في قراءتك الثقافية والمعرفية ما لا يلحظه غيرك ممن ليس متخصصا في هذا العلم. لماذا؟ لأن سعة الاطلاع لديك في هذا المجال والتركيز المعلوماتي لديك يجعل الأشياء التي لها ارتباط بها تنجذب إليها مباشرة.

فاهذا اليهودي -وقال بعضهم إنه كعب الأحبار يعني هو أسلم- لاحظ قيمة مركزية لهذه الآية. نعم لا شك أن الصحابة يلاحظونها ولكن هو لاحظ شيئا وكأنه يفهم النقص الموجود عند اليهود، فلذلك كأن هذه الآية لامست عنده معنًى كبيرا، وذلك أنه عالم من علماء أهل الكتاب فهو يدرك مقدار النقص الذي لدى اليهود، فلما رأى الكمال الذي أخبر الله به في هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] كأنها لامست فيه هذا المعنى فقال: لو نحن معشر اليهود نزلت علينا هذه الآية لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. إذ هي آية ليست كأي آية، هي آية وكأن فيها معنى الدفء والإسباغ والتمام والكمال والنهاية والبلوغ إلى آخره من الكلمات التي تدل على هذا المعنى.

الوجه الثاني من الكلام على هذا الحديث هو في فضل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وتواضعه للعلم. عمر بن الخطاب سمع هذا العلم أو هذا المعنى من اليهودي ولم يعترض عليه ولم يقل أنا أعلم منك، ولم يقل معلومة ما لها فائدة أو لا، قال... يعني وهو أمير المؤمنين لأنه في الخطاب قال له يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين. فلم يقل إنتم ثقافتكم أخرى يهودية كذا إلى آخره، كما قلت وإن كان صاحبه مسعسا قد أسلم ولكن العالم يتواضع للعلم، العالم يتواضع للعلم ويتواضع للمعلومات.

وهنا قاعدة وقد ذكرتها سابقا وهي أنه كلما نقص الإنسان كلما احتاج إلى المظاهر أكثر. لو لم نخرج من درس اليوم إلا بهذي الفائدة فهي مهمة جدا أو كافية. هذا في جميع الأبواب، كلما كان الإنسان ناقصا في شيء احتاج أكثر إلى الاستعراض وإلى المظاهر، وكأنه يقول: أنا لست ناقصا في هذا الباب. بينما كلما ازداد علما وكمالا واستغناء في باب معين ازداد استغناء وتواضعا عن أن يستعرض أو عن أن يجذب الأنظار إليه.

مثلا في باب التعبد، كلما زاد تعلق القلب بالله والاكتفاء به والاعتصام به، ازداد المرء استغناء عن الناس ولم يتطلب الرياء أبدا، وأحيانا حتى لا يخطر في قلبه الرياء لأنه لا يحتاج إلى نظر الناس إليه أصلا. لكن كلما كثر تعلق الإنسان بالناس وقل تعلقه بالله ازداد نظره إلى الناس وازداد احتياجه إلى ثنائهم، فتجده يصلي وهو يتلمس ثناء الناس، أو يجد صعوبة شديدة في مدافعة الرياء عنه. بينما تجد آخرين لقربهم من الله لمحبتهم لله لاستغنائهم به، إذا صلى دخل في عالم آخر لا يلتفت إلى نظر الناس.

وهكذا في العلم، تجد أن المتمكن في العلم لا يحتاج إلى استعراض كبير، لا يحتاج أن ينادي ويصرخ يا جماعة ترى أنا عارف، ترى أنا فاهم، ولا يحتاج أن يتشدق بالكلام وما إلى ذلك. أما اللي للتو بدأ في طريق العلم ويشعر بعقدة النقص ويريد أن يلتفت إليه الناس، انظر إلى كتابته في شبكات التواصل، تجد أنواع الاستعراض وكأنه يقول: يا جماعة ترى أنا فاهم، يا جماعة ترى صدقوني ترى أنا متعلم. بينما الإنسان الراسخ المتين المتمكن لا يحتاج إلى هذه الاستعراضات، هو يكتب ويكتب لغاية ويكتب لقصد، ويعرف ماذا يكتب وكيف يتكلم إلى آخره. فهنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لم يحتج إلى استدراكات واستعراضات وما إلى ذلك وإنما وافق هذا اليهودي على كلامه.

ننتقل للحديث التالي، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب الزكاة من الإسلام، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. قال حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك بن انس عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه يقول: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة». فقال: هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيام رمضان». قال: هل علي غيره؟ قال: «لا إلا أن تطوع». قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة. قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع». قال: فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق». أفلح إن صدق.

الكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول في الكلام على إسناده؛ من برأيكم الراوي المركزي في هذا الإسناد الذي يستحق أن يوقف عنده؟ مالك، يا سلام! مالك بن أنس. أمس في درس أمس قلت لكم: ثلاثة يروون عن مالك البخاري يروي عن طريقهم، أحدهم هذا اللي مذكور هنا الآن إسماعيل بن أبي أويس -وإن كنت قلت هو يعني ليس مثل عبد الله بن يوسف التنيسي، ولا مثل عبد الله بن أسلم القعنبي، ليس مثلهما في الضبط والاتقان وإلى آخره- ولكن البخاري يروي عنه كثيراً، يروي إلى مالك يصل إلى مالك عن طريقه كثيراً. فهؤلاء ثلاثة: عبد الله بن يوسف التنيسي، وعبد الله بن مسلم القعنبي، وإسمعيل بن أبي أويس. طبعا يمكن أن نضيف رابعاً من أصحاب مالك الأثبات، وهو معن بن عيسى القزاز. معن بن عيسى القزاز وهناك رواة آخرون كثر سيأتي إن شاء الله ذكرهم شيئاً فشيئاً. حسناً، من هم شيوخ مالك؟ هذا سبق أنه مر معنا؛ مين شيوخ مالك؟ طبعا كلنا نعرف أن مالكاً كان بالمدينة وهو عالم أهل المدينة. من شيوخ الزهري؟ جميل، وأيضاً هشام بن عروة، يا سلام! نافع، يا سلام، جميل، نافع مولى بن عمر. إذن ونكتفي بهؤلاء الثلاثة في تكرارهم؛ مالك عن نافع عن ابن عمر، مالك عن الزهري ثم من الزهري اذهب ما شئت إلى الصحابة مباشرة أو عن تابع آخر عن الصحابة، ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؛ يعني هذا كأشهر الأسانيد.

طيب ممتاز، جميل جداً. الوجه الثاني من الكلام على الحديث وفي بيان الغريب أو المشكل؛ أيضاً يبدو أن الحديث واضح من جهة المعنى أو من جهة الألفاظ حتى: ثائر الرأس؛ واضح ثائر الرأس منتشر منتفش الرأس.

طيب، ننتقل للوجه الثالث. هذا الحديث حقيقة مدرسة من المدارس النبوية، ويؤخذ منه فقه كثير سواء في فقه الدعوة أو في فقه الأولويات أولويات الإسلام أو ما إلى ذلك، نتدارس شيئاً قليلاً من فوائد هذا الحديث. الفائدة الأولى: أن الداعية لابد أن يواجه أو قد يواجه طبائع مختلفة من الناس؛ فيهم الرفيق وفيهم العنيف، فيهم المتأدب العارف اللياقة واللباقة وفيهم من يجهل ذلك، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد واجه مثل هذه الفئات فمن باب أولى أن يواجه من هو دون النبي صلى الله عليه وسلم مثل هؤلاء، يعني لن يسلم. وهؤلاء يمكن أن يفرض لهم باب أو يفرد لهم فصل في كتاب الذين خاطبوا النبي صلى الله عليه وسلم وهم لا يعلمون قدره أو لم يخاطبوه بما يليق، والله سبحانه وتعالى قد قال في كتابه الكريم في سورة الحجرات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [الحجرات: 4-5]. هذا أحدهم ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام. هنا لم يذكر الراوي عنه شيئاً زائداً في عدم الأدب، ولكن يتكلم عن طبعه؛ طبعه الذي فيه جفوة، وإن كان بعضهم لا يذكر فيه بشكل صريح عدم أدبه مع النبي صلى الله عليه وسلم.

لكن انظروا كيف يتعامل النبي صلى الله عليه وسلم معهم، سواء مع الذي لم يتأدب معه أو مع من كان في طبعه جفوة بطبيعته؛ مثل هذا من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، يعني حتى طبيعة أدائه وكلامه -يعني هذا معروف الآن حتى الإنسان اللي يعاشر بعض أهل البادية- أهل البادية بهذه الطريقة يتكلم؛ ما تدري ما تدري ماذا يقول إلا إذا حاولت تستثبت منه أو تقترب منه، هذا يسمع دوي صوتي ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام. حتى دنا؛ إذن هو واضح الآن أنه حتى يتكلم من بعيد، يتكلم بعيد؛ يعني لم يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث جبريل فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووضع ركبتيه على ركبتيه أو على فخذي يديه على فخذيه أو ركبتيه وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع يديه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؛ الله على الأدب! الله على الجمال، على السمت وعلى السكينة؛ هذا لتعليم الناس الأدب كذلك وليس فقط لتعليمهم العلم وأصول الاعتقاد. هذا جاء من بعيد يتكلم صوت ويرفع الصوت حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام. إذن أول قضية نستفيدها هي أن نعلم أصناف الناس واختلافهم، وأن الداعي لابد أن يواجه ذلك.

والثانية الفائدة الثانية هي ضرورة أن نتعامل مع هذه الأصناف بالرفق؛ ليس صحيحاً أن نتعامل مع الجاهل كما نتعامل مع العالم، وإذا جاء شخص بهذه الطريقة فإنه مثلاً يزجر وينهر بحسب المستوى إذا كان أهلاً لأن يعلم أو يتعلم أو من المفترض في مثله العلم، وهنا ممكن يؤدب، لكن إذا كان مظنة الجهل ومظنة الجفوة ومظنة البعد فيعني يصبر عليه. هذه الفائدة الثانية.

الفائدة الثالثة -وههي مرتبطة بالفائدتين الأوليين أيضاً- هي أنه ما يقال من الدين لا ينبغي أن يكون لكل أحد بنفس المستوى وبنفس المقدار؛ يعني ترضى من بعض الناس ما لا ترضاه من آخرين، ليس صحيحاً أن آتي إلى أناس جهال فأخاطبهم بفروع المسائل وبتفاصيل أحكامها إلى آخره وأشق عليهم وهم بالكاد يلتزمون بالفرائض، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم خاطبه بأصول الفرائض. وهذا الرجل جاء فقال: يا رسول الله، أنا لن أزيد على ما قلت؛ رأيت هذي أركان الإسلام اللي اعطيتني اياها يا رسول الله، تراني لا إني متطوع ولا إني مصلي الليل ولا إني مصلي الوتر ولا أبغى أزيد ولا شي على هذي الأشياء اللي أنت ذكرت لي اياها. النبي صلى الله عليه وسلم ليس قال له يكفيك فقط، وإنما قال: «أفلح إن صدق». «أفلح إن صدق»؛ يعني هذا سبب لفلاحه ونجاته، وهذا فقه عظيم في الدعوة وفي خطاب الناس؛ يا أخي، في بعض الناس هناك بعض الناس ما يحتاج تذكر لهم كثير من التفاصيل وتضيعهم في كثير من الخلافات وهم لا يستوعبون ذلك، لا يستوعبون ذلك؛ هو يريد أن يقول لك: أنا كيف أدخل الجنة وكيف أنجو من النار؟ كيف أعبد الله؟ كيف أعبد الله بحسب مقدار ما يستطيع أن يفهم أن يستوعب أن يتبع، أخبره. فهنا النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بمعالم الإسلام الأساسية الكبيرة ورضي منه بذلك وقال: «أفلح إن صدق»، وطبعاً هناك روايات أخرى: دخل الجنة إن صدق.

ثم قال البخاري: باب اتباع الجنائز من الإيمان. قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي المنجوفي، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا عوف عن الحسن ومحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها، فانه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط». تابعه عثمان المؤذن، قال: حدثنا عوف عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول من ناحية إسناده؛ من الرواة المركزيون في هذا الإسناد ممن يمكن أن نقف عندهم؟ هما الحسن ومحمد. الحسن ومحمد، جميل؛ الحسن البصري ومحمد بن سيرين، وكانا قرينين الحسن ومحمد الحسن البصري ومحمد بن سيرين رحمهما الله تعالى، وهما من مدرسة البصريين. كل مرة نأخذ أناس من مدرسة، أضيفوهم إلى تلك المدرسة حتى تكتمل الصورة. الآن محمد والحسن؛ طيب، من أي طبقة برأيكم من طبقات البصريين؟ طيب، هو في الحقيقة هذان الراويان يعتبران أقدم من قتادة قليلاً، أقدم من قتادة قليلاً ليس كثيراً إنما أقدم منه قليلاً، يعني هم تابعون مثل قتادة، هم تابعون ولكن هم التابعون أو التابعون طبقات. التابعون أو الأتباع طبقات؛ فمنهم طبقة كبيرة أدركت كبار الصحابة، كبار الصحابة هؤلاء تجدهم تجد بعضهم أدرك أبا بكر الصديق، بعضهم أدرك عمر، بعضهم أدرك عثمان، ها إلى علي رضي الله عنه، يكونون من كبار التابعين. ثم تأتي الطبقة الوسطى اللي أدركوا الصحابة المتوسطين؛ يعني مثلاً أدركوا أبا هريرة وعائشة وابن عمر وابن عباس -وإن كان بعضهم متأخراً قليلاً- ثم تأتي الطبقة الصغيرة من التابعين اللي هم أدركوا أنس ومثلاً عبد الله بن سرجس مثلاً، أبو الطفيل أدركوا أبا الطفيل، هؤلاء التابعون الصغار.

التابعون طبقات جيد، التابعون طبقات؛ قتادة يعتبر من الصغار، ليس من الصغار علماً هو من أعلم التابعين ولكن من الصغار طبقة وزمناً، فهو لم يدرك إلا صغار الصحابة سناً، جيد. أما محمد بن سيرين والحسن فهما من المتوسطين؛ من المتوسطين هم من المتوسطين الذين أدركوا متوسطي الصحابة ولم يدركوا كبارهم؛ فمثلاً محمد بن سيرين يروي عن أبي هريرة والحسن يروي عن أبي هريرة، متوسط. حسناً، من من الكبار -أنا ما أتكلم أنا عن البصريين أتكلم بشكل عام- من من الكبار وقد مر معنا بعضهم سابقاً؟ من الكبار الصنابح وقيس بن أبي حازم وسعيد بن المسيب، نعم صحيح، ومهلا حتى مسروق وعلقمة يعتبران من الكبار، من الكبار، وهؤلاء من الكبار، جيد، نكتفي بهذا القدر.

الوجه الثاني من الكلام عن الحديث هو في بيان الغريب؛ الحديث أيضاً واضح: القيراط اختلف في مقداره، هو النبي صلى الله عليه وسلم هنا يقول: «كل قيراط مثل أحد»، كل قيراط مثل أحد، كل قيراط مثل أحد، فهذا مقدار موضح الآن في الحديث.

الوجه الثالث من الكلام عن الحديث هو فيما يمكن أن يستنبط من المعاني أو الفوائد التربوية والسلوكية والمنهجية من حديث. الأولى هي في فضل أو خلينا نقول في مركزية التآخي وبناء الأواصر بين المسلمين، ونقول مركزية لأن قضية الجنازة هي فرع عن هذي هذي المركزية؛ فرع عن هذي القضية بمعنى أن عندنا عنواناً كبيراً اسمه التآخي والتآلف والتواصل وبناء الأواصر بين المسلمين. ما الذي يثبت هذا العنوان الكبير؟ هذا مقصد من مقاصد الشريعة الكبيرة، مقصد من المقاصد العظمى للشريعة. ما الذي يثبت هذا المقصد؟ وما الذي يثبت هذه الغاية؟ معان كثيرة وأفراد كثيرة جداً، واحدة منها اتباع الجنازة، واحدة منها اتباع الجنازة. يعني إذا استطعت أن ترجع الحديث إلى بابه الأكبر وعنوانه الأكبر يمكن بذلك أن تستنبط من الأجزاء المعاني أو المظلات الكبيرة؛ فالفائدة الأولى هي أن ما يعزز من التآخي ويبني الأواصر بين المسلمين هو من الأمور المركزية في الشريعة.

الفائدة الثانية: فضل اتباع الجنازة، اتباع الجنازة. وهذا فضل يغفل عنه كثيرون، وحتى بعض الصحابة كانوا يغفلون عنه وتنبهوا له، لذلك في البخاري نفسه ابن عمر رضي الله تعالى عنه يقول: لقد فرطنا في قراريط كثيرة، لقد فرطنا في قراريط كثيرة.

الوجه الثالث أو الفائدة الثالثة -عفواً- من فوائد الوجه الثالث هي أن تحديد فضائل الأعمال ليس دائماً يستطيع الإنسان استنباطه، هو التحديد التفصيلي أكيد دائماً لا يستطيع الإنسان استنباطه ولكن قيمة العمل، نفس قيمة العمل أحياناً لا يستطيع الإنسان تصور أن لها هذه الأهمية. فيما يعني لو أتيت لشخص لم يسمع بهذا الحديث فقلت له: ماذا تتصور أهمية اتباع الجنازة؟ يمكن يقول لك: والله للي ندعو للميت يعني أكيد أن فيها أجر. ممتاز، لكن ربما لا يخطر في بال الإنسان المسلم أن فيها كل هذا الأجر، أن فيها كل هذا الأجر؛ جبل أحد جبل ضخم يكون للإنسان من الأجر مثل هذا الجبل بمجرد اتباعه للجنازة والصلاة عليها ودفنها أو البقاء معها حتى تدفن، هذا كله ما يأخذ نصف ساعة من الوقت إلى نهاية الدفن، ومع ذلك فيها كل هذا الأجر. الله سبحان الله! يعني الإنسان كما قلت لا يستطيع أن يتوصل إلى هذا بمجرد استنتاج عادي، لذلك من الأبواب الحسنة في الشريعة -وهذا يمكن أن نقول فائدة رابعة- من الأبواب الحسنة في العلم معرفة فضائل الأعمال؛ يتفاوت الناس في التقرب إلى الله بقدر علمهم وبقدر عملهم بهذا العلم، يعني من يعلم فإنه يمكن أن يعمل بما لا يعلمه الآخرون. أنت حين تأتي إلى فضائل الأعمال فتدرك أن مثلاً تدرك فضل: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، فستعمل بها.

وتحرص عليها ما لا يحرص عليها من لا يدرك فضلها، فضلاً عن من لا يعلم أصلاً. هذا الحديث أو هذا الذكر فالعمل والتفاوت فيه فرع عن العلم، والععلم أبواب ومن أشرف أبواب العلم معرفة فضائل الأعمال معرفة فضائل الأعمال. فمن يعلم هذا العلم يتبع الجنازة، وأنا أعلم وأعرف بعض العباد من كبار السن، ويوجد غيرهم أيضاً ممن يحرصون على اتباع الجنازة على الأقل مرة في الشهر، يعني يتعمد أن يذهب إلى مسجد يتبع جنازة يصلي عليها ويتبع هذه الجنازة حتى تدفن، فقط ليأخد هذا الأجر وليطبق هذه السنة.

وهناك أناس سبحان الله يبحثون عن أبواب الأجر وعن أبواب الخير، لا تدري من أي باب منها يكون فلاحك وسعادتك. وهناك من يحرص أيضاً على الأقل في الشهر مرة أن يزور مريضاً يعود مريضاً، وأحياناً تجدهم يعودون أناساً في المستشفى لا يعلمون من هم ولا يعرفونهم، فقط يذهبون المستشفى ويعودون فقط من باب اتباع السنة والتماس الأجر، وهذا كله اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ومن ثم اقتداء بأبي بكر الصديق الذي قال يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل هناك من يدعى من تلك الأبواب كلها؟ يعني يا رسول الله أنت قلت إن هناك أبواباً للجنة، هل وإن هناك من يدعى منها؟ يعني مثلاً يدعى الصائمون من باب الريان وهكذا، فهل هناك أحد يدعى من كل الأبواب؟

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «نعم، ولعلك أن تكون منهم»، أو «وأنت منهم يا أبو بكر الصديق». وكذلك الحديث الآخر لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم اليوم صائماً؟»، قال أبو بكر: أنا. فقال: «من شهد منكم اليوم جنازة؟»، قال أبو بكر: أنا. فقال: «من أطعم منكم اليوم مسكيناً؟»، قال أبو بكر: أنا. فقال: «من عاد منكم اليوم مريضاً؟»، قال أبو بكر: أنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة».

فرضي الله عن أبي بكر، ورزقنا الله العلم والعمل بما نتعلم. هذا والله تعالى أعلم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.