الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، أما بعد؛ فنستعين بالله ونستفتح المجلس الثالث عشر من مجالس غيث الساري من هدايات البخاري. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا بالتمام والبركة، وأن يعيننا جميعا ويفتح علينا.
نبدأ اليوم في الحديث الرابع والعشرين من صحيح البخاري، قال الامام البخاري رحمه الله: باب الحياء من الإيمان. حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك بن انس عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعه؛ فإن الحياء من الإيمان».
الكلام على هذا الحديث من وجوه. الوجه الأول: فيما يتعلق بالصنعة الإسنادية. كل من في هذا الإسناد من المفترض أنكم تعرفونه؛ عبد الله بن يوسف التنيسي شيخ الامام البخاري مر معنا أكثر من مرة، وقلنا إن الامام البخاري لم يدرك الامام مالك، فإذا روى عن الامام مالك يروي عنه بواسطة، وهذه الواسطة ليست واسطة واحدة وإنما عدة وسائط، من أشهرهم عبد الله بن يوسف التنيسي وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وقد مر هذا أكثر من مرة كما ذكرت. ولذلك أنتم بإذن الله ستتعودون وتحفظون تماما أنه دائما الامام البخاري يصل إلى مالك بواسطة عبد الله بن يوسف أو عبد الله بن مسلمة أو آخرين.
أخبرنا مالك بن انس؛ مالك بن انس تكلمنا عنه مرارا أيضا وهو علم لا يخفى على أحد من الحاضرين، وإن كان من الجهة الحديثية أيضا ذكرت فيه معنى زائدا في الحديث السابق عند قول الراوي شك مالك، تكلمت عن حفظ مالك وجلالة مالك، ومع ذلك رصدوا شكه. وعن ابن شهاب الذي هو الزهري، ومر معنا سابقا أيضا -يعني لاحظوا أن كل شوية راح أقول لكم مر معنا سابقا- ابن شهاب مر معنا سابقا أنه أحيانا يذكر بكنية أبي بكر، وأحيانا يذكر بأنه ابن شهاب، وأحيانا يذكر بأنه الزهري بلقبه أو بنسبته الزهري، وهذا سبقت الإشارة إليه.
سبقت الإشارة أيضا إلى الزهري من جهة مشايخه وتلاميذه، وأنه مهم وأحد المحاور الستة الذين تدور عليهم رواية الحديث. وهنا الزهري روى عن سالم عن أبيه. لو قلت لكم: ما أصح إسناد على أو في في كل ما روي من الأحاديث؟ تعرفون الأحاديث الصحيحة أعلى درجات من حيث الصحة، فلو قلنا ما أصح إسناد مطلقا في كل الأحاديث الصحيحة؟ هذه المسألة فيها خلاف.
والخلاف كالتالي: هل يصح أن نقول عن إسناد أنه الأصح مطلقا؟ أو نقول إن هناك أسانيد أصح من أسانيد ولكن بنسبية؟ كيف بنسبية؟ يعني أصح الأسانيد عن ابن عمر، أصح الأسانيد عن أبي هريرة، أصح الأسانيد عن أنس، ولا نقول أصح الأسانيد مطلقا. ما رأيكم، أيهما أصح؟ القول الأول أو الثاني؟ هل نقول إن هناك إسنادا هو أصح الأسانيد على الإطلاق، أو نقول إن الأضبط أن يقال إنه يمكننا أن نقول أصح إسناد ولكن بالنسبة إلى ابن عمر؟ نعم، الثاني هو الارجح.
والله تعالى أعلم، وإن كان الأول قد قال به كبار وأئمة. هذا الإسناد الزهري عن سالم عن أبيه، قال فيه بعض كبار المحدثين وائمتهم إنه أصح إسناد على الإطلاق. البعض لا يعرف إلا مالك عن نافع عن ابن عمر. الزهري عن سالم عن ابن عمر، أبوه طبعا هنا هو عبد الله بن عمر. الزهري عن سالم عن ابن عمر قال فيه بعض أئمة المحدثين المتقدمين الكبار إنه أصح إسناد إلى النبي صلى الله عليه وسلم على الإطلاق.
طبعا كما قلت الارجح أن يقال بالتخصيص أو بالنسبة، ولكن حين يقال مثل هذا من أئمة كبار -أنا نسيت من الذي قاله هل هو ابن المديني أو البخاري، أحدهما هو الذي قال الزهري عن سالم عن أبيه هو الأصح على الإطلاق، والبخاري وابن المديني هما من أكبر أئمة الحديث- وحين يقال مثل هذا يعلم أن هذا الإسناد من أجل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
هل الأول يفاضل بين الصحابة؟ لا، لا يفاضل بين الصحابة. القول الأول لا يفاضل بين الصحابة، ولكنه يتكلم عن الإسناد في ذاته أنه أصح إسنادا على الإطلاق، وهو الذي روي ويكون منتهاه صحابي معين ليس باعتبار أفضلية الصحابي وإنما باعتبار أفضلية الطريق والتركيب الموجود في الإسناد. على أية حال، الذي يهمنا الآن في هذه الفائدة أو في الوجه الأول من كلام الحديث هو أن هذه السلسلة الزهري عن سالم عن أبيه هي سلسلة فاضلة ذهبية من أجل وأعلى وأضبط أسانيد الرواية والحديث. وسالم هو أحد فقهاء المدينة السبعة، عالم إمام فقيه فاضل، اخذ منه الزهري وتعلم منه وسمع منه كثيرا كثيرا، وما أكثر ما روى الزهري عن سالم!
وسالم ابن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر تربى على يدي أبيه أخذ علم أبيه، وقد قيل فيه إنه اضبط من روى عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه، والبعض يرجح نافع، وكلاهما كبير في عبد الله بن عمر. إذا، هذا الوجه الأول من الكلام على الحديث.
الوجه الثاني: بيان الغريب وتوضيح بعض المعاني. ولله الحمد يعني أغلب الأحاديث التي قرأناها إلى اليوم هي أحاديث واضحة وسهلة. قوله: يعظ أخاه، أي كأنه يعاتبه في الحياء، يعني كأنه رأى منه أن رجلا من الأنصار رأى من أخيه -ولم يبين هل هو أخوه بالنسب أو أنه أخوه في الإسلام- وهو يعظ أخاه في الحياء، كأنه رأى من أخيه حالة من الضعف، حالة من الإحجام، فصار يعاتبه يعني أنت لماذا تستحي هكذا؟
فالنبي صلى الله عليه وسلم مر بهما وسمع ما قالا، أو سمع ما قال هذا لصاحبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للواعظ أخاه: «دعه؛ فإن الحياء من الإيمان».
ننتقل من هذا إلى الوجه الثالث، وهو الفوائد. الفائدة الأولى: أن هذا الحديث يشهد لحديث الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان. ذاك الحديث كان من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهذا الحديث من طريق ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وهكذا السنة يشهد بعضها لبعض ويقوي بعضها بعضا، وذاك أبو هريرة روى ذلكم الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ابن عمر روى خبرا آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم في موقف آخر، وقال فيه ما يؤيد المعنى الأول وهو أن الحياء من الإيمان.
الفائدة الثانية: في مركزية خلق الحياء وصفة الحياء عند الإنسان المؤمن. وهذا سبق الإشارة إليه سريعا في حديث أبي هريرة: «والحياء شعبة من الإيمان». غير أنه مما يمكن أن يقال هنا: إن الحياء من الأخلاق المرتبطة بأخلاق كثيرة أخرى. والاخلاق دائما على قسمين؛ هناك قسم من الأخلاق يكون بوابة إما لأخلاق أخرى كبيرة في الخير، وإما لأخلاق أخرى كثيرة في الشر.
والقسم الثاني من الأخلاق هو الأخلاق اللازمة الذاتية التي لا تكون بوابة مرتبطة بأخلاق أخرى، أو لو كان لها ارتباط يكون لها ارتباط يسير. الحياء من البوابات الكبرى في الأخلاق التي لها ارتباط وثيق؛ فإما أن يكون علما على بقية الأخلاق الحسنة، وإما أن يكون علما على بقية الأخلاق السيئة. فإذا وجد الحياء جر معه أخلاقا أخرى حسنة كثيرة، وإذا نزع الحياء انفتحت البوابة فدخلت الأخلاق السيئة الكثيرة. ولذلك من رزق الحياء فقد رزق بوابة من بوابات الخير ولم يرزق خلقا مجردا، وهذي نقطة في غاية الأهمية.
والذي يدل على المعنى الثاني -وهو أنه إذا فقد الحياء كانت بوابة لدخول أنواع الشر- ما هو الدليل على ذلك؟ ايش الدليل على أن الحياء إذا فقد كان بوابة للشر يدخل على الإنسان؟ إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت». مرة أخرى، والكلام وإن سمعتموه سابقا لكنه مهم جدا؛ الحياء بوابة مركزية من البوابات التي إما أن تجر وراءها أخلاقا فاضلة كثيرة، وإما أن يكسر هذا الباب فتقتحم على الإنسان الأخلاق السيئة. لذلك من رزق الحياء فقد رزق خيرا كثيرا.
ننتقل، يعني هذا يقودنا إلى حديث عن الفائدة الثالثة، وهو الفرق بين الحياء وبين الجبن. أولا لنظر إلى الصورة العكسية بين الحياء والجبن: هل يمكن أن يكون الإنسان صاحب حياء شديد وفي نفس الوقت صاحب شجاعة وأقدام وجرأة في الحق؟ ممكن؟ ممكن.
النبي صلى الله عليه وسلم وصف كما في الصحيح، وصفه الصحابة، وصفه أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم بأنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها. يعني حين كان الحال بتلك الصفة، واليوم -الحمد لله- لا يزال باقي خير كبير في الناس، ولكن يوجد كثير ممن فقد هذه الصفة، ممن كان يشد أحيانا -يعني كان أشد حياء من العذراء في خدرها، أنه العذراء في خدرها هي نموذج للحياء، والحمد لله من لا تزال محافظة على حجابها وفضلها وأدبها وأخلاقها لا تزال لا يزال في هذه الحياة، ومن فقدت ومن فقد هذه الصفة في واقعنا هذا مع الأسف شيء كثير-.
على أية حال، كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، والنبي صلى الله عليه وسلم كلنا نعلم مقاماته العظيمة في الحق، ونعلم ثباته في أشد حالات القتال. إذا، لا تلازم بين الحياء وبين الجبن، وما أجمل الإنسان الذي إذا أتى موقف الحق رأيته مقبلا قد نزع عنه أي شعار من شعارات الجبن، ولبس لأمة الإقدام والقوة والبأس، وصار مقدما في الحق. فإذا بردت الأمور وانتهت الشدة وانتهى المقام الذي يحتاج إلى الإقدام رأيته أسبغت عليه ثياب الحياء، يتمثل هذا الحياء في خجله من الناس، من أن يواجههم بسوء، حيائه من الناس أن يواجههم بسوء.
قد يرى على أخيه نقصا وتقصيرا فيغض طرفه عن ذلك حياء من أن يواجهه بما يكره، ويستحي من أن يرى منه الناس شيئا سيئا مما يستحق الذم. والحياء يمنع الإنسان من كثير مما يستحق الذم، إلى آخر من الصفات التي كانت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كره شيئا رؤي في وجهه. رؤي في وجهه يعني أحيانا النبي صلى الله عليه وسلم يستحي أن يكلم الإنسان بما يكره. ألم يقل الله سبحانه وتعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: 53]؟ ما معنى الآية؟ معنى الآية أنه يستحي منكم فلا يكلمكم حياء، يستحي أن يقول لكم قوموا.
صلى الله عليه وسلم إذا كان الموقف موقف آخر؛ موقف بيان للحق، أو موقف قتال في سبيل الله، أو موقف انكار على مخطئ ومتجبر؛ كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم؟ النبي صلى الله عليه وسلم يكون شجاعا مقداما، صاحب القوة والشدة التي في مكانها، والحزم الذي في مكانه.
فإذا جاء مع إخوانه ومع أصحابه صلى الله عليه وسلم وكانوا يجلسون في بيته فيطيلون الجلوس، وهو يتضايق من هذه الإطالة في غير وقتها في غير محلها، يستحي من داخله أن يقول لهم: يا أصحابي أنا يعني أنزعجت من هذا فقوموا. ما يقول هذا الكلام! أنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية مراعاة لمشاعر النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يشعر بها في داخل صدره، وتأديبا لأصحابه الذين كانوا لم ينتبهوا بهذا المعنى. وبلا شك أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لم يكونوا يقصدون هذا النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى أية حال، الله سبحانه وتعالى أنزل: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: 53] إلى آخر الآيات. هذه الفائدة الثالثة هي نقطة مهمة في التفريق بين الحياء وبين الجبن.
الجبن هو الصفة التي تمنع الإنسان عن القيام في المقامات المحمودة شرعا أو عرفا. الجبن هو الخلق أو هي الصفة التي تمنع الإنسان من أن يقوم في المقامات المحمودة شرعا أو عرفا، خوفا مما يخاف منه، سواء من الناس، أم من القيل والقال، من أيا كان. هذا الجبن.
فإذا كانت الحالة المخوفة حالة فوق طاقة الإنسان لم يكن هذا جبنا، لأن هذا من الحالات التي لا يطيقها الإنسان. وإذا كان مما يطيقه الإنسان ومما يستقيم مع أحوال الحكمة، ولكنه أحجم عن هذا الإقدام جبنا، فهذا هو الجبن.
إذا، هناك -خلنا نقول- فوارق بين الحياء والجبن يحددها ما نوع الشيء الذي أحجم الإنسان عنه وكتمه. لأن الحياء كف، والجبن كف أيضا، كلاهما كف. الحياء كف والجبن كف، غير أن الحياء كف في مواطن يمدح فيها الكف، والجبن كف في مواقف يذم فيها الكف. الحياء كف في مواقف...
يمدح فيها الكف والجبن كف في مواقف يذم فيها الكف. وكما أن الحياء من أعظم ومن صفات الإيمان العظيمة الواضحة التي نبه إليها النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الجبن من الصفات التي لا تستقيم مع الإيمان البتة. وقد سمعتم مني في أكثر من درس الحديث الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح: «شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع».
إذاً مهم جداً التفريق بين الحياء وبين الجبن. والانسان لا يمتنع عن مقامات الحق لأنه يقول أنا طبعي خجول، أنا طبعي خجول. طبعك خجول ما في إشكال إذا كان هذا في المقامات العادية يعني؛ يعني مثلاً انسان اجتماعي جداً يحب أن يقابل الناس ويتعرف عليهم وانسان خجول يعني لا يحب أن يتكلم كثيراً يعني يستحي إذا تقابل مع الناس هذا ما في إشكال هذه صفات ذاتية شخصية إذا أراد الإنسان يطورها أو يعالجها وهذا أفضل من هذا أو هذا أفضل ليس هذا الحديث الآن.
لكن أن يصل المقام إلى أن الإنسان يمتنع عن مواقف الحق أو عن أن يكون له دور وأثر وهو يمتلك العلم ويمتلك القدرة، ولكنه يمتنع حياءً من أن يقوم مقامات مثلاً دعوية وإرشادية وإصلاحية وتوجيهية وما إلى ذلك حياءً؛ لا، هذا ليس حياءً ممدوحاً، هذا جبن، هذا جبن. فنفرق بين ما هو من قبيل العادات والأمور الاجتماعية المحضة وبين ما هو من قبيل الأمور المقاصدية أو الرسالية. وطبعا باب الامور الاجتماعية كذلك يعني ما لم يؤدي إلى قطيعة الرحم وما لم يؤدي إلى العزلة التامة وإلا يكون مذموماً.
إذاً هذه إشارات سريعة الفوائد المتعلقة بهذا الحديث. ننتقل للحديث التالي ونختم به: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾. قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا أبو روح الحرمي بن عمارة، قال: حدثنا شعبة عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم».
على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول فيما يتعلق بالإسناد؛ عبد الله بن محمد مر معنا سابقا وهو المسندي وذكرت فائدة فيما يتعلق بتلقيبه بالمسند وانه غلب عليه فعل أو عمل متعلق بالحديث حتى لقب به، وقلت الخلاف هل هو نسبة إلى مسند كذا أو كذا؟ ذكرت الكلام سابقا في هذه القضية. وأيضاً شعبة، فانتم تعرفون من هذا الاسناد غير عبد الله بن عمر، تعرفون عبد الله بن محمد وتعرفون شعبة، الحجاج وشعبة. تكلمت عنه بكلام طويل جداً.
لذلك أنا لن أطيل هنا في التعريف بالآخرين بحكم أنهم أيضاً ليسوا من الرواة المركزيين الذين تدور عليهم الأسانيد، وقد قلت مراراً أنني في الوجه الأول ليس الغرض منه هو التعريف بالرواة هكذا أنه كل راوي نقعد نعرف فيه لا، وإنما الفكرة هي أن نفهم فلسفة الرواية ونتعرف على الطبقات ونتعرف على مدارات الحديث وأهم العلماء.
جاءت رواة غير مشهورين فليس هناك حاجة أن نقف معهم لأن الدرس ليس درس وكأنه كتاب تقريب التهذيب أو تهذيب التهذيب عبارة تعريف بكل راو من الرواة، لذلك نتجاوز إلى الوجه الثاني وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم أو فيما يتعلق بالغريب من قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث هو أظن من أهم الأشياء التي تحتاج إلى بيان في هذا الوجه هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: إلا بحق الإسلام. ايش المقصود إلا بحق الإسلام؟
أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام. حق الإسلام هنا المقصود به ما أباح الإسلام فيه الدم والمال، بمثل النفس وبالنفس والثيب الزاني وما إلى ذلك مما جاء فيه مثلاً إراقة الدم أو اخذ المال. فالمسلم معصوم الدم ومعصوم المال إلا بحق الإسلام، أي ما جاء في الإسلام فيه الحق في إراقة الدم كمثل من قتل نفساً بغير حق.
مثل من قتل نفساً بغير حق فإن حكمه في الإسلام القتل إلا إذا عفا أهل الميت أو أهل المقتول، وعفوهم قسمان: قد يكون عفواً ببدل وهو في الدية، أو يكون عفواً مطلقاً. على أية حال هذا فيما يتعلق بحق الإسلام. النقطة الثانية في الوجه الثاني، أنا ذكرت لكم سابقاً إنه سيكون الوجه الثاني ليس فقط بياناً لغريب وإنما حتى رفع الاشكال أو بيان وتفصيل ما قد يشكل وحل هذه المشكلة. هذا الحديث من الأحاديث التي أُشكلت على طائفتين من الناس.
الطائفة الأولى هي شراح الحديث والعلماء بشكل عام، ليس إشكالاً لم يحل وإنما حُلوه هم وهو البحث في كلمة الناس: ما المقصود بالناس هنا؟ من المقصود بالناس هنا؟ لماذا أُشكل عليهم هذا المعنى؟ أُشكل عليهم لأنهم قالوا إن عصمة الدم والمال هنا معلقة بشيء محدد وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، بينما هناك آية في سورة التوبة جعلت عصمة الدماء والاموال معلقة بشيء آخر غير شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وهو ايش؟ من يأتي بالآية؟ من يأتي بالآية أو يذكر الشيء المذكور في الآية؟
لا، لا ينهاكم الله هذه ليست في سورة التوبة. نعم، الجزية. الجزية: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. أي إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فإنه يكف عنهم. وهذا الحديث يقول أو قد يفهم منه أنه لا يكف عنهم إلا إذا قالوا لا إله شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأقاموا الصلوات وآتوا الزكاة.
واضح طبيعة الإشكال الذي بحث فيه العلماء؟ واضح للجميع؟ طيب، طبعا بس هذه ليست آية السيف. آية السيف التي في الوجه الأول من سورة التوبة. هذه الآن طبيعة الإشكال، ولذلك اختلف العلماء في التعامل مع هذا الحديث هذا الآن النوع الأول من الإشكال أو الطائفة الأولى من الإشكال وهذا إشكال عادي يعني أقصد عادي إنه في دائرة الفقه وفي دائرة البحث الشرعي وهو مرفوع وفيه حل واضح والأمر سهل.
الطرف الثاني من الإشكال أو النوع أو الطائفة الأخرى التي أُشكل عليها هذا الحديث من طائفة متأخرة، وهم ليست طائفة بمعنى الطائفة، وإنما أقصد هم خلنا نقول إشكال من ناحية أخرى على طوائف، وهؤلاء بعضهم ملاحدة وبعضهم نصارى وبعضهم قرآنيون. وهؤلاء الثلاثة أصناف كلهم يستشكلون هذا الحديث، جامع الاشكال لديهم أن هذا الحديث فيه عنف وقتال ودماء وإكراه، إكراه على الإسلام. وأما القرآنيون فيقولون إن هذا الحديث يعارض آية ﴿لا إكراه في الدين﴾. وأما النصارى فيقولون دينكم وحشي وكذلك الملاحدة.
وهذان الآن أو هاتان ناحيتان أو جهتان أو طرفان من الأطراف الذين استشكلوا هذا الحديث. أما الطرف الأول فقد شرحت دائرته ووضحت معنى الإشكال ووجه الإشكال، وسأبين النقاش أو سابين كيف نتعامل مع هذا مع هذه الرواية. هل تذكرون النقطة الأخيرة التي ذكرتها في الدرس السابق اللي هي نقطة العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص؟ تذكروا الكلام اللي ذكرته في الدرس السابق؟
طيب، هو من اللطائف أنه لما قرأت فتح الباري لابن حجر في شرح هذا الحديث فوجدته ذكر نفس النقطة المذكورة في الدرس السابق، نفس الألفاظ بالضبط، فيعني طبعا مع أنه الحديث آخر ولكن سبحان الله ايش يقول؟ هو يتكلم يقول فان قيل مقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد فكيف ترك قتال مؤدي الجزية والمعاهد؟ نفس الإشكال اللي في الطرف الاول اللي هم طرف الفقهاء والعلماء، يقول إذا الحديث مقتضاه أو يعني ما يستلزمه هو قتال من امتنع عن التوحيد حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فكيف ترك قتال من يؤدي الجزية وهو ايش؟
كيف ترك قتال من يؤدي الجزية وهو بابا ايش؟ لا يشهد أن لا إله إلا الله. وهو لا يشهد أن لا إله إلا الله. طيب، انظروا ماذا قال. ذكر القول الأول الثاني: يقول أن يكون من العام الذي خص منه البعض. العام الذي خص منه البعض، هذا العام المخصوص. المقال الثالث: أن يكون من العام الذي أريد به الخاص، وهذا الفرق يعني حالتان مختلفتان؛ عام مخصوص أو عام أريد به الخصوص. فإذا كان عاماً مخصوصاً يشرح الآن يقول: أن يكون من العام الذي خص منه البعض لأن المقصود من الأمر حصول المطلوب، فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم.
سأذكر الثالث ثم أسألكم عن الفرق. الثالث: أن يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المراد بالناس في قوله أقاتل الناس أي المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ: «أمرت أن أقاتل المشركين». ايش رأيكم الآن؟ ايش الفرق بين الحالة الثانية وبين الحالة الثالثة؟ ترى أنا أتعمد أذكر هذه التفاصيل لبناء المنهجية في التفكير، منهجية في التعامل مع النصوص، منهجية في حل ما قد يشكل، والا ممكن الإنسان يذكر الراجح بسرعة أو ما يتبين أنه أرجح ويمشي، لكن بودي أن نتفكير سوياً وأن ننمي التفكير الشرعي سوياً. ها، ايش الفرق بين الجواب الثاني وبين الجواب الثالث الذي ذكره الإمام ابن حجر رحمه الله؟
طيب، الثاني: الناس المقصود فيها أهل الكتاب وجميع المشركين، مع تخصيص أهل الكتاب بالجزية وأهل العهد بالعهد. الثالث: الناس أساساً المقصود به المشركين. ما شاء الله. ما شاء الله. جواب مثالي جداً. جواب جواب الأستاذة زينب ليس صحيحاً فقط وإنما هو جواب مثالي. جواب مثالي تماماً. الناس لو قلنا إنه عام مخصوص: أمرت أن أقاتل الناس، يكون المراد أو الداخل في الناس بشكل عام هنا كل الناس، ويستثنى من الناس أهل الكتاب بنص آخر الذي هو آية التوبة. وهذا من الأمثلة التي استدل بها بعض العلماء، بعض الأصوليين على أن القرآن يخصص السنة وليس فقط السنة تخصص القرآن. هذه مسألة أصولية، مسألة أصولية من علم أصول الفقه.
المخصص للعام عادة يكون القرآن هو الذي فيه العموم والسنة تخصص العموم. مثال ذلك: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، جاءت السنة فخصت أو خصصت وقالت: لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً. أي أن من سرق أقل من ربع من أقل من قيمة ربع دينار من الذهب فانه لا تقطع يده مع أنه يسمى سارقا، ويكون داخلاً في الآية باعتبار الاسم، باعتبار أنه سرق ولا يقام عليه الحد لأن السنة خصصت ذلك العموم الذي في الآية أو الإطلاق الذي أو قيدت الإطلاق الذي في الآية.
وهناك أمثلة كثيرة: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾، أولادكم عام، جاءت السنة فقالت: «لا يرث المسلم الكافر». فلو كان الابن كافراً فانه لا يأخذ من ميراث أبيه المسلم شيئاً. وهكذا العكس. وهنا عام في القرآن: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾، والسنة خصصت فأخرجت جزءاً من الأولاد، خصصت النص ذاك وأخرج جزء من الأولاد وأبقت الأولاد المسلمين هم الذين يأخذون.
لكن هنا العكس على القول بأنه عام مخصوص وليس عاماً أريد به الخصوص، تكون الآية، يكون الحديث عاما وخصته الآية التي في سورة التوبة، فأخرجت من الناس جزءاً يكف عنه القتال ولو لم يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وهم الناس الذين فيهم الصفة المذكورة في الآية التي قالت من أهل الكتاب ﴿من الذين أوتوا﴾ ﴿الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب﴾. فإذا كانت كان من الناس من صفاتهم أنهم من الذين أوتوا الكتاب ورضوا بأن يدفعوا الجزية فكفوا أيديكم عنهم ولا تقاتلوهم ولو لم يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. هذا الآن كله على القول بأن الناس أو بأن هذا الحديث هو من العام المخصوص.
حسناً، أما إذا كان على القول الثالث الذي ذكره ابن حجر وهو العام الذي أريد به الخصوص، ولا نحتاج أن نقول إن الآية خصت الحديث، وإنما نقول أصلاً أصلاً لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم الناس هنا جميع الناس، وإنما المقصود بالناس هنا من لم يرد في حقهم حكم القتال، حكم معيناً في القتال، حكم معين في كف القتال بأخذ الجزية، وهم المشركون الذين ليسوا من أهل الكتاب.
طيب، النتيجة واحدة أم مختلفة بناءً على هذين التفسيرين؟ نتيجة واحدة. طيب، في مسألة أخرى: النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم، كان إذا أرسل قادة المسلمين في حرب يقول لهم: «إذا لقيت عدوك من المشركين من المشركين فادعهم إلى إحدى خلال أو خصال. ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله...» فإن أجابوا، أنا أروي الحديث الآن بالمعنى بما أذكر من ألفاظه وبما وما لا أذكره من الألفاظ أذكره بالمعنى.
أدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الجزية -يعني إذا لم يجيبوا ادعهم إلى الجزية- فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، أو إذا لم -فإن لم يجيبوا أو إلا إذا لم يجيبوك- فاستعن بالله وقاتلهم، استعن بالله وقاتلهم.
السؤال الآن، أتضح لكم؟ هل أتضح لكم أنه في نوع من الإشكال بين هذا الحديث وبين حديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة»؟ نعم، في الحديث الآخر هم من المشركين وليسوا من أهل الكتاب. هنا -هناك أقصد في حديث بريدة الذي في صحيح مسلم- هم من المشركين، ولا تستطيع أن تقول إن الناس هنا في حديث: «أمرت أن أقاتل الناس» لا يراد بهم المشركون، لأن الناس هنا أحد أمرين: إما أن يراد بهم كل الناس إلا من شهد أن لا إله إلا الله وأقام الصلاة واتى الزكاة، وإما أن يقال إنهم الناس الذين ليسوا من أهل الكتاب ومن في حكمه مثل المجوس، وإنما الناس الذين هم المشركون والوثنيون إلى آخره.
فما فيك الآن مع حديث بريدة الذي في صحيح مسلم؟ ليس لك أن تقول إن هذا أن ذاك الحديث يتكلم عن أناس آخرين، خلاص؛ هم الناس الذين يقاتلون إما أن يكونوا من أهل الكتاب أو يكونوا من غير أهل الكتاب، وإذا أنت خصصت أهل الكتاب بالآية أو قلت إن الناس مراد بهم الخصوص وهم غير أهل الكتاب، ومعنى ذلك أنك لا تستطيع أن تخرج فئة المشركين الذين في حديث بريدة.
طيب، إذاً ما الحل؟ وكيف التعامل مع هذا الإشكال؟ الحل أن يقال إن الحديث أيضاً مخصوص، إن الحديث أيضاً مخصوص، مخصوص من جهتين. نعم، لكن لكن اه ساذكر أيضاً ساذكر نقطة ثالثة، نقطة ثالثة تبين أنه هل هو مخصوص من جهتين أو لا، ساذكر، لكن الآن دعونا نمشي في هذه الاسترسال الآن: أنه يكون مخصوصاً من جهتين بهذا الاعتبار، ومن جهة يكون مخصوصاً بأهل الكتاب؛ أنه الناس يراد بهم من هم أهل من هم سواء أهل الكتاب، ومن جهة يكون مخصوصاً بما لم يعطوا الجزية، فيكون في الحقيقة مخصوصاً في النتيجة، وخصوصاً باعتبار واحد، أو يكون كالتالي: أن كل الناس، سواء أكانوا أهل كتاب أم لم يكونوا من أهل الكتاب، فإنهم يقاتلون بغض النظر الآن عن عن تفاصيل القتال وأسبابه، هذا شيء آخر ليس هذا الآن بحث، يكف عنهم في القتال إذا حققوا إحدى أمور: أما أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، أو يعطوا الجزية، ويكون هذا الحديث لم يذكر كل ما يكف لأجله عن القتال، يكون الحكم النهائي مستفاداً من مجموع النصوص، كما هو الحال في كثير من المسائل الأخرى التي استفيدت أحكامها النهائية من مجموع النصوص الواردة فيها، وليس من نص جزئي واحد.
هذا مثلها مثل مثلاً ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 180] إلى آخره، ثم تجد: «لا وصية لوارث»، سيكون هذا الحديث مع هذه الآية راسماً أو راسي ميني لي يكونا راسمين لي الحكم النهائي أو الصورة النهائية للحكم، وكون اه عموماً لا أُريد أن أدخل في قضية أي فرعية أخرى، لكن الفكرة الأساسية هنا أنني أردت أن أذكر هذه التفاصيل حتى نستوعب شيئاً من الدائرة البحثية التي يتعامل بها مع النصوص التي ظاهرها التعارض.
فيكون الحديث هذا مخصوصاً من جهتين إذا قلنا إن يعني إذا قلنا نحن إن الناس المراد بهم كل الناس، ولا يكون مخصوصاً من جهتين، يكون مخصوصاً من جهة واحدة، أليس كذلك؟ إذا قلنا إن الناس المراد بهم جميعاً فيكون مختصون من جهة واحدة وهي وهي جهة أنه أنه يوجد أيضاً كاف آخر عن القتال وهو إعطاء الجزية، يكون مخصصاً بحديث بريدة، ويكون اه طب هذا سؤال دقيق جداً جداً جداً. هذا من يجيب عن هذا السؤال؟ آآ يعني لو بيدي أعطيه شهادة خاصة باسمه وممكن والله اكتب له شغف، يعني سؤال صعب جداً، من يأتي به؟ يعني اه سيكبر في عيني حقيقة كبيرة جداً.
الان إذا قلنا إن الناس المراد بهم جميع الناس، ومن جملتهم أهل الكتاب، يكون المخصص في هذا الحديث الآية أم الحديث؟ ليس السؤال هذا الآن ممد للسؤال، بس اجيبوني عن هذا التمهيد. رائع، بكون المخصص هو الحديث وليس الآية. حسناً، السؤال الجوهري هو: وماذا تكون الآية؟ منسوخة؟ الآية هي الحكم. ها؟ الآن لا، كيف مخصص لأهل الكتاب؟ احنا قلنا الآن التخصيص، التخصيص هو بالحديث. مرة أخرى أرتب لكم الأفكار إذا كان القديمة واضحة، احنا قلنا: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، الناس هنا إما أن يراد بهم أهل الكتاب وإما أن يراد بهم العموم، فاذا اريد بهم أهل الكتاب يكون من العام الذي اريد بالخصوص، انتهينا، هذا ما أتكلم عنه الآن، انتهينا منه. الآن لو قلنا إن الحديث المراد بالناس كل الناس، أهل الكتاب وغير أهل الكتاب، يكون الحديث مخصوصاً ليس بالآية، لأن الحديث غير مخصوص من جهة الناس، لماذا غير مخصوص من جهة الناس؟ لأن حديث بريدة يقول للمشركين إن المشركين تؤخذ منهم الجزية، ويكون مخصصاً من جهة الحكم وليس من جهة الأفراد.
حسناً، الآن هذا الحديث: أمرت أن أقاتل الناس، ما موقف ما موقع الآية منه إذا قلنا أنها ليست تخصيصاً؟ ماذا تكون؟ ليست مقيدة، لا، لأنه حتى الناس الغير الغير أهل الكتاب، حتى الناس اللي من غير أهل الكتاب تؤخذ منهم الجزية باعتبار حديث بريدة، وما صار التخصيص الآية -يعني حديث بريدة يقول اه تؤخذ الجزية من اه من المشركين، والآية تقول تؤخذ الجزية من أهل الكتاب- الآية تصبح أيضاً مخصوصة في حديث جزية المشركين.
لا، الآية لم تقل الناس، قالت: من أهل الكتاب، الآية خاصة في أهل كتاب أصالة. جميل، أنا ما أتكلم عن الآية لحالها، أنا أتكلم عن علاقة الآية بالحديث، بحديث ابن عمر هذا. محاولة رائعة، جزء من كل، محاولة رائعة جداً، أقرب جواب إلى الآن، لكن المشكلة أنه من لا يعرف في قاعدة أصولية. أنا أسأل في قاعدة أصولية تتكلم عن هذه الحالة بالضبط، هي القاعدة الأصولية أقرب شيء لجواب الأستاذة زينب اللي هو جزء من الكل: ليس خاص من عام، لا، ليس تخصيص، وجزء من كل صحيح، جزء من كل واضح، لكن ما هي القاعدة الأصولية؟ الآية مؤيدة لحديث بريدة، فمجموعهما أي مجموع الآية وحديث بريدة يساوي يذكر الخاص ويقصد به العموم، لا، المطلق المقيد، لا، تخصيص بالمفهوم، لا، لأ.
طيب، عشان يعني ما أطيل أكثر، يمكن آخر عشر ثواني ولا عشرين ثانية. فرع من أصل للترجيح، لا، مجمل ومبين، لا، تأكيد لأهل الكتاب عن غيرهم، لا. يعني تأكيد لأهل الكتاب، جيد حلو، محاولة جيدة، لكن ليست هي القاعدة، أو طيب خلاص، الحمد لله وفرتوا علي أني أنا اكتب شهادة لأحد. أول شيء وإن كان محاولات رائعة، وأنتم في الحقيقة ما شاء الله يعني دائماً هكذا محاولاتكم اه اه جميلة.
طيب هذه القاعدة أنا متأكد أن بعضكم سمعها مني بالنص، لأني أنا سبق أن طرحتها في بعض الدروس. آآ أنت طرحتها أظن في البناء الفقهي للجيل الصاعد، وآآ أظني طرحتها في دروس سابقاً عدة الأحكام، كان بعضكم يحضرها شرحها طرحته فيها. هي عموماً قاعدة أصولية معروفة، وهي كالتالي: ذكر بعض أفراد العام بما يوافق حكم العام ليس بنفي ولا تخصيص. مرة أخرى: ذكر بعض أفراد العام -اللي هم هنا أهل الكتاب- بما يوافق حكم العام -اللي هو قتال أمرت أن أقاتل الناس- ليس بنفي ولا تخصيص.
هذا مثل ايش؟ لمن أجي أقول: أكرم الطلاب، تمام؟ بعدين أقول: أكرم محمداً. هل قولي أكرم محمداً ينفي يقول للذي يكرمهم لا تكرم بقية الطلاب؟ لمن أقول: أكرم الطلاب، وأثناء التكريم وهو يكرمهم أو يكرمهم، أقول له: أكرم محمداً، هل هذا تخصيص يعني نفي لحكم الإكرام عن البقية؟ ليس نفياً لحكم الإكرام البقية، أليس كذلك؟ أمسك كذا عليك. ممتاز ممتاز، متى يكون تخصيصاً؟ إذا قلت: أكرم هذا الطالب بعينه، معنى ذلك أنه أكرمه هو فقط، هذا تخصيص الآن. لكن لمن أقول بجملتان أقول جملتين، أو أقول جملتين: الجملة الأولى أكرم الطلاب، ثم قلت جملة أخرى منفصلة: أكرم محمداً، في نفس السياق ولكنها منفصلة، جملتان منفصلتان، فذكر بعض أفراد العام اللي هو أكرم محمداً بما يوافق حكم العام اللي هو الإكرام العام للطلاب ليس نفياً لإكرام الطلاب ولا تخصيصاً لمحمد بين الطلاب.
هذا يأتي به الفقهاء في حديث: «الماء طهور لا ينجسه شيء» ثم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». السؤال: أين العام وأين بعض أفراده؟ أين العام وأين بعض أفراده؟ العام الماء، الذي هو يشمل يشمل القليل والكثير، صح. كذلك الماء طهور لا ينجسه شيء، الماء هذا اللفظ في اللغة العربية بأن يدل على الماء القليل والكثير، يعني يدل على الماء الذي أقل من القلتين القلتين، والماء الذي يساوي قلتين، والماء الأكثر من القلتين، ممتاز. الماء طهور لا ينجسه شيء، بعض أفراد العام القلتان: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث».
هل هو هل الحكم في بعض أفراد العام يوافق حكم العام ولا ما يوافق حكم العام؟ يوافق حكم العام ولا ما يوافق حكم العام؟ يوافق حكم العام، يوافق الحكم العام اللي هو عبر عنه عبر عنه في الحديث الأول بطهور لا ينجسه شيء، وعبر عنه في الحديث الثاني بلا يحمل الخبث، ولا يحمل الخبث تساوي لا ينجسه شيء. أمسك كذا يا علي، إذن لا يكون حديث القلتين مخصصاً للماء الذي بلغ القلتين فما فوق عن الماء الذي لم يبلغ قلتين فما فما دون، لا يكون مخصصاً له في الحكم ولا يكون نافياً للحكم العام.
حسناً، إذا لم يكن مخصصاً ولا نافياً فما فائدته؟ ها؟ إذا لم يكن مخصصاً ولا نافياً فما فائدته؟ مزيد بيان، جيد، مثال للتوضيح، إزالة لبس. طيب، تنبيه نعم، تنبيه هو العادة يكون اه تنبيهاً إلى ما يستحق التنبيه، أما للتأكيد للأهمية، لذلك أنا قلت لعبدالعزيز قبل شوي لمن قال لمن قال عبد العزيز قبل قليل إنه اه لبيان أهمية أو للتأكيد، قلت لك: أيوه هذا ثمرة ثمرة أو جزء، بس ليس هو نفس.
فالآن لما تقول أكرم الطلاب ثم تقول أكرم محمداً، أنت لما قلت أكرم محمداً أنت تريد أن تنبه الذي يكرم الطلاب، تريد أن تنبهه إلى معنى خاص، محمد معنى زائد. هذا المعنى قد يكون لأنه متفوق جداً، وقد يكون بالعكس، قد يكون لأنه غير متفوق وقد لا يكرمه ذاك، فيحتاج القائل إلى أن ينبهه مزيد تنبيه ليكرمه ولا يتجاوزه، مع أنه داخل في الخطاب الأول، فهو لشيء يحتاج إلى تنبيه، وهذا التنبيه تأكيد غالباً للتأكيد. التأكيد قد يكون للقيمة وقد يكون للعكس، لأنه ليس قيمة.
نفس الشيء في القلتين: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». الماء إذا كان أقل من قلتين أليس يحتاج إلى مزيد من التأكيد والمراجعة والانتباه إذا وقعت فيه نجاسة؟ لأنه كثيراً ما يتغير بمجرد ملامسة النجاسة، وإن كان ليس كل ماء أقل من القلتين يتغير بالنجاسة، بحسب كمية النجاسة، بحسب قدرها، بحسب طبيعة اه مخالطتها للماء، بحسب بحسب بحسب، ولكن كأنها كأن فيها تنبيهاً إلى أنه ترى ما جاوز القلتين لو وقعت فيه نجاسة ترى غالباً ما تؤثر عليه، والعكس بالعكس، وإذا كان لديك مثلاً مسبح -لاحظوا أنا ما أتكلم عن الماء الجاري الآن- مسبح جيد، وقعت فيه قطرة نجاسة، قطرة واحدة، هذا الماء بهذا القدر لا يتغير لمثل هذه القطرة، هو أكثر الآن من القلتين.
طيب، لو كان المسبح أقل من القلتين بقليل، وهو أيضاً بحسب نوع النجاسة، لكن في الغالب ترى سيتنجس، أو يحتاج إلى مزيد تأكيد، لأنه إذا كان أقل من قلتين فهو قليل، وقليل ترى يتأثر النجاسات، فانتبهوا لهذا أكثر من القلتين، اللي بين القلتين فأكثر ترى في الغالب لا يتأثر بالنجاسة.
ويكون ذكر بعض أفراد العام بما يوافق حكم العام ليس نفياً ولا تخصيصاً. ونفس الشيء في هنا اه في في في أهل الكتاب وفي أنه ذكر بعض أفراد العام الذي هو أهل الكتاب ليس نفياً للحكم عن البقية، ليس نفياً عن الحكومة البقية. وإن كان الآن هنا ساقول يعني ظناً والله أعلم بالصواب، يعني لماذا خص أو لماذا ذكروا؟ لماذا نبه على أهل الكتاب؟ نقول: قد يكون آآ قد يكون لافضليتهم على بقية المشركين، أنهم أولى من تؤخذ منهم الجزية، وأن الجزية لو اخذت من غيرهم فمن باب أولى أن تؤخذ منه، لأنهم أهل كتاب وأهل الكتاب لهم أحكام في الاسلام أخف من غيرهم.
على أن بعض العلماء -وهو قول مشهور من الاقوال الفقهية- يفرق تماماً بين أهل الكتاب وبين غيرهم، فيجعل الجزية خاصة يا اهل الكتاب ويخصص حديث ابن عمر فيجعله إما مخصوصاً بالآية وإما عاماً يريد به الخصوص، وهذا لا إشكال فيه إلا مع حديث بريدة، فلا أظن أن هناك مخرجا من حديث بريدة لمن يفرق في الحكم بين أهل الكتاب وبين غيرهم، وقد يكون هناك شيء ثانٍ لأن حقيقة عهدي بالمسألة قديم جداً، فلا أتذكر الأدلة التي أجاب بها المفرقون بين أهل الكتاب وغيرهم عن حديث.
أبرهة. أنا الآن لا أستحضره، لكن هو الأقرب، والله تعالى أعلم، هو عدم التفريق بين أهل الكتاب وغيرهم؛ جمعاً بين النصوص والأدلة، ويكون ذكر أهل الكتاب ليس نفياً ولا تخصيصاً، وإنما تأكيداً وأنهم أولى من تؤخذ منهم، وذلك أفضليةً وإن كانوا كفاراً في مقابل دونية الوثنيين المشركين.
بقية أحكام أخرى وفوائد أخرى، ولكن لأنني أطلت كثيراً، فأنا لا أريد أن أطيل أكثر، خاصة أنه اليوم اعلان أكاديمية الحديث وما أعلنا إلى الآن في بعض الأمور. متابعة باقي الوجه الثاني من الإشكال أو الطرف الثاني من الإشكال، هم الملاحدة والنصارى القرآنيون وطرحهم الإشكال على هذا الحديث. أنا حتى ما ذكرت الوجه الثالث من حديث، ذكرت فقط الوجه الثاني، ما ذكرت الطرف الثاني. ما أعرف حقيقةً تأخرت كثيراً، ممكن يكون مرة ثانية أذكر الطرف الثاني؛ لأنه أيضاً يحتاج نفس التفصيل الذي ذكرته، نفس التفصيل الذي ذكرته هنا يحتاج أن أتفصل فيه في الطرف الثاني، وهو كيف نتعامل مع هذا الحديث في مقابل آية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، في مقابل آية لا إكراه في الدين، وهو موضع مهم، أرجو أيضاً أن تذكروني به لاحقاً مع الأشياء الكثيرة التي تذكروني بها. وأرجو من الإخوة الذين يفرغون الدروس ويتابعون، أرجو أنهم إذا تكلمت عن المسألة الطرف الثاني أن يلحقوها بهذا الموضع، أما في التسجيل في اليوتيوب فغالباً لا يمكن الإلحاق؛ لأني ما أدري متى سأذكر المسألة الثانية.
احنا تعودنا أن يكون هناك وجهاً ثالثاً، حتى لا يكون ناقصاً الكلام في الحديث، فلعلي أذكره سريعا حتى لو أذكر فائدة واحدة أو فائدتين بشكل مختصر جداً. وأيضاً ننبه هنا على الحديث الأول والثاني، أنا أظني لم أسير بطريقة الوجوه الثلاثة، ربما ذكرت الفوائد في الوجوه الثلاثة بدون أن أقول الوجه الأول والوجه الثاني والوجه الثالث، وأرجو من أيضاً الإخوة القائمين على التفريغ أن يراعوا هذا الأمر في قسموا الكلام إلى وجوه؛ لأنه هو أصلاً كلام موجود، فقط يحتاج أنه يُكتب الوجه الأول وترتب الفوائد فيه؛ لأنه ودنا إن شاء الله نصير على هذه المنهجية إلى نهاية الكتاب. كل حديث نتناوله من ثلاث وجوه، الوجه الأول: الصنعة الإسنادية، وذكرت أركز على ايش فيها. الوجه الثاني: بيان الغريب وحل المشكل، اليوم درسنا كله كان في حل للمشكلة وفي الطرف الأول بنحل المشكلة فقط. الوجه الثالث: دائماً يكون في استنباط الفوائد التربوية والمنهجية من الحديث والهدي النبوي وطريقة النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل وما إلى ذلك.
فقلت حتى لا يكون هناك فراغ اليوم في الوجه الثالث، فسأذكر سريعا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله». الفائدة الأولى، وهي فائدة ليست من صريح الألفاظ، وإنما هي فائدة منهجية، وهي أن هذا الحديث روي بألفاظ متعددة ومن طرق مختلفة، وهو صحيح لا ريب في صحته، إلا أن الفائدة المنهجية هي ضرورة جمع روايات الحديث الواحد حتى تستبين المعاني للأحاديث التي رويت من وجوه متعددة. هذا الحديث روي بألفاظ، ألفاظها تبين معاني المجمل منها، وقد ورد نفس هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه»، وأتى الحديث عند أنس عند البخاري من حديث أنس: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا»، وأتى بألفاظ متعددة. هذا الحديث نموذج على الأحاديث التي يحتاج الإنسان إلى جمع رواياتها حتى يتبين له حقيقة المعاني المرتبطة به، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة، وهل هي مقصودة هذه الثلاثة فقط أم هي تعبر عن معنى كلي متعلق بالتسليم والاستسلام؟ هذه نقطة مهمة جداً.
الفائدة الثانية هي أن هذا الحديث كثير من العلماء أو طائفة من محققي العلماء فرقوا فيه بين الجماعة والفرد، فرقوا فيه بين الجماعة والفرد، وأما شهادة أن لا إله إلا الله فهي مطلوبة من الجميع من جهة الكف حتى يكف عن الإنسان، وأما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فاختلفوا فيما لو أتى الإنسان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة كفرد من الأفراد بفرد من الأفراد، هل ينطبق عليه هذا الحديث أم لا؟ هذا الآن ليس في حل المشكل، وإنما هو في الاستنباطات من الحديث. دعوني أحيلكم إلى مرجع حتى ما ندخل أيضاً نطيل في المسألة كثيراً، جامع العلوم والحكم. أخرج الإامام النووي رحمه الله في الأربعين النووية في الحديث الثامن ذكر هذا الحديث ابن عمر: «أمرت أن أقاتل الناس». ابن رجب في جامع العلوم والحكم شرح الحديث شرحاً مستفيضاً، وذكر خلاف العلماء في هل هذا الحديث يشمل الأفراد أو لا، وأما الطوائف أو الجماعات فالحديث يتنزل عليها، وهذا أيضاً فيه تفصيل طويل.
وفيه قضية حروب الردة التي حصلت من أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مع خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقاش عمر وأبي بكر، وهو في البخاري، وهو نقاش فيه فوائد كثيرة لمن قال عمر لأبي بكر: يا أبا بكر كيف تقاتل من قال لا إله إلا الله؟ وكان من مانعي الزكاة من يقول لا إله إلا الله؛ لأنهم كانوا أصنافاً وطوائف، ومنهم من اتبع مسيلمة ومنهم من امتنع عن أداء الزكاة فقط، وذاك الامتناع بعض العلماء جعل فيه معنى أعم من قضية الزكاة، وإنما هو الامتناع عن شعائر الإسلام العظمى، وهذا أيضاً فيه تفصيل ونقاش طويل. من الفوائد المهمة هو البحث في هذه المسألة من جهة الجماعة والأفراد، وأحلت على واحد من المراجع والمصادر في الموضوع، ابن تيمية في المجلد الثامن والعشرين من الفتاوى تكلم عن هذه المسألة طويلاً كلاماً طويلاً جداً، وناقش من يقول بأن المرتدين، بأن الممتنعين عن الزكاة في وقت أبي بكر الصديق كانوا من البغاة، وأن قتالهم قتال أهل البغي، وقال لم يكن قتال أهل البغي وإنما هو من جنس قتال الخوارج الخارجين عن شعائر الإسلام وشرائعه، وذلك أن الخوارج امتنعوا عن تحريم دماء المسلمين، وأولئك امتنعوا عن أداء الزكاة، والنبي صلى الله عليه وسلم نص على قتال الخوارج. وهذا الأمر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فيه بهذا أيضاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم في: «حتى يقيموا الصلاة ويشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة».
لكن اريد أن أنبه إلى قضية، اريد أن أنبه إلى قضية، وهي أن هذه المسألة قد تزل فيها أقدام، وقد زلت فيها أقدام بالفعل، ولذلك احنا نقول: راجعوا المسألة، لا أقصُد أن الإنسان يراجع المسألة وينزل الأحكام على الواقع في كل تفاصيله ولا يكون صاحب علم وصاحب منهجية صاحب تأصيل؛ لأن هذه المسألة تزل فيها أقدام، وأنا علي التنبيه وليس علي إذا لم يفعل الإنسان ما تم التنبيه عليه، لكن للازدياد العلمي والمعرفي المجرد يمكن مراجعة هذين الكتابين، وأما الإنسان حين ينزل مثل هذه الأحكام على الواقع فإنه يحتاج إلى فقه مضاعف، فقه مضاعف.
الفائدة الثالثة والأخيرة أنه الإسلام يتعامل مع الناس بالظاهر، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وحسابهم على الله»، أنه إذا فعلوا ذلك ظاهراً ظاهراً عصموا مني دماءهم وأموالهم وسأكف عنهم، لكن قد يكونوا منافقين، قد يكونوا منافقين فحسابهم على الله سبحانه. هذا والله تعالى أعلم، وصلّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد