دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 26 - الأحاديث {53-54-55-56-57-58}

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

استعينوا بالله ونكمل مجالس غيث الساري من هدايات البخاري، وهذا هو المجلس السادس والعشرون من المجالس، وبه إن شاء الله نختم أو نحاول أن نختم كتاب الإيمان من صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

قال البخاري: باب أداء الخمس من الإيمان، حدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة عن أبي جمرة، قال: كنت أقعُد مع ابن عباس يجلسني على سريره، وقال: اقُم عندي حتى أجعل لك سهماً من مالي، فأقمت معه شهرين.

ثم قال: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قال: من القوم أو من الوفد؟ قالوا: ربيعة. قال: مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامة.

وقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَر، ومُرنا بأمر فصْل نُخبر به مَن وراءنا وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة، وأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس، ونهاهم عن أربع: عن الحَنْتَم، والدُّبّاء، والنَّقِير، والمُزَفَّت، وربما قال المُقَيَّر، وقال: احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم.

الكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول فيما يتعلق بالصنعة الحديثية والإسنادية: من برأيكم أهم راوي موجود في الإسناد؟ شعبة بن الحجاج. آآ إيش تذكروا عن شعبة؟ أمير المؤمنين في الحديث. إيش تذكروا عن شعبة؟ شيخ يحيى القطان، جميل. وأيضا؟ ها، ليس كوفي، بصري. وأيضا؟ متى توفي شعبة؟ مئة وستين. مية وستين للهجرة.

طيب، هذا الحديث آآ يعني فيه الشخصية المعروفة شعبة بن الحجاج رحمه الله تعالى، وقد تكلمت عنه مرارا وذكرت أنه من أهم من مر في تاريخ الحديث على الإطلاق، من أهم من مر في تاريخ الحديث على الإطلاق الإمام شعبة بن الحجاج رحمه الله تعالى.

وقد كان من الأمناء على السنة، وكأن الله سبحانه وتعالى سخره لحماية السنة، لا أقول تأسيس قانون الحديث، ولكن هو أول من وسع علم الحديث، أول ما وسع علم الحديث وفسح في أرجائه وعمق من قواعده ورفع من بنيانه، هذا شعبة بن الحجاج رحمه الله تعالى.

الوجه الثاني من كلام الحديث هو آآ في بيان الغريب: الحديث واضح سوى الكلمات الأخيرة تحتاج إلى شرح؛ ونهاهم عن أربع: عن الحنتم، والدباء، والنقير، والمزفت، وربما قال المقير. أولا بشكل إجمالي، هذه الأربعة هي أنواع من الأوعية.

ونهاهم عنها ليس نهاهم عن اتخاذها وعاء أو أوعية، وإنما نهاهم عن الانتباذ فيها. والنبيذ في اللغة يختلف عن الإطلاق المعاصر على الخمر، النبيذ في اللغة مأخوذ من النبذ الطرح الترك الذي هو إعطاء أو وضع شيء من الفواكه أو من الثمار مثل التمر بالماء وتركه ليومين أو ثلاثة حتى يتشرب الماء طعم التمر، فينبذ هذا النبيذ.

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ينبه الصحابة إلى بعض الأمور التي آآ تلفت انتباههم إلى ترك بعض حالات هذا النبيذ خشية أن يصل إلى حد الإسكار، جيد، يعني هو ما لم يسكر فهو جائز، هذا ما استقر عليه الأمر.

لكن قبل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يرشدهم إلى بعض الإجراءات التي تحول بينهم وبين أن يشربوا مسكرا وهم لا يعلمون، واحدة من الإجراءات هذه التي كانت مرحلية وليست نهائية النهي عن أن ينتبذ في آنية معينة.

لماذا في هذه الأانية الأربعة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم؟ لأن هذا النوع من الأواني يسرع إليها التغير، يعني إذا وضعت فيها النبيذ اللي هو الماء مع التمر أو الماء مع العنب يتغير سريعا في هذا النوع من الأوعية، واضح.

طيب آآ ما هو الأهم الآن أن تعرف هذا المعنى؟ الآن لو لم تعرف معنى كل كلمة يضر ولا ما يضر؟ ما يضر صح، يعني زيادة علم الآن لو عرفت معنى الدباء والحنتم والهذا، إذا عرفت معناها فجيد، ما عرفت معناها؟ ما هو لازم، أنت يكفيك أنك عرفت أن هذه أنواع من الآنية إذا وضع فيها الماء مع التمر أو الماء مع شيء من الفاكهة لينبذ فإن التغير يسرع إليها، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها.

وهذي أنا استغل هذا الكلام حتى تكون منهجية في الفهم ومنهجية في العلم، دائما فهم العلم على مراتب، هناك فهم إجمالي منهجي للقاعدة التي يتكلم عنها الكتاب أو المؤلف، وهناك فهم تفصيلي للكلمات، أيهما أهم؟ المنهج الإجمالي الذي تدرك فيه سياق الكلام، سياق الكلام خلاص.

هذا الكلام يتجه إلى هذا الاتجاه، عاد أنا فهمت الكلمة التفصيلية ولا ما فهمتها ما يضر، وبأيه أفضل، أفهمها ولا ما أفهمها؟ أفهمها أفضل طبعا، أفضل أفهمها.

طيب الناس الآن أكثر شيء يركزون على إيش؟ التفصيلي صح، إيش معنى هذي الكلمة بالضبط؟ سمعنا اعطيني الجواب عن حكم هذي المسألة بالضبط، تمام أنا بعطيك الجواب عن حكم مسألة، بس ترى أفضل من أنك تاخذ الجواب جاهز، أفضل منه أن تفهم سياق هذه المسألة، محلها، الاستدلال لها، إلى آخره.

وهنا الآن أنا شرحت لكم إلى هذا الحد، لو توقفت هنا وهو كافي، توقفت هنا فهو كافي، لكن إحنا كمان نزيد سريعا؛ هذي الحنتم آآ هو نوع من الجرار، جرار جمع جرة، نوع من الجرار يعني ذكروا أنها خضر، وتحمل إلى المدينة كانت ما أدري نسيت من أي من هجر أظن أو.

والدبة اللي هو القرع، القرع اليقطين اليابس، كان ييبسونه ويتخذونه آنية، والنقير من أصل النخلة ها ينقر، ينقر أصل النخلة فيصبح مثل الوعاء، والمزفت مطلي بالزفت، ومثل المقير مطلي بالقار يعني قريبة من بعض أو مثل بعض، هذه الآن من ناحية المعاني، طبعا هذا الحكم نُسخ.

الوجه الثالث من الكلام عن الحديث هو في الفوائد المنهجية والتربوية والمتعلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم المأخوذة من هذا الحديث؛ الفائدة الأولى هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الترحيب للضيوف، ترحيب الضيوف، وخاصة إذا كانوا ضيوف طالبين لمعنى سامي.

أن هؤلاء أتوا من أين؟ كانوا جهة هجر يعني جهة المنطقة الشرقية في السعودية الآن، جهة الأحساء والدمام وهذي المناطق تمام، بعضهم أصلا قديما تسمى البحرين، كلها هذي تسمى البحرين مو البحرين الجزيرة، كل البحرين، وفد عبد القيس كانوا في المنطقة الشرقية تلك.

جيد آآ فاتوا من هناك أتوا من شقة بعيدة كما قالوا نأتيك من شقة بعيدة، النبي صلى الله عليه وسلم نرحب بهم يعني ما أنواع الحفاوة التي استعملها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخطاب؟ غير طبعا الابتسامة وإلى آخره.

الكلام إيش؟ واحد، إيش قال؟ مرحبا. اثنين، غير خزايا ولا ندامة، يعني جئتم مجيئا لن تكونوا مخزيين فيه ولا نادمين عليه، جئتم مجيئا لن تكونوا مخزيين بسببه ولا نادمين عليه، فمرحبا أول شي ثم ثم امتداح مجيئهم هذا وذكر شيء من عاقبته الحميدة، أنه مجيء محمود غير مخزي ولا نادم ولا ولن يندم عليه أصحابه.

ومن هنا آآ يأخذ الإنسان يعني حسن الاستقبال وحسن الكلام مع الوفود مع الضيوف، آآ وخاصة إذا كان في هذا السياق، سياق المقدم لأجل العلم أو لأجل آآ معنى شريف.

الفائدة الثانية هي في مقدار التحمل والمشقة الذي كان يتعرض له كثير من الصحابة في تلك المرحلة، هؤلاء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أتوا ليسألوا النبي صلى الله عليه وسلم سؤال، ولكن حتى يصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسألوه هذا السؤال كان يحتاجون إلى قطع مسافات بعيدة، وهذي المسافات ليس الاشكال فيها الوحيد أنه هي مسافات، ما الاشكال الآخر؟ في أعداء، أنا نأتيك من شقة بعيدة وبيننا وبينك هذا الحي من كفار، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، تعرفون الأشهر الحرم؟ حتى العرب الجاهليين المشركين يلتزمون بعدم القتال فيها.

انظروا كم تحمل أولئك الصحابة هذا المسير وهذا المجيء حتى يطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم ليس مالا، نطلب منه مالا ولا آآ ملكا، وإنما طلبوا منه أمورا إيش؟ مُرنا بأمر نُخبر به من وراءنا وإيش؟ ندخل به الجنة، ندخل به الجنة يا رسول الله، إحنا جايينك هذا السفر البعيد، نبغاك تقول لنا شيء ندخل به الجنة ببساطة، بوضوح، بسهولة، باختصار.

هذي هذي الآن الأولويات، هذا المعنى هذا، هذا المحرك، هذا الدافع، فهذا معنى مهم جدا الإنسان يقف عنده.

آآ الفائدة المنهجية الثالثة هي في شيء من شرف أخلاق العرب في الجاهلية، الجاهلية آآ لم تكن مرحلة سوداء مظلمة ليس فيها شيء من مكارم الأخلاق، بل كان عند العرب أشياء من مكارم الأخلاق من الكرم والشجاعة والعفة وما إلى ذلك، جيد.

لم يمنع أو لم تمنع ولم يمنع وجود هذه الأخلاق الحسنة عند العرب من أن تُلقب المرحلة بالجاهلية، تتذكروا لما تكلمت عن هذه المسألة؟ ما تتذكروا؟ تذكروا يا جماعة، في أي حديث؟ إيوة، إنك امرؤ فيك جاهلية، رجعت للكتاب ممتاز شاطر.

طيب، فيك جاهلية، صحيح آآ لم ليش تذكروا إيش قلت أنا في ذاك الوقت؟ القضية قضية معايير، يعني ما المقاييس التي تقدم وتؤخر لأجلها؟ لما كان مقياس الآخرة مرتفعا ومقياس الإنجازات الدنيوية كمعيار أساس ليس مرتفعا، لقبت تلك المرحلة بجاهلية لأن التفوق الذي كان فيها لم يكن تفوقا أخرويا، وبالتالي كان يستحق أن يسمى جاهلية باعتبار أن الشرك كان طاغيا عليهم وكانوا يعبدون الأصنام ولو كان عندهم مكارم أخلاق.

لكن من هذا الحديث نأخذ آآ أن أن نأخذ شيئا من مكارم الأخلاق التي كانت موجودة، وهي على الأقل على الأقل الالتزام بعدة أشهر خلال السنة ما يكون فيها حرب بين القبائل بحيث إنه اللي عنده شغلة من القبائل يبي يروح من هنا إلى هنا يستطيع أن يقضيها في هذه الأشهر، قد كنت تأمن في تلك آآ الأشهر.

طبعا نفسهم هؤلاء الذين يلتزمون يقطعون الطريق في غيرها ويقتلون في غيرها ويعتدون في غيرها، لكن في هذه الأشهر يلتزمون، يعني شيء أهون من شيء على الأقل.

طيب، الفائدة الرابعة آآ أهمية الاختصار والوضوح والإيجاز في إيصال الحقائق الشرعية والدينية، هذا مأخوذ من غير كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث مأخوذ من أين؟ أنا هنا في الحديث هذا من غير كلام النبي صلى الله عليه وسلم ها.

سؤالهم إيش؟ أنه يدخل غير يدخلون الجنة، قالوا كلمة، جيد له كلمة بس في كلمة واضحة هم هم قالوها، أمر فصل، مُرنا بأمر فصل، لو كانت القضية كلاما كثيرا لم يكن أمرا فصلا، واضح.

مُرنا بأمر فصل نُخبر به من وراءنا ندخل الجنة، هذا دليل على أنهم يستوعبون أن الإسلام ليس معادلة صعبة في فهمه وفي أصوله التي يمكن أن يدخل الإنسان بها الجنة، والنبي صلى الله عليه وسلم من غير سؤالهم أصلا كان يقدم الإسلام بهذه الطريقة، هذي الفائدة الرابعة.

الفائدة الخامسة آآ أهمية حفظ العلم، أهمية حفظ العلم وذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم إيش؟ إيش؟ احفظوهن. لو أنكم حافظين الحديث كان تجيبوا الكلمة على طول، طيب.

آآ ففائدة وأهمية الحفظ، حفظ العلم، احفظوهن، هذا هذا الحديث مما يستدل به على أهمية حفظ العلم، ويستدل به استدلالا أوليا على حفظ السنة، لان الأمر الذي أو الشيء الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم احفظوه كان من السنة.

طيب، الفائدة السادسة آآ عدالة الصحابة وضبط الصحابة، من فين تؤخذ؟ هذا الحديث يستدل به على عدالة الصحابة وضبطهم، من أين يؤخذ؟ لا، ربما قال، لا، صح يا سلمان؟ وأخبروا بهن، أخبروا بهن من وراءكم.

السؤال: إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء أخبروا من وراءكم، معناه أنه إيش؟ معناه أنه إيش؟ معناه أن الذمة تبرأ بخبرهم، صح.

الذمة تبرأ بخبرهم، ولا تبرأ الذمة إلا بخبر الثقة الضابط، جيد، فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بلغوا: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب»، أخبروا من وراءكم، معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم يعتد في أخبارهم، يعتد بي أخبارهم وهذا أحد الوجوه.

أو هذي هذي هذا الوجه هو أحد الوجوه المهمة جدا الرد على شبهة ضبط الصحابة، هي من الشبهات التي يثيرها كثير من المشككين أنه أنتم عندكم جرح وتعديل بس إذا جيتوا للصّحابة ما عندكم ما تتكلموا عن الصحابة، لا من ناحية العدالة ولا من ناحية الضبط.

واحدة من أهم الوجوه نقول لهم: النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمرهم أن يبلغوا، معناه إيش بالضبط؟ معناها أن النبي صلى الله عليه وسلم رضي منهم أن يبلغوا، وإذا كان رضي منهم أن يبلغوا بمعنى أنهم أهل لأن يبلغوا من جهة الحفظ ومن جهة الأمانة.

طبعا هناك وجوه أخرى ولكن هذا من من الوجوه المهمة جدا، طبعا هذا ليس من هذا الحديث فقط وإنما من أحاديث كثيرة منها في حجة الوداع حين اجتمعت أمامه الأمة قال: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» وقال: «نضر الله امرأ سمع منا».

باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى، فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام. وقد قال الله تعالى: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: 84] على نيته. نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة، وقال: ولكن جهاد ونية.

حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». هذا الحديث سبق تكلمنا عنه بما فيه الكفاية، لذلك نتجاوز إلى الحديث التالي.

قال الإامم البخاري: حدثنا حجاج بن منهال قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عدي بن ثابت قال: سمعت عبد الله بن يزيد عن أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أنفق الرجل على أهله وهو يحتسبها، عفوا، إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة».

وقال البخاري: حدثنا الحكم بن نافع قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص أنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك».

الكلام على هذين الحديثين من وجوه: الوجه الأول فيما يتعلق بالصنعة الحديثية والإسنادية؛ في الإسناد الأول عندنا شعبة، شعبة يتكرر معنا دائما، وهذا كاف في إدراك أهميته إلى الحديث الخامس والمقمسين فقط تكرر كثيرا جدا، وقد ذكرت فيه من المعلومات ما أرجو أن تكونوا على استحضار دائم له، ومن ذلك ذكرت جملة من شيوخه؛ منهم قتادة وأبو إسحاق السبيعي والأعمش.

أما الإسناد الثاني فهو أيضا المفترض أنه معروف لكم، الحكم بن نافع اللي هو مين؟ أعرف أن الشيخ البخاري مين؟ أبو الي... أبو اليمان، أحيانا يقول: حدثنا أبو اليمان وأحيانا يقول: الحكم بن نافع هو نفسه أبو اليمان الحكم بن نافع، وقلت لكم دائما: أخبرنا شعيب. شعيب اخذنا له شيخين؛ منهم الزهري هو. شعيب ترى شعيب يتكرر معنا كثيرا، شعيب مشايخه أشهر شيخين لشعيب: الزهري وأبو الزناد.

أبو الزناد قلنا لكم السلسلة المعروفة: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، شعيب عن الزهري ومن الزهري عاد يروح على كيفك إلى طرق الصحابة المشهورة سواء مباشرة أو بواسطة.

طيب هذا الإسناد مر معنا سابقا: الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن سعد، مر معنا سابقا.

الوجه الثاني في كلام أهل الحديث من جهة توضيح المعاني: واضحة، في في امرأتك أي في فم امرأتك.

الوجه الثالث في الفوائد المستنبطة أو المستخرجة من هذا الحديث: أولا، جمالية الإسلام؛ تسليط الضوء على جوانب من العبادة عادة ما تكون على سبيل العادات عند الناس، فيلفت الإسلام الانتباه إليها إلى أنها يمكن أن تكون عبادة. ما الفائدة غير الفائدة الأخروية من ناحية الأجر التي تترتب على انتباهك لأمور من العادات تعملها على أنها عبادات؟ ما الفائدة؟

من أهم الفوائد: استسهال العمل والاستلذاذ به والسعادة به. أنه الآن ما الذي يدفعك؟ ما الذي يدفعك للعطاء المتعلق بأهلك؟ ما الذي يدفع الإنسان للعطاء لأهله؟ عادة، إما المحبة أو المسؤولية، صح؟ المحبة والمسؤولية، والمسؤولية إما تكون شرعية أو عرفية. شرعية يعني هو يعرف أنه واجب عليه أنه ينفق، فهو ينفق لأنه واجب عليه، فهو ما يبغى يكسب إثم وتسجل في صحائفه ظلم أو اعتداء أو تقصير، وبالتالي هو ينفق ولو لم يكن يحب هذا العمل، صح؟

لما يأتيك الإسلام يقول لك: ترى هذا العمل مو... لا تنظر له على أنه هو فرض عليك فقط، لا، ترى هو عبادة، يعني ترى لك اجر، ترى أنت تتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بهذا العمل. طيب، ماذا لو كنت أنا أحب هذا العمل؟ مثلا، رجل يحب امرأته ويحب أن ينفق عليها ويطعمها وهو يحب، يعني هو أصلا مستمتع بهذا العمل، يؤجر ولا ما يؤجر؟ إذا حقق الشرط الموجود في الحديث اللي هو ايش؟ نبدأ بها إن شاء الله، لذلك ننتقل للفائدة الثانية وهي أن الأجر في الأعمال مرهون بابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى، وضرورة تذكير الإنسان نفسه أن لا تسيطر عليه العادة على غياب معنى العبادة.

لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله وسوف نؤتيه أجرا عظيما. يعني الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس، إما أن تفعل عادة وإما أن تفعل عبادة، فإذا فعلت ابتغاء مرضات الله ففيها الأجر العظيم. هذا... هذه لفتة مهمة جدا تؤخذ من الحديث.

اللفتة الثالثة أو الانتباه أو الفائدة الثالثة: يجب على الإنسان أن يعيد ترتيب أولوياته وأهميتها من جهة الثواب والعقاب بناء على التأسيس النبوي، تأسيس الوحي بشكل عام القرآن والسنة. من يتأمل في النصوص سيجد أن لفت الشريعة الانتباه لضرورة يعني آآ الأعطاء والبذل والانفاق المتعلق بالأهل وأفضلية ذلك؛ من يتأمل في النصوص سيجد مركزية لهذا الأمر، وبالتالي الإنسان أيضا يجعل لها أولوية في حياته ولو من باب التسديد والمقاربة قدر ما يستطيع الإنسان.

ثم قال الإمام البخاري رحمه الله: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة؛ لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، قوله تعالى: ﴿إِن نَّصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 91].

حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى قال: حدثني، عفوا، عن إسماعيل قال: حدثني قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال: بايَعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.

وقال البخاري: حدثنا أبو النعمان قال: حدثنا أبو عوانة عن زياد بن علاقة قال: سمعت جرير بن عبد الله يقول يقول يوم مات المغيرة بن شعبة، فقام، قام، قام، فحمد الله وأثنى عليه وقال: عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له، لهو الوقار والسكينة حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن، ثم قال: استعفوا لأميركم فإنه كان يحب العفو، ثم قال: أما بعد، فإني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم قلت: أبايعك على الإسلام، فشرط علي والنصح لكل مسلم، فبايعته على هذا، وربي هذا المسجد، إن لناصح لكم، ثم استغفر ونزل.

الكلام على هذين الحديثين من وجوه: الوجه الأول: الصنعة الحديثية وما يتعلق بصنيع البخاري. الإمام البخاري عظيم جدا وذكي جدا حين ختم كتاب الإيمان بهذا الحديث، بهذا الأثر، وكأنه جعله خاتمة بكتابه، وكأنه هو الذي يقول: وربي هذا المسجد، إن لناصح لكم، ثم استغفر ونزل وأغلق كتاب الإيمان، والآن سيبدأ بكتاب جديد وهو كتاب العلم. شيء شيء شيء رهيب، دقة! ما ختم هذا بهذا الحديث وبهذا القصة، عفوا، يعني مو كذا، لا، أنه آخر كلمة في كتاب الإيمان: وربي هذا المسجد، إن لناصح لكم، ثم استغفر ونزل، كأنه أنهى الخطبة، ها؟ أنت عليك تفهمها، هو جعلها لك آخر شيء في كتاب الإيمان، ثم استغفر ونزل، ويسدل الستار على كتاب الإيمان، وينتقل الآن يقول لك: كتاب العلم يبدأ من جديد. براعة البخاري! دقة البخاري! ما قدم بمقدمة ولا ختم بمخاتم، لكن قلت لكم سابقا، وأظني، أظني ذكرت هذا أنه يعني من دقة البخاري، يعني حتى يعني العلماء صاروا يتعودون، يحاولوا دائما يتلمسوا، يتلمسون إيش؛ لذلك هو بدأ مثلا بحديث: إنما الأعمال بالنيات، وختم كتابه كله بحديث: كلمتان خفيفتان على اللسان.

وقالوا في ذلك: طبعا أكثر أحاديث البخاري ليست غرائب وإنما هي من عدة طرق، أما هذان الحديثان فهما غريبان. بعضهم قال عنا بهذا الفعل: بدا الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدا فطوبى للغرباء. بدأوا بحديث غريب وانتهوا بحديث غريب! إيه، دقة عجيبة! وتعلمون لما أول ما بدأ، بدأ: حدثنا عبد الله بن الزبير المكي وبعدين اللي بعده مدني، وأنه كتاب بدء الوحي ومكة والمدينة، هذه طريقة البخاري. أما ختم كتاب الإيمان بهذه الطريقة، جميلة جدا! وأنت تقرأ الحديث ما ودك تشرح، ودك تقول: خلاص وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، يعني القصة حق جرير: وربي هذا البيت إن لناصح لكم، مما استغفر ونزل، خلاص ودك تقول: وصلى الله على نبينا محمد، ما ودك تشرح، تحس بالإغلاق، تحس أنك أنت أغلقت. هذا صنيع البخاري رحمه الله تعالى.

آآ أما من جهة الرجال والأسانيد: مسدد، شيخ البخاري، سيتكرر معكم كثيرا، وهو يروي كثيرا عن يحيى القطان. يحيى القطان هو الذي خرج من، ومن، ومن أحمد بن حنبل، واحد معي؟ علي بن المديني، هؤلاء خرجهم يحيى القطان، هؤلاء الأئمة الثلاثة صنعهم حديثيا يحيى القطان، طبعا لهم روافد أخرى، لكن هذا أهم شيء تقريبا، أو من أهم شيوخهم في علم الحديث على الإطلاق.

كيف يصل البخاري إلى يحيى القطان؟ لأنه هو ما يروي عنه مباشرة، ما أدركه، يحيى توفي أظن سنة مائة وثمانية وتسعين، البخاري ما أدركه، البخاري كان عمره أربع سنوات اليوم توفي يحيى القطان وأصلا البخاري كان في بخارى ويحيى القطان كان بالبصرة، كيف؟ إيه، فيروي عن طريق جماعة، أحيانا يأتيك من طريق مسدد فيقول: حدثني مسدد قال: حدثني يحيى القطان حتى يصل، وأحيانا محمد بن المثنى العنزي، اللي هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

طيب، المهم، هذا يحيى القطان يروي عن من؟ إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم. ابن أبي حازم هذا يعني أحيانا تغبطه وأحيانا تقول: مسكين، تحزن عليه. تغبطه، تغبطه لأنه روى عن العشرة المبشرين بالجنة، روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وكلهم رووا، وتحزن عليه لأنه جاء مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الطريق، كان بينه وبين الصحبة عدة ليالي، بينه وبين أن يكون صحابيا عدة ليالي وهو في الطريق المهاجر توفي النبي صلى الله عليه وسلم. أنت من جهة تغبطه على إدراك أبي بكر والسماع منه، وعمر والسماع منه، وعثمان والسماع منه، وأولئك الكبار، ومن جهة تحزن عليه لأنه فاتته، فاته شرف الصحبة، وأظن جانب الحزن عليه هو أغلب وأكبر من جانب الفرح بلقائه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، قيس بن أبي حازم، قيس بن أبي حازم.

أما الوجه الثاني وهو الكلام على المعنى، ربما يكون واضحا، هذا المغيرة بن شعبة كان والي الكوفة، فجرير خطب يوم وفاته، عام خمسين للهجرة كان عام خمسين، باقي الكلام واضح.

الوجه الثالث في الفوائد المنهجية والتربوية التي يمكن أن تؤخذ من حديث: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإتاء الزكاة. أنا ذكرت فائدة في حديث مر معنا سابقا فيه مثل هذا اللفظ، من يتذكر الفائدة؟ وهي أن البيعة أو المبايعة يمكن أن تكون على أعمال غير المبايعة، غير البيعة الكبرى المتعلقة بالإمامة. الأصل في البيعة أنها متعلقة بإيش؟ الإمامة العظمى اللي هي الخلافة، جيد. لكن النبي صلى الله عليه وسلم جعل من سنن البيعة ومن الأمور السنن المتعلقة بالبيعة أن تكون تماما على أعمال؛ يعني: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم.

إيه، إنه النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع الصحابة أحيانا ليس على، يعني بايعهم على إقام الصلاة، تخيل! طب إقام الصلاة فرض وواجب، ومع ذلك يبايع، هذا زيادة تأكيد: بايعت الرسول صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم. جرير بقي في نفسه قيمة النصح لكل مسلم جراء ايش؟ جراء المبايعة مع النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الخصلة تحديدا، حتى إنه عام خمسين للهجرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة عمل عملا بمقتضى تلك البيعة، وصعد إلى المنبر وقال: إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم، وإني أنصح لكم بهذا الكلام، يعني لا أريد منكم جزاء ولا شكورا، ثم استغفر ونزل. واضح الفكرة؟

وهذا يأخذ منه المربي، يأخذ منه المربي أمرا مهما، وهو ضرورة آآ ضرورة التوصيات الخاصة؛ التوصيات الخاصة يعني يمكن أن يخص بعض طلابه بتوصيات خاصة يظن أنها تنفعهم، أو أن الناس ينتفعون بها عن طريقهم، فهذا يؤخذ منه آآ يؤخذ منه قضية أن المربي أو الداعية قد يخص بعض طلابه ببعض الوصايا التي يظن أنهم ينتفعون بها أو تبقى، ستبقى في أذهانهم، تناسبهم، يمكن أن ينتفع الناس بها عن طريقهم. هل النبي صلى الله عليه وسلم بايع كل الصحابة على النصح لكل مسلم؟ لا، لم يبايع كل الصحابة بالنصح لكل مسلم، صح؟ لكن الذين بايعوا على النصح لكل مسلم بقي هذا في أثرهم، أثر هذا في نفوسهم تماما، ومنهم الذي ورد لنا جرير بن عبد الله البجلي.

طيب، وفي حديث عوف بن مالك في صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تبايعوني؟» وكنا حديث عهد ببيعة. ايش البيعة اللي قال حديث بيعة؟ بيعة ليش؟ الإسلام. الناس كانوا يأتون يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، جيد، وبعد ذلك صارت البيعة اللي هي قضية ايش؟ قضية الخلافة.

النبي صلى الله عليه وسلم قال لعوف بن مالك ومن معه: ألا تبايعوني؟ قالوا وكنا حديث عهد بالبيع فقالوا: على أي شيء نبايعك يا رسول الله؟ فقال: ألا تبايعني؟ قالوا: أليس نبايعك يا رسول الله؟ قال: ألا تبايعني؟ فقالوا: بايعناك يا رسول الله.

وقال -نسيت أو قال-: على ألا تشركوا بالله شيئا، ثم قال وأسر شيئا، وعلى ألا تسألوا الناس شيئا. قال فرأيت أحدهم يسقط سوطه فلا يسأل أحدا أن يأتيه به. هذا كصورة بسيطة فضلا عما هو أعلى منها، هذا معناه أنه تركت في نفوسهم أثرا خاصا، جيد؟ فهذه فائدة مهمة أما للمربي وللداعية أنه يمكن أن يفعلها.

الفائدة الثانية هي دور العالم في الأحداث العامة، الحدث العام هنا ما هو؟ وفاة الأمير -اللي هو مين؟- المغيرة بن شعبة، الذي كان أمير الكوفة في ظل حكم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، أو ملك معاوية رضي الله تعالى عنه.

الذي كان له دور الآن في التنبيه العام هو جرير بن عبد الله البجلي، باعتباره عالما، باعتباره داعية، باعتباره فقيها، وإن كان بعضهم ذكر أيضا باعتبار كونه له علاقة بالأمر، إما أنه نائب أو موصل، لكن ليس هذا من الأمور المتفق عليها، لكن نأخذ منه دور العالم في الأمور العامة والأحداث العامة.

الفائدة الثالثة أنه لا غضاضة ولا حرج ولا نقص ولا إشكال بأن يبين الداعية أو العالم أو الناصح صدقه وحرص ونصحه أثناء الكلام، يبين ذلك؛ يعني قد تحتاج إلى أن تقول: يا جماعة والله أنا لكم ناصح، والله لا أريد منكم جزاء ولا شكورا، يا جماعة والله إنما أحدثكم ابتغاء وجه الله. هنا جرير ماذا يقول؟ وربي هذا المسجد -شوفوا القسم- إني لناصح لكم، هي ليس فقط نصحهم، بل قال: وربي هذا المسجد إني صادق في نصيحتي.

هذا يؤخذ منه أنه قد يستعمل الإنسان أحيانا أنواعا من المؤكدات في الخطاب لأهميته وللفت الانتباه إليه، بالضبط تعزيز قيمة هذا الكلام لدى الناس.

طيب، نكتفي بهذا القدر من فوائد هذا الحديث، على أن هناك أيضا فوائد أخرى. وبهذا نكون قد ختمنا كتاب الإيمان.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا صالح العمل، وأن ينفعنا بما تعلمنا، وأن يتمم لنا هذا الكتاب إلى آخره على خير. اللهم آمين، اللهم آمين، اللهم آمين. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.