بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. نستعين بالله ونستفتح المجلس التاسع عشر من مجالس الساري من هدايات البخاري. لا زلنا في كتاب الإيمان. قال الإامم البخاري رحمه الله: باب علامة المنافق. قال: حدثنا سليمان أبو الربيع، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».
وقال الإمام البخاري أيضا: حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». تابعه شعبة عن دعمش.
الكلام على هذين الحديثين من وجوه: الوجه الأول الكلام على الإسناد وما يرتبط بالصنعة الحديثية. في الحديث الأول لن أتكلم عن شيء من إسناده، والحديث الثاني سأتكلم عن أكثر من موضع من رجاله. الموضع الأول سفيان؛ سفيان هنا هو سفيان الثوري، وعادة أو في الأكثر أصحاب الكتب الستة إذا رووا أو إذا أخرجوا لسفيان الثوري يكون بينهم وبين سفيان الثوري رجلان وليس رجل واحد، ولكن هنا بين البخاري وبين سفيان الثوري رجل واحد. وسفيان الثوري قديم، وسفيان ابن عيينة متأخر، كلاهما من رجال الكتب الستة، وإلى هم من مدارات الحديث، كلاهما من الأئمة من الحفاظ، ويشتركان في بعض الشيوخ إلا أن سفيان ابن عيينة متأخر على سفيان الثوري. وكثيرا ما يذكرون في الأسانيد باسم سفيان فقط بدون نسبة، وكيف يميز بين سفيان الثوري وبين سفيان ابن عيينة؟ هناك علامات ليس هذا الدرس موضع تفصيل لها، ولكن في العادة يكون بين أصحاب الكتب الستة وبين سفيان الثوري اثنان، وبين سفيان ابن عيينة كثيرا ما يكون واحد.
لكن أحيانا الكتب الستة ليس في كل الكتب الستة، وإنما فقط في البخاري وفي سنن أبي داود يوجد بعض الشيوخ يروي عنهم البخاري وأبو داود يكون بينه وبينه سفيان الثوري شخص واحد منهم قبيصة بن عقبة المذكور هنا، فهذه واحدة من الوسائل التي هي التمييز عن طريق التلاميذ؛ قبيصة بن عقبة إذا روى البخاري عن قبيصة عن سفيان فهو الثوري. سفيان الثوري أنا قلت لكم سابقا، إذا قلت عن واحد من أئمة المسلمين -إن اللفظة هذه لا تعطى من جهة بالكوم- لكن هي لمن يكون من أئمة المسلمين فعلا، وسفيان الثوري هو من أئمة المسلمين ومن أئمة المسلمين الكبار، وممن شهدت له الأمة بالتقدم والفضل والعبادة والزهد والسلوك والحديث، ووصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث. وكان من العباد الكبار، وكان من الفقهاء تنقل أقواله في الفقه كثيرا، إذا هو معروف بالفقه وهو على مذهب أهل الكوفة، ومعروف بالحديث.
وهو باختصار شديد باختصار شديد، لا يكاد يوجد محدث راو على الإطلاق من أصحاب الكتب الستة إلى التابعين يصل إلى درجة سفيان الثوري في الحفظ، لا مالك ولا غير مالك من حيث الحفظ، سفيان الثوري لا يكاد يجاريه أحد على الإطلاق، من بين الآلاف المؤلفة من رواة الحديث لا يكاد يصل إليه أحد في الحفظ، طبعا هناك من يقدم غيره أو شيء، ولكن الأغلب من المحدثين يقولون سفيان الثوري هو رقم واحد. هذا سفيان الثوري مشهور كما قلت بالفقه على مذهب أهل الكوفة، مشهور بالحديث من أحفظ حفاظ الدنيا، الأمر الثالث مشهور بالعبادة والزهد والسلوك وتنقل أقواله كثيرا في أبواب الرقائق والسلوك. مع ذلك سفيان الثوري توفي وهو مطارد من الأمراء العباسيين في تلك المرحلة، وهو توفي عام مئة وواحد وستين تقريبا، وكان هو وعدد من شيوخ أهل الحديث كانوا مختبئين من بعض أمراء سواء سابقا في الأمويين أو في العباسيين، فهذه حاله في الإامة والفضل والتقدم، مات مختبئا من بطش بعض الأمراء.
يروي عن من؟ يروي عن الأعمش، الأعمش اخذناه أمس، قلنا أنه هو سليمان بن مهران أحد الرواة الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث. طبعا هو لا يقارن بسفيان في الحفظ، لا يقارن بسفيان في التقدم في الإامة أو كذا، ولكنه الأعمش، الأعمش من حيث الكثرة والرواية والاجتماع والحفظ كذلك. الأعمش بما أنه أحد الرواة الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث، فلابد أن نعرف شيئا من الرواة عنه، لأنه مرة أخرى إذا كان عندنا ستة تدور عليهم الأسانيد الصحيحة كما قال علي بن المديني ونريد أن نعرف من الرواة أو من الذين يصلون إلى هؤلاء الستة؟ أو كيف نصل نحن إلى هؤلاء الستة؟ نحن باعتبار قراءتنا للكتب الستة -يعني أصحاب الكتب الستة كيف يصلون إلى هؤلاء؟- هذه خطوة، لكن بدايتها من هم تلاميذهم؟ من تلاميذ هؤلاء الستة؟ الأعمش واحد من هؤلاء الستة، من تلاميذه أثبت من روى عن الأعمش على الإطلاق هو سفيان الثوري، أثبت من روى عن الأعمش على الإطلاق سفيان الثوري.
طيب من يروي عن الأعمش؟ يروي عنه شعبة، رقم واحد سفيان الثوري، رقم اثنين شعبة، شعبة تكلمت عنه سابقا كثيرا أمير المؤمنين في الحديث أيضا، وله رواة آخرون كثر يأتون في وقتهم إن شاء الله، مثل أبو معاوية، وكيع، إلى آخره، لكن الآن ما يحتاج نسترسل أكثر فيما يتعلق بالأعمش. مسروق -هذه النقطة الثالثة في الوجه الأول- مسروق هو أحد الرواة المكثرين عن عبد الله بن مسعود ومن أصحابه، من يذكر لنا مين الراوي اللي ذكرناه أمس من أصحاب عبد الله بن مسعود أنه كان يشبه بعبد الله بن مسعود هديا ودلا؟ القمري! يا سلام عليكم! يا سلام! علقمة، جميل جدا. هؤلاء أصحاب ابن مسعود، علقمة ومنهم مسروق. مسروق هذا مسروق أيضا قديم، حتى توفي قبل بعض الصحابة، والعجيب أن مسروقا وعلقمة -أن مسروقا وعلقمة كلا هذين الرجلين يرويان عن عائشة رضي الله تعالى عنها- يعني هناك أحاديث عن عائشة من طريق مسروق وعلقمة، كانوا يأخذون عن عائشة، وهذا طبعا فيه ما فيه من الدروس من أن الرجل قد يأخذ عن المرأة العلم، الرجل قد يأخذ عن المرأة العلم إذا كانت مثل عائشة. مسروق وعلقمة قلت هو من أصحاب عبد الله بن مسعود ومن أصحاب عائشة رضي الله تعالى عنها، هذا فيما يتعلق بالوجه الأول من الكلام على وجوه الحديث.
الوجه الثاني من الكلام على الحديثين وليس الحديث الواحد، هو في قضية بيان الغريب وتوضيح المشكل. من حيث الغريب فأغلب الألفاظ أو جل الألفاظ أو جميع الألفاظ واضحة، ولكن من حيث الإشكال، وقد اشكل على بعض العلماء أن هذه الصفات المذكورة من صفات المنافقين أنها ليست موجبة للكفر، والله سبحانه وتعالى قد ذكر في كتابه أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وكيف يكون في الدرك الأسفل من النار من يكون بهذه الصفات التي هي ليست كفرا؟ يعني خيانة الأمانة، والكذب في الحديث، والغدر عند العهد، والفجور في الخصومة، وإخلاف الوعد، هذه ليست كفرا، هذه الصفات ليست من صفات الكفر، كيف تكون علامة على المنافق الذي هو يبطن الكفر ويظهر الإسلام؟
الجواب هو: دعونا نرى دقة البخاري، دقة البخاري هكذا نغوص شيئا حتى نفهم حل إشكال طرأ على أو وقع فيه كثير من الناظرين في هذين الحديثين، بينما البخاري يريد أن يح لك الإشكال دون أن حتى يقول لك أنا حليت الإشكال! ما الباب الذي قبل هذا؟ ظلم دون ظلم، يا سلام. وقبله ببابين قال: المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها، وقبله بباب قال: كفران العسير، شوفوا كفر -ذكر الحديث في لفظ الكفر- والمعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها، ثم قال لك: ظلم دون ظلم، ثم قال لك: آية المنافق ثلاث، وأربع من كن فيه كان منافقا. ايش نفهم من هذا الترتيب؟ أنا أظن والله أعلم أنه يفهم من هذا الترتيب أن البخاري يريد أن يقول: إنه كما أن هناك كفرا دون كفر، وكما أن هناك ظلما دون ظلم، فإن هناك نفاقا دون نفاق، وهناك نفاق أكبر وهناك نفاق أصغر. وكما أثبت في الحديث السابق أن الظلم قد يأتي ولا يراد به الكفر وقد يأتي ويراد به الكفر، وكذلك النفاق قد يأتي ويراد به النفاق الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة، وقد يراد به النفاق الأصغر الذي لا يخرج صاحبه من الملة، ولكن طريق النفاق الأصغر طريق إلى النفاق الأكبر. إذا هذا من حيث حل الإشكال.
الوجه الثالث من الكلام على هذين الحديثين فيما يمكن أن يستنبط منها من جهة المعاني المنهجية والتربوية والإيمانية؛ هذان حديثان عظيمان يستخرج منهما أن الإيمان ليس اعتقادا فقط، ويستخرج منها مركزية العمل بالعلم، ويستخرج منها أن العمل معيار للإيمان، وبناء على ذلك كله كانت هذه الصفات -بين قوسين العملية- علامة من علامات النفاق، مع أن صاحب هذه الأعمال قد لا يبطن في داخله الكفر، ومع ذلك يلقب بأنه منافق وتكون هذه العلامات دالة على نفاقه. القضية ليست قضية اعتقاد يجعله الإنسان في نفسه وينتهي ويضمن الجنة، اعتقاد بالإسلام وينتهي، لا. وهذا الاعتقاد هو الأساس، ولكن العمل فرع عن هذا الاعتقاد ولازم له، فإذا كان الإنسان يقول إنه مسلم وأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، فلك أن تقول له: وأين إسلامك؟ وكأنك حين تقول أنا مسلم ثم تفعل هذه الأفعال أنت أقرب إلى المنافقين، لأن المنافق كاذب، المنافق يقول إنه مسلم بظاهر لسانه وفي داخله كافر، وهذا يقول إنه مسلم وفي حقيقته حين يعمله لا يعمل أعمال المسلمين، فهذا وجه أو هذا من أهم وجوه ارتباط الحديث أو الصفات هذه بالنفاق.
لذلك نريد قياس الإيمان وقياس النفاق؛ دعونا من المظاهر، من كثير من المظاهر، أنا أتكلم عن المظاهر الشرعية المظاهر الشرعية المطلوبة، لكن ائتوني بالشخص إذا حدث فإن كان دائم الكذب في حديثه فيخرج من هذه المعادلة، ائتوني بالشخص إذا أودع أمانة فإن كان يخون الأمانة فهو يخرج من هذه المعادلة، ائتوني بالشخص إذا عاهد إذا كان يغدر يغدر فيخرج من هذه المعادلة، ائتوني بالشخص الذي إذا خاصم ووقع في خصومة مع أحد فانه ينسى كل شيء، ويأتي يعني بأنواع الفجور وأنواع الظلم وأنواع الطغيان بسبب خصومته، هذا الذي إذا رأيتموه غضب ينسى كل شيء ويصرخ بكل شيء ويلعن كل أحد يفعل ما يفعل ويجحد كل جميل، هذه القضية لا يعني يطبطب عليها بأنه والله غضبان أو زعلان، هذه القضية يجب التحذير منها لأنها من صفات المنافقين. إذا هذه القضية الأولى وهي قضية في غاية الأهمية.
القضية الثانية هي التركيز على كل عمل من هذه الأعمال المذكورة في الحديث، دائما نعرف عظمة العمل من جهتين من إحدى جهتين: أما من جهة التأكيد على فضله، وأما من جهة التأكيد على وزر من يعمل ضده. نعرف قيمة الأعمال في الإسلام من جهتين، أما من جهة التأكيد على فضلها، واما من جهة بيان إثم تاركها أو إثم من يفعل ضده. فهنا كل خصلة من هذه الخصال وصفت بأنها من خصال المنافقين، إذا كل خصلة من هذه الخصال يجب على المؤمن أن يركز عليها تركيزا تاما؛ الأمانة صفة أساسية من صفات المؤمن، الصدق صفة أساسية من صفات المؤمن، الوفاء وعدم الغدر صفة أساسية من صفات المؤمن، الاستقامة والغضب والرضا وعدم الفجور في الخصومة صفة أساسية من صفات المؤمن، وهكذا في باقي الصفات. هذا الفقه الأهم الذي نأخذه من هذين الحديثين، نأخذ قضية الاهتمام بهذه الأعمال وإعطائها الأولوية.
حسنا، ننتقل إلى الباب التالي، قال الإامم البخاري رحمه الله: باب قيام ليلة القدر من الإيمان. قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، قال: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». الكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول فيما يتعلق بإسناده، هذا الاسناد مر معنا كاملا، من المفترض أنه مر معنا كاملا، أبو اليمان عرفتموه، روايته عن شعيب عرفتموها، شعيب أنه يروي عن اثنين قلت سابقا عن الزهري وعن أبي الزناد، أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قلنا سلسلة من أصح الأسانيد، هذا الإسناد المفترض أنكم تعرفونه كاملا، والذي كرره منكم يتذكر ما قيل فيه. الآن لو قلت له: هيا يا عبد الله أو يا حسن أو يا أي واحد منكم، قل لي: البخاري أخرج حديث من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، من أيش إسناده؟ صدقوني اللي مركز معانا جيدا ومراجع بشكل جيد ما يحتاج يحفظ هذا الإسناد، ما يحتاج يحفظه.
خلاص أبو اليمان عن شعيب أنا بالزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، هذا إسناد الحديث انتهينا. واضح جدا ما يحتاج أحفظه؛ لأنه المفترض أن هذه السلسلة محفوظة لديك ومعروفة. على أية حال، أكيد أن الكثير لن يحفظها الآن بهذا الشكل السريع، ولكن سيأتي بإذن الله تعالى الوجه الثاني من كلام الحديث في بيان الغريب وتوضيح المشكل.
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «احتسابا»، المقصود فيه طلبا للثواب، يعني يحتسب عند الله أجره.
الوجه الثالث: الكلام على ما يستنبط من الحديث من معاني. الكلام على ليلة القدر وما يتعلق بها سأؤجله إن شاء الله إلى موضعه في كتاب الصيام أظن. وقد قلت سابقا إن طريقتنا في الأحاديث المكررة أنه يتم الشرح الموسع في موضع واحد، ولا بأس من الإشارة في الموضع الآخر، سواء أول أو آخر، إلى بعض الفوائد الأخرى.
ننتقل للحديث التالي: الإمام البخاري، باب الجهاد من الإيمان. قال: حدثنا حجاج بن حفص، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا عمارة، قال: حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي، بأن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة. ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل».
الكلام على هذا الحديث من وجوه. أما الوجه الأول، فلا يوجد شيء أريد التعليق عليه فيما يتعلق بالإسناد.
الوجه الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «انتدب»، انتدب الله، أي تكفل الله، تكفل الله لمن خرج في سبيله. وباقي الحديث واضح من حيث الألفاظ.
الكلام على الوجه الثالث في الفوائد التي يمكن أن تستنبط من الحديث. هذا الحديث من الأحاديث العظيمة جدا، هذا الحديث تستخرج منه كنوز من الفوائد، وتعرف به مقامات عالية من مقامات الإسلام. بهذا الحديث وأمثاله عرف فضل الجهاد في سبيل الله ومركزيته في الإسلام، وأن الجهاد في سبيل الله من أعظم ما يمكن أن يعمله الإنسان المسلم. وقد تكرر هذا كثيرا، سواء في كتاب الله سبحانه وتعالى أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تنوعت فضائل الأجور والدرجات التي ضمنها الله سبحانه وتعالى وبلغها رسوله للمجاهد في سبيل الله، الذي يبتغي بجهاده وجه الله سبحانه وتعالى.
أما الذي يبتغي بجهاده البطر والرئاسة، ويبتغي بجهاده السمعة الشخصية، أو يبتغي بجهاده تحصيل الأموال والدعم، أو يبتغي بجهاده اعتبار سمعة القبيلة أو البلد أو القوم أو القرية أو إلى أخره، فهذا حظه من جهاده ما أراد، ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
واحدة من هذه الفضائل أن الله سبحانه وتعالى تكفل للمجاهد في سبيله بأحد أمرين، هذا ضمان من الله لك بأحد أمرين: إما الجنة، أو أنه يرجعك إلى منزلك الذي خرجت منه بما نلته من أمرين أيضا، الأجر والغنيمة، وهذان أمران لا ينفكان عن المجاهد، إما الجنة وإما الأجر أو الغنيمة، أي الأجر والغنيمة مع السلامة والرجوع. هذا الفضل للمجاهد في سبيل الله سبحانه وتعالى، هذا فضل واحد، واما الفضائل الأخرى فستأتي إن شاء الله في كتاب الجهاد، فضائل لا تخطر على بال الإنسان. ولا يحقر من شأن هذه الفريضة العظيمة من فرائض الإسلام إلا إنسان لا يعلم مقامات الشريعة، ولا يعلم أن هذه المنزلة هي ذروة سنام الإسلام.
ولكن يجب على الإنسان، خاصة في مثل هذه الأزمنة، أن يكون فقيها عالما أين يضع نفسه، غير مغتر بأي شعار يرفع أو دعوة يصاح بها، وفي نفس الوقت يعني لا يتأثر بالدعاوى التي تريد إلغاء هذه الشعيرة من صفحات المصحف، ومن أوراق الأحاديث، ومن قلوب المسلمين وصدورهم.
الفائدة الثانية فيما يتعلق بهذا الحديث: في منزلة الشهادة في سبيل الله وفضلها، النبي صلى الله عليه وسلم يقول، وفي رواية أخرى يحلف يعني يقول: «والذي نفسي بيده، لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل». يعني القضية ليست أنه فقط تمني الشهادة، لا، القضية أول شيء أنه من هذا الذي يتمنى؟ من الذي يتمنى أن يقتل في سبيل الله؟ النبي صلى الله عليه وسلم.
النبي صلى الله عليه وسلم حين يتمنى القتل في سبيل الله، معناه أنه في شيء خاص للشهيد، في شيء عظيم للشهيد، في شيء مبجل، في شيء يعني في غاية الشرف لمن يقتل في سبيل الله. تمني النبي صلى الله عليه وسلم لأن يقتل في سبيل الله، معناه يكفي الشهيد شرفا والشهادة فخرا أن يتمنى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل شهيدا، أن يقتل في سبيل الله.
هذا ليس هذا الذي في الحديث فقط، وإنما فيه أيضا أنه يتمنى أن يحيى مرة أخرى ليقتل ثانية، ثم يحيى ثم يقتل. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أحد يدخل الجنة يتمنى أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد». يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول إنه أنت إذا دخلت الجنة ترى ما في أحد يدخل الجنة يتمنى أنه يرجع للدنيا، هذا حديث صحيح في البخاري أيضا. ما أحد يدخل الجنة يتمنى أن يخرج منها ويرجع إلى الدنيا. هل يتمنى أحد أن يرجع إلى الدنيا دار الشقاء والنكد والهم الضيق والغم والمشاكل والغش والحسد والزور والنفاق والرياء والخداع وإرادة الكيد والوسوسة والنميمة والغيبة؟ في أحد يدخل الجنة التي لا نصب فيها، التي لا يسمع المؤمن فيها لغوا ولا تأثيما؟ في أحد يدخل الجنة ويتمنى يرجع إلى هذه الدار مع كل ما فيها من النقص؟ ما في أحد يتمنى إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع فيقتل مرة أخرى لما يرى من الكرامة.
وهذا كلام حق قاله النبي صلى الله عليه وسلم، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا من أن نكون شهداء في سبيله. هذا والله تعالى أعلم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد