دخولتسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين. وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. اللهم إني أسألك العون والتوفيق والتسديد والتسهيل والبركة.

نستعين بالله ونستفتح المجلس العشرين من مجالس غيث الساري من هدايات البخاري. قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الإيمان: باب تطوع قيام رمضان من الإيمان. حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».

ثم قال: باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان. حدثنا ابن سلام قال: أخبرنا محمد بن فضيل قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».

هذان الحديثان من الأحاديث التي سنؤجل الكلام عليها إلى موضعها في كتاب الصيام بإذن الله، كما ذكرت ذلك يوم أمس في حديث من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا. ولكن فقط أشير إشارة سريعة إلى أن البخاري أوردها هنا لأجل عد خصال الإيمان، أو ذكر شيء من خصال الإيمان، لأنه يتكلم عن كتاب الإيمان ويريد أن يقول لك: إن قيام رمضان من الإيمان، إن صيام رمضان من الإيمان، إن قيام ليلة القدر من الإيمان، إلى آخره. لكن نتجاوز الحديث عما في هذين الحديثين إلى الموضع الذي ذكرت.

ثم ننتقل إلى الباب التالي، قال الإمام البخاري رحمه الله: باب الدين يسر، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة. حدثنا عبد السلام بن مطهر قال: حدثنا عمر بن علي عن معن بن محمد الغفاري عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة».

الكلام على هذا الباب والحديث من عدة وجوه. الوجه الأول في الصنعة الحديثية والإسنادية، هناك عدة نقاط في هذا الوجه. أولا قول الإمام البخاري وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة. هذا الآن الحديث لم يذكر البخاري إسناده. حسنا، البخاري لماذا لم يذكر إسناده؟ لماذا لم يذكر البخاري إسناد هذا الحديث؟ الجواب: لأن إسناد هذا الحديث ليس على شرط البخاري، فلذلك من طريقة البخاري أنه إذا أراد أن يستدل بحديث لم يكن على شرطه، لم يكن على نفس درجة الصحة التي يريد، يذکرها هكذا في الباب بدون إسناد، فيقول لك: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو باب الدين يسر وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة. هذه من طريقة الإمام البخاري رحمه الله ومن دقته، لا يصح لك أن تقول إن حديث أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة اخرجه البخاري وتسكت هكذا، لا، وإنما تقول: أورده البخاري معلقا.

هذه النقطة الأولى في قضية الصنعة الحديثية. النقطة الثانية في أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأصحابه؛ سابقا في أكثر من درس ذكرت أن هناك عدة رواة لأبي هريرة، أصحاب لأبي هريرة اخذوا عنه العلم ورووا عنه الحديث. لو نتذكر سويا من أولئك الذين ذكرت: الأعرج صحيح، أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف صحيح، وأيضا سعيد بن المسيب صحيح، وأيضا محمد بن سيرين يا سلام صحيح. طيب، ممكن أنا أكون ذكرت هؤلاء فقط. حسنا، نضيف إليهم خامسا إذا لم أذكره: سعيد المقبري، هذا الراوي هنا في هذا الحديث سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو يروي عن أبي هريرة كثيرا، البخاري روى له أحاديث متعددة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهناك حميد بن عبد الرحمن بن عوف الوارد في الحديث الذي قبله الذي قرأناه، الحديث الذي قبل قبله عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، نضيف هذا السادس كمان، حميد ليس مكثرا ولكنه من الرواة عن أبي هريرة.

إذا لا بد لنا أن نفهم من الذين اخذوا العلم عن أبي هريرة رضي الله عنه؟ أليس أبو هريرة هو أكثر من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ حسنا، من الذين حملوا علمه؟ وإذا كان أكثر من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فنحن لم نعلم أنه أكثر من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا برواية الرواة عنه. نريد أن نعرف من الذي أخذ عنه، هؤلاء الستة أو الخمسة هم الذين أكثروا الرواية عن أبي هريرة، ليسوا هم وحدهم، هناك غيرهم، ولكن هؤلاء من أكثر من روى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. أظني ذكرت لكم أبو صالح السمان أيضا؟ ما ذكرت أبو صالح السمان؟ نكوّن، وأيضا من الرواة المهمين جدا والمكثرين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم.

حسنا، الوجه الثاني من الكلام عن الحديث هو في بيان الغريب. أولا في الباب قال: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة. أصل تسمية الحنيف، والله سبحانه وتعالى وصف إبراهيم بأنه حنيف، أصل الحنيف أو الحنيفية أصلها من الميل، من معنى الميل. والمراد بالميل هو الميل عن الباطل إلى الحق، الميل عن الباطل إلى الحق، وهذا معنى جليل جدا وهو أنه دائما لا بد أن يكون هناك باطل وحق، وأنه لا يكفي للإنسان أن يسير على طريق الحق دون أن يعلم أنه مخالف للباطل أو ليس في طريق الباطل، يعني دائما سيكون الباطل موجودا، فحين ينحرف الإنسان عن طريق الباطل ويميل عنه عمدا إلى طريق الحق يسمى حنيفا. السمحة: السهلة.

حسنا، ومن الأشياء التي ربما تحتاج إلى توضيح قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا». التسديد والمقاربة كلمات قريبة من بعض، وإن كان التسديد يدل على مزيد من الصواب، يعني التسديد ربما ذكروا فيه مشابهة تسديد السهم، إذا أصبت الهدف بعينه في المنطقة التي تريدها بالضبط هذا يسمى تسديدا، وإذا قاربت الهدف أصبت حوله قريبا منه فهذه تسمى مقاربة. ولذلك قالوا: التسديد هو الصواب، وبعضهم قال هو التوسط، الصواب المتوسط أو التوسط لا اشكال. قاربوا: يعني حاولوا، اجتهدوا، قاربوا الصواب، اقتربوا منه.

وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة. الغدوة هي السير في أول النهار، والروحة السير في وسط النهار من بعد الزوال، والدلجة هو السير في الليل، وشيء من الدلجة يعني شيء من سير الليل. هذا الآن من ناحية بيان الألفاظ، والوجه الثالث إن شاء الله سأذكر ما يتعلق بالدروس والعبر.

إذا هذا الحديث من حيث معناه يؤكد فيه النبي صلى الله عليه وسلم على ضرورة التوسط في السير، وعدم التشديد في سير الإنسان إلى طريق الآخرة، وأنه يستعين في سيره أوقات ولا يسير في كل الوقت، وإنما يستعين بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة؛ مثل الذي يسافر من بلد إلى بلد لو صار أربع وعشرين ساعة كل يوم في السفر سيهلك، لكن متى تأتي على المسافر أوقات ينشط فيها؟ يعني تذكروا وقت قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام، الإنسان يسافر عشرة أيام مثلا من المدينة إلى مكة تسعة أيام، ليس في كل الوقت يستطيع المشي، فهو يتطلب أوقات تكون توافق صحته أو نشاطه أو إقباله. النبي صلى الله عليه وسلم يشبه هنا السير إلى الله بسير المسافر في سفره، فكما أن المسافر يستعين بأوقات معينة وقت نشاطه ليصل، فكذلك المسافر إلى الله في طريق الآخرة يجب أن يستعين بنشاطه وأوقات معينة ولا يهلك نفسه في الطريق.

هذا المعنى الإجمالي، ننتقل إلى الدروس أو الفوائد التي يمكن أن تستخرج من الحديث. ولذلك نقول: الوجه الثالث المعاني الإيمانية والتربوية والمنهجية، وما يتعلق بهدي النبي صلى الله عليه وسلم مما يمكن أن يستنبط من هذا الحديث. أولا هذا الحديث نستفيد منه قاعدة منهجية كبرى وهي أن معيار الصواب والخطأ فيما يتعلق بالتعبد وفيما يتعلق بالمسير إلى الله سبحانه وتعالى ليس أنت الذي تحدده ولا أنا الذي أحده، الذي يحدده هو الشارع، والله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

إذا كان الإنسان تُرِكَ إلى تقديراته الشخصية ليستنتج ويستنبط أي طرق أحب إلى الله سبحانه وتعالى، كثير من الناس سيجيب أنه كلما أكثرت العمل ازددت قربا إلى الله سبحانه وتعالى، النبي صلى الله عليه وسلم يقول لك هنا لا، ليست القضية بكثرة العمل، كثرة العمل إذا كانت موافقة للشرع فهذه أفضل بلا شك من قلة العمل، ولكن ليس الإكثار دائما هو المعيار، ليس الإكثار هو المعيار، وإنما المعيار يحدده الله ويحدده رسوله صلى الله عليه وسلم.

فمن المعايير المهمة في السير إلى الآخرة هي قضية التوسط والقصد، كما في رواية في البخاري نفس الصحيح من طريق أيضا سعيد المقبري عن أبي هريرة ولكن من رواية ابن أبي ذئب عنه في كتاب الرقاق، قال في الحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «والقصد القصد تبلغ». يعني السير المتوسط المتأني الذي لا يهلك الإنسان فيه نفسه، لا إفراط ولا تفريط، هذا من معايير الصواب. ومن المعايير أيضا المداومة على العمل، إذا كنا نقول أي العمل أحب إلى الله، ترى من أهم المعايير في قضية المحبة أن تعمل ما يحب الله سبحانه وتعالى هي قضية المداومة والاستمرار والثبات. على أي حال هذه الفائدة الأولى، وهي أن الذي يحدد المعايير في أفضلية السير إلى الله سبحانه وتعالى هو النبي صلى الله عليه وسلم وليس هوى الإنسان أو شخصه.

الفائدة الثانية وهي أيضا فائدة منهجية، الأولى منهجية والثانية منهجية، الفائدة الثانية هي أن الإسلام يعتني بذل السبب والاجتهاد والإخلاص أكثر من اعتناائه بتحقق النتيجة، وهذا ذكرته سابقا في أي حديث؟ نتذكر، ذكرت هذه الفائدة بعينها، ومن الجيد أن تُعاد نفس الفائدة من حديث آخر حتى يتم الربط، من يذكر؟ القاتل والمقتول في النار، قال لماذا؟ قال: «لانه كان حريصا على قتل صاحبه». ففي ذلك الحديث قلت هذه الفائدة والآن أكرر هذه الفائدة.

طيب، من أين نأخذ هذه الفائدة من الحديث؟ من وين تستنبط هذه الفائدة من الحديث؟ يا سلام، قاربوا، من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قاربوا». المقاربة فيها مقاربة للهدف، سددوا وقاربوا، جيد، فهذه فائدة أخرى منهجية نستفيدها من الحديث. إذا لو قلنا هناك قاعدة تقول إن الإسلام يهتم بالسبب والاجتهاد والبذل والإخلاص أكثر من اهتمامه بتحقق النتيجة، ما الأدلة على هذه القاعدة؟ هذه قاعدة منهجية.

ما الأدلة على هذه القاعدة؟ ممكن نقول إنه كان حريصا على قتل صاحبه، اثنين: سددوا وقاربوا، ولو تأملنا في الشريعة سنجد نصوصا أخرى، مثلا إذا حكم الحاكم فاجتهد فاصاب فله أجران وإن أخطأ فله اجر، مع أنه أخطأ، أخطأ في النتيجة ولكنه اجتهد في السبب. وأيضا: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله، ليس المهم أن يصل إلى دار الهجرة، هو طبعا الهجرة ما هي؟ الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، هذه أظهر صورة من صور الهجرة، حسن، واحد انتقل لكن ما وصل لدار الكفر، لكن ما وصل لدار الإيمان، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100].

على أي حال هذه الفائدة الثانية المنهجية التي تؤخذ من الحديث من جملة قاربوا. أيضا من الفوائد التي يمكن أن نستخرجها من الحديث مشروعية بل أهمية الاستبشار والفرح والتفاؤل وإشعار النفس بأثر العمل وإحسان الظن بالله سبحانه وتعالى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وأبشروا». أمنوا من ربكم خيرا، إذا أنتم سددتم وقاربتم أمنوا من ربكم خيرا، أبشروا، أحسنوا الظن بالله سبحانه وتعالى. وأبشروا لا تساوي اغتروا، ولكن تساوي افرحوا بفضل الله، استبشروا بنعمة الله، هذا معنى أبشروا. ولذلك نقول للإنسان أيضا يتوازن، ليس دائما الشعور الصحيح هو الشعور بالتقصير أو الشعور بالخطأ، نعم هذا شعور بشكل عام يلازم الإنسان المؤمن من ناحية أنه لم يوف الله حقه، هذا شعور صحيح، ولكن ليس معنى أن الإنسان لم يوف ما يجب لله من حق...

ليس معنى ذلك أنه لا يكون محسن الظن بالله سبحانه وتعالى. وليس معنى ذلك ألا يلتمس الفضل من الله ولا الثواب من الله، فهي توازن أيضاً؛ توازن بين الخوف والرجاء. ابشروا وسددوا وقاربوا وأبشروا.

هذه تقول لنا ثلاث فوائد، الفائدة الرابعة هي استعمال الأمثلة المحسوسة لتقريب المعاني أو نعم المعاني المعنوية. يعني هنا النبي صلى الله عليه وسلم يشبه السير إلى الله -وهو معنوي- بالسير في طريق السفر، فيقول في النبي صلى الله عليه وسلم يعني يريد أن يربط أذهانكم بصورة عملية يرونها دائماً ومارسونها، وهي أنكم إذا أنتم إذا سافرتم إذا أردتم أن تقطعوا السفر في أقرب مدة بأن لا تناموا ولا ترتاحوا ولا تفعلوا شيئاً من التوقف، إنما السير الجاد الدائم، فأنتم تعلمون أنكم ستهلكون ولن تصلوا.

ولكن المسافر يستعين بالغدوة، يكون توه مثلاً صاحي من النوم، أول لسا الشمس ما طلعت يعني حتى لو كان يسير في آخر الليل، ويستعين يمشي في أول النهار، فإذا اشتدت اشتدت الشمس ارتاح أخذ ظلاً أو شيئاً، ثم يستعين بالروحة في قطع مشواراً، ثم يرتاح، ثم يستعين بشيء من الدلجة؛ شيء من سير الليل. وهنا هذه الصورة جميلة وواضحة بالنسبة لهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أرأيتم تلك حالة المسافر؟ كذلك أنتم في سيركم إلى الله؛ لا تظنوا أنكم تسيرون على طريقة واحدة وعلى سير واحد فتنقطع في المنتصف، وإنما اعرفوا افقهوا أنفسكم، وافقهوا السير إلى الله وطريق الآخرة، وتوازنوا وسددوا وقاربوا وأبشروا، لا تظنوا أنه أنكم ستنالوا لذلك في رواية في الحديث نفسه في البخاري الرواية التي ذكرت اللي هي رواية ابن أبي ذئب عن المقبري في كتاب الرقاق في نفس الحديث: «لن ينجي أحداً منكم عمله». لا تظنوا أنكم بهذا العمل ستستوجبون الجنة قطعا، وإنما ترى الجنة وما يستحقه الله هو أعظم من ذلك، لذلك الله سبحانه وتعالى يرحمكم، وهذه الأعمال هي من الأسباب، فلا تتعامل مع الله سبحانه وتعالى على أساس أنه يعني العمل الذي تعمله هو كأنه ثمن مقابل واضح استلام وتسليم وما إلى ذلك، لا، الله يريد منك أن لا تشاد دينه، وإنما تسير سيراً متوسطاً مقتصداً.

هذه الفائدة الرابعة. الفائدة الخامسة استغلال راحة النفس وإقبالها للمزيد من الطاعات، هذه فائدة منهجية سلوكية تعبدية؛ إذا رأيت من نفسك إقبالاً وانشراحاً عن العبادة فأعطها دعها تتعبد، وإذا رأيت منها تعباً أو شيئاً اجعلها ترتاح، ولذلك كان معاذ رضي الله تعالى عنه ابن جبل يقول -وهوهو من أعلم الصحابة وهذا في البخاري أيضاً فيما أذكر-: إني لأحتسب في نومتي ما أحتسب في قومتي. هو كان مسخر حياته للعبادة لله سبحانه وتعالى، ولكنه يفقه أنه إذا ارتاح جيدا فقيامه سيكون حسناً، وإذا لم يرتح جيداً فقيامه سيكون وهو منهك، ولا يتدبر معاي القرآن بشكل جيد، لذلك كان ينام ويحتسب في هذه النومة أنه سيقوم نشيطاً مقبلاً مرتاحاً.

هذا إذا فقه الإنسان طريق الآخرة فإنه يتعامل مع نفسه بالمساومة والمسايسة؛ إذا أقبت تعطيها، وإذا أدبرت يريحها قليلا، وهكذا يراوح يسير في الغدوة أو في الغدوة والروحة وشيء من الدلجة. وهذا التشبيه أخذ منه بعض العلماء التعبد في هذه الأوقات تحديدا، نستفيد من هذا الحديث قضية المثال أنه السير يعني في حالات، وأيضاً بعض العلماء قالوا هذه الأوقات مقصودة أصلاً، أنه اعبدوا الله في الغدوة وفي الروحة وفي شيء من الدلجة، بعض العلماء أخذ أيضاً هذه الأوقات بعينها للعبادة.

أيضاً من الفوائد التي نستفيد من الحديث وهي الفائدة ربما السادسة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبين الحقائق والمعاني في أقل الألفاظ وبجوامع الكلم. أنتم ترون أن هذه هذا الحديث سطر واحد أو سطرين تقريبا، ولكن هو مليء بالمعاني؛ يعني انظروا كم جملة موجودة في هذا السطر؟ كم جملة موجودة في هذا السطر؟ إن الدين يسر، هذا الآن معنا. لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، هذي معنى. سددوا، قاربوا، أبشروا، استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة. الآن هذه ست جمل، كل واحدة منها مهمة وأنت تراها في سطر واحد.

النبي صلى الله عليه وسلم كان يختصر الكلام اختصاراً وكان يقول جمل واضحة ولا يتكلف الألفاظ الغريبة، الرسالة دائماً تكون واضحة من النبي صلى الله عليه وسلم، يستفيدها الصحابة يتلقونها بهذا الوضوح، بهذه الفصاحة، بهذا البيان، بهذا التركيز، فيسهل حفظها ويسهل العمل بها. ونحن ليس بالضرورة أن يكون اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أو ليس بالضرورة أن يكون معنى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم هو في هذا التركيز، وإنما أو في هذه الجمل أو في الاختصار الشديد، وإنما معنى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا هو في قضية الحرص على البيان وعلى الأسلوب المناسب وعدم الإثقال والوضوح وما إلى ذلك من المعاني التي يمكن أن تستخرج من أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في خطابه لأصحابه.

نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.