بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم إنا نسألك أن تنزل علينا من رحماتك وبركاتك.
أما بعد، فهذا هو المجلس الخامس من مجالس الساري من هدايات الإمام البخاري، من هدايات صحيح الإمام البخاري. وبفضل الله سبحانه وتعالى انتهينا من كتاب بدء الوحي، وها نحن اليوم ننطلق في كتاب جديد وهو كتاب الإيمان.
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الإيمان، باب الإيمان وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس»، وهو قول وفعل ويزيد وينقص. قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13]، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76]، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: 31]. وقوله جل ذكره: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: 124]، وقوله: ﴿فَخَشُوهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأحزاب: 39]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22].
«والحب في الله والبغض في الله من الإيمان». وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: «أن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن عشت فأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن مت فما أنا على صحبتكم بحريص». وقال إبراهيم: «ولكن ليطمئن قلبي». وقال معاذ: «اجلس بنا نؤمن ساعة». وقال ابن مسعود: «اليقين الإيمان كله». وقال ابن عمر: «لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر». وقال مجاهد: «شرع لكم أوصيناكم يا محمد وإياها دينًا واحدًا». وقال ابن عباس: «سريعًا ومنهاجًا سبيلاً وسنة».
هذه مقدمة كتاب الإيمان للإمام البخاري رحمه الله تعالى. وكما ترون، هذه المقدمة ليس فيها حديث مسند. ونحن لم نتكلم في بداية الدروس عن منهجية الإمام البخاري وصحيح الإمام البخاري، وذكرت السبب في ذلك وهو أنه إما أن يقدم الإنسان بمقدمة تليق بمستوى صحيح البخاري وتشمل الموضوعات الأساسية في صحيح البخاري، أو لا؛ وأحلت في التفصيل إلى هدي الساري للإمام ابن حجر رحمه الله تعالى.
فمن الأمور التي سنمر عليها كثيرًا في صحيح البخاري ما يعرف بمعلقات الإمام البخاري. والمعلقات هي الآثار التي لا يذكرها البخاري بأسانيدها أو لا يذكرها بكامل أسانيدها، وإنما ينسبها إلى الشخص القائل أو إلى أحد في طبقة من طبقات الإسناد. ومثل قول الإمام البخاري هنا: «وكتب عمر بن عبد العزيز»، بين وفاة عمر بن عبد العزيز وبين ولادة الإمام البخاري قرابة قرن كامل، فمن أين أتاها بهذا الأثر؟ هنا لم يذكر الإسناد. «وكتب عمر» هو يحكي عن شيء قبل يمكن تسعين سنة من ولادته.
قال: «وكتب عمر»، ثم قال: «وقال معاذ»، ومعاذ طبعًا قبل ذلك من الصحابة الذين توفوا مبكرًا، وقال: «وابن مسعود»، وقال: «وابن عمر»، وقال: «ومجاهد»، وقال: «وابن عباس». هذه كلها آثار لم يدرك الإمام البخاري أصحابها وأخرجها في صحيحه، هذا يسمى تعليقًا، علق لم يذكر الإسناد. وهنا مثل هذه الآثار لا ينبغي أن تنسب إلى صحيح الإمام البخاري إلا بإضافة الوصف أنها معلقة، ويقال أخرجه البخاري معلقًا، ولا يقال أخرجه البخاري هكذا مطلقًا.
لأن اسم صحيح البخاري هو ما ينطبق من الآثار أو من الأحاديث التي أخرجها من الإمام البخاري على عنوان الكتاب هو الذي نستطيع أن نقول فيه أخرجه البخاري في صحيحه بدون ما نبين اسم الكتاب ما هو؟ "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه". مرة أخرى: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه. فكلمة مسند تدل على وجود الإسناد وعلى الاتصال أيضًا في بعض الجوانب الاصطلاحية، ومن هنا ما لم يتوفر فيه كلمة مسند يعلم أنه من مكملات الصحيح من مكملات صحيح البخاري وليس من صلبه.
ومع ذلك، فالإمام البخاري كعادته في الدقة وكعادته في الاهتمام بالصحيح، إذا قال: «قال معاذ»، «قال ابن مسعود»، «قال ابن عمر»، «قال مجاهد»، فهذا عند أكثر العلماء أنه صحيح إلى من نسب إليه القول إذا كان بصيغة الجزم. يعني إذا قال: «قال معاذ» معناه أنه ثابت عن معاذ، إذا قال لك: «قال ابن مسعود» معناه ثابت عن ابن مسعود. ولأن الكتاب مختصر، فلو ذكر الأسانيد كاملة للصحابة لطال الكتاب.
الآثار المعلقة كثيرة جدًا في صحيح البخاري، وهي من الجماليات في صحيح البخاري. فكثير من الآثار التي ذكرها عن أصحاب رسول الله ﷺ من التابعين هي من المكملات الجميلة ومما يزيد الأحاديث بيانًا، هذا بالإضافة إلى أنه يذكر الآيات القرآنية قبل الأحاديث كما ترون هنا في كتاب الإيمان. إذن هذه أول نقطة وهي الكلام والإشارة إلى قضية معلقات الإمام البخاري.
الميزة أيضًا، وهذه من الميزات الكبرى في صحيح البخاري أو المتعلقة بصحيح البخاري، وهي مرتبطة بمقدار الخدمة التي قدمتها الأمة لهذا الكتاب، أن الإمام ابن حجر رحمه الله تتبع كل المعلقات في صحيح البخاري، وهي كثيرة جدًا، تتبع كل المعلقات التي في صحيح البخاري وأخرجها من الكتب بأسانيدها. يعني يقول لك مثلًا يأتي لك بقول معين يقول لك هذا أخرجه ابن أبي شيبة ويأتي لك بالإسناد، ويأتي لك بالأثر الذي بعده يقول لك هذا أخرجه الطبراني ويأتي لك بالإسناد.
إذن هذه الآثار التي لم يذكر البخاري أسانيدها ستجد أسانيدها في كتب كثيرة متفرقة، وتجد أن الإمام ابن حجر جمعها في كتاب واحد سماه "تغليق التعليق". التعليق هو هذه المعلقات، والتغليق هو ذكر أسانيدها وبيان اتصالها. "تغليق التعليق" للإمام ابن حجر رحمه الله مطبوع في أربعة مجلدات، كلها في وصل معلقات الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
إذن هذا فيما يتعلق بالإشارة إلى قضية المعلقات. ثم نبدأ مع الموضوعات أو مع الآثار، قبل ذلك الآيات التي ذكرها الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان. قال رحمه الله تعالى: كتاب الإيمان، باب الإيمان، الإيمان وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس»، وهو قول وفعل ويزيد وينقص. هو قول وفعل ويزيد وينقص؛ هذه الجملة كأنه أراد أن يجعلها تقريرًا في البداية ثم يستدل عليها.
أراد أن يقررها من كلامه ثم يستدل عليها بالآيات والآثار التي ذكرها بعد هذا الكلام، فهي عبارة عن أدلة لكلامه. هو قول وفعل يزيد وينقص، وكل ما ذكره بعد ذلك هو لتقرير هذه الجملة المختصرة: أنه قول وفعل، وأنه يزيد وينقص.
هناك القسم أو الركن الثالث أو الشق الثالث وهو الاعتقاد، وهو قال: قول وفعل فقط ولم يقل اعتقاداً. الإيمان قول وعمل ولم يقل اعتقاداً، فهنا أحد أمرين: منهم من يقول إن الاعتقاد داخل في قول القلب؛ لأن القول والفعل كل منهما ينقسم إلى قسمين: قول القلب وقول اللسان، واعتقاد القلب وعمل القلب، وعمل اللسان. ومنهم من قال إن الذي يحتاج إلى ذكر الاعتقاد هو أمر لا يختلف فيه أصلاً، فلا يوجد أحد يقول إن الاعتقاد لا يدخل في الإيمان، إلا بعض الفرق التي شذت فقالت: الإيمان هو قول باللسان فقط، وهو قول شاذ جداً لم يلتزموا بكل لوازمه.
على أية حال، هو قول وعمل. هذه القضية، أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، كانت إجماعاً بين أصحاب رسول الله ﷺ وبين السلف المتقدمين من أئمة الإسلام في القرنين الأولين الهجريين. وذكر الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى في «فتح الباري» -وليس ابن حجر- ذكر إجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل، وليس فقط قولاً وليس فقط اعتقاداً.
وأنتم تعلمون أن «فتح الباري» شرح صحيح البخاري، وما عنوانان لكتابين مختلفين: الأول للإمام ابن رجب «فتح الباري شرح صحيح البخاري»، والثاني «فتح الباري شرح صحيح البخاري» لابن حجر رحمه الله تعالى، والأشهر والأكثر سعة والأكمل من حيث تتميم الكتاب هو فتح الباري لابن حجر، وإن كان فتح الباري لابن رجب من أعظم ما كتب ومن أهم ما كتب على صحيح البخاري، ولو اكتمل لربما كان أهم أو لا يقل أهمية عن فتح الباري للإمام ابن حجر رحمه الله تعالى.
ذكر الإمام ابن رجب في «فتح الباري» إجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل، وليس فقط قولاً وليس فقط اعتقاداً، وذكر كلام الشافعي؛ قال: «وقد حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين عليه». ثم قال: «وحدث بعدهم من يقول الإيمان المعرفة خاصة، ومن يقول الإيمان القول خاصة».
إذاً هذه القضية الأولى، وهي أن الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين كانوا يتفقون على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، وليس فقط اعتقاداً وليس فقط اعتقاداً وقولاً. نحن عندنا من يقول إن الإيمان هو اعتقاد فقط، ومنهم من يقول إن الإيمان هو اعتقاد وقول، ومنهم من يقول إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، على تفاصيل كثيرة ليس هذا مجال ذكرها. فقول أهل السنة، قول الصحابة والتابعين، أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، وأنه لا يكفي في الإيمان أن يكون اعتقاداً فقط، ولا يكفي في الإيمان أن يكون اعتقاداً وقولاً فقط، وإنما يجب أن يكون هناك عمل.
أما المرجئة فلديها اتجاهان أساسيان: منهم من يحصر الإيمان في القلب، سواء بالمعرفة أو الإقرار أو التصديق، أياً كان من التفاصيل، ومنهم من يزيد على ذلك القول فيقول الإيمان هو اعتقاد وقول. ما الذي يترتب على هذا الخلاف؟ يترتب على هذا الخلاف أشياء كثيرة جداً وأشياء خطرة، من أهمها قضية الكفر؛ متى يكفر الإنسان؟ فمن يقول إن الإيمان هو التصديق، معنى ذلك أن الكفر لا يكون إلا بالتكذيب. ومن يقول إن الإيمان هو اعتقاد وقول ولا يدخل العمل فيه، فمعناه أنه لا يمكن أن يكفر الإنسان بالعمل، وحتى الأعمال التي أجمعت الأمة الإسلامية على أنها كفر مثل السجود للصنم، قالوا إنها ليست هي الكفر بعينها، وإنما هي دلالة على الكفر الذي في القلب، فرجعوا إلى أن الكفر لا يكون إلا بالقلب. بينما تجد أن الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم قد جعلوا الكفر مرتبطاً بهذه الأمور الثلاثة؛ قد يكون بالاعتقاد، وقد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل.
وقد انتشر القول بالإرجاء في مراحل كثيرة من تاريخ الأقوال والمذاهب الإسلامية، ولا يزال إلى اليوم منتشراً، فتسمع الكثير ممن يذكر أعمالاً في الكفر صريحة، فإنه يربطها أو يعلقها بالاستحلال؛ أي يستحل هذا العمل، أو أن يجحد بقلبه وجوب هذا العمل أو تحريم هذا الأمر، وما إلى ذلك، وهذا في الحقيقة فيه إشكال.
عندنا في الطرف الآخر في الجهة الأخرى الخطأ في باب الإيمان من جهة الغلو، ومن أشهر الطوائف في ذلك الخوارج والمعتزلة. محور الخطأ ومنبعه في أبواب الإيمان هو القول بأن الإيمان شيء واحد لا يتجزأ، فإما أن يأتي كله وإما أن يذهب جميعه، وهذا أيضاً فيه تفصيل ليس هذا مقامه. إلا أن الخلاف في أبواب الإيمان هو من أول الخلاف الذي وقع في هذه الأمة وترتبت عليه سفك الدماء؛ فخلاف الخوارج مع علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عنه كان في هذه المسائل، واستحلوا الدماء بناءً على قضايا مرتبطة بمسائل الإيمان ومسائل العقيدة الكبرى التي لم يختلف عليها الصحابة.
لا تجد أن الصحابة قد افترقوا إلى فرق وطوائف في باب الأسماء والصفات، ولا في باب القدر، ولا في باب الإيمان، فلم يقل بعضهم بالأقوال التي عرفت بعد ذلك عن المرجئة، والأقوال التي استقرت عند أهل السنة، وإنما تجدهم في كل مسائل العقيدة أو في أبواب العقيدة الكبرى على قول واحد. وإنما حدث ما حدث من اختلاف وتفرق بعد أصحاب رسول الله ﷺ أو من وراء أصحاب رسول الله، وإن كان في زمنه، وإلا لا يعرف أحد من أصحاب رسول الله ﷺ قد تنكب الطريق واتخذ طريقاً جديداً مخالفاً لما عرف عن أصحاب رسول الله ﷺ.
الإمام البخاري رحمه الله تعالى استدل على زيادة الإيمان ونقصانه بالآيات. فالشق الأول من مسائل الإيمان أنه اعتقاد وقول وعمل، والشق الثاني من قضية الإيمان أنه يزيد وينقص، وهذه القضية أيضاً من قول فيها كلام أئمة المسلمين المتقدمين كثيراً، وكلهم يستدلون بهذه الآيات.
ويرون أن دلالتها واضحة تمامًا في أن الإيمان ليس كل الإيمان شيئًا واحدًا، وإنما هو مستويات، يزيد وينقص، يقوى ويضعف. والآيات واضحة في الدلالة على ذلك: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13] إلى آخر الآيات التي ذكرها الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
ثم قال: «والحب في الله والبغض في الله من الإيمان». وهناك أحاديث مروية في هذا المعنى، وهناك أيضًا الحديث الذي أخرجه البخاري نفسه في صحيحه، والذي سيأتينا في كتاب الإيمان من أكثر من طريق؛ حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان»، وذكر منها: «أن يحب المرء لا يحبه إلا لله». فهذا من الأدلة على أن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان.
هذه المسألة من المسائل الشريفة ومن جماليات هذا الدين. وما من إنسان في الوجود إلا وهو يحب ويبغض، ولو ادعى مدع أنه يعيش في حالة من الحب المطلق فهو غير صادق؛ فالكل يحب ويكره. ولكن دائمًا يكون السؤال: ما المدار الذي يدور عليه حبك وبغضك؟ ما المعيار الذي إذا تحقق أحببت به الشخص وكرهت به الشخص الآخر؟
ستجد أن الناس يختلفون؛ فمنهم من يحب ويكره أو يبغض ويوالي ويعادي بناءً على مشترك القبيلة، أو بناءً على مشترك الوطن، أو بناءً على مشترك المصلحة، أو بناءً على مشترك الحزب، أو بناءً على مشترك التجارة، أو بناء على أيا كان، فكل إنسان يحب ويبغض بناءً على معيار معين لديه.
فالبغض في ذاته ليس أمرًا مذمومًا، وإنما قد يكون البغض أمرًا محمودًا إذا كان في محله. والحب في الله والبغض في الله هو أشرف معيار يمكن أن يمارس فيه الإنسان الحب والبغض. وإذا كان الحب والبغض يمارس لأجل ما دون الله سبحانه وتعالى، فلا يذم الناس من يبغض من اعتدى عليه، أو من سب قبيلته، أو من سب والده، أو إلى آخر الأشياء التي يبغض الناس لأجلها مما هو سبب معقول للبغض؛ فمن باب أولى ألا يكون هناك إشكال في البغض لأجل الله سبحانه وتعالى.
هذه القضية من القضايا التي يحصل فيها تشويه اليوم، ويصور الإسلام على أنه دين الكراهية، بينما هو الدين الذي ينظر بسوداوية إلى الخلق ويبغضهم وما إلى ذلك. بينما تجد من يقول هذا الكلام هو من أبغض الناس لعباد الله الصالحين؛ كثير مما يقول هذا الخطاب -وليس بالضرورة للجميع- هو في نفسه يبغض أناساً من عباد الله الصالحين، ويبغضهم لطاعتهم، لا لأنهم اعتدوا عليه أو ضيقوا عليه، فقد يكون هو في منأى عن أي تضييق أو تسلق، وإنما هو يبغضهم لأعمالهم، يبغض الصالحين لأعمالهم، فهو يمارس ما يحذر منه، ولكنه في الحقيقة أبغضهم لمخالفتهم هواه. فهم يبغضون لا لهوائهم، وإنما يبغضون لأجل الله خالقهم سبحانه وتعالى. فالحب في الله والبغض في الله عمل شريف من خصال الإيمان الأساسية ومن خصال الإيمان الكبرى.
ثم قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: أن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان». هنا واضح كلام الإمام الخليفة الراشد المسدد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، وأوضح أنه يختلف مع الأقوال المبتدعة التي حدثت من أن الإيمان شيء واحد، إما أن يأتي كله وإما أن يذهب كله. فالخوارج قالوا: إذا ذهب بعضه ذهب كلهم، فكفروا بهذا السبب. وطوائف من المرجئة قالوا: إذا أتى فإنما يأتي كله ولا يؤثر عليه إلا الجحود واجتثاثه من أصله، وبالتالي لو فعل المرء ما فعل فإنه لا ينقص إيمانه، وإيمانه كإيمان جبريل وميكائيل وغيرهم.
بينما هنا تجد أن الإمام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ورضي عنه يقول لك: الإيمان فرائض وشرائع وحدود وسنن، من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان؛ لم يقل لم يكن مؤمنًا، بل لم يستكمل الإيمان. «فإن عش فسابينها لكم حتى تعملوا بها»، وهذا دليل على أنه يرى أن العمل من الإيمان؛ لأنه قال: «حتى تعملوا بها»، فهي خصال فيها عمل، وذكر أن من الإيمان، «وإن مت فما أنا على صحبتكم بحريص».
ثم نقل قول الله تعالى على لسان إبراهيم الخليل: ﴿وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]. ما العلاقة بين «ليطمئن قلبي» وبين ما يريد أن يقرره البخاري هنا من أن الإيمان يزيد وينقص؟ حقيقة هذا أمر دقيق جدًا، وهو من دقة البخاري كذلك، دقيق إلى الغاية. لماذا دقيق إلى الغاية؟ لأن البخاري يقصد من إيراده هذه الآية تفسير أئمة التابعين لها، يقصد تفسير سعيد بن جبير ويقصد تفسير مجاهد، وسعيد ومجاهد من الناس الذين يكثر الإمام البخاري من نقل أقوالهم في صحيحه.
وأنتم ترون هنا من الأقوال المذكورة في كتاب الإيمان في الموضع الأول؛ قال مجاهد وسعيد بن جبير. ومجاهد وسعيد بن جبير يكثر البخاري من نقل أقوالهما رحمهما الله تعالى، وهذا يقودنا إلى قضية ضرورة التعرف على الرجال والأسماء المركزية من التابعين، ومعرفة مقاماتهم واختصاصاتهم وما يتعلق بهم؛ لأننا حين يمر معنا مثل هذا الكلام جيد أن تفرق بين مجاهد وبين سعيد بن جبير، وألا تكون أسماء مجردة أو أن يكون عندك علم مجمل فقط بأنه مجاهد عالم، فما دام ذكره هنا يعني عالم، لكن لا بد أن تكون هناك معرفة بطبقاتهم وتفاصيلهم وما إلى ذلك. وقد مر معنا أن مجاهدًا وسعيد بن جبير من تلاميذ ابن عباس، وزدت عليهم ثالثًا وهو عطاء بن أبي رباح، وسيأتينا إن شاء الله الزيادات في وقتها، طاووس وغير طاووس بإذن الله تعالى.
ما هو التفسير الذي جاء عن سعيد بن جبير، وعن مجاهد حتى اختار البخاري هذه الآية ليستدل بها على زيادة الإيمان ونقصانه؟ الآيات الأولى واضحة، ويزداد إيمان، وما زادهم إلا إيماناً واضحة الدلالة مباشرة، لكن ليطمئن قلبي دلالتها ليست واضحة على زيادة الإيمان. لكن إذا قرأت كلام سعيد بن جبير ومجاهد، تعلم أن البخاري اختار هذه الآية بعناية.
ولكن ليطمئن قلبي قال سعيد بن جبير يزداد يقيني. ولكن ليطمئن قلبي قال مجاهد لازداد إيمانا إلى إيماني. إذاً، قول إبراهيم عليه السلام: ولكن ليطمئن قلبي هو دليل على زيادة الإيمان. ومما يدل على ذلك هو تفسير أئمة التفسير من التابعين وهم مجاهد وسعيد بن جبير، فمجاهد قال في تفسير الآية: لازداد إيمانا مع إيماني، وسعيد بن جبير قال: ليزداد يقيني.
وقد مر معنا في مدارج السالكين الإمام ابن القيم في دروس رمضان ما وجه زيادة الإيمان أو زيادة اليقين الذي في الآية أو بصورة أدق، كان الإمام ابن القيم يتكلم عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم». النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم عن هذه الآية، قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي. والجواب المسدد الجميل جداً من الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وأشار إليه ابن رجب في الفتح.
أشار إليه أيضاً ابن رجب في فتح الباري، وهو أن اليقين ثلاث درجات أو ثلاثة أنواع: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. أشرفها حق اليقين، ثم بعد ذلك عين اليقين، ثم بعد ذلك علم اليقين. فإيمانك بالجنة وأنت موقن بها هو علم يقين، حتى إذا رأيتها يعني حتى إذا رأيتها ولم تدخلها وفي طريق الدخول إليها أو وقفت على بابها، فأنت هنا عندك صرت في عين اليقين. فإذا دخلت الجنة وتمتعت بنعيمها، فأنت هنا في حق اليقين. وهكذا في النار، وهكذا في أخبار الغيب بشكل عام.
إبراهيم عليه السلام طلب الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين في قضية إحياء الموتى. طلب الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين في إحياء الموتى، ولما كانت كل منهما في منزلة ولما كان عين اليقين أشرف من علم اليقين، سمي علم اليقين في مقابله شكاً، وإن لم يكن شكاً على الحقيقة. وأنتم تعلمون أن الظن مثلاً يأتي في القرآن ولا يراد به الشك، ويأتي به يراد به اليقين وهو بلفظ الظن: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46]، وأنتم تعلمون أن المراد هنا الذين يوقنون أنهم ملاقو ربهم. وفي قصة طالوت، قال: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: 249] والمراد الذين يوقنون أنهم ملاقو ربهم. فليس الظن دائماً يراد به ما دون اليقين.
وهكذا في الشك في الحديث: «نحن أحق بالشك من إبراهيم»، ليس المراد به الشك الذي هو التردد بين طرفين وعدم الترجيح، وإنما تلك طبعا وحتى تفسير من فسر أنه لم يشك إبراهيم، نعم هو لم يشك بمعنى الشك الذي هو التردد في الأمر واستواء الطرفين، وإنما أطلق يا هذا لغة شكاً، أطلق عليه شكاً باعتبار المقارنة بين منزلة علم اليقين وبين منزلة عين اليقين. وهذا أيضاً كما قلت أشار إليه ابن رجب رحمه الله تعالى، غير أو إضافة إلى ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين.
أما ابن رجب فيفتح الباري فقال في هذا المعنى: طلب الانتقال من درجة علم اليقين إلى درجة عين اليقين وهي أعلى وأكمل. وذكر ما ذكره ابن القيم من الحديث الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم المشهور: «ليس الخبر كالمعاينة». ومن وهذا الحديث متعلق بقصة موسى عليه السلام حين أخبره ربه سبحانه وتعالى بأن قومه عبدوا العجل، ولكن حين رآهم ذهب فرآهم، ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وحدثت له يعني تلك الحالة التي وصفها الله سبحانه وتعالى في كتابه، ومن هنا جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة».
إذاً هذا فيما يتعلق بنقل البخاري لقول الله تعالى على لسان إبراهيم الخليل: ولكن ليطمئن قلبي. ثم قال الإمام البخاري: وقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة. هذا الأثر أخرجه الإمام أحمد وابن أبي شيبة بإسناد صحيح، كما قال ابن حجر رحمه الله تعالى، يعني مذكور بإسناده كاملاً عند أحمد وعند ابن أبي شيبة من طريق الأسود بن هلال قال: قال لي معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة. وفي رواية للأثر، الأسود بن هلال كان معاذ يقول للرجل من إخوانه: اجلس بنا نؤمن ساعة، فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه.
ومن المعلوم أن قول معاذ رضي الله تعالى عنه: اجلس بنا نؤمن ساعة، لا يراد به نؤمن بعد الكفر وهم مؤمنون وهم من خيار الصحابة، وإنما المراد: اجلس بنا نزيد إيماننا، اجلس بنا ليزداد إيماننا. ووجه زيادة الإيمان بالذكر، طبعا كان المقصود بنؤمن ساعة يذكران الله ويحمدانه، طبعا هو يدخل في ذلك مدارسة القرآن، يدخل في ذلك الحديث عن الله سبحانه وتعالى عن يعني إلى آخره مما يمكن أن يزيد الإيمان مما هو معلوم من أبواب الشريعة.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى، أو ذكر وجه زيادة الإيمان بالذكر من وجهين: الذكر يزيد الإيمان من وجهين. الأول: أنه يجدد من الإيمان والتصديق في القلب ما درس منه بالغفلة، كما قال ابن مسعود: الذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع. هذا الوجه الأول من زيادة الإيمان بالذكر. الوجه الثاني من زيادة الإيمان بالذكر الذي ذكره ابن رجب هو أنه نفسه من خصال الإيمان، فيزداد الإيمان بكثرة الذكر يعني هو الذكر من الإيمان، فإذا ازداد الإنسان ذكراً ازداد إيماناً.
وهذا الكلام من الكلام الجميل من الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى. وبلا شك أن هذا يعني هذا الأثر عن معاذ نستفيد منه فوائد متعددة؛ أن الصحابة بل أشراف الصحابة كانوا يحتاجون إلى زيادة الإيمان، وكانوا يحتاجون إلى أن يتذاكروا ويراجعوا. أيضاً يمكن أن نستفيد منها قضية الصحبة الصالحة، الأسود بن هلال راوي الأثر هذا قال: كان الرجل كان معاذ يقول للرجل من إخوانه ويقول الرجل من إخوانه، فهذا يعني فيه قضية الصحبة الصالحة والتذاكر والجلوس فيما بينها.
وأيضاً نستفيد من هذا الأثر فائدة الذكر وأهمية الذكر وما يترتب على الذكر من زيادة الإيمان، حتى عبر عنه معاذ رضي الله عنه بنؤمن، وغير ذلك وغير ذلك من الفوائد التي يمكن أن تستفاد من قول من أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على حبه له في الحديث الصحيح المعلوم، قال: «يا معاذ، والله إني لأحبك». ثم قال: «يا معاذ، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول». معاذ من فقهاء الصحابة الكبار رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وبعد ذلك ذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى كلام ابن مسعود قال: وقال ابن مسعود: اليقين الإيمان كله. وهذا الأثر أخرجه الإمام الطبراني، أخرجه الإمام الطبراني بإسناد صحيح، كما ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى. له تتمة هذا الأثر له تتمة، لكن البخاري اختصره فذكر منه هنا: اليقين الإيمان كله. تتمة الأثر: والصبر نصف الإيمان. اليقين الإيمان كله والصبر نصف الإيمان.
أيضاً الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى فسر هذا الكلام من ابن مسعود في قوله: اليقين الإيمان كله. يقول ابن رجب: المراد أن اليقين هو أصل الإيمان كله، فإذا أيقن القلب بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، انبعثت الجوارح كلها للاستعداد للقاء الله تعالى بالأعمال الصالحة، فنشأ ذلك كله عن اليقين. إذاً، ليس المراد بقول ابن مسعود: اليقين الإيمان كله، أي أن الإيمان لا يكون إلا باليقين، أو عفواً، أن الإيمان ليس هو إلا اليقين، ولا يريد أن لأن اليقين طبعا محله القلب.
ولا يقصد ابن مسعود أن المراد بذلك أن ما سوى ما سوى اليقين ليس من الإيمان، لا يقصد ذلك. ولا يقصد أحد من سواء من المتأخرين أو من المتقدمين ممن يطلق مثل هذه الإطلاقات أنها تساوي نفس الجملة، بالعكس. وإنما المقصود المقصود أنه أصل الإيمان كله، فكل ما يأتي من الخير هو نبع من من ينابيع اليقين. ولذلك الحسن البصري رحمه الله تعالى له كلام جميل جداً نقله ابن أبي الدنيا وأخرجه ابن أبي الدنيا في اليقين، وذكره ابن رجب في الفتح.
له كلام جميل جداً، والحسن البصري من أئمة المسلمين الكبار العظام، الذين قيل في بعض كلماتهم إن فيها قبساً من نور النبوة. يعني كأن على بعض كلامه شيئاً من الاستفادة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقة رسول الله، يعني وأسلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان هناك فرق بلا شك كبير بين الأحاديث وبين. ولكن يشبه بأنه يقتبس من نور النبوة، وهذا من اتباعه وعبادته وصلاحه وإمامته الحسن البصري من أئمة المسلمين الكبار، هو وسعيد بن المسيب وأمثال من أئمة المسلمين الذين كانوا في تلك المرحلة رحمهم الله تعالى جميعاً.
له كلام جميل في اليقين، كما قلت أخرجه ابن أبي الدنيا في اليقين، قال الحسن: ما طلبت الجنة إلا باليقين، ولا هرب من النار إلا باليقين، ولا أديت الفرائض إلا باليقين، ولا صبر على الحق إلا باليقين. ما طلبت الجنة إلا باليقين، ولا هرب من النار إلا باليقين، ولا أديت الفرائض إلا باليقين، ولا صبر على الحق إلا باليقين. وهذا من جميل الكلام ونفيسه ومما يحفظ أيضاً.
ثم قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: قال ابن عمر: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى ما حاكى في الصدر. وهذا ابن رجب أيضاً ذكر مناسبة ذكر هذا الأثر مع هذا الباب، قال: إنما ذكر البخاري هذا الأثر في الباب لأن خصال التقوى هي خصال الإيمان، صار التقوى هي خصال إيمان. وذكر هنا الورع، وذكر هنا الورع؛ يعني أن من خصال الإيمان الورع، أن من خصال الإيمان الورع. ولقب أو عبر عن الورع بما حاكى في الصدر.
وهذا أيضاً مقتبس مما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم أو حدث به النبي صلى الله عليه وسلم من أن الإثم ما حاك في الصدر، ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الحسن رضي الله تعالى عنه وهو: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». وهذا أيضاً فيه تفصيل طويل في في متى يكون مقياس مقياس ما حاك في الصدر متى يكون معياراً؟ فمن أراد أن يتوسع في هذه المسألة المهمة: متى يكون ما حاك في الصدر معياراً على على أن هذا الشيء مكروه أو عن هذا الشيء يجتنب؟
فمن أراد التوسع فليرجع إلى جامع العلوم والحكم للإمام ابن رجب رحمه الله تعالى، جامع العلوم والحكم للإمام ابن رجب في شرح حديث: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس». وعموماً، جامع العلوم والحكم من الكتب المهمة جداً في مختلف المسائل والقضايا.
ثم أخرج الإمام البخاري كلام مجاهد أو نقلة كلام مجاهد، قال: وقال مجاهد: شرع لكم أي أوصيناك يا محمد وإياه ديناً واحداً. وأيضاً هذا من يعني المناسبة هي كما أيضاً ذكر ابن رجب أن دين الأنبياء كلهم دين واحد، وهو الإسلام العام المشتمل على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى آخر الكلام. وقال ابن عباس: شرعة ومنهاجا سبيلاً وسنة.
ثم قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب دعاؤكم إيمانكم. هناك يعني اختلاف في بعض النسخ هل في كلمة باب أو ليس هناك كلمة باب؟ هل هناك قبل دعاؤكم كلمة باب أو ليس هناك كلمة باب؟ يعني إذا لم تكن إذا لم يكن هناك ذكر لكلمة باب يكون كلام ابن عباس اللي هو دعاؤكم إيمانكم، يكون هذا من كلام ابن عباس، يعني إيمانكم تفسير لدعاء لكلمة دعاؤكم في القرآن.
ويكون معطوفاً على كلام ابن عباس الذي نقله ابن رجب ابن حجر عفواً البخاري رحمه الله تعالى، أنتم ترون أن آخر نقل هو لابن عباس، قال ابن عباس: شرعة ومنهاجا سبيلاً وسنة. ثم لو أفترضنا أن كلمة أن النسخة الأصح ليس فيها كلمة باب، يكون الترتيب كالتالي: قال ابن عباس: شرعة ومنهاجا سبيلاً وسنة. دعاؤكم إيمانكم أي أيضاً وقال ابن عباس: دعاؤكم إيمانكم. وهناك النسخ كما قلت فيها لا يعني تثبيت لباب، يعني يكون معناه باب قول الله سبحانه وتعالى: دعاؤكم، ويكون إيمانكم هو تفسير لهذه الآية في هذا الباب.
ثم قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان».
الكلام على هذا الحديث من وجوه؛ الوجه الأول في الإشارة السريعة إلى بعض ما يتعلق بالإسناد، فسيكون الكلام عن هذا الحديث مختصرا؛ نظرا لأن رجال هذا الإسناد ليسوا بالشهرة التي كانت للرجال الذين في الأسانيد الماضية، وإن كان عبيد الله بن موسى شيخ الإمام البخاري من أخرج له البخاري كثيرا، لكنهم ليسوا في المركزية وفي مدى وفي كونهم مدارات الأسانيد المشهورة والأسانيد الصحيحة، ليسوا مثل من ذكرنا سابقا من الزهري وما إلى ذلك.
ولكنهم طبعا من الرواة المعروفين الثقات من رجال البخاري، وهم معروفون بشكل عام لدى المحدثين، ولكن يمكن أن أشير سريعا إلى قضية مهمة هنا متعلقة بالإسناد، وهي ما يتعلق بعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه من جهة تلاميذه، ومعرفة تلاميذ الصحابة من أهم الأمور، والفوائد فيها كثيرة جدا، خاصة الصحابة الذين نقلت عنهم الفتوى، الصحابة الذين نقل عنهم الفقه، الصحابة الذين لهم كلام في الشريعة، لهم كلام في الحلال والحرام، الصحابة الذين لهم إكثار من الرواية، وعبد الله بن عمر ممن تتوفر فيه كل الصفات السابقة.
عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه كان في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ عنه العلم جماعات كثيرة، إلا أن أكثر من روى عنه الحديث ومن سيمر معنا في صحيح البخاري، أكثر أحاديث ابن عمر ستمر عليه من طريق ثلاثة من أصحابه، وسجلوا هذا عندكم وسترون مصداق ذلك بإذن الله في أحاديث ابن عمر القادمة، ليس معنى ذلك أنه لا يروي غير هؤلاء الثلاثة، لا، يروون، لكن هؤلاء الثلاثة هم أكثر من تمر بهم أحاديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
هؤلاء الثلاثة هم: مثل ما تفضلت يا عبد الله، سالم ابنه سالم بن عبد الله بن عمر، وهو من فقهاء المسلمين ومن علماء المدينة الكبار، ومن أصحاب الفضل، وكان معروفا بالرواية وبالعلم وبالإفتاء وبالفضل والخير، كان شريفا سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، هذا سالم يروي عن أبيه كثيرا، يروي عن أبيه كثيرا.
والثاني هو نافع؛ نافع مولى عبد الله بن عمر، وهو من الفقهاء ومن العلماء، وهو من أهم وأبرز شيوخ الإمام مالك، عالم المدينة وإمام دار الهجرة، نافع من أهم شيوخ الإمام مالك، وأنتم إذا قرأتم الموطأ الإمام مالك ستجدون كثيرا من آثار الموطأ وأحاديث الموطأ تمر بنافع، فمالك يقول: أخبرنا نافع، حدثنا نافع، حدثني نافع، سمعت نافعا، قال نافع، إلى آخره، نافع هو من أهم شيوخ الإمام مالك رحمه الله تعالى، وبالتالي نحن الآن عرفنا، من المفترض أننا عرفنا كثير من أسانيد الموطأ، كثير من أسانيد موطأ الإمام مالك.
فإذا فتحنا موطأ الإمام مالك سنجد كثيرا من أحاديثه بهذه السلسلة: مالك عن نافع عن ابن عمر، مالك عن نافع عن ابن عمر، مالك عن نافع عن ابن عمر، وأنتم ترون قصر الإسناد وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كما قلت من الأمور المهمة أن تعرف وأن تدرك، سواء من حيث الطبقات أو من حيث الأسماء، فمالك عن نافع عن ابن عمر، إذا هذا التلميذ الثاني لابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
التلميذ الثالث هو عبد الله بن دينار؛ عبد الله بن دينار، أيضا مولى ابن عمر، هؤلاء الثلاثة أكثر أحاديث ابن عمر تمر بهؤلاء الثلاثة، وكما قلت لكم سترون إن شاء الله حين نقرأ نستمر في صحيح البخاري وتأتينا حديث ابن عمر، سترون كيف أنها تمر بهؤلاء الثلاثة بالنسبة الغالبة، وسترون أيضا بعض الأحاديث لا تمر بهؤلاء الثلاثة وإنما تمر بغيرهم.
حسنا، هذا فيما يتعلق بقضية الإسناد، هناك بعض الفوائد الجانبية في الإسناد لا نريد لا اريد أن نطيل بذكرها، أنا يهمني قضية المشهورين المعروفين، وحتى تسهل علينا التصور، يسهل علينا تصور الطبقات وأئمة الإسلام والمشهورين وما إلى ذلك، وإن كان يمكن أن يذكر هنا ما يتعلق بكلمة عكرمة بن خالد وما يشتبه به، كفائدة جانبية أنه عكرمة بن خالد، في اثنين اسمه عكرمة بن خالد في نفس الطبقة ونفس الوقت، يعني نفس الاسم والاسم غريب، عكرمة بن خالد عادة ما يأتي التركيب هذا عكرمة بن خالد، يعني غالبا ما يأتي ببالك إلا أنه شخص واحد عكرمة بن خالد.
لكن المحدثون ميزوا بينهما وإن كاهنا في طبقة واحدة؛ هذا عكرمة بن خالد ثقة معروف، عكرمة بن خالد بن سعيد بن العاص، والآخر عكرمة بن خالد بن سلمة بن هشام المخزومي والثاني ضعيف، عكرمة بن خالد بن سلمة بن هشام المخزومي ضعيف، وكلاهما قرشي، كلاهما قرشي رحمهم الله تعالى، وهذا أيضا من العلوم الشريفة في علوم الحديث التمييز بين الأسماء المشتبهة وبين الأسماء المتقاربة، خاصة إذا كانوا في طبقة واحدة أو في مدينة واحدة، وهذا يدخل فيه قضية المتفق والمفترق والمختلف والمؤتلف.
الوجه الثاني من الكلام على الحديث، عادة نحن في الوجه الثاني نتكلم عن غريب الحديث وما يتعلق به من تفسير، يعني الألفاظ غير الواضحة، ولكن هذا الحديث ليس فيه شيء غير واضح، فنتجاوز الكلام عن الوجه الثاني إلى الوجه الثالث، الذي هو ما يمكن أن يستنبط من فوائد منهجية تربوية وما إلى ذلك من هذا الحديث.
من الفوائد التي يمكن أن نستخلصها من هذا الحديث منزلة السنة النبوية، وذلك أن العلم بأن للإسلام أركانا خمسة هو من العلم الشائع بين المسلمين المتفق عليه بين العلماء، وهذا العلم إنما أتى من السنة، لا يوجد آية في القرآن تنص على هذه الخمسة على أنها بناء الإسلام أو أركان الإسلام، وإنما علم ذلك من السنة النبوية، فيستفاد من هذا أن السنة يمكن أن تأتي بأشياء من أصول الإسلام، يمكن أن يستفاد منها أمور هي من الأمور الكبرى التي يتفق عليها علماء المسلمين.
فبني الإسلام على خمس هذا حديث شريف يستفاد منه غير الأمور الخمسة، يستفاد منه شرف السنة في نفسها؛ لأن ما أفاده هذا الحديث من كون أن الإسلام بني الإسلام على أركان خمسة هو من العلوم أو من الأمور المتفق عليها.
أيضا مما يمكن أن نستفيده منهجيا من هذا الحديث قضية مراتب الأمر والنهي ومراتب الخبر، يعني أنتم تعلمون أنني كررت هذا الموضوع كثيرا، وهو موضوع يستحق التكرار، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يبين الاسلام للصحابة على أنه على مرتبة واحدة، ولم يكن يبين شرائعه على أنها في نفس المنزلة، وإنما كانوا يبين لهم بوضوح أنها مراتب وأنها منازل، ويبين الأصل والفرع، والركن وما لا يدخل في أساس الإسلام وركنه، وإنما يكون مكملا معينا ومما يزيد الإيمان وليس من أصله.
وحتى الحديث الذي سيأتينا إن شاء الله في هذا الكتاب، وهو حديث واضح الدلالة على المسألة، في رواية من روايات الذي الإيمان بضع وستون شعبة، في رواية: أعلاها لا إله إلا الله أو قول لا إله إلا الله، وادناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان، وهنا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: الإسلام بني على خمس، أو بني الإسلام على خمس، هذا معناه أنه ركز في هذه الخمس، انتبه لهذه الخمس، هذه بناء الإسلام، الإسلام هذه الكلمة الشريفة بنيت على هذه الأمور الخمسة، فاذا زالت هذه الأمور الخمسة لم يبق إسلام، إذا زالت هذه الأمور الخمسة لم يبق إسلام.
وهذا أمر متفق عليه بين أئمة السنة، ولكن اختلفوا في زوال بعض هذه الأركان، هل زوال بعض هذه الأركان يؤدي إلى زوال اسم الإسلام أو لا يؤدي إلى زوال اسم الإسلام؟ إذا زالت الخمسة زال الإسلام، أما إذا زال بعضها ننتقل إلى الفائدة الثالثة المتعلقة بهذه المسألة، وهي هذه الأمور الخمسة زوالها يؤدي إلى زوال اسم الإيمان، وزوال بعضها فيه خلاف بين علماء المسلمين.
يمكن أيضا مراجعة المسألة بتوسع في شرح حديث بني الإسلام على خمس من جامع العلوم والحكم للإمام ابن رجب رحمه الله تعالى، حيث ذكر أقوال السلف ومن نقل عنه تكفير من ترك بعض هذه الأعمال من الأركان الخمس وما إلى ذلك، إلا أنه نقل أيضا إجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وذكروا هذا في فتح الباري وأظنه ذكره كذلك هو المسألة ذكرها في جامع علوم الحكم قطعا بتوسع، لكن هذا الأثر الذي هو إجماع الصحابة على أن تارك الصلاة يكفر أظنه نقله قطعا في فتح الباري، وربما نقله في جامع علوم الحكم.
وهوه من الآثار المشهورة التي أخرجها الترمذي أيضا عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعدون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، والإجماع الذي نقله ابن رجب عن أيوب السختياني، وهو من أئمة المتقدمين من المسلمين في القرن الثاني الهجري، له كلام في الإجماع كذلك على كفر تارك الصلاة استدلالا بهذا الحديث أو استدلالا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، وأحاديث الذي في السنن: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».
من قال بذلك من أئمة المسلمين، يعني كثير منهم قالوا إن هذا فيمن ترك الصلاة مطلقا، ليس فيمن ترك صلاة أو صلاتين، وهم لا يتكلمون هنا عن الجحود، عن جحود وجوب الصلاة، وإنما يتكلمون عن ترك الصلاة، فقالوا: من ترك الصلاة مطلقا لم يصلي، لا يصلي أبدا فليس بمسلم.
وهناك من أهل العلم أيضا من المتقدمين من لم يتفق مع هذه المسألة، وجعل ترك الصلاة من نقص، ومن ترك شيئا من الإيمان الواجب وإن لم يؤدي إلى زوال اسم الإيمان، إلا أن الاقوى الأكثر عن الصحابة وعن التابعين وعن أئمة المسلمين هو أن ترك الصلاة مطلقا يؤدي إلى زوال اسم الاسلام، أو إلى خروج الشخص من الإسلام، وهذا ليس فقط من كلام عبد الله بن شقيق العقيلي الذي نقلنا عن الصحابة، ولا من الاجماع الذي نقله أيوب السختياني، هناك أيضا إجماع نقله إسحاق بن راهويه شيخ الإمام البخاري.
لاحظ أنا لا أتكلم عن آراء، أتكلم عن إجماعات، إجماعات للمتقدمين، بل إن بعضهم، بعض المتقدمين، وهذا أيضا نقلوه ابن رجب في فتح الباري، جعل القول بعدم تكفير تارك الصلاة من أقوال المرجئة، ولكن هذا الكلام هذا الإطلاق لا يستقيم، لا يستقيم هذا الإطلاق أن القول بعدم كفر تارك الصلاة أنه من أقوال المرجئة، فقد قال به من أئمة المسلمين المتقدمين، ولكن دلالة الأحاديث وإجماع الصحابة والتابعين هو القول الأول.
هذه الفائدة الثالثة من الحديث؛ الفائدة الرابعة من الحديث هي في الأسلوب، أنه من حسن للداعية والمعلم أنه يذكر الأشياء التي تعين على التصور وتعين على الحفظ، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يذكر العدد كثيرا، فيقول مثلا: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان»، «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم»، بني الإسلام على خمس.
وأنتم تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لو قال: بني الإسلام على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإتاء الزكاة والحج وصوم رمضان، دون أن يذكر كلمة خمس لكان ضبط هذه الأمور الخمسة أصعب، ولكان احتمال النسيان فيها أكثر، ولكن حين قال: خمس، فأنت قد التصق بذهنك أن الإسلام مبني على خمس، أنت تعددها مستحضرا أنها خمسة، وهذا من الأساليب التي تثبت المعلومة.
ولذلك قالوا حتى في حفظ الصحابة في مسألة ضبط الصحابة قالوا: إنه غير صفاء الذهن الذي كان لديهم، غير المحبة التي كانت تنطق بها أعينهم وهم يتلقفون كلام النبي صلى الله عليه وسلم، غير ما عرف عن كل العرب في تلك المرحلة من حفظ القصائد الطويلة بدون كتابة، وغير وغير هو أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كان حين يؤدي، حين يتكلم، حين يتحدث، كما قالت عائشة: لم يكن يسرد الكلام سردكم.
وإنما كان يتكلم كلاماً فصلاً متأنياً، وكان يعيد الكلام، كما نقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكرر بعض الكلمات ثلاثاً. وهكذا يقسم، يذكر الأعداد. أحياناً يشرح بوسائل عملية، مثل أن يرسم على الأرض، كما ثبت في صحيح البخاري أنه رسم النبي صلى الله عليه وسلم. وأحياناً بالسؤال، يجعلهم يفكرون ثم يجيب، وهذا سيأتينا في البخاري أيضاً، عن ابن عمر أيضاً، كما في هذا الحديث، حين قال: أخبروني عن شجرة تشبه الرجل المسلم، لا يتحات ورقها. وترك لهم فرصة للتفكير، وأخذ كما قال ابن عمر: وقع الناس في شجر البوادي، أي وقع وهلهم ووقعت أوهاهم ووقع تفكيرهم إلى، أو انصرف تفكيرهم إلى أشجار البوادي، فأخذوا يقولون: شجر كذا، شجر كذا، ولا كذا. وابن عمر قال: فوقع في نفسي أنها النخلة، ولكن استحى يتكلم لأن الكبار لم يتكلموا، وفي القوم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة».
فلما انصرفوا ذهب ابن عمر إلى والده عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أبت وقع في نفسي أنها النخلة. فقال عمر: ولو قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا. هذه مسألة مهمة، مهم إدراكها في قضية حفظ الصحابة وضبط الصحابة، لأن بعض المشككين اليوم يثير هذه القضية، يقول: انتم في الجرح والتعديل تكلمتم عن الرجال، لكن الصحابة تجاوزتموهم، يعني لم تدققوا في القضية وهذا الكلام غير صحيح. فهذه الأمور يجب مراعاتها، بالإضافة إلى أنه بعد ذلك كله الصحابة كان يصحح بعضهم لبعض. فإذا أخطأ صحابي في النقل كان يصحح له، وأنتم تعلمون أن ابن عباس كما في البخاري قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم.
وأئمة المسلمين خطؤوا ابن عباس في هذا القول، وقالوا إنه وهم، وأن الصواب ما قالته ميمونة: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال. وهذا نقل عن ميمونة، مع أن الكلام الذي نقل عن ميمونة -طبعاً وإن كان إسناده صحيح- لكنه ليس في البخاري. الآن نسيت لا أذكر جيداً، لكن أظنه ليس في البخاري، على أية حال قدموا كلام ميمونة وخطؤوا ابن عباس في نقله، قالوا: وهم رضي الله تعالى عنه. هذا معناه ماذا؟ معناه أنه ليس كل ما كان ينقل عن الصحابة كان لا يراجع أو لا يصحح. وأنتم تعلمون مراجعات عائشة للصحابة وما إلى ذلك من الأمور، هذا بالإضافة إلى مركزية قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار». حتى أنه لا يكاد يوجد حديث في سنة النبي صلى الله عليه وسلم نقله عدد من الصحابة أكثر من حديث: «من كذب علي متعمداً». وهذا من العجب، ومن الأمور التي تستحق التأمل، وتستحق التوقف.
من أكثر ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث نقله عنه الصحابة هو هذا الحديث: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». هذا معناه مركزية هذا الحديث لديهم، حتى نقلوه بأعداد غفيرة، بأعداد كبيرة. وما علم عنهم مما زكاهم الله به من الإيمان وما إلى ذلك، ومع استحضار مركزية حديث: «من كذب علي»، فهذا معناه أنهم كانوا يراعون قضية النقل، ويخافون من قضية الكذب، والمنقول عن آحادهم وأفرادهم يؤيد هذا المعنى، وما أكثر الآثار العجيبة في هذا! ففي صحيح مسلم مثلاً عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه لما كان يحدث أحد التابعين فقال: يا بني، لقد كبر سني ورق عظمي، والحديث عن رسول الله شديد. لقد كبر سني ورق عظمي والحديث عن رسول الله شديد، يعني أخاف أنه يخطئ في كلمة أو شيء.
وكذلك ابن ماجة نقل مجموعة من الآثار في هذا المعنى شريفة جداً، منها أن أنساً رضي الله تعالى عنه فيما أذكر قال، نقل كلاماً عن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أطرق فقال: أو كما قال، أو قريبا مما قال. وكذلك عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أطرق وبكى إلى أخره. فاستحضارهم لهذا المعنى، معنى أنه أنا أنقل ديناً ولا أنقل رأياً مجرداً، وانه أنت مطالب أن تنقل الرسالة كما هي لا أن تذكر رأيك أنت، إلا أن تبينه أنه رأيك بعد أن تنقل رسالة، وهكذا. فهذا كله من الأمور التي يجب أن تراعى في مسألة ضبط الصحابة. وهذا كله تفريع عن أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله بني الإسلام على خمس، أنه أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم كان واضحاً، أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم كان مقسماً، يذكر الأعداد ويذكر تقسيمات الكلام، وهذا كثير في الحديث، ليس أمراً استثنائياً وليس أمراً ياتي في الحاشية أو لا، وإنما هو أمر أساسي في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وفي خطابه. هذا والله تعالى أعلم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد