بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.
أما بعد، فنحمد الله عز وجل على ما من به من العودة لاستكمال هذا الدرس؛ درس التعليق على الروض المربع بعد الانقطاع لإجازة رمضان وما قبلها، وأسأل الله أن يتقبل من الجميع صالح العمل، وأن يوفقنا لاستغلال الأوقات في الباقيات الصالحات.
قبل أن نبدأ الدرس، أريد أن أقدم بمقدمتين.
الأولى: أنه ينبغي لطالب العلم أن يحفظ لسانه من الكلام في أهل العلم، فإن أعراض أهل العلم عظيمة وخطيرة، وجاء التنبيه على هذا بعد أن كثر من الناس الكلام في أهل العلم؛ سواء المتقدمين أو المتأخرين، فتجدهم في كل فترة يتكلمون في عالم معين. تكلموا في الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وتكلموا في الإمام الحافظ النووي، وتكلموا في الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيرهم من الأئمة الكبار الذين نفع الله بعلمهم وبنصحهم للأمة.
نحن لا نقول إن هؤلاء العلماء معصومون، فإن كل يؤخذ من قوله ويرد إلا نبي الله صلى الله عليه وسلم، لكن نحفظ لأهل العلم قدرهم ونعرف فضلهم، ولا يعرف فضل أهل الفضل إلا ذو الفضل. نعم، بعض الناس يأخذ مقتطفات من كلام اهل العلم وينزلها على هؤلاء الأعلام؛ يعني مثلا أبو حنيفة رحمه الله تعالى الإمام الشهير الإمام أبو حنيفة رحمه الله جاء في بعض من المتقدمين، لكنه رحمه الله، هل يناسب أن ينزل هذا الكلام على هذا الإمام في مثل هذه الأحوال؟ هم كلامهم في مسألة معينة، كلام الأئمة عنه رحمه الله تعالى في مسائل معينة، لا يعني هذا أن شخصا إذا أخطأ في مسألة أو مسالتين أو ثلاث أو عشر أننا ننسف أقواله وننسف قدره، بل نعرف لاهل العلم قدرهم، وما أخطأوا فيه فينبه على الخطأ، ولكن هذا لا يعني أننا نهدر جهد العالم المعين.
ولذلك من الأفضل ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينبه على الخطأ دون المخطئ، ولذلك كثيرا ما يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا. أنا أذكر، طبعا من يقرا في فتاوى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، لا تجدونه يتكلم في فلان وفلان، تكلم على المسألة التي أخطئ فيها. أنا أذكر، جاء في بعض الأوقات في مدد متقاربة، كان الشيخ رحمه الله تكلم ع مرات عن مسألة عورة المرأة أمام المرأة، أنا استغربت، ما الفائدة من تكرارها؟ ثم تبين أنه في ذلك الوقت سئل أحد العلماء الأفاضل رحمه الله تعالى أن هذه المساله هو افتى فيها بان عورة المرأة من المرأة من السرة إلى الرقبة، وهذا قول معروف ومعتبر عند أهل العلم رحمهم الله تعالى.
طبعا الشيخ رحمه الله الشيخ محمد لا يراه، فكان يرد على هذا القول ولم يسم القائل. ما الفائدة، لو سمي القائل ربما يصر على الخطأ، أو سمى أخطأ فلان وفلان وقال كذا، ربما يصر على الخطأ ويجلس يبرر لنفسه، لكن المقصود التنبيه على الحق، فينبه على القول الصواب بدون التعرض لشخصية من افتى فيها بغير الصواب.
ويعظم خطر الكلام في أهل العلم إذا كان هذا الكلام سيصد عن الانتفاع في علم شخص؛ مثلا من تكلم في علم الإمام النووي أو الإمام ابن حجر العسقلاني أو غيرهم ممن تقدم أو تاخر، الناس ماذا يفهمون؟ يفهمون أن هذا لا ينبغي أن يؤخذ عنه العلم، فيتركون التعلم منه. يتركون التعلم، الإمام النووي رحمه الله له الكتب الكثيره التي نفع الله بها، لو لم يكن من كتبه إلا رياض الصالحين الذي انتفع الناس به قرونا وهو يقرا على الناس في المساجد، والأربعين النووية التي حفظها فئام من الناس من طلاب العلم وشرحت بشروح كثيرة، هذه كلها انتفع بها نفعا عظيما، وهو عمره كم؟ كم عمر النووي متوفى؟ خمس وأربعون سنة تقريبا، ولد سنة ستي مئة وثلاثة وتوفي سنة ست وسبعين وست مئة؛ خمس وأربعون سنة، ومع ذلك كتبه كثيرة جدا، وإلى الآن ما زالت تطبع كتبه رحمه الله.
فكون الشخص يتكلم في عرض العالم الذي ينتفع به ويصد الانتفاع به، هذا فيه خطر عظيم، لأنه لما تكلم في شيء قاصر، وإنما تكلم في شيء متعد ونفع ومنع الناس أو وتسبب في امتناع الناس من الانتفاع في علم هذا العالم، فاحرص غاية الحرص على حفظ لسانك من الكلام في أهل العلم.
مما يذكر في هذا الباب أن الإمام يحيى بن معين رحمه الله تعالى قال مرة: أنا لنكلم في أعراض رجال لعلهم حطوا رحالهم في الجنة من مئة سنة وأكثر. هو تكلم من أجل حفظ السنة، يتكلم في الجرح والتعديل لأجل الدفاع عن السنة، فهو كلامه كان بحق وللحق، لكنه من باب الورع قال: أنا لنكلم في أعراض رجال ربما حطوا رحالهم في الجنة من مئة سنة وأكثر. فلما نقلت هذه الجمله لابن أبي حاتم الرازي رحمه الله وكان يتحدث عن الناس في كتابه الجرح والتعديل، فزع من هذه العبارة واستعادها من صاحبها عدة مرات، وتاثر منها تأثرا كثيرا. طبعا كلامهم كان في حق وللحق، كانوا يتكلمون للدفاع عن السنة، لكن هؤلاء الذين يتكلمون في الأئمة إنما يطعنون في العلم الذي يحملونه، فشتان بين الكلامين.
المقدمة الثانية: نجد بعض الناس ينشرون -وهو نشر صحيح- كلام أهل العلم الذين ندموا على تضييع اوقاتهم في غير القرآن، شيخ الإسلام رحمه الله وغيره، كون دينا في آخر حياتي رحمه الله قد ندمت على تضييع اوقاتي في غير القرآن. يقول: ما دام هؤلاء ندموا ونحن في زمن الملل، خلاص نتجه لتعلم القرآن وعلومه.
وهذه الكلمه صحيحة، لكن تعلم العلوم التي ترتكز على القرآن وتستنبط من معاني القرآن لابد أن يسبقها تعلم أساسيات العلم. يعني، هل تستنبط من القرآن معنى أو تقول الآية دلت على كذا وأنت لا تعرف الناسخ من المنسوخ، ولا تعرف العام من الخاص، ولا تعرف المطلق من المقيد، ولا تعرف اللغة العربية، الفاعل والمفعول؟ فهنا ستخطئ خطأ كبيرا، لماذا؟ ما عندك أساسيات ترتكز عليها. لكن شيخ الإسلام رحمه الله تكلم بهذا الكلام لما أسس نفسه تأسيسا قويا في شتى أنحاء العلم. من أسس نفسه تأسيسا قويا نقول: نعم اذهب إلى كتب التفسير وعلوم القرآن، وانظر وحلل ودقق واستدرك ونحو ذلك، هذا صحيح، واستنبط، هذا صحيح.
أما شخص لا يعلم لا في الفقه، ولا في أصول الفقه، ولا في اللغة، ولا في البلاغة، ولا في النحو، ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك، وهو يريد أن يتجه إلى القرآن ويستنبط منه الأحكام والهدايات ونحو ذلك، لا، هذا غير صحيح. فهذه الكلمة صحيحة، يعني ندم على صرف أوقات في غير القرآن هذا صحيح، لكن كما قلنا مع تحصيل الأساسيات، تحصيل العلوم الأساسية، هنا يتجه إلى القرآن وتجد فيه بحرا واسعا من العلوم.
لذلك تجد كتب التفسير؛ ابن جرير الطبري رحمه الله وكتابه من أوسع كتب التفسير، كان قال لطلابه: تنشطون لكتابة التفسير؟ قالوا: في كم؟ قال: في ثلاثين ألف ورقة. قالوا: هذا مما تفنى فيه الأعمار قبل تمامه، فقال: الله المستعان، ماتت الهمم. اختصر لهم في ثلاثة آلاف ورقة، يعني في عشر الذي عندنا في التفسير، عشر اللي عند ابن جرير رحمه الله من علم التفسير. وكذلك في التاريخ قال لهم ذلك، وفي تفسير ابن جرير رحمه الله فيه علم كثير في الآثار، في الجمع بين الآيات، الجمع بين أقوال المفسرين من السلف وغيرهم، الترجيح بين كيفية الترجيح بين الأقوال في التفسير ونحو ذلك.
وفي كل كتاب من كتب التفسير مزية، تجد بعضهم يختصر كلام غيره، وبعضهم ينثر ما أبدع فيه؛ أما من بلاغة أو نحو أو فقه أو ذلك في كتاب التفسير الذي يؤلفه. فالتفسير بحر واسع، والقرآن لا تفنى عجائبه، وفيه علم غزير، لكن كما قلنا لابد أن يكون للشخص تأسيس في العلوم الأساسية لكي ينطلق في علم التفسير. نسأل الله أن ينفع بذلك وأن يفقهنا.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان