بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.
أما بعد، فأحمد الله عز وجل على ما يسر من هذا اللقاء، وأسأله سبحانه أن يجزي القائمين على هذه القناة خير الجزاء على التواصل والتواصي بالحق، وأسأله سبحانه أن يجعل هذا اللقاء لقاء خالصا لوجهه مباركا، وأن ينفع به قائله ومستمعه.
هذا اللقاء كما عنون له بمعالم في طلب العلم، ومن المعلوم أننا كلنا هنا اجتمعنا على تعلم العلم الشرعي، وقد جاءت النصوص المتوافرة الكثيرة من الكتاب وصحيح السنة على فضيلة العلم الشرعي. وأفاض الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة، فاض في الكلام على الأدلة التي تدل على فضل العلم الشرعي، وذكر منها أكثر من مئة وخمسين دليلا تدل على فضيلة العلم، وعقد في كلامه ذلك مقارنة بين العلم والمال، وفضل العلم على المال من نحو أربعين وجها. وابن القيم رحمه الله تعالى ممن إذا تكلم أفاض في كلامه وأقنع بما لا مزيد عليه.
ونستذكر بعض النصوص الواردة في فضل العلم، لأن هذا مما يحفزنا لطلب العلم، ويجعلنا نتحفز له ونتحمس له، خاصة إذا اصابنا فتور أو كسل ونحو ذلك فنستذكر هذه النصوص فتحفزنا للعلم. من النصوص الواردة والدالة على فضل العلم الشرعي قول الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]. فاستشهد الله عز وجل بملائكته وبأولي العلم، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وفي هذا تزكية لهم وتعديل لهم، واستهدهم على أعظم مشهود به وهو توحيد الله تعالى، وهذا دليل على فضل ما قاموا به من تعلم العلم الشرعي.
أيضا في سورة الزمر يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. والجواب أنهم لا يستوون، وهذا الاستفهام لأجل الإنكار على من يسوي بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون. فقال الله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، لكن طبعا الجواب أنهم لا يستوون، فأهل العلم مفضلون على الذين لا يعلمون من الجاهلين، لكن المفضلين هنا من أولي العلم هم الذين ورد وصفهم في أول الآية، وأول الآية قوله سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: 9]. ثم قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فمن صفات أولي العلم أنهم يعملون بعلمهم، فلا يكون علمهم علم لسان يعني يتعلمون بلسانهم فقط، بل يتعلمون بلسانهم وتنطق به جوارحهم وتعتقده قلوبهم، ولذلك أورثهم العلم خشية لله تعالى، فقاموا آناء الليل يرجون رحمة الله ويخشون عذابه.
ومنها أيضا قوله سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، أول الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ ثم قال بعدها: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. فأولو العلم مرفوعون على الجهلاء درجات أيضا.
الله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالازدياد من العلم، فقال سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. ولم يأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالازدياد بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم، كما قرره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
أيضا من النصوص من السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين يقول صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». فإذا سلكت سبيل العلم وسبيل التفقه في الدين، والفقه هنا ليس المراد به علم الحلال والحرام فقط، الفقه في الحديث ليس المراد به علم الحلال والحرام فقط بل هو أعم من ذلك، فهو الفهم في أمور الدين من نصوص الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة، ومما ينتج عن ذلك من علم الأحكام وعلم العقائد ونحوها. فإذا سلكت هذا السبيل سبيل العلم فظن بربك خيرا أنه أراد بك خيرا، والله عز وجل عند حسن ظن عبده به، ولكن لا يحملنك هذا الظن على أن تحتقر غيرك ممن لم يفتح لهم في مجال العلم، فليس هذا من أخلاق أهل العلم.
ومن النصوص أيضا وأختم به قوله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». فمجرد أن تسلك الطريق الذي تلتمس به العلم وتطلب به العلم، فإن هذا الطريق الذي تسلكه يكون سببا لتسهيل دخول الجنة التي هي غاية المنى لكل مؤمن. وسلوك الطريق أيها الأحبة، سلوك الطريق لا يلزم أن يكون طريقا حسيا، بل لا يلزم أن يكون طريقا حسيا بأن تركب سيارتك وتتجه إلى المدرسة أو الجامعة أو المسجد الذي تتعلم به، لا، بل حتى لو بحثت مسألة أو تباحثْتَ مع صاحبك في مسألة فإن هذا من سلوك سبيل العلم، وكله داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يبتغي فيه علما». ومن نعمة الله عز وجل على طلاب العلم أن هذا الأجر تسهيل دخول الجنة إنما هو لمن سلك السبيل، يعني بدأ بالطريق لا لمن بلغ النتيجة، يعني حتى لو أن شخصا جلس سنين يطلب العلم ولم يحصل منه على كبير علم، فنقول أنت على خير، وينطبق عليك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة» إذا أخلصت النية لله عز وجل.
ولذلك لما علم أهل العلم رحمهم الله تعالى بفضل العلم وفضل طلبه تنافسوا في هذا السبيل، وبذلوا مهجهم وأرواحهم في سلوك سبيل العلم، واستلذوا الصعاب في ذلك؛ تعبوا وسهروا وأجهدوا أنفسهم، لكن من يقرا في سيرهم يحس أنهم أتعبوا أنفسهم بلا طائل؟ لا، هم يتعبون أنفسهم لكن يجدون الراحة واللذه في طلب العلم. قيل للإمام الشافعي رحمه الله: كيف شهوتك للعلم؟ قال: اسمع إلى ما قال، اسمع بالحرف: مما لم اسمعه فتود أعضائي أن لها أسماعا تتنعم به مثل ما تنعمت الأذنان به. يعني يقول: أذناي تلذذت بهذا العلم الذي سمعته، وددت لو كان أعضائي كلها لها آذان لتتلذذ كما تلذذت الأذنان. قيل له: كيف حرصك عليه؟ يعني الآن أنت اخذت العلم، فكيف حرصك لديه يعني بعد طلبه هل ستمسكه أو لا؟ قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال. الآن الذي يجمع المال من أهل الدنيا فانه لا يفرط في المال الذي جمعه، مجموع منوع يعني حتى أنه يمنع غيره، أقصد صاحب المال، من شدة حبه للمال يمنع غيره من إيصال حقه عليه، فيقول: طلبي للعلم مثل طلبي هذا أو حرصي على العلم الذي تعلمته مثل الحرص هذا، لا أريد أن يعني يفوتني أو أنسى منه شيئا مما تعلمته.
قيل له: كيف طلبك له؟ لأن هذا حرصك عليه يعني بعد ما طلبته، كيف طلبك له؟ يعني في البداية أنت الآن ستطلب العلم فكيف طلبك له؟ كيف تشبه نفسك في طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلّة ولدها ليس لها غيره. يعني يقول: تصوروا أن امرأة تزوجت ومكثت سنين لم تنجب، ثم انجبت ولدا ولم تنجب بعده أحدا، وربته كبر كبر إلى أن وصل مثلا افترضوا عمره عشر سنين، خرجت معه مرة إلى السوق أو إلى مكان ما نزهة فأضاعته ضاع منها. هنا ماذا تتصورون في طلبها له؟ ستطلبه ولن تنشغل عن أحد سواه، لا يشغلها شيء عن طلبها له، فهي جلست سنين تنتظره ثم ربته وجلست سنين تنتظر وقت الانتفاع به ثم ضاع منها بطرفة عين، فهنا ستبذل ما تستطيع في طلبها له. يقول: طلبي للعلم مثل طلب هذه المرأة لولدها. لماذا يقول هذا؟ الإمام الشافعي رحمه وغيره من أهل العلم رحمهم الله تعالى عرفوا قدر ما يطلبون، عرفوا قدر ما يطلبون فاستذلوا الصعاب في طلبه.
هناك وصايا يوصى بها طالب العلم، وسأقسمها إلى ثلاثة أقسام: وصايا له في نفسه، ووصايا له في حضور حلقات العلم، ووصايا له في أدبه مع شيخه. الحقيقة أن الأمور التي يتكلم فيها في طلب العلم وفي آداب طالب العلم الكلام فيها كثير، وكتب فيها العلماء رحمهم الله تعالى من السلف والخلف، وممن كتب فيها الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في آداب طالب الحديث، وابن عبد البر رحمه الله تعالى في جامع بيان العلم وفضله، وابن جماعة رحمه الله في تذكرة السامع والمتكلم، وغيرهم ممن تقدم، وممن تأخر الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى في حلية طالب العلم، وشيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى أفرد كتابا في كلامه في العلم، لقاءاته في العلم أو بعض فتاويه التي أفتى فيها فيما يتعلق بطلب العلم وبعض الكتب التي يوصى بها.
فأقدم أو ساذكر بعض الوصايا التي يوصى بها طالب العلم. من أعظم الوصايا التي يوصى بها طالب العلم: الإخلاص لله عز وجل في طلبه للعلم. والكلام في الإخلاص كثير أيها الأحبة، ولا يمل الإنسان من الكلام في الإخلاص، أقصد الإنسان لا ينبغي له إذا سمع الوصية بالإخلاص أن يظن نفسه غير مقصود بهذه الوصية، فكلنا ينبغي لنا أن نصغي السماع لهذه الوصية، الوصية بالإخلاص. لماذا؟ لأن الإخلاص لا يقبل العمل إلا به، لا يقبل العمل إلا به فمن عمل ولم يخلص فانه لن يقبل عمله، وقد يحصل له ما طلبه وقد لا يحصل له، أما من أخلص فانه سيحصل له ما طلبه وزيادة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]. أما في سورة الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: 18]، يعني قد يحصل له ما أراده وقد لا يحصل له. ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله: قلب من ترائيه بيد من أغضبت عنه، فيوشك أن يقلب قلبه عنك فلا أنت حصلت على الأجر ولا أنت حصلت على رضا هذا المخلوق. يعني يقول إن الشخص الذي عملت العمل لأجله، سواء رئيس، سواء أستاذ، سواء إلى آخره، قلبه، قلبه هذا الذي راءيته قلبه بيد الله عز وجل، فقد يصرف الله قلبه عنك، فتكون عملت لأجل هذا المخلوق ولا يرضى عنك، أنت عملت لأجله فلا رضي الله عنك ولا رضي عنك المخلوق. من لم يخلص فلا يتعب ولا يتعنى.
وقد جاء الوعيد الشديد لمن طلب العلم لغير الله، جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه ثلاثة». وجاء في الرواية الأخرى خارج الصحيح: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة»، وذكر منهم: «رجلا تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه، يعني الله عز وجل نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال هو عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار» والعياذ بالله. فهنا تأمل، يفضح على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، هذا معنى قول: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائرُ﴾ [الطارق: 9] السرائر التي تسرها في الدنيا ستظهر في الآخرة. فإذا كنت عملت لغير الله فاحذر، احذر خاصة في طلب العلم احذر أن تكون ممن تعلم العلم ليقال عالم أو قرأت القرآن يعني حفظته وعلمته ليقال هو قارئ أو مقرئ، قد تحصل على هذا في الدنيا: الشيخ فلان، الفقيه فلان، تتعلم ليقال هذا الشيخ هذا الفقيه هذا المفتي، ثم ماذا؟ الألقاب هذه الألقاب ستفقدها، ستفقدها عند أول ليلة تدخلها في القبر، المستعان، لن تنادى هناك الشيخ فلان أو لا، باسمك خلاص. مادام أن هذه الألقاب لن تقدم ولن تؤخر، فلا تجعلها هي سبب تعلمك وتعليمك، بل اجعل سبب تعلمك وتعليمك وجه الله تعالى لكي يحصل لك الأجر العظيم من الله تعالى.
لذلك يقول الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله في منظومته الميمية في الوصايا والآداب العلمية وهي منظومة شريفة نفيسة: ومن يكن ليقول الناس يطلبه أخسر بصفقته في موقف الندم يعني من يطلب العلم ليقول الناس هو عالم، أخسر بصفقته في موقف الندم يعني صفقته خاسرة في موقف الندم يوم القيامة. ولتعلم أنك إذا أخلصت لله عز وجل، فإن هذا سبيل لكي، فإن هذا سبب لبركة علمك باذن الله تعالى وسبب لفتح الله عليك. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: وحسن القصد من أعون الأشياء على نيل العلم ودركه، والعلم الشرعي من أعون الأشياء على حسن القصد والعمل الصالح. يعني إذا أحسنت قصدك، فإن إحسان القصد والإخلاص هذا سبب بإذن الله تعالى لأن يفتح الله عليك، لأن يفتح الله عليك في العلم، وأن يبارك في معلوماتك ولو كانت يسيره.
ولذلك الإمام مالك رحمه الله لما ألف كتابه الموطأ قيل له إن فلانا ألف موطأ مثل موطاك، قال كلمته الشهيرة: ما كان لله يبقى.
هو والطعنة وما كان لله يبقى، لذلك بقي موطأ الإمام مالك رحمه الله إلى الآن. الإمام مالك رحمه الله توفي سنة 179، وإلى الآن يقرأ كتابه، ويستدل بالحديث التي أوردها فيه، ويستشرح كتابه، وتخرج نسخ من رواياته من الموطأ إلى الآن، وإلى الآن يشرح كتابه. توفي قبل أكثر من 1200 سنة ومع ذلك ما زال كتابه باقياً رحمه الله، ولعل هذا من أثر الإخلاص، والله أعلم.
وليععلم أن أمر النية شديد، ولذلك يقول سفيان الثوري رحمه الله: ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي، وذلك لأن النفس ليس لها حظ، فلذلك صعب الإخلاص. لكن قد يقول القائل: الآن أنا أدرس مثلاً في الجامعة في الأقسام الشرعية، أدرس علوم الشريعة. إذاً، أنا أدرس وآخذ الدرجات، إذاً لن أهتم بهذه الدراسة لأجل ألا يكون همي الدنيا؟ نقول: لا، أخلص لله عز وجل واجعل هذه الشهادة سبباً للتعليم؛ لأنه يعني في بعض الدول، بعض المجتمعات لا يجعلون الشخص يعلم إلا إذا معه شهادة شرعية، قد لا يجعلونه مثلاً داعية إلا ومعه شهادة شرعية، قد لا يجعلونه خطيباً إلا ومعه شهادة شرعية. فيقول: هذه الشهادة أنا سأتعلم هذا العلم وآخذ هذه الشهادة لا لذاتها ولكن لأنها سبب لأعلم الناس، فلا تؤثر هذه باذن الله على الإخلاص.
من الوصايا، الوصية الثانية: الاستعانة بالله عز وجل واللجوء إليه، فالجأ إلى الله عز وجل يا طالب العلم في كل صغيرة وكبيرة. إذا استصعب عليك شيء من العلم فاللجأ إلى الله، إلى معلم آدم وإبراهيم. شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إني لأطالع المسألة فأجدها علي مثل القلعة المنيفة، مثل القلعة المنيعة يعني أنها مسألة صعبة جداً. يقول: فأستغفر الله نحو ألف مرة أو أكثر، وأتوجه إليه في حلها وأقول: يا معلم إبراهيم علمني فتنحل لي، وربما فتح الله لي فيها بأمور من الله لم أراها في كتاب رحمه الله، فقط يلجا إلى الله عز وجل بالدعاء والاستغفار وتنحل له هذه المسألة.
ابن القيم رحمه الله في كثير من كتبه، يعني في جملة من المسائل في كتبه، يقول: وهذه المسألة مما فتح الله عليه لما اعتزلت في مكة أو نحو ذلك. يعني هو جاءه وقت لزم البيت الحرام وجلس فيه مدة طويلة وألف جزءاً من كتبه هناك. يقول في بعض المسائل: هذه مما فتح الله عليه في ذلك الوقت. ابن مفلح رحمه الله في كتاب الفروع، لما أورد الحديث الذي رواه أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قال: «اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول وبك أصول وبك أقاتل». قال ابن مفلح رحمه الله: وكان غير واحد منهم، شيخنا يقصد ابن تيمية رحمه الله، يقولها هذا عند قصد مجلس علم. فشيخ الإسلام رحمه الله إذا أراد الذهاب إلى مجلس علم، وغالبا يكون هو الشيخ الذي يلقي فيلقي على أناس قد يناظرونه أو يسألونه، فكان يلتجئ إلى الله بهذا الدعاء. وهذا الدعاء قاله النبي صلى الله عليه وسلم إذا توجه لغزوة، لكن هذا جهاد يعني النبي صلى الله عليه وسلم قاله في الجهاد بالسنان أي بالسيف، وهذا قاله شيخ الإسلام رحمه الله عند التوجه للجهاد باللسان وبالتعليق: اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول وبك أصول وبك أقاتل.
مما يوصى به طالب العلم أيضاً: العمل بالعلم، فمن عمل بعلمه بورك له فيه. مما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مَّسْتَقِيماً﴾ [النساء: 66-68]. فعلوا ما يوعظون به، عملوا بما علموا لكان خيراً لهم، حصلت لهم أربعة أشياء: الخيرية (خيراً لهم)، وأشد تثبيتاً (ثبت هذا الأمر في قلوبهم وصار سبباً لتثبيتم على الحق)، وإذا لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً (حصلنا لهم أجراً عظيماً)، ولهديناهم صراطاً مستقيماً (أي دللناهم على الطريق الواضح وثبتناهم عليه). فمن عمل بما علم حصل له هذه الأمور الأربعة.
مما نقل عن علي رضي الله عنه أنه قال: هتف العلم بالعمل فان أجابه وإلا ارتحل. يعني العلم إذا تعلمته وعملت به ثبت، وإن لم تعمل به ذهب. ولذلك من أسباب حفظ العلم العمل به. الآن مثلاً، مما نتعلمه مثلاً في صفة الصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول دعاء الاستفتاح، وأثرت عنه عدة استفتاحات: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، اللهم باعد بيني وبين خطاياي إلى آخره، وأيضاً: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض إلى آخره، وأيضاً: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرائيل إلى آخره. فهذه أنواع من الاستفتاحات، فلو كان الإنسان حفظها فقط لكن لا يقول إلا سبحانك اللهم وبحمدك فقط سنسى الاستفتاحات الثانية، لكن إذا كان يقول هذا أحياناً وهذا أحياناً وهذا أحياناً فإن هذا سبب لتثبيت هذا العلم الذي تعلمه في صدره، وقل مثل هذا كثير. فإذا عملت بما علمت فإن هذا سبب لتثبيت العلم وأيضاً سبب لزيادته. وجاء في بعض الآثار: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم. والعمل بالعلم من تقوى الله عز وجل، وإذا اتقيت الله عز وجل حصلت لك بركات، ومن البركات أن الله يفتح عليك في العلم. يقول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. كثير من الناس إذا قرأ الآية: ويرزقه من حيث لا يحتسب، جاء أول ما يخطر في ذهنه الرزق البدني من المال أو الصحة والعافية ونحو ذلك، ويغفل عن الرزق القلبي الإيماني. فقد تتقي الله عز وجل بأن تعمل بعلمك فيفتح الله عليك في العلم فتحاً لم تتصوره ولم تتخيله، وهذا من رزق الله لك، رزقك من حيث لم تحتسب.
مما يوصى به طالب العلم الوصية الرابعة: الصبر، الصبر، الصبر يا طالب العلم، اصبر في تعلمك، اصبر لا تستعجل قطف الثمرة. بعض الناس إذا تعلم، إذا أراد أن يتعلم قال: بدأت الآن، بدأ في تعلم المتون الصغيرة، يقول: متى أصبح كفلان الشيخ الذي له دروس وحافظ للكتب الستة ونحو ذلك؟ ما زال طريق طويل ومتى أصل ونحو ذلك فيثبطه الشيطان. لا، الصبر، الصبر. وبعضهم لا يقول: لماذا أتدرج من الكتب الصغيرة للكتب الكبيرة؟ سانطلق مباشرة إلى الكتب الكبيرة لأن فيها كل شيء فساخذها مباشرة. لا، ليس هذا منهج اهل العلم، فهم يبدأون بصغار العلم قبل كباره، ولذلك نقول: اصبر يا طالب العلم، فالعلم يؤخذ بتأن وتؤدة، لا يؤخذ جملة واحدة. يقول الحافظ بن شهاب الزهري رحمه الله: من رام العلم جملة ذهب عنه جملة. من رام العلم جملة، أراده مرة واحدة، فانه سيذهب عليه، وإنما يؤخذ العلم على مر الأيام والليالي. ويقول يحيى بن أبي كثير رحمه الله: لا يستطاع العلم براحة الجسم. فاصبر وأذب في تحصيل العلم.
أثر يحيى بن أبي كثير هذا: لا يستطاع العلم براحة الجسم، أورده الإمام مسلم رحمه الله في كتاب الصلاة في باب مواقيت الصلاة في حديث مواقيت الصلاة. قد يقول قائل: ما مناسبة هذا الأثر لمواقيت الصلاة وهذا في العلم؟ استنبط منه بعض أهل العلم معنى لطيفاً وقال: إن الإمام مسلم رحمه الله في ذلك الموضع أورد حديث -الظاهر أن حديث عبد الله بن عمرو في مواقيت الصلاة- أورده من عدة طرق، فأراد أن يبين للقارئ، قارئ كتابه، أن جمعه لهذه الطرق ما جاءت بسهولة بل تعب في جمعها ووائم بينها، لذلك قال، لذلك أورد هذا الأثر في أثناء باب المواقيت: لا يستطاع العلم براحة الجسم.
مما يوصى به طالب العلم وصيته الخامسة: الثبات وعدم التنقل. كيف؟ بعض طلاب العلم يسألك: يا شيخ بماذا أبدأ في الفن الفلاني؟ مثلاً في فقه الحنابله، تقول له مثلاً: ابدأ بدليل الطالب، فيبدأ به، فإذا فرغ من الطهارة بدا بالصلاة، سمع من يثني على أخصر المختصرات، فيترك دليل الطالب ويذهب إلى أخصر المختصرات، فإذا قطع منه شوطاً سمع من يثني على زاد المستقنع فيترك أخصر المختصرات فيذهب إلى زاد المستقنع، وهكذا يتنقل، هذا خطأ. والصواب أن يثبت. أنا لا، ليس المراد المفاضلة بين المتون، لا أقول إن دليل الطالب أفضل من أخصر المختصرات، أو أخصر المختصرات أفضل من زاد المستقنع، فمن بدا بهذا فهو خطأ ومن بدا بهذا فهو صواب، هذه كلها طرق ترشد إلى المطلوب، فسواء بدأ بهذا أو بهذا أو بهذا، المهم أن يثبت على طريقة واحدة. طبعا لا، ليس المراد أن يختار لنفسه وهو في البداية لا يسأل، فإذا قيل له مثلاً ابدأ، يعني أنصحك بالبدء بدليل الطالب فيبدأ به إلى أن يتمه، قال له شخص: لا ترا أخصر المختصرات أفضل أو زاد المستقنع أفضل، لا يسمع لهذا، ما دام أنه أخذ دليل الطالب عن طريق شيخ استشاره، شيخ ناصح استشاره، فليلزم.
مما يوصى به أيضاً طالب العلم: استغلال الوقت. يقول ابن هبيرة رحمه الله: والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسلم ما عليك يضيع. الأوقات التي تمر بنا كثيرة، كل يوم وليلة عند طالب، عند الناس في كل 24 ساعة، والـ 24 ساعة التي كانت عندنا كانت عند من قبلنا، ومع ذلك نجد بركة في تأليفاتهم مع ما عانوا معه من شظف العيش، يعني عدم توفر أمور كثيرة توفرت لنا، ومع ذلك بارك الله لهم في وقتهم. ولا تقل: ما يمكن أن أصل ما وصلوا لا، بل تصل. هناك نماذج معاصرة لأناس استغلوا أوقاتهم فأبدعوا وأنتجوا للأمة نتاجاً طيباً. يعني مثلاً من الأمثلة المعاصرة: الشيخ موسى العازمي الذي ألف عدة كتب في السيرة النبوية، استغل وقتاً ضائعاً عند كثير من الناس وهو بين الأذان والإقامة، استغله في قراءة الكتب فانجز قراءة كتب كثيرة. هذا الوقت الذي يضيع عند كثير من الناس، هذا مثال يعني لو ضربنا بأمثلة لأناس ممن مضوا قد يقول قائل: لا، عصرنا اختلف، أقول لك: هذا شخص عاش فينا وبيننا وعنده من الأجهزة التي تشغله مثل ما عندنا وعنده من الملهيات مثل ما عندنا، ومع ذلك استغل وقته، فطالب العلم عليه أن يستغل وقته لكي لا تضيع عليه اوقات كثيرة في غير ما يقربه إلى العلم.
مما يوصى به، وأختم بها من الوصايا الموجهة للطالب في نفسه: اقرا في تراجم العلماء، تجد فيها تسلية وخيراً عظيماً وتجد أنها تشحذ همتك. الإمام النووي رحمه الله مثلاً كان في طلبه، في زمن الطلب، يحضر 12 درساً في اليوم، ليس حضور سماع فقط، لا، يعلق ويناقش ونحو ذلك، 12 درس باليوم! وألف كتباً كثيرة بعضها عمدة في الباب وبعضها انتفع الناس به عواماً وهم طلاب علم، يعني من كتبه التي كتب الله له بها النفع الكثير: رياض الصالحين الذي يقرأه الناس في المساجد، الأربعون النووية التي يحفظها صغار طلاب العلم قبل كبارهم، هذه كتب عظيمة. شرح صحيح مسلم، المجموع شرح المهذب، طبعا ألف، ألف يعني ألف ثلثه تقريبا وتوفي رحمه الله قبل أن يتم، تهذیب الأسماء واللغات، كتب كثيرة وتوفي رحمه الله وعمره 45 سنة! 45 سنة وألف كتباً عظيمة رحمه الله.
هذه جملة من الوصايا التي يوصى بها طالب العلم لنفسه. هناك وصايا يوصى بها طالب العلم في حلقة العلم، مجالس العلم. من الوصايا يا طالب العلم: احرص على حضور الحلقات العلمية والدروس، سواء حضرناها مباشرة في مجلس العلم أو إذا كانت تبث عن بعد فتحضرها، تحضر اللقاء المباشر، لا تفرط في الحضور ما استطعت إلى ذلك سبيلا. هذا الثعلب اللغوي المعروف يقول عن إراهيم الحربي رحمهم الله: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس نحو أو لغة خمسين سنة! مستحضر أجر حضور حلق العلم وما فيها من فائدة، بل ما فيها من بركة. تدرون أن بعض مسائل العلم قد وأنت تقراها وحدك لا تفهمها، ثم إذا سمعتها في الدرس انحلت في ذهنك وصارت واضحة، وهذا من بركة مجالس العلم وهذا أشار إليه الشاطبي رحمه الله في مقدمة الموافقات.
من الوصايا: استدرك ما فاتك من الدروس في أقرب وقت ولا تفرط. يعني بعض الناس مثلاً إذا أعلن عن درس وقيل هو مسجل يقول: حسناً، فيعتذر عن حضوره لأدنى سبب، يقول: سأستمع التسجيل. فلا يحضر اللقاء المباشر ولا يستمع التسجيل، ياتي الدرس الثاني فيستسمع التسجيل فتتراكم عليه ولا يسمع شيئاً. لكن إذا كان، إذا ألزم نفسه بأنه يحضر في الوقت وأنه إذا لم يحضر فسيدرك في أقرب وقت هنا سيلزم نفسه وسيلتزم، أما إذا جعل لنفسه العنان، أرخى له العنان فإن النفس ميالة للراحة والدعة.
من الوصايا: احرص على حضور ما يناسب مستواك من الدروس. هناك دروس تكون للمبتدئين في فن معين، هناك دروس لمن ترقى عن المبتدئين، وهناك دروس للمتقدمين. فانظر إلى هذا الدرس، هل يناسبك أو لا؟ قد يكون هذا الشيخ الذي يلقي من فضلاء المشايخ وأجلائه لكن أسلوبه لا يناسبك، أنت الآن بدات في العلم فإذا حضرت عنده فستسمع لغة راقية قد لا تفهمها لأنك تحتاج إلى أساسيات، فانظر إلى مستوى هذا الدرس، هل يناسبك أو لا؟ فإذا كان يناسبك فاستعن بالله عز وجل في حضوره. من الوصايا:
احرص على أن تجعل لك في كل فن متنا تأصيليًّا تدرسه، إن أمكن حفظه فهو الأولى، وإن عسر عليك الحفظ فتفهمه وكرره حتى تستظهر مسائله، والحفظ أولى. وقد قال الرحبي رحمه الله في منظومته في الفرائض: والثلثان وهما التمام، فاحفظ فكل حافظ إمام. فاحرص على الحفظ، لكن بعض الناس تكون حافظته ضعيفة لكن رزقه فهماً، فهنا نقول: لا تعتمد على فهمك، حاول أن تكرر هذا المتن وهذه المعلومات لكي على الأقل تستظهر مظنتها في كتب أهل العلم.
من الوصايا، مما يعاب على بعض طلاب العلم أنهم يكونون عوامّ في غير الفن الذي أجادوا فيه، فتجد طالب علم في الفقه عامياً في التفسير، أو عامياً في الحديث، أو عامياً في النحو، وهذا لا ينبغي؛ فالعلوم مترابطة ومتسلسلة. فلذلك نقول: تعلم من كل علم أساسياته، فخذ لك مثلاً متناً في الأصول، أصول الفقه مثلاً، في العقيدة، العقيدة طبعاً العقيدة توحيد العبادة وعقيدة الأسماء والصفات هذه كلها مهمة، وأيضاً مثلاً في الفرائض، مثلاً في الفقه، مثلاً في التفسير وأصول التفسير، وهكذا.
ثم التخصص، الفن الذي تريد أن تتخصص فيه هذا اقرأ فيه وتعمق فيه، لكن لا ينبغي أن تتعمق في فن وتكون عامياً في باقي الفنون، ولم أر في عيوب الناس عيباً كعيب القادرين على التمام.
مما يوصى به طالب العلم أن يحضر للدرس قبل حضوره، وهذه ممكن أن تناسب المتوسطين في طلب العلم، لا تناسب المبتدئين؛ المبتدئ لا ينبغي له أن يحضر من أكثر من كتاب لكي لا يتبلد ذهنه، لكن من تقدم، مثلاً درس زاد المستقنع والآن سيدرس الروض المربع، فنقول: حضر للدرس، اقرأ المتن أو النص الذي سيشرحه الشيخ في هذا الدرس، حاول أن تتفهمه بنفسك من غير مراجعة شروح، فإذا تفهمته جيداَ راجع شرحاً له وقارن بين ما فهمته أنت وما فهمه الشارح الذي شرحه. ثم بعد ذلك يحضر لشرح الشيخ، وقارن ما فهمته بنفسك وما فهمته من الشروح أو الحواشي على المتن، وانظر إلى ما يزيده الشيخ لك مما قرأته، أو ما يثبته لك مما قرأته، أو يوضحه أكثر مما قرأته. ثم بعد ذلك راجع ما درسته في هذا الأسبوع، وحاول أن تنتخب لك قريناً صاحباً لكي تتدارس معه هذا المتن الذي درسته على الشيخ، وهذا مما يختصر لك المدة التي تتعلم فيها العلم، والشيخ ابن بدران رحمه الله في مدخل مذهب الإام أحمد رحمه الله ذكر طريقة له في التعلم نحواً من هذه الطريقة.
من الوصايا، عدم احتقاد الذات واقتناص كل توجيه سمعته من شيخك أو أستاذك أو ربما إمام مسجدك أو خطيب جمعة، أو توجيهاً سمعته في مجلس عابر فاقتنسه، قد يدلك الشيخ أو الطالب القرين لك على مشروع تنفع به الأمة سمعته بمجلس عابر فنفعت به الأمة، لا تحتقر نفسك مع الاستعانه بالله عز وجل. الإمام البخاري رحمه الله قيل إن سبب تأليفه الصحيح أنه كان في مجلس عند إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى، فقال إسحاق رحمه الله كلمة: قال له إن شخصاً جمع ما صح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه في وقتهم كثر الوضع في الأحاديث وكثرة الأحاديث الضعيفة يعني رواية الأحاديث الضعيفة، فقال: لو أن شخصاً جمع ما صح من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فوقرت هذه الكلمه في سمع البخاري فانتدب نفسه لها، وجمع الصحيح الذي هو أصح الكتب المصنفة بعد كتاب الله تعالى، جمعه في ست عشرة سنة وانتخبه من مئات الآلاف من الأحاديث، رحمه الله وغفر له.
ننتقل إلى آداب طالب العلم مع شيخه، ونختصر هناك يمكن قرب الوقت، من آداب طالب العلم مع شيخه عدم مقاطعة الشيخ في الدرس واستعمال الأدب في السؤال، فقد جاء في حديث: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه». فليس من الأدب أن تقاطع شيخك في الدرس، ترجم الإمام البخاري رحمه الله باب من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث، وساق حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب فسأله أعرابي: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته، ثم لما فرغ قال: «أين أراه السائل عن الساعة؟». فهنا النبي صلى الله عليه وسلم سمعه لكن لم يجبه مباشرة؛ لعله تأديباً له لكونه قاطعه أثناء الخطبة.
أيضاً من الآداب أن تتأدب في طرح السؤال، فلا تسأل لتفحم شيخك أو لتظهر علمك، يعني بعض الناس مثلاً يبحث مسألة وينظر الأقوال فيها والأدلة ويبحث بحثاً جيداً، ثم إذا جلس في مجلس وكان كبيرهم هذا المجلس شيخاً معظماً موقراً، طرح هذه المساله قال: يا شيخ، ما تقول في كذا؟ فيجيب الشيخ بما عنده، فيقول: لكن أجيب عن هذا الحديث بكذا، فما تقول فيه؟ فيكون سؤاله للشيخ ليس سؤال متعلم، وإنما هو سؤال متعنت ومظهر لما عنده من العلم، فهذا حقه ألا يجاب، فلا تسأل لتفحم الشيخ أو تظهر علمك. أو تسأل لتضارب أقوال العلماء بعضهم ببعض، بعضهم مثلاً يسأل مسألة قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية، فيسأل الشيخ الفلاني فيقول له: ركن من أركان الصلاة يقراها المأموم ولو كان في الصلاة الجهرية، فيسأل شيخناً فيقول: لا، يكفي قراءة إمامه. فيقول: لا، طيب، الشيخ الفلاني قال لي كذا، لماذا أنت تسأل؟ إذا كنت قد اقتنعت بالشيخ الفلاني فلا تسأل غيره، فلا ينبغي أن تسال لكي تضرب أقوال العلماء بعضهم ببعض، بل اسأل لتتعلم أو لتعلم غيرك، يعني ما في أشكال أن تسال، أن تجد مثلاً هذه المسألة أنت فهمتها لكن تحس أن فيها غموضاً عند أصحابك، فتسأل الشيخ عنها لا لكي يشرح لك، لكن لكي يشرح لأصحابك، فهذا لا باس به وهذا من التعليم. ولذلك في حديث سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «ذاك جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم». جبريل ما علمهم، ما قالهم ترى أركان الإسلام كذا أركان الإيمان كذا، بل سأل لكي يتعلم الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
من الوصايا، اكتسب من سمت الشيخ وخلقه، فكما تكتسب من علمه فاكتسب من خلقه، لا يليق أن تجلس سنوات طوال عند شيخ حليم وتكون من أفه الناس، أو عند شيخ حيي وتكون من أشد الناس، أو شيخ حسن الخلق وتكون من أسوأ الناس خلقاً، فأنت ما اكتسبت من خلق الشيخ شيئاً، لابد أن تكتسب من سمته وخلقه وأدبه، ذكر الإمام السمعاني رحمه الله أن مجلس الإام أحمد رحمه الله كان يحضره خمسة آلاف، مجلس التحديث يحضره خمسة آلاف، منهم خمسمائة فقط الذين يكتبون والباقي جلسوا يستمعون ويكتسبون من حسن أدبه وخلقه.
نكتفي بما ذكر، والكلام طويل كما قلنا، لكن حسبكم من القلادة ما أحاط بالعنق، وأحلتكم في أول اللقاء إلى بعض الكتب التي ألفت في آداب طالب العلم، أسال الله للجميع التوفيق والسداد.
طيب، هنا ندع مجالا للجواب على الأسئلة، يقول: في خضم البرامج المتكاثرة والمتنوعة كيف الجمع بينها والاستفاده منها جميعاً؟
نعم، هناك برامج كثيرة، لكن كما قلت: احرص على ما يفيدك منها، قد تقول: أنا مثلاً فيه ثلاث برامج كلها تفيدني لكن لا أستطيع الجمع بينها، فنقول هنا: استخر الله عز وجل واستشر من تثق به من أهل العلم والتقى، احفظ عليه حالك، ممن يعرفك، سبق مثلاً أن علمك شيئاً من العلم ونحو ذلك، فهو يعرف مستواك واهتماماتك وقدراتك فيرشدك إلى الأصلح لك.
أحسن الله إليكم شيخنا وجزاكم الله خيراً. عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. هل في مجال شيخنا لنعل الأخوة يسألون شفاهياً؟ لابأس.
اسم الله عليكم شيخ، الأخ محمد أحمد باري يمكنه التحدث الآن.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حياكم الله يا شيخنا وبارك فيكم ونفع بكم، عندي سؤالان: السؤال الأول هو فيما يتعلق بطالب العلم الذي في الدراسات العليا لو أنه حفظ متناً من متون الحديث كبلوغ المرام مثلاً، ثم بعد ذلك أراد أن يعتمد كتاباً واحداً من الكتب الستة يردده دائماً ويراجع فيه، فأي كتاب تنصحونه به من الكتب الستة للبخاري، ابن ماجه، وهو متخصص في الفقه؟ هذا هو السؤال الأول.
ما دام أنه يدرس في الدراسات العليا وحافظ بلوغ المرام فمقصده يظهر والله أعلم أنه يريد حديث أحكام، حديث كتاب حديث يختص بالأحكام، وأمتن كتب الحديث الستة في أحاديث الأحكام سنن أبي داود، أبو داود هو متنها من ناحية الأحكام، طبعا الصحة لا غبار على البخاري ومسلم، لكن التخصص في الأحكام أكثر ما في سنن أبي داود، فيجعله هذا كتاباً له يراجعه كثيراً.
وتنصحونه بالكتاب مع شرح معتمد ولا يقراه وإذا اشكل عليه شيء يراجع الشروح على حسب استطاعته، هل يستطيع وهل في وقته أن يقراه مع شرحه، أو يقراه وإذا أشكال عليه يراجع شرحاً له على حسب استطاعته، إذا أمكن أن يقراه مع شرحه فهو أفضل، لماذا؟ لأنه قد يفهم من الحديث معنى ويجلي له الشارح معنى آخر غير الظاهر من الحديث.
الله يجزيكم خير ويبارك فيكم، والسؤال الثاني: ما هي أهم العلوم التي ينبغي لطالب الفقه أن يعتني بها؟ المقصد من السؤال أن الطالب مثلاً ينصح إذا أتقن درجات الثلاث في طلب العلوم، درجات المبتدئين والمتوسطين والمتقدمين في شتى العلوم اللغوية وكذلك الشرعية، فإنه ينصح بأن يركز على علم أو علمين، فما هي العلوم التي تنصحون الطالب أن يعتني بها كثيراً، أن يختار علمين أو ثلاثة، وماذا تختارون بارك الله فيكم؟
طبعا كما ذكرنا في الدرس أو اللقاء، إنه ينبغي لطالب العلم ألا يكون عامياً في العلوم الأخرى، فلا بد أن يؤسس نفسه في شتى العلوم النافعة، علوم الشريعة بأنواعها وعلوم اللغة العربية بأنواعها، ويأخذ له حظ أيضاً من علم السيرة.
طالب علم الفقه المتبحر فيه، الذي يريد التتبحر فيه، ينبغي أن يكون له أيضاً في اصول الفقه وفي القواعد الفقهية يكون له اهتمام كبير، طبعاً علم الحديث، علم التفسير، علم الاعتقاد، هذه عنده أساسيات فيها، عنده أساسيات فيها لا يخل بها، لكن عندما يريد أن يتبحر أكثر في الفقه فنقول: عنده علم القواعد الفقهية وأصول الفقه هذا لا ينبغي أن يغفله، لكي يزداد تبحره في الفقه، يزداد في الأصول، لا يكتفي بمثل مختصر في الأصول ومتن مختصر في القواعد، لا، هذا يزيد فيه لكي تكتمل ملكته الفقهية.
الله يجزيكم الخير ويبارك فيكم ويحفظكم وشكر الله لكم. بارك الله فيك. الأخ منير بعدوي حفظه الله يمكنه التحدث الآن.
طيب شيخنا، في هناك أخ سأل في القناة التفاعلية قال: فتح الله عليكم شيخنا، قال: كيف تعالج إشكالية ضعف التحصيل وهل هذا طبيعي؟
السلام عليكم. عليكم السلام، طيب قبل تسأل يا منير، أريد أن أجيب على هذا السؤال، أعد: كيف تعالج إشكالية القنوط من ضعف التحصيل وهل هذا طبيعي؟
ضعف التحصيل، ضعف التحصيل أحياناً يكون الإنسان من نفسه لم يقطع الشواغل التي تشغله، وأحياناً هذا ضعف التحصيل عنده بان يفرغ نفسه من الشواغل، أحياناً تكون الشواغل ضرورية، مثل مثلاً يشتغل بكسب رزقه، يقول: أنا إذا أنا الحمد لله أعمل لأكسب رزقي، فإذا قلت لا ساتفرغ لطلب العلم ولا أكسب رزقي فساكون عالة على الناس، فهنا نقول: لابد أن يشتغل بكسب رزقه، لكن ما البديل؟ يلجو إلى الله عز وجل في أن يبارك له في علمه وفي عمله وأن يفتح عليه، دائماً يكون هجراه لا حول ولا قوة إلا بالله، دائماً يسأل: يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. وهو ساجد الآن في السجود لابد أن يصلي الإنسان، لابد أن يسجد، وهو ساجد لابد أن يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، ويقوم يطيل قليلاً يدعو، يكرر، يجعل الدعاء دعوة يكررها دائماً.
وكما قيل: من أدمى قرع الأبواب فإنه يوشك أن يلج، فإذا كنت تدمن قرع الباب مئات المرات فالله عز وجل كريم لا يرد من سأله، فاسأل الله عز وجل خيراً. يقال إن مما يذكرونه أن شخصاً كان صعب عليه الحفظ وحس أنه لن ينجح في طلب العلم، فمرة خرج إلى الصحراء أو إلى مكان في منتزه، فوجد ماء يقطر على حجر وهذا الحجر بدأ يتفتت أو بدأ يتاثر من كثرة قطر الماء عليه، فقال: إذا كان هذا الحجر الصلب القاسي تأثر بورود القطرات من الماء عليه، فقلبي ليس أقسى من الحجر، فعاد وكرر الجهد وفتح الله عليه في طلب العلم. فالإنسان يلجو إلى الله عز وجل بأن يفتح الله عليه وأن ييسر أمره.
نعم، شيخنا بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً، من أراد أن يقرا شرحاً على بلوغ المرام يناسب تحصيله على المذهب الحنبلي، فأي شرح تنصح؟
بارك الله فيكم، صدر شرح أخير يعني يمكن قبيل أسبوع صدر، نسيت اسمه لكن المؤلف هو الشيخ منصور الصقعب. هو اهتم بشرحه على مذهب الحنابلة رحمه الله كما قال في التعريف بالكتاب، فربما يكون هو أنسب شرح؛ لأن الشروح التي طبعت سابقاً، يعني مثل سبل السلام أو البدر التمام أو الشروح المعاصرة، شرح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، أو شرح الشيخ البسام رحمه الله، أو أي شرح الشيخ عبد الله بن فوزان، كلها يعني لا تهتم بمذهب الحنابلة، يعني تذكر مذهب الحنابلة أو غيرهم فليس فيها اختصاص بمذهب الحنابلة، لعل هذا الشرح إن شاء الله يعني يكون غطى هذه الجزئية.
الله يحفظكم شيخنا وجزاكم الله خيراً، الأخ يسأل يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جزاكم الله خيراً شيخنا، من تضعف همته بسبب ما يرى من أحداث مصاب الأمة وإلى آخره من الأحداث، يعني ماذا يفعل من تضعف همته شيخنا؟
أحسنت، هذا سؤال وجيه وتمس الحاجة إليه في الأوقات التي يجد الإنسان فيها مصاب الأمة في مشارق الأرض ومغاربها، يقول: ما دوري؟ ما فائدة العلم الذي يحفظه إذا كان المسلمون يقتلون ويشردون ونحو ذلك؟ ما فائدة العلم الذي يحفظه؟ أقول: أن هذه المصائب مرت على المسلمين في أدوارهم في التاريخ، ترى ليست هذه المصيبة الأولى، مرت مصائب، العصر الذي وجد فيه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وقبله بسنوات وبعده سنوات ترى مصائب، يعني من قرأ في تاريخ المسلمين في، مثلاً قرأ في تاريخ ابن الأثير مثلاً فيما حصل للمسلمين في هذه الأوقات، يعني ينبهر انبهاراً كثيراً بالجرْم الذي تسلط به الكفار على إخواننا المسلمين، ومع ذلك هذه الحقبة الزمنية جاء فيها مؤلفات كثيرة للعلماء، وبرز فيها علماء فطاحل، وكلهم عندهم غيرة على دين الله، هل منعتهم هذه الغيرة من أن يتعلموا؟ هل منعتهم هذه الغيرة من أن يعلموا؟ هل منعتهم هذه الغيرة من أن يؤلفوا؟ لا، لم تمنعهم. فلذلك أقول: انظر ما فعل أسلافنا، التوجيه أن نقول: انظر ما فعل أسلافنا. الأمر الثاني: هل حزنك عليهم سيرد لهم حقاً مسلوباً؟ لا، حزنك عليهم لا يرد حقاً مسلوباً، الذي يرد لنا أن تؤازرهم بما تستطيع، من أعظم ما نستطيعه: الدعاء لهم، الدعاء لهم والعيش مع مصابهم، فلا نتركهم من دعواتنا الصالحة. لكن مع ذلك لا نقول: ما فائدة العلم الذي نتعلمه وإخواننا قد يتم تشريدهم؟ أقول: هذه المصيبة هي مؤقتة وبإذن الله ستزول، وإذا زالت تبين لك أثر من تعلم في هذه الأزمة وانه سينفع الأمة بإذن الله تعالى في هذه الأزمة وبعدها، فكن أحد هؤلاء الذين ينتظر منهم نفع أمتك.
نعم، شيخنا ممكن سؤال آخر؟ لعله السؤال الاخير، جزاكم الله خيراً شيخنا، من درس المذهب الحنبلي وانتهى مثلاً من الروض المربع وأراد أن يرتقي درجة نحو الفقه المقارن، فهل لكم مشكورين أن ترسموا لنا سلماً في كتب الفروع مثلاً التي اهتمت بالفقه المقارن يقرؤها الطالب، وكتب أحاديث الأحكام التي اهتمت أيضاً بالفقه المقارن يقرؤها الطالب ويستفيد منها؟
طيب، الحقيقة أنا لي وجهة نظر في تحديد الكتب التي يسير عليها من تعدى المرحلة التأصيلية، وهو أنه لا نحدد له الكتب وإنما هو بإذن الله سيتبين له مسيره. كيف؟ الآن إذا ارتقى، ارتقى مثلاً تعلم العلم في الفقه الحنبلي، تعلم مثلاً دليل الطالب، زاد المستقنع، الروض المربع، قال: أنا خلاص، أنا الحمد لله أخذت من المذهب الحنبلي، أريد أن أرتقي الخلاف العالي المسمى بالفقه المقارن. فهنا لا نحتاج إلى أن نقول له: اقرأ كذا واقرأ كذا، هو الآن اتضح له الطريق. لماذا لا نحتاج؟ لأنه كل واحد من طلاب العلم له ميلان إلى شيء معين، مثلاً هذا يميل إلى تحقيق الأدلة، تحقيق الأدلة هل مثلاً يريد أن ينظر الخلاف بادلته؟ هذا يريد أن ينظر، يعني تطبيق مقاصد الشريعة في العلوم، هذا اتجاهه لشيء معين. فنقول: إذاً لا نحتاج إلى أن نرسم لك الطريق في ذلك، أنت بملكتك التي أخذتها في الفقه الحنبلي، طبعا في الفقه الحنبلي أو غيره من المتون أو الفنون، فأنت بملكتك تبين لك ما تحتاجه من العلوم وما تميل إليه، فتنظر في الكتاب الذي تريد أن تقراه في مثلاً في الخلاف العالي، هل هذا يحقق مرادك؟ أو يحقق مراد أنت تريد تحقيق الأدلة في هذه المسألة، هل هذا الدليل صحيح أو غير صحيح؟ هل الكتاب يحقق مرادك أو لا؟ أنت بنفسك تكتشفه، ما تحتاج إلى من يدلك عليه.
الكتب التي يدل عليه، يدل عليها المبتدئون في الطلب، لكن المنتهون أنا، صحيح أن هناك من يرسم للمبتدئين يقول لهم: اقرؤوا كذا، اقرؤوا كذا، ثم تبلغون درجة المتوسطين فاقرؤوا كذا، اقرؤوا كذا، ثم تبلغون درجة المنتهين فاقرؤوا كذا، اقرؤوا كذا. الحقيقة أن الذي يرسم له المنهج هكذا فيقرأ عليه، يسير عليه من البدايه إلى النهاية، أنا أحس أنه كأنه محبوس في قفص، لكن إذا رسمنا له الطريق في البدايه قلنا له: اقرأ المتون الأساسية هذه، ثم بعدها انطلق كما شئت، انطلق كما شئت ما دام أن عندك الأساسيات في العلم وسرت عليها على المنهج المتبع، فانطلق كما شئت؛ لأن أفهام الناس ومرادات طلاب العلم في العلم المعين ليست واحدة، ليست واحدة، فقد نقول له: اقرأ كذا اقرأ كذا، وهو يريد مثلاً يتبحر في القواعد، يعني يتبحر في الفقه مقروناً بالقواعد الفقهية، يتبحر في الفقه مقروناً بالمسائل الأصولية، الكتاب الذي سيقرأه لن يفيده في هذا وهو إنما ينجح في مثل هذا، فنقول هنا: أنت يا طالب العلم إذا اتبعت المنهج التأصيلي فانطلق كما شئت.
أسأل الله للجميع جميع التوفيق والسداد، وأعتذر للإطالة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بارك الله في علمكم شيخنا ونفع الله بكم يا رب العالمين. هل في مجال شيخنا لثلاثة أسئلة أخرى أم أن وقت فضيلتكم لا يسمح؟
لا، أتوقف عندي.
وجزاكم، جزاكم شيخنا أحسن الله إليك. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان