بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً، ماكثين فيه أبداً. الحمد لله الذي أنزل علينا هذا الكتاب مقوماً لطريقنا، ومصوباً لحياتنا، ومعلماً لنا بمراد ربنا. نعمة عظيمة ودرة ثمينة أهداها الله سبحانه وتعالى إلينا، وهو هذا الكتاب العظيم الذي يستانس به الإنسان في الوحشة، ويجد فيه من المعاني ما تريح القلب ويطمئن به عقله لما فيه من الآيات والدلائل العظام على وجود الله سبحانه وتعالى ووحدانيته وهدايته لعباده.
محروم من انصرف عنه، محروم من انشغل بغيره وأعرض عن تدبر كلام ربه. وإذا نظرت إلى كلام العقلاء من أذات هذه الأمة من العلماء الربانيين؛ وجدت كلمتهم اتفقت على أن الانشغال بمعاني القرآن واستنباطها وإسقاطها على واقع الحياة من أنفع العلوم للقلب والعقل والإنسان عموماً ظاهراً وباطناً.
وإن من كيد الشيطان بأهل الإسلام أن يحرفهم عن هذا الكتاب العظيم، وأن ينشئ لهم من العلوم المزاحمة لهذا العلم. لا إشكال أن الإنسان يتعلم من علوم الدنيا ومن معارفها، لكن أن تزاحم هذه العلوم كتاب الله سبحانه وتعالى في حياتك، في تقويم قلبك، في تدبر رسائل ربك؛ فهنا نعلم أننا في بداية الخذلان والحرمة. فنسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا من هذا المعين العذب الزلال، وألا يصرفنا عنه بذنوبنا وخطايانا. من انصرف عن القرآن محروم، ومن انشغل عنه فاعلم أن هناك ذنباً بسببه ضعف.
لذلك يا طالب العلم، ويا أيها المسلم عموماً في أي مكان كنت وعلى أي حال، إياك أن يقنعك الشيطان في لحظة من اللحظات أنه يمكنك أن تستغني عن كلام الله سبحانه بكلام مخلوق، وأن تظن أن كلام الله سبحانه وتعالى ككلام غيره، يمكن أن يسد هذا ما سد هذا. هذا من عدم التعظيم لجلال الله سبحانه وتعالى. لو عرفت عظمة الله أو شيئاً حتى من هذه العظمة؛ لعرفت أن هذا الكتاب لا يمكن إلا أن يكون متفوقاً على غيره من المعارف والعلوم والثقافات وعقول الرجال. أذكى أذكياء الأرض لا يمكن أن يقارن كلامه بكلام الله سبحانه، ولا بأدنى أو نقول ولا بأقل حجم سورة منه؛ فكل القرآن عظيم، وأقل سورة حجماً تفوق كلام البشر جميعاً. هذه حقائق إخواني، هذه حقائق وهذه قضايا مسلمات للمؤمن المتبصر. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا بصيرة بعظمة هذا الكتاب واحتفاءً به.
خصوصاً في هذه الأزمنة التي كثر فيها القيل والقال، وأصبحت هناك سيولة في الكلام والآراء واختيارات الناس، وسيولة في القلم، وفشوه. وهذه من علامات الساعة كما جاء في بعض الروايات والأحاديث من علامات الساعة فشو القلم؛ يكثر الكلام والحديث والكتابة، ويصبح الإنسان متحيراً أين يتجه ومع من الحقيقة؟ والحقيقة هنا في كلام ربك سبحانه وتعالى، فأقبل عليه بنهم وشغف، أقبل عليه مريداً الهداية.
ولذلك قال عدد من العلماء: من أقبل على القرآن طالباً الهداية مريداً لها، هداه الله. لا يمكن إخواني من أتى إلى القرآن طالباً الهداية منه إلا أن يهديَه الله. وأما من أتاه بمقررات سابقة يريد أن يدعم آراءه ومنطلقاته فقط، وليس أن يبحث عن الهدى في جنبات هذا الكتاب، فهذا لا أضمن له الهداية؛ لأنه لم يتعامل مع القرآن على أنه كتاب مبين، وإنما تعامل مع القرآن على أنه يختار منه ما يشاء ويترك منه ما يشاء. والقرآن ليس مجرد كتاب نظري من كتب المعارف الأرضية تأتي إليه لتأخذ منه ما يدعم آراءك العقلية. القرآن حاكم على عقلك وموجه له، ومنبه له على طرق التفكير الصحيحة وطرق الاستدلال القوية. فتعال إلى كتاب الله سبحانه وتعالى إلى واحة جميلة، وإلى منهج عذب، وإلى حديقة تسر الناظرين، معنا في مجالس الوحيين لنلتقط من هذه الفوائد، ونحاول ونجتهد بطاقتنا مع اعترافنا ببضاعتنا المزجاة، لكن نسعى ونحاول ونجتهد لأن نأخذ من المعاني ما فيه شفاء القلب والروح.
أدانا الله وإياكم وأعاننا على تدبر كلامه وجعلنا من أهله؛ فإن هذه الأهلية لكتاب الله سبحانه ليست بمجرد حفظه، بل إنما هي لمن عمل وتدبر وقارن بين الحفظ والفهم والإسقاط على الواقع. وما أحوجنا اليوم إلى هذه الاستثارة وإلى هذا التأمل مع زمن الحيرة، ومع زمن الآراء والأفكار والانحرافات والضلالات. إذا أقبلت على القرآن تجد الحقيقة واضحة أمام عينيك. إذا استطعت أن تفهم كلام الله سبحانه وتعالى؛ لن تضل ولن تزيغ بك الأهواء، ولن تضل بك السبل؛ لأنك على المنهج القويم ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: 1]. هكذا وصف ربنا كتابه، لا يمكن أن يعوج بك، وهو في ذاته على طريق مستقيم تمام الاستقامة، ولكن عليك أن تعرف منارات هذا الكتاب ومعالم هذه الاستقامة من خلال مجالس التدبر. فالحمد لله على استدامة هذا الخير وهذه النعم.
أيها الكرام، قررنا في مجالس الوحيين بعد إنهائنا لسورة الأنعام بما فيها من العظمة والجلال وتأسيس العقائد؛ أن ننتقل إلى سورة جميلة عظيمة محببة إلى النفوس، وهي قصة، صح، ولكنها ليست كأي قصة وليست كأي حكاية. قصة نبي من الأنبياء، قصة مليئة بالعبر والمواقف، وفيها آيات للسائلين، ومعالم للحائرين، ومنارات في طريق السائرين إلى الله سبحانه وتعالى. هذه القصة أميرها يوسف، الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم. حياة تجسد الإنسان في صراعه مع البلاء، وفي مراحل العقبات التي يمر بها. حياة يرى الإنسان فيها معنى الابتلاء ومعنى الاصطفاء وما هي أسسه وسنّة الله فيه. حياة تبين لك طريق الدعاة والمصلحين، حياة تظهر فيها النفس الإنسانية بطبائعها بهمومها، في اجتماعاتها مع الناس وفي التقاءاتها، في الأذى الذي يصيبها. حياة يبرز فيها الإنسان بطبائعه وأخلاقه وأنماطه. قصة عجيبة جميلة رائقة، مليئة بما يحسن الوقوف عنده وتحتاج إلى تبصر ولا تنضب معانيها.
لعلكم قرأتم كثيراً في قصة يوسف، بل إننا لو أتينا إلى أن ننظر في الكتب والمصنفات التي كتبت في سورة يوسف وحدها وفي فوائدها وقصصها وعبرها؛ تجد أن هناك أنظاراً كثيرة وكتباً واقتباسات. هذا يدل على أن هذه القصة فيها الكثير وما زال فيها، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفهمنا وأن يعلمنا وأن يبصرنا. سورة يوسف كما قلنا دائماً، هي حكاية الإنسان الذي يسير في طريق الله سبحانه وتعالى وما يعرض له من العقبات في هذا الطريق على كافة الأشكال والصعد: من الشهوات والشبهات، وصراع الناس وطبائع المجتمعات وظروف الحياة. هكذا هي الحياة حقيقة، كما سنأتي وننبه على ذلك ونحن نذكر لماذا هي من أحسن القصص كما ذكر ربنا سبحانه وتعالى في بدايتها.
حتى لا أطيل في المقدمات، نشرع التدبرات ونستعين الله سبحانه وتعالى على رحلة جديدة في فهم كتابه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: 1]. الكلام عن الأحرف المقطعة التي في بداية السور سبق لنا في سورة البقرة وفي غيرها من السور، وهو كلام تكاثرت فيه الآراء والاجتهادات؛ فما بين عالم يرى أن هذه الأحرف المقطعة هي اختصارات لأسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى، وما بين عالم يراها أنها من المتشابه الذي لا نقف على معانيه، ومن عالم يراها اختصارات لجمل، ومنهم من يراها أنها أسماء الله سبحانه وتعالى أقسم بها. كلام طويل. وخلاصة وأفضل ما يمكن أن يقال في هذا المقام: أن هذه الأحرف الهجائية، بغض النظر عما تدل عليه من الرمزية ومن الاختصار، هي أُتي بها في بدايات ومطالع السور إشارة إلى أن هذا الكتاب العظيم المعجز الذي لم تستطع العرب برجالاتها وخطبائها وفصحائها أن يعارضوه، هذا الكتاب هو من هذه الأحرف الهجائية التي هي في متناول أيديكم أيها العرب. (ألف، لام، را)، أحرف معلومة مقررة في أذهانكم، منها ومن غيرها جاء هذا الكتاب العظيم، ولكنكم عجزتم أن تأتوا بأقصر سورة منه. ألا يدل هذا على اللطيف الخبير العليم الحكيم الذي أحسن كل شيء؟ ألا يدل على أن هذا الكتاب ليس من صنع البشر ولا من كلام محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من كلام رب البشر؟ إذاً هو نوع تحدٍ ومواجهة لسطوة كفار قريش وغطرستهم في محاولة مجاراة هذا الكتاب وعجزوا عن ذلك. الله سبحانه وتعالى يقول: هذه الأحرف بين أيديكم، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. لم نأتِ بأحرف لا تعرفونها ولا بكلمات ليست من معجم اللغة، هي من كلماتكم، لكن العبرة بالتأليف المعجز والنظم المهيب، هذا ما عجزت عنه عقولكم وألسنتكم، بل حتى أقلام من أتى بعدكم.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. تلك إشارة إلى ماذا؟ البعض قال إشارة إلى ما في مضمون هذه السورة، أي تلك الآيات التي سنقصها عليكم هي آيات الكتاب المبين الواضح الموضح. وسنأتي إلى معنى كلمة المبين. فقال بعضهم إنها إشارة إلى الآيات التي ستأتي. طبعاً هنا قد تكون هناك إشكالية عند البعض؛ يقول لك: أليس الإشارة إلى شيء حاضر، فكيف أشار إلى شيء لم يأتِ بعد؟ قالوا: نُزّل ما سيأتي منزلة الحاضر، وهذا جائز في اللغة، أن تنزل ما سيأتي لاحقاً كأنه حاضر الآن. والبعض قال: لا، تلك ليست إشارة إلى آيات هذه السورة وقصتها، بل هي إشارة إلى الأحرف الهجائية التي سبقت (ألف، لام، را)، تلك الأحرف وغيرها هي التي ألفت هذا الكتاب المبين، فهي إشارة إلى الأحرف التي ابتدئ بها.
﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾، والآية أيها الكرام الأصل أنها العلامة، لكنها أعمق من العلامة حيث إنها تؤثر في الباطن والظاهر. ذكر ذلك بعض أهل العلم، أن الآية لها دلالة نفسية أكثر من مجرد كلمة العلامة. العلامات قالوا تؤثر في الظواهر، وأما الآيات فهي تؤثر في الباطن وفي الظاهر، وتصل إلى الروح وإلى لب القلب. فلذلك سميت هذه الأسطر آيات ولم تسمى مجرد علامات ومظاهر ودلائل؛ فهي أبلغ، تخاطب العقل والوجدان والمشاعر في وقت واحد وفي آن واحد. وهذا سر من أسرار الإعجاز؛ فالقرآن إعجازه ليس فقط أيها الكرام في نظم الآيات البلاغية، بل إعجازه في طريقة مخاطبته للعقل والوجدان في آن واحد وفي مشهد منتظم لا ينبو عنه، ترى هذا سر أسرار الإعجاز. أوجه الإعجاز كثيرة في كتاب الله، وعدها بعضهم بالعشرات بل بعضهم زادها على المئة، ومن جملة الإعجاز؛ إعجاز في تركيب المعاني، في مخاطبتها لأكثر من منطقة في الإنسان. أحياناً بعض الكتب تخاطب العقل لكن تشعر الكتاب جاف، صحيح؟ وفي كتب تخاطب المشاعر لكنها بعيدة عن العقلانية ككتب الشعراء والرواة والقصاص. وهناك كتب تستطيع أن تجمع بين الأمرين، تخاطب عقلك وتحرك مشاعرك وعاطفتك؛ فيجتمع العقل والعاطفة معاً في أجمل اجتماع وأعظم التقاء. هكذا هو خطاب القرآن، وهذا سر تأثرك بالقرآن؛ يعني لو أني قرأت عليك كتاباً في العقيدة من كتب أهل الحديث أو غيرها، "والله سبحانه كذا، والله سبحانه كذا" وموصوف، تشعر بالعظمة، لكن تلك القشعريرة التي تأتي إلى الجلد وتحرك المشاعر وتبكي منها العيون يصعب أن تستحضر إلا في مثل هذا الكتاب العظيم؛ لأنه استطاع أن يضغط على مناطق الإحساس الباطن كما أنه يخاطب العقل.
فعلاً، تلك الأحرف منها تشكل وتؤلف ومنها جاء هذا الكلام العظيم ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. عرفنا لماذا سميت آيات. والكتاب هذا اسم من أسماء القرآن، فالقرآن له عدة أسماء، من أسمائه أنه كتاب، والكتاب هنا بمعنى المكتوب؛ فهو كتاب مسطور، كما أنه كتاب محفوظ، فهو يحفظ في الصدور، ويسمع بالآذان، وتقرأه العيون، ويكتب في الأوراق والمصاحف. وهذه قالوا فيها إشارة إلى أن هذا الكتاب ينبغي أن يكتب وأن يحفظ في السطور وليس فقط في الصدور. ولذلك جمع الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم المصحف، ورأوا أن جمع المصحف ليس فقط مجرد اجتهاد، بل هو فيه إشارات من القرآن إلى أن هذا مكتوب وليس فقط مقروء أو مسموع؛ بل لا بد أن يكتب حتى يقرأ. فلذلك قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾.
ثم قال: ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. وإبانة القرآن لها عدة زوايا وجهات. وصف الله سبحانه وتعالى هذا المكتوب، هذه الآيات المكتوبة، بأنها مبينة. عن ماذا تبين؟ قالوا: هي مبينة لطرق الهدى والرشاد، ومبينة أيضاً لطرق الضلال والغي، فهي مبينة للصراط المستقيم ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: 153]، ومبينة لسبيل المجرمين ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55]. فالقرآن إذاً مبين للهدى والرشاد وما يقابله من الغي والضلال، فيبين أصول الاهتداء وأصول ما يقابله. أيضاً هو كتاب مبين لصدق النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهو معجزته الباهرة القائمة الدائمة إلى قيام الساعة، فهو مبين لصدق المرسل، وصدق المرسل مبين لوجود الله سبحانه وتعالى ولمعجزة ولصدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما أتى به من الرسائل، فهو المعجزة الباهرة. كما قلنا أيضاً هذا الكتاب مبين لمقاصد الله سبحانه وتعالى في هذا الوجود الإنساني، ومبين لمراد الله عز وجل من الإنسان. الكتاب تضمن كثيراً من الرسائل أمراً ونهياً وتوجيهاً وإرشاداً وإخباراً، هذه الرسائل الإلهية هي مبينة عن مراد الله سبحانه وتعالى ومقصده من خلقك، فمعاني الإبانة في هذا الكتاب كثيرة ومن زوايا عديدة، هذا يمكن أن نذكره سريعاً منها مبين للهدى والرشاد وما يقابله، مبين لصدق النبي صلى الله عليه وسلم.
كما قلنا لمقاصد الله سبحانه وتعالى ومراداته من عباده إلى غير ذلك من صور الإبانة التي يمكن أن تستحضرها، فيمكن مثلاً أن تضيف أنه مبين للقصص السابقة وما حصل معهم؛ فهو أصدق بيان لما وقع عند الأنبياء السابقين أو لما وقع منهم، بخلاف الكتب التي حرفت، فذكرت قصة يوسف وقصة يعقوب وقصة إسحاق على غير الوجه الصحيح. فهو مبين أيضاً لتلك القصص، وهذا معنى يناسب ما نحن فيه، فنحن نتكلم عن قصة يقصها القرآن بشكل متقن صحيح لا غبار عليه. وأما إذا ذهبت إلى الإسرائيليات وإلى الكتب الأخرى المحرفة ستجد زيادة ونقصاناً وتحريفاً لا يليق بأمثال هؤلاء الأنبياء العظام.
بعد أن بين الله سبحانه وتعالى القيمة الأولى لهذا الكتاب وهو أنه مبين، أخذ في مدحه أيضاً والثناء عليه حتى تزداد اهتماماً واعتزازاً وافتخاراً واحتفاءً به. قال سبحانه وتعالى مثنياً على نفسه؛ يعني من الأمور التي يحمد ربنا عليها أعظم الحمد وتستحق أعظم الثناء هذا الكتاب، ولذلك في عدة سور ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1]، جعل من صور استحقاق الله للحمد والثناء الجزيل نزول هذا الكتاب. إخواني، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾؛ فهنا ماذا قال؟ قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾، ويتكلم سبحانه وتعالى عن نفسه بضمير الجمع تعظيماً لجلاله: لا سوانا أنزلناه. فهو لم ينزل من عند غيره ولم يأتِ به سواه.
لاحظوا هنا من منقبة أخرى لهذا الكتاب: فهو كتاب مبين، وهو كتاب منزل، وهذا يجعله يتفوق على كل الكتب الأرضية. هذا الكتاب خاض رحلة عظيمة في ملكوت الله سبحانه وتعالى، نزل من فوق سبع سماوات مع أعظم الملائكة إلى أعظم البشر صلوات ربي وسلامه عليه. هذه قيمة عظمى تستحق منك التأمل وتجديد النظر فيها؛ إنني هنا لا أتكلم عن مؤلف أرضي ولا عن تجميع بشري، بل أتكلم عن كتاب ليس من هذا العالم وليس من العالم السفلي، إنما هو من ملكوت الله عز وجل. هذه حقيقة مدهشة لو صفت قلوبنا لشعرنا بها، يشعر الإنسان عندما يتذكرها أن هذا الكتاب الذي أقرأه -وبعض الناس يكون هذا الكتاب عندهم على الرفوف لأيام وأشهر لا يفتحونه، وإنما يفتحون الروايات والقصص الأرضية والكتب الجامعية والدراسية ويحتفون بها ولا يلتفتون إلى كلام ربهم- هذا كتاب منزل من الله سبحانه وتعالى بكبريائه وجلاله وعظمته. إذا عرفت الله واستحضرت هذه العظمة وهذا الجلال ستستحضر أن ما جاء من عند العظيم لا يكون إلا عظيماً، فما بالك بما جاء من عند ملك الملوك سبحانه وتعالى الموصوف بالأسماء الحسنى والصفات العلى والكمالات التي لا تنتهي؟ لا نحصي ثناءً عليه لجلال كمالاته، ماذا تتوقع وتتصور أن ينزل من عنده إلا الكمال؟ إلا شيئاً لا يطيق البشر أن يتكلموا بمثله؟
هذه حقيقة أنه لا يستطيع البشر أن يتكلموا بمثله، هل أنت مدرك لها ومنتبه لها؟ لكن هي قضية القلوب التي تكدرت بسبب مدخلات الحياة الفاسدة، فما عادت ترى ذاك النور العظيم المهيب الذي يشع من ثنايا هذا الكتاب العظيم. إذاً قضية أنه منزل، ثم قال على أي حال أنزله؟ قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا﴾. والقرآن الصحيح هو أحد أسماء المصحف أو أحد أسماء كلام الله من أسمائه العالمية، لكن هنا في هذا السياق القرآن مصدر للفعل قرأ، فقرا لها مصدران: قرأ قراءة وقرآناً، فالقرآن بمعنى القراءة، هذا الأصل فيها المعنى المصدري ثم أريد بها بعد ذلك اسم المفعول مقروء، فالتقدير: إنا أنزلناه مقروءاً. طبيعة هذا المنزل ما هو هذا الكتاب المبين؟ أنزلناه حالة كونه مقروءاً.
تقول لي ما الفائدة من كلمة مقروء؟ هذا إخواني فيه إشارة وتنبيه من الله أن هذا المنزل نزل ليُقرأ، لا بد وأن تقرأ وأن تتصفح وأن تنظر في كلام الله سبحانه وتعالى. والمقروء أيها الكرام قالوا أرسخ من غيره؛ يعني أحياناً قد تسمع كلاماً لكن إذا سمع وانتهي منه قد لا تسمعه مرة أخرى لأن المتكلم تكلم به مرة واحدة وذهب، لكن من حكمة الله أنه جعله في الآية الأولى مكتوباً، وكأنه قال في الآية الأولى: تلك آيات الكتاب المكتوب، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا﴾ حتى يقرأ هذا المكتوب. فهو مكتوب مقروء، لماذا كتب؟ ليُقرأ، لم يكتب حتى تغلفه وتضعه زينة في منزلك وتنظر فيه في رمضان أو في أوقات الحزينات، ثم في سائر أيامك وحياتك لا تنظر في القرآن إلا في الفينة والفينة؛ ما يصلح هذا الكتاب! إنما كان مكتوباً وهيأ ربنا سبحانه وتعالى من يكتبه حتى يُقرأ وحتى يبقى أيضاً إلى آخر حياة هذه الأمة. نعم هو سيرفع في آخر الزمان من السطور ومن الصدور أسأل الله العافية، لكن الله سبحانه وتعالى حفظه كما حفظه في صدور الناس حفظه في السطور. فقضية أن الكتاب ينبغي أن يُقرأ هذا ليس نحن من نجتهد فيه، بل ربنا أخبرنا بذلك أنني أنزلته مقروءاً لتقرأوه، فعيب عليك ألا تقرأ ما طلب الله أن يُقرأ.
كم ساعة تجلس في اليوم تقرأ وسائل التواصل الاجتماعي؟ سؤال: كم ساعة تمسك الجوال وتنتقل من محطة إلى محطة ومن صفحة إلى صفحة؟ أنت تقرأ وفلان سقط وفلان وقع وفلان تزوج فلانة وفلان هذا وهذه لعبة كرة قدم وذاك يأكل ويشرب، هذا إذا ما دخل في المنكرات. أنت تقرأ كثيراً لكن تقرأ شيئاً لا ينفع وشيئاً يشغل، ومستعد أن تجلس ساعات وأنت تقرأ في منصات التواصل الاجتماعي، طيب كم تقرأ من كلام الله سبحانه؟ هو مقروء لديك، هو يقول: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا﴾، أنزلته مقروءاً، فهل أنت امتثلت لما أراد الله سبحانه؟ هذه قضية ننتبه لها. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا﴾ يعني مقروءاً ﴿عَرَبِيًّا﴾، وهذه منقبة أخرى أن هذا المقروء جاء بأكمل الألسن، وهي العربية؛ اللغة التي تجمع كما قلت بين القلب والروح والعقل، وهذا مدح للعربية أن ليست كغيرها في هذا المقام، فهي أشرف اللغات وأعلاها وأسناها، وهي أقدر اللغات على مخاطبة مناطق العقل والوجدان معاً، فلذلك اختارها الله سبحانه وتعالى واصطفاها عن غيرها من اللهجات والألسن، فوصف المقروء بأنه عربي. إياك أن تظن مجرد وصف إخباري، هذا وصف ثناء، أنه من ميزته أنه جاء على أكمل الألسن. ثم أخبر بعد ذلك عن مقاصد هذا الإنزال، لماذا أنزلته مقروءاً عربياً؟ ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، أي رجاء أن تتعقلوا وتتدبروا. أنزلته مقروءاً وعربياً حتى تنشغلوا، رجاء انشغالكم بماذا؟ بتعقله.
لاحظوا ﴿تَعْقِلُونَ﴾، هذا الفعل المضارع يدل على أن هذا متجدد، أن عملية التعقل ليست مرة واحدة بل هي عملية متجددة حيناً بعد حين ويوماً بعد يوم لا تنتهي إلا بانتهاء الأنفاس. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وتتدبرون وتستنبطون وتستثيرون المعاني وتأخذون الرسائل وتسقطونها على واقع الحياة. هذا التعقل بمعانيه المتكاملة، الله سبحانه وتعالى لم ينزل هذا القرآن فقط ليحفظ أو ليقرأ قراءة عابرة، ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾، أساس إنزال هذا الكتاب هو التعقل والتفكر وإدامة النظر لاستخلاص ما فيه من المعاني والعبر، فالحفظ إنما هو وسيلة وتبع، والقراءة إنما هي وسيلة وتبع، والتعقل هو المقصد الأسمى والأعلى. فمغبون من انشغل بالفرع وترك الأصل، مغبون من انشغل بالفرع وترك الأصل.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، هذه كلها مقدمات قبل الشروع في القصة، يريد الله سبحانه وتعالى أن ينبه على عظمة ما ستقرأه من القصة. قال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾، هذا الأسلوب أن يكون المبتدأ نحن وأنا وغيرها من الضمائر أو حتى الأسماء الظاهرة ثم يأتي الخبر جملة فعلية، هذا يقولون من أساليب الحصر إذا جاء الخبر جملة فعلية. ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾؛ زيد يفعل هذا لا يدل فقط قالوا على الإخبار بل فيه معنى زائد كما أشار ذلك الجرجاني وهي قضية الحصر، نحن نقص نحن لا غيرنا من نقص ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾. غير الله قد يقص لكن أحسن القصص هذا لا يكون إلا من الله. ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾، نحن لا سوانا من يقص عليك ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، فهذا فيه حصر يدل على عظمة القصة القادمة وتشويق أنني أنا الآن مقبل على أحسن القصص، لأنه من الله والله يخبرني عن ذاته أنه لا يوجد من يقص أحسن القصص أفضل منه عز وجل تعالى في كبريائه.
طيب، هنا ننتقل لقضية وهي وصف القصص القرآني بأنه أحسن القصص، الله عز وجل وصف القصص القرآني بأنه أحسن أنواع القصص التي يمكن أن تقرأها. حقيقة ما أريد أن أفعله، أريد أن أقارن بين القصة القرآنية والرواية المعاصرة؛ اليوم انتشر بين الناس بشكل كثيف الاهتمام بالروايات والشغف بها والتحق الكتاب المبرزون فيها. أيهما أعظم الرواية البشرية أم القصة القرآنية؟ طبعاً أنت مباشرة ستقول بالتأكيد القصة القرآنية، لكن أنا أريد لماذا؟ حقيقة هناك عدة مزايا في القصص القرآني لا توجد في الروايات الأرضية.
مثلاً، أول فكرة في القصة القرآنية أن القصة القرآنية كما قلنا وهي تسرد لك الأحداث والمشاهد تخاطب عقلك وتخاطب وجدانك وروحك، ممتاز. أما الرواية اليوم لو قرأتم في فنون الرواية عموماً سواء الرواية العربية أو حتى الرواية الأجنبية، تجد أن الروايات تركز عادة على مخاطبة المشاعر والأحاسيس وإثارة الغرائز، يعني إما رواية تثير الغرائز والشهوات نسأل الله العافية، وإما روايات تعتمد على الإثارة والمشهدية والملاحقة والأحداث الدرامية؛ تشعر أنك أمام مشهد تراجيدي أو مشهد كوميدي أو مشهد، لكن المشهد العقلاني لا أقول غير موجود لكنه ضئيل الحضور، لأن في النهاية هو صنع البشر الذي يصعب عليه أن يوازن بين إحضار العقل والوجدان في ذات الوقت. فأول قضية تجعل قصص القرآن أحسن القصص أنه يخاطبك بالعقل والوجدان، فيثير أحاسيسك ويثير عقلك ويعطيك حكمة في ضمنها مشاعر، هذه القدرة على الجمع والتأليف والتوازن فيها دون إفراط ولا تفريط لا توجد إلا في كتاب الله سبحانه.
القضية الثانية أن القصص القرآني أيها الكرام يعتمد على سرد الأحداث المهمة التي يستخلص منها العبر، أما الروايات المعاصرة بالعكس؛ تركز كثير منها على الحشو والمواقف الجانبية، فيقول: وجاء إلى أميرته فوجدها مست...، يبدأ يدخل في أمور، طيب أنا إيش علاقتي بهذا الحشو؟ أين وجدها وكيف كان شكلها؟ ويدخل في تفاصيل أين وضع يده عندما دخل، أما القرآن لا يتكلم في هذه الأمور غير المهمة، القرآن يعطيك هذا المشهد، ما هي المواطن التي فيها العبر من تأخذها، وأما تفاصيل... ذكرتوني في قصة صاحب البقرة، ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: 73]، جلس بعض المفسرين ينشغل بماذا ضرب الميت؟ هو ضرب بفخذ البقرة ولا برجلها؟ يا أخي القرآن يريد أن يعلمك، لا تنشغل بما لا يهمك، غير المهم، ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾، سواء ضرب برجل البقرة هذه ولا بيد البقرة هذه ولا برأس البقرة، هذا عنصر غير مهم في المشهد. هكذا القصص القرآني يعلمك دوماً، إذا قصصت قصة، طبعاً هذه المزايا في القصص القرآني، الأصل أن المسلم أو المربي لما يقص على الناس حتى أي قصة حياتية يسير على حذو القرآن ليحاكي أحسن القصص، ليحاكي أحسن القصص ويسير على المنهج الرباني. أما كما قلت الروايات المعاصرة بالعكس؛ كثير منها ترى يعني المشهد الأساسي يغيب ضمن المشاهد الثانوية في ذكر الأسماء والشخوص والكذا وكيف فعل وأين وضع وحشو لا يليق بمن يحترم وقته وزمانه، أنا ما عندي وقت لأقرأ الهوامش، أنا أريد مباشرة الفائدة المركزة. فالقرآن إذاً القصة القرآنية لا يوجد حشو فيها، بخلاف الروايات المعاصرة التي يكثر فيها هذا الجانب.
أيضاً الفرق الثالث أن القصة القرآنية تعتمد على الصدق في سرد الأحداث، فهي تمثل واقعاً حقيقياً للحياة الإنسانية، هي لا تتكلم عن أمور متخيلة ولا مشاهد مفترضة، هي تتكلم عن واقع حصل بالضبط كاملاً صدقاً، يمكن الاقتداء به. وهذه الفكرة أنه أنا لما أسمع قصة فيها عبرة أنا أعلم أن هذه القصة وقعت، وبالتالي يمكن محاكاتها والاقتداء برجالاتها، فهي تمثل واقعاً بشرياً إنسانياً. أما الروايات فجلها يعتمد على ماذا؟ على خلق القصص والوقائع وتخيلها وتوهمها، ولا يوجد حقيقة لها إلا في النادر القليل، وإذا كانت القصة لها حقيقة تجد لابد من إضافة بعض البهارات كما يقولون فيها مما ليس حقيقة تماماً، حكايات أمير الظل وأمير الكذا، ويجد أنه قد يكون فيها واقع لكن ما بعد ذلك تأتي بعض التفاصيل أنه لا هنا شو الكاتب بالغ قليلاً! ليه؟ والله ها المبالغة سامحوني فيها لأنه بدي أضيف بعض المشاعر والأحاسيس. يعني حتى اليوم من في عالم صناعة الأفلام والمسلسلات لما يقول لك لا نحن بدنا نحكي واقع فيأتي مثلاً يعطيك عن بعض الصحابة أو بعض القضايا التاريخية أو بعض المعارك أو بعض الخلافة العثمانية أو العباسية، لما يأتي ليرسم المشهد يذكر قصصاً لم تقع من الحب والغرام، تب هذه لماذا ذكرتها؟ هو بيقول لك يا شيخ إحنا حتى ما يكون القصص جاف لازم أضيف مشاهد في المسلسل أو بالفيلم تثير كثيراً العواطف والغرائز، يعني أنت حتى تعمل نوع من الحركة كذبت وأتيت بما لم يقع! الهدف تحريك، لا، كمال القصص القرآني أنه قادر على أن يحرك وجدانك بمشهد حقيقي واقعي بدون زيادة لم تقع وبدون تخيل مفترض، فهذا أيضاً يدل على حسن القصة، أن تكون بكامل تفاصيلها واقعية.
طيب، القصة القرآنية أيضاً الهدف منها الاعتبار وليس مجرد التسلية وإمرار الوقت، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111]. بخلاف الروايات، فإن أكثر الروايات إنما يقصد أصحابها بها ماذا؟ تسلية وإضاعة الوقت، وكما قلت إثارة مشاعر وغرائز، وأن تمر ساعة العمر أكثرها هكذا.
نعم، بعضها وهو قليل قد يكون فيه اعتبار، لكن العبرة على وجه التمام والكمال إنما هي في القصص القرآني. نعم، النفس تحب القصة حتى نكون واقعيين، ولذلك قيل من أسباب نزول هذه السورة أن الصحابة الكرام طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقص عليهم، وقالوا: يا رسول الله، اشتقنا إلى أن تقص علينا؛ لأنهم كانوا يرون في مكة أن كفار قريش كان من أساليبهم الفنية القصص، وكانوا يأتون هنا عند الكعبة، ويأتي رجل كالنضر بن الحارث أو غيره، وكان يقص من أساطير الأولين ويبدأ يتكلم. فالصحابة من باب التنوع، ومن باب حب النفس للتنويع في الأسلوب، قالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا، فأنزل الله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3].
فحتى فيما تحبون من القصص، عليكم أن تأخذوا قصص الحق، القصص المفيد، وهذا يدل على قضية منهجية في حياة المسلم: أنه حتى وأنت تريد أن تُجِمَّ عن نفسك، يجب أن تكون الراحة بحق، وأن الإسلام يرفض اللهو الذي لا طائل من ورائه، والأريحية التي لا تجني لك خيراً. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث -وإن كان فيه ضعف عند بعضهم-: «كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل، إلا ملاعبته أهله، وتدريبه فرسه، ورميه عن قوسه». الآن قال بعض أهل العلم: إن المراد بكلمة باطل ليس التحريم، وإنما باطل يعني لا فائدة فيه. وهذا توجيه إلى أنه حتى فكرة أن تُجِمَّ نفسك بشيء -أن تقول: والله يا شيخ أنا اليوم أنجزت كثيراً، حابب آخذ وقتاً من الراحة- حتى وقت الراحة حاول أن يكون في شيء مفيد.
جميل، عنصر التسلية والترويح لا بد منه، لكن لا بد أن يكون مفيداً. فلما سأل الصحابة شيئاً يروحون عن نفوسهم من ضغوطات الحياة، أعطاهم قصة، وهذا جيد أنك تنظر لاحتياج الناس، هذه قضية مركزة في باب الدعوة إلى الله، أنك تنظر إلى احتياج من أمامك. القرآن ما قال لهم: لا، ما في قصة، اخلصوا، عليكم أن تبقوا تسمعوا فقط الخطاب بأسلوبه العقدي الفكري، لا، القرآن استجاب وأعطاهم لأنه يعرف أن هذه نفوس بشرية، هناك حاجة إنسانية للإجمام، استجاب لكنه وجههم إلى الاستجابة النافعة. وهي: خذ شيئاً تتسلى به وتروح به وفعلاً تستمتع، لكن ينبغي أن يكون حقاً وصدقاً لا عبثاً وهزلاً.
فهذا تعلموه حتى في منهج حياة الإنسان، أنه مثلاً في وقت راحتك بدك تشوف مثلاً قصة أو فيلماً، يا أخي احضر فيلماً وثائقياً فيه قصص واقعية من عالم الجغرافيا ولا من عالم الحياة، على الأقل تنتفع فائدة حقيقية تعكس لك واقعاً دنيوياً. أما تذهب بعض الناس إلى المسلسلات المخترعة، فهذا فضلاً عن خلوه -إذا فرضنا خلوه- من المنكرات والنساء والمعازف، تجد إشكالية: ما هي؟ اختراع المشهد، وأنا أعلم في باطني أن هذا المشهد لم يقع، وأن هذه قصة مخترعة لا وجود لها، بل حتى العقل السليم يأبى أن تكون هذه القصة وقعت بهذه المشهدية. دعني من هذا ودعني في الحق، وهكذا جدية المسلم في الحياة.
فهذه كما قلت أبرز الفروق التي يمكن أن نذكرها بين القصص القرآني وبين الرواية المعاصرة، فصدق ربنا سبحانه وتعالى وهو أصدق قيل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ لا سوانا. طيب، قال: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ بما أوحينا أي بإيحائنا إليك هذا القرآن، هنا هذه الباء، باء السببية مرتبطة بالفعل نقص، يعني نقص أحسن القصص بواسطة، من خلال إيحائنا إليك هذا القرآن، وكأن الرسالة في هذه الجملة تقول لنا: إن أحسن القصص هو من بركات هذا الإيحاء، هذا القصص هو من بركات هذا الإيحاء، فهي تذكير بنعمة الوحي، ما كان لهذا القصص الذي هو من أحسن القصص أن يصل إلينا دون هذا الإيحاء، صحيح، فهذا تذكير بنعمة الوحي التي من بركاتها أننا كبشر عرفنا كيف يكون أحسن القصص وسمعنا أحسن القصص.
﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 3] أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم، وكل قومك، وكل العرب وغيركم قبل نزول القرآن كنتم في غفلة عن هذا العلم، وعن هذه الحكايات، وعن هذه المشاهد التي وقعت في تاريخ الإنسانية، كنتم في غفلة عنها، ما كان لديكم أدنى معرفة بها، أو معرفة سطحية جداً، أو معرفة مغلوطة ببعض المشاهد أخذت من أهل الكتاب، وأما اليوم أصبحتم تملكون المعرفة الحقيقية التامة. وكان نزول الوحي مرحلة فاصلة في تاريخ البشرية، ما قبله شيء، وما بعده شيء، ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ كأنها ترسم تاريخاً جديداً للبشرية، ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أنت قبله، قبل هذا الوحي الذي من بركات هذه القصص، كنت غافلاً ليس فقط عن القصص، بل عن كثير من الرسائل والمرادات الإلهية والكمالات، لم تحصلها إلا ببركة هذا الوحي، فتمسكوا به، تمسكوا به، هذه قيمة ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ كأنه يقول: من بركات القرآن وصول هذه القصص، والبركات كثيرة أخرى غير هذه القصص أيضاً، فهي بركات، فاحمدوا الله، الحمد لله على كتابه، الحمد لله على الوحي، الحمد لله على هذه العزة وعلى هذا الجلال وعلى هذا الكرم والمن الإلهي، أننا جعلنا من أمة وحي، أننا نملك حقائق ليست من عالم البشر، حقائق من الملكوت الإلهي نزلت إلينا، نمتلك شيئاً عظيماً وكنزاً لو قاتلنا عليه استحق القتال، لو أراد إنسان يقول هذا عنده كنز يقاتلك عليه، فعلاً شيء يستحق القتال، وحي من العليم الحكيم سبحانه وتعالى، ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ فاحمد الله يا محمد صلى الله عليه وسلم، واحمد الله يا أمة محمد على هذه العزة وعلى هذا الجلال الذي الله سبحانه وتعالى امتن به عليكم.
بعد هذه الآيات الثلاث، كأن الستارة يرفع عن المشهد الأول من الحكاية، تبدأ قصة يوسف تخطو خطاها الأولى، الطفل الصغير يخاطب أباه: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4]. قفزت القصة، متى ولد يوسف؟ صحيح، ما في داعي نعرف المولد، ما هذه تفاصيل في حياة الأنبياء لا تشغلك، يوم شريف جميل له مكانة، لكن العبرة بالتفاصيل، بالشيء العملي الذي يترتب عليه العمل، لا يهمك أن تعرف متى ولد والبقعة التي ولد فيها، يهمك أن تعرف العناصر المؤثرة في القصة. بدأت القصة بيوسف وهو يخاطب أباه: يا أبت، وهذا يفتح لنا باباً إلى تلك العلاقة الجميلة التي تربط بين الابن وأبيه، وكيف ينبغي أن تكون العلاقات الأسرية مبنية على البوح، وأن يهيئ الأب الأرضية لأولاده حتى يبوحوا له بمشاعرهم بأحاسيسهم.
لاحظ، ما كان للابن أن يبوح لأبيه لولا أن هناك مساحة من العلاقة الجميلة التي تسمح بهذا البوح، لو أن ابناً اليوم جاءه ابنه وأراد أن يقص عليه هذا القصص، لربما الابن لم يفكر أصلاً بأن يقص على أبيه؛ لأنه سيشعر أن أباه ربما يستخف بهذا الموضوع: يا أبا، الله يجزاك الخير، شو رأيت كذا وما رأيت، الله يجزاك الخير يا أبا، روح العب بألعابك، روح انشغل بشيء، أنا ما أنا فاضي أصلاً أسمع لك. بعض الآباء عندهم من القسوة والغلظة ما يسد الباب حتى على طموحات ابنه وآمالهم، وهذا ليس أباً ناجحاً، والله الأب الناجح هو الذي يبني جسور العلاقات والثقة بينه وبين ابنه حتى يستطيع ابنه -حتى لو كان شيئاً يسيراً، حتى لو كان في نظرك أنت كأب شيئاً لا تراه ذا بال- أن يسمع، حتى يتعود الابن أن يكلمك؛ لأن الابن إذا رأى أباً فظاً غليظاً انفض عنه وأصبح يبوح إلى غيره. لو حصلت معه مشكلة في الحياة، مشكلة في المدرسة، مشكلة في أي واقعة من الوقائع، لو عنده شبهة، لو عنده وساوس، لو عنده إشكالات فكرية، لن يبوح لك؛ لأنه سيراك أباً ليس منصتاً جيداً.
والله إخواني في كثير من الأسئلة التي تأتينا وإشكالات الشباب المعاصر، يكون الابن مليئاً بالوساوس العقدية والإشكالات والشبهات، فتقول له: طب أنت صغير، ما حاورت أباك؟ كثير منهم كان يقول: والله يا أبي كان يصدني، يقول: يا أبا، خلص يا أبا، لا تضلك تفكر بهذه الأمور، استعذ بالله، ما تفتحها. طيب الابن عنده شبهة حقيقية، قال: أبي ما كان يسمح لي أصلاً بالحوار ولا بالسؤال ولا بالاستفسار، وكان يعتبر كل شيء تافهاً لا قيمة له، اذهب لست متفرغاً. كبر الابن وكبرت معه وساوسه وكبرت معه إشكالاته وتضخمت، جاء الأب بعد سنوات يشكو إلينا: ابني مليء بالإشكالات، وابني انحرف، وابني تأثر بالإلحاد، وابني تأثر بفلان وعلان، أين كنت يا أيها الأب عن ابنك وهو صغير؟ طبعاً لا أضع اللوم دائماً على الآباء، لكن أنا أتكلم عن إحدى المشكلات العويصة اليوم في القضايا التربوية: أن الابن لا يشعر بالأمان مع والده، وأن الأب لا يمنح ابنه هذا الشعور، فيبقى الابن خائفاً متوجساً من أبيه، فيكون البوح في أماكن أخرى حتى تقع المصيبة والفأس بالرأس كما يقولون.
يوسف كان على ثقة بأبيه، وانظروا إلى الكلام الجميل: ﴿يَا أَبَتِ﴾، شوف حتى الأدب: يا أبت، ويقول العرب: إن (يا) تستعمل لنداء البعيد، فإذا استعملت مع شيء قريب فهذا يدل على أهمية الشيء المنادى. يعني أنا إذا قلت لك يا فلان وأنت بجانبي، قالوا: معنى ذلك أنني أريد أن أخبرك بأمر عظيم، على الأقل عظيم بالنسبة لي ومهم بالنسبة لي، فالأصل في (يا) أنني أنادي بعيداً، فإذا ناديت بها قريباً قالوا: فهذا إشارة من المتكلم أنه يتكلم بأمر مهم لديه: ﴿يَا أَبَتِ﴾، ماذا؟ ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
طيب ماذا رأيتها؟ قالوا: كان هناك سؤال مقدر هو الذي دفع يوسف ليكرر فعل الرؤية مرة أخرى: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾، لأنك ستقول: لماذا تكرر فعل الرؤية مرتين؟ ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾، لماذا كررت الفعل مرة أخرى؟ قالوا: هذا نوع من الاستئناف البياني، يقدر سؤال يوسف قال لأبيه: إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر، كأن يعقوب سأل: كيف رأيتهم يا بني؟ قال: رأيتهم لي ساجدين. فهنا تقدر هذا السؤال في الذهن حتى يحسن أن تأتي ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ الثانية إجابة عن هذا السؤال، وهذا أسلوب من الأساليب.
أو قال بعضهم: لا، إنما كرر الفعل مرة أخرى للتوكيد على أهمية تفاصيل الرؤية؛ لأنه ليس المهم أنه رأى الشمس والقمر، المهم كيف رأى، فكأن المقال: رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم، كأن الابن يريد أن يحتفي بالمشهدية، كيف تمت الرؤية؟ على أي صورة؟ ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. فقالوا: هذا تكرار وليس إجابة عن سؤال مقدر، تكرار هدفه لفت الانتباه لهيئة الرؤيا ولطريقة الرؤيا، وأما مجرد رؤية الشمس والقمر فليس معنى ذا بال، فنحن جميعاً نرى الشمس والقمر ونحن مستيقظون، ويمكن أن نراها ونحن نائمون.
طيب قد رأيتهم، وهنا استغرب يوسف، تخيل هذا الطفل عمر ثماني، تسع سنوات الله أعلم، قالوا بقرابة هذا يعني طفل عمره ثمانية، سبعة، تسعة، عشرة، قال: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾، لماذا لم يقل رأيتهم ساجدين لي؟ لماذا قدم الجار والمجرور؟ فقال: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾، قالوا: أيضاً العرب تقدم ما له الأهمية، مش هذه القاعدة؟ إذا قدمت شيئاً فلان له الأهمية. قالوا: لأنه ليس المهم أيضاً أو الأهم أنهم سجدوا، أو أنه رآها ساجدة، المهم عند يوسف أنها رآها ساجدة له. يعني لو رأى الشمس والقمر ساجدة عموماً ملفتة، لكن مصدر الغرابة وسرها أنها ساجدة له هو، فلذلك قدم (لي) على كلمة ساجدين ليعطيك أين هو موطن الأهمية في القصة: رأيتهم لي أنا، ليس لغيري ساجدين، وفعلاً رؤيا تستدعي الغرابة وتستحق الوقوف، الأجرام السماوية الكواكب والشمس والقمر تسجد له. الذي يظهر لي كما قلت أن يوسف كان ما زال صغيراً، هذا هو واقع القصة والله أعلم، وحتى قضية كيف إخوانه أخذوه ووضعوه عند هنا، ما زال طفلاً ولم يكن نبياً بعد، ليس كما قال بعض المفسرين في مفاتيح الغيب أنه كان نبياً، لا، لا، لا، ولم يكن نبياً بعد، هنا ما زال صغيراً، ولذلك أدهشته الرؤيا ولفتت نظره.
طيب، كيف جاء الحوار من الأب؟ قال: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ قال: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: 5]. حقيقة هذا الأب مدهش، مدهش في شخصيته وفي صفاته وفي بصيرته وفي اهتمامه في عدة قضايا، وكلما نظرت في طريقة إجابة يعقوب على سؤال ابنه، ازداد افتخاراً وإجلالاً واحتراماً لهذا الأب الكبير. وهنا أنا سأسمي ما أقوله الآن صفات الأب الناجح، خليني أسميها صفات الأب الناجح من خلال هذه الحوارية التي حصلت بين يعقوب وابنه، قال: ﴿يَا بُنَيَّ﴾، أولاً كلمة ﴿يَا بُنَيَّ﴾ وحدها هذه قصة، لماذا قال يا يوسف لا تقصص رؤياك؟ هكذا قال: ﴿يَا بُنَيَّ﴾، لماذا اختار البنوة عن اسمه؟ أنت دائماً لما تتكلم مع ابنك نحن في العادة نتكلم: يا فلان، يا فلان، لكن كلمة ﴿يَا بُنَيَّ﴾ لها عذوبتها وأسرها وجماليتها وإيحاؤها بالتلطف والتودد، إذا حسن العبارة، انتقاء العبارة عندما تخاطب أبناءك. انتقِ عبارتك عندما تخاطب أبناءك، بعض الناس لما ينادي ابنه يشتمه، والله بعضهم: يا أحمق، يا أحمق، الطف العبارات، يعني تمام، ما بدي أجيب عبارات أسوأ، أننا سمعنا كثيراً، يا فلان، طب يعني لماذا تزرع فيه الكلام السيء؟ ولماذا تزرع البعد؟ بينما مثلاً: يا قرة العين، يا حبيب القلب، ﴿يَا بُنَيَّ﴾، هنا يعقوب عليه السلام يعلمنا حسن انتقاء الألفاظ عندما نخاطب الأبناء، ﴿يَا بُنَيَّ﴾، وهذا فيه تصغير (بني)، تصغير لابن، ولن أدخل معك في أصلها اللغوي حتى ما تضيه معي، تمام؟ لكن هي ﴿يَا بُنَيَّ﴾، طبعاً نفس الشيء استعمل (يا) مع أن ابنه.
أمامَه؛ هذه إشارةٌ أن انتبه ماذا سأقول وماذا سأجيب يا بُني، أيها المحبب إلى قلبي، يا بُني يا فِلذَة كبدي وفؤادي.
إذًا أول شيء التودد والتحبب. الصفة الثانية في هذا الأب الناجح قضية ثقافة الحوار؛ وحقيقةً قدرة يعقوب عليه السلام على إدارة الحوار مع الأبناء لم تظهر فقط في هذا المشهد، بل في كل السورة؛ هي حوارات بين يعقوب وأبنائه. هذا كان أول حوار، بعدين الحوار الثاني لما أتوا يبكون وأتوا بقميص يوسف، حوار آخر بين يعقوب وأبنائه. الحوار الثالث لما طلبوا أن يُحضر أخاه ليكتالا، الحوار وكيف أخذ منهم المواثيق، الحوار الذي بعده لما فقد الابن الثاني وابيضت عيناه وكيف وجّه أبناءه للذهاب للتفتيش مرةً أخرى، والحوار الأخير لما وجدوا يوسف: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 96].
ادرس كل حوارات يعقوب مع أبنائه ستجد الأب الهادئ المتوازن الذي لا ينفعل ولا يفقد أعصابه، بل في قمة ضبطه للنفس حتى مع وجود الأخطاء الكارثية من الأبناء. لا، نحن إخواننا في أساليبنا التربوية للأسف أدنى خطأ من الأبناء -أقول ليس عن كل الآباء للإنصاف، لكن عند كثير من الآباء- أدنى خطأ قد يجعل الأب يرتكب جريمة في ابنه. أكيد سمعتم كثيرًا من القصص؛ أدنى خطأ يجعل بعض الآباء يرتكب جريمة، وبعض الآباء قد لا يرتكب جريمة لكنه ماذا يفعل؟ يكون قاسيًا في العقاب، يحرم لأشهر، ويهجر لسنوات، ويقاطع لدهور، وأحيانًا قد يضرب ضربًا مبرحًا، وقد يسيء التعامل، وقد يطلب منه مغادرة المنزل.
يعقوب في كل مواقفه مع الأولاد، الهدوء والتوازن: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]، بل: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: 83]؛ في هدوء في استقبال الأخطاء. والأخطاء هنا في هذه القصة ليست أخطاء من العيار الخفيف، أخطاء من العيار الثقيل، تخيل مجموعة من أولادك يضيّعون ابنًا من أولادك، كيف استقبالك لهؤلاء؟ يعقوب عليه السلام رائع إخواني، رائع وقدوة جميلة جدًا في قدرة الإنسان على ضبط النفس والتحمل والصبر على الأخطاء الصعبة. يعني مشاهد أنا أقول حتى الإنسان من نفسه يعلم أنه لا يمتلك مثل هذه القدرات على الصبر، لكن يحاول أن يقتدي وأن يأتسي. فقضية ثقافة الحوار كانت هي شخصية أو صفة بارزة في يعقوب عليه السلام جعلت هناك نوعًا من الثقة بينه وبين أولاده عمومًا وبينه وبين يوسف خصوصًا. إذًا من صفات الأب الناجح إخواني هذه النقطة الثانية: ثقافة الحوار، حاول أن تمد جسور علاقات بينك وبين أولادك، حاول أن تسمح لهم بالنقاش والجدال -طبعًا ضمن آداب الأبوة والمحافظة عليها- ولا تكن منشغلًا عنهم، لا ترى أي قيمة لأفكارهم ولا لشؤون أمورهم واهتماماتهم؛ اهتم بما يهتم به أبناؤك.
الصفة الثالثة الحقيقة التي تدهشني في يعقوب؛ تبصره بحال أولاده وعدم توقع المثالية فيهم. يعقوب كان يلحظ بشكل بيّن أن هناك أولادًا له يحسدون أخاهم، فلذلك لما قال: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: 5]. يعقوب كان متفرسًا في صفات أبنائه، خبيرًا بما يحصل بين الأبناء من التشاح والتحاسد والتنافس، ولذلك كان مبتعدًا عن المثالية في معالجة مشاهد الحياة. يعني بعض الآباء لما تقول: "ترى يا أخي هذا الموقف قد يجعل ابنك هذا يحسد ابنك"، يقول: "لا، لا، لا تفضل الأبناء على بعضهم البعض". يا أخي الله يكرمك، أنا أبنائي أنا مربيهم، أنا بعرف شو تربيتي! يا أخي الله يرضى عليك، لا أظنك بلغت في حسن التربية حُسن تربية يعقوب، لكن في هناك نفوس بشرية. حتى لو كان أبناؤك من التربية ما كانوا عليه، ومن أهل المساجد ومن كذا، هذه نفوس أبناء آدم، قتل أحدهما الآخر، وأبناء يعقوب بسبب التنافس كادوا أن يقتلوه. وهكذا هي الحياة تعكس لنا أن هناك بشرية ينبغي أن تكون حاضرة في ذهن الأب، وألا يرفع سقف التوقعات، وألا يلغي جانب المشاعر في تعامله مع أولاده.
ولذلك نعم، يعقوب كان يحب يوسف أكثر من غيره، وهذه طبيعة، يعني: "اللهم لا تلمني فيما تملك ولا أملك"، لكنه كان يعدل؛ هم كانت إشكاليتهم في مظاهر الحب والوناسة، كيف كان يأنَس بيوسف أكثر منهم، لكنه كان يعرف في النهاية أنه اللهم هذا ما تملك، أنا لا أستطيع أملك القلب، قد أكون فعلًا أحب أحد الأبناء، لكن لما أعطي أعدل، ولما أسمع أسمع من الجميع، ولما أعدل أعدل بالعدل. لكن في هناك جوانب إنسانية قد تظهر وفلتات قد تأتي، لا يحاسب الإنسان على هذه القضايا ما لم يحصل فيها ظلم. فالمهم، يعقوب متبصر تمامًا بما يحصل بين الأبناء ويعلم أن هؤلاء الأبناء قد يحصل بينهم تشاح واختلاف، فأنت كأب حتى تكون ناجحًا عليك أن تراقب سلوكيات أبنائك في المنزل وفي حياتهم، وتعرف أن هذا الابن يعاني من إشكالية حب الظهور أو البروز، هذا ابن يعاني من إشكالية أخرى، هذا الابن ينافس هذا الابن؛ هذا تبصر وتفرُّس يجعلك تحسن معالجة المشاهد وتحسن نصيحة كل ابن بما يناسبه، فهذه قضية رائعة في شخصية يعقوب.
الصفة الرابعة: قضية الذكاء في التوجيه. في توجيه أحد الأبناء كيف يتعامل مع إخوته دون استثارة، هذا إخواني فنٌّ عالٍ في التربية. ذكاء يعقوب في توجيه يوسف كيف يتعامل مع موضوع إخوانه دون أن يستثيره ضدهم، لاحظ كيف قال الروعة في الأسلوب: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يوسف: 5]. جعل القضية متعلقة بالشيطان وليس لأن إخوانك يكرهونك، يا بُني في عنصر خارجي هو الذي يؤثر على العلاقة بينكم وهو الشيطان، فأنت يا بني انتبه، إخوانك ممكن يسيئوا التصرف معك ويكيدوا لك كيدًا، ترى في شيطان في المنتصف. لاحظ هذه القضية والتوازن العالي كيف أنني أنبّه أحد الأبناء أنه ممكن أخوك ترى يسيء التعامل معك، واضح أنك عندك قدرات مميزة في كذا وكذا، وأخوك ما عنده هذا التميز، شوف هذا كيف يحصل؛ هذا كثير في حياتنا، تجد أحد الأبناء متفوقًا علمًا أو عقلًا أو مهاراتيًّا، وابن آخر قدراته متواضعة، وفي ظروف في الحياة تحكم أن الابن المتميز قد يُرحَّب به أكثر في المجالس، قد يُستضاف أكثر، قد يبرز في مواقف، مكافآت، هدايا، وذاك الابن قدراته محدودة، يحاول الله يرضى عنه بس مش قادر، هذا قدره. طبعًا أنا كأب وظيفتي أن أعزز هذا الابن، وأعزز فيه قضية الرضا، قضية القضاء والقدر، قضية دفع التحاسد من نفسه، أحاول، لكن في النهاية بدي أتوقع كل شيء.
ممتاز، ففكرة أنه أخبر الابن الذكي أو المميّز: "ترى أخوك هذا يا بني ممكن يكون شوي عنده في نفسه شيء، وهذا بسبب ظروف الفوارق الشخصية اللي بينك وبينه، اختلاف المهارات، اختلاف الشخصيات، قدرك كان تكون كذا وكذا مميز، هو لم يُعطَ هذا القدر لعلم سابق". فلازم أخبر ذاك الابن، طبعًا متى أخبره؟ أخبره لما أثق بفهمه؛ هذا الابن المميّز الأصل أنه عقله راجح، لما أحكي له هيك مش بيروح بيحكي لأخوه؛ بعض الأبناء تحكي له: "يا بني لا تحكي لإخوانك هي القصة كذا كذا وأوعك تتصرف هيك ترى ممكن"، هذا سيكون مغفلًا إذا راح حكى لإخوانه: "ترى أنا كنت مع أبوي قبل شوي وحكى لي إني ما أحكي لكم هي الرؤية وحكى لي إنه إخوانك ممكن يكيدوا لك كيدًا"، هذا دمر الدنيا، مش صحيح! كيف بتحكي لنا؟ أنا يا بني وثقت بعقلك، أنت هكذا قلبت إخوانك علي. فهنا ثقة الأب بعقل ابنه وأنه هذا ابن راجح تجعله يبوح له ببعض القضايا التربوية.
وفي نفس الوقت لما تخبر ابنك إياك أن تستثير مشاعره على أخيه الأصغر؛ أنت لو قلت له: "ترى يا بني أخوك هذا بيحقد عليك"، ترى أنت وضعت نارًا بينهما، بينما لو قلت له: "ترى يا بني أخوك هذا ممكن شوي يأخذ على خاطره، قد يسيء التعامل معك لأنه الشيطان حاضر في التفاصيل وأنتم لستم معصومين منه". أنا هنا خطابي متوازن، وضعت القضية على الشيطان، بس في نفس الوقت حذرت المميّز مما يمكن أن يصدر من الأطراف الآخرين، وهذا يوسف أحسن توظيفه في اللحظات الأخيرة: ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: 100]. حفظ الدرس يوسف لما والده قال له في البداية: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾، وفعلًا حصل ما حصل، قال يوسف في النهاية من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي، الشيطان هو اللي خرّب بيننا، أما إخواني أناس أفاضل. شوف الدرس لما يُلقى على الطفل كيف يبقى في ذاكرته بعد أن أصبح كهلًا، ما نسي، يوسف الطفل إخواني يتعلّم إذا أحسنت تعليمه. إذًا هي قضية الذكاء في التوجيه دون استثارة.
قضية تقديم الأهم فِالأهم في الخطاب. أنت ماذا كنت تتوقع أن تكون أول جملة؟ ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4]. أنت كنت تتوقع أن يعقوب مباشرة سيدخل في تأويل الرؤيا: "نعم يا بني، سيجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث"، وواضح أنك شخصية مميزة. أنت تتوقع أن يعقوب سيبدأ بتأويل الرؤيا، لا، يعقوب ما بدأ بتأويل الرؤيا، ليه؟ هناك شيء أهم الآن؛ هي الرؤيا شيء مستقبلي، لكن هناك شيء الآن مهم أن تعلّمه وهو ماذا؟ أهم شيء يا بني قبل ما أحكي في أي موضوع: هذه الرؤيا لا تقصصها على إخوتك. شوف الأب الذكي أنه يعرف تقديم الأهم فالأهم في المعالجة؛ الرؤيا بعالج لك إياها مش مشكلة، لكن الأب انتبه أن هذه الرؤيا إذا قيلت الآن للأولاد ستسبب كارثة، فمباشرة قبل أن أدخل في أي قضية أخرى: هذه الرؤيا لا تخرج من بيني وبينك، ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ﴾. شوف قلت لك جمالية يعقوب حسن اختيار حتى الخطاب، وماذا يبدأ الإنسان، يبدأ بالأهم فالأهم.
إذًا أول شيء كما قلنا بين أيدينا أنه "نضبضب" الموضوع، وهذا يدل على أن إخوة يوسف كانوا على دراية نوعًا ما بتأويل الرؤى، يعني لم يكونوا أناسًا بسطاء، ولذلك ترى في خلاف بين أهل العلم هل إخوة يوسف أصبحوا أنبياء بعد ذلك أو لا؟ يعني هل بعد أن حصل ما حصل وطُويت الصفحة هل الله اصطفاهم ليكونوا أنبياء؟ هناك قول قوي لكثير من أهل العلم أنهم أصبحوا أنبياء واستدلوا على ذلك بما سيأتي: ﴿وَآلِ يَعْقُوبَ﴾، والبعض قال لا، لا يوجد دليل واضح على نبوتهم، وأنا أمين لهذا الرأي؛ يعني أنا متوقف في نبوتهم، لكن عمومًا أكيد أنبياء أولاد يعقوب، فكانوا على درجة عالية من العلم والتميز بشكل عام، ولم يكونوا أناس غفلة، فالأب يعرف أن أبناءه إذا سمعوا الرؤيا سيفهمون أن هذا الولد مصطفى وأن هذا الابن مختار فسيسعون لقتله أو ذا أو كيدًا؛ عمومًا خلي نقول كيدًا ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾.
فاذاً كانت قضية تقديم الأهم في هذا السياق ليعقوب في تلقينه ليوسف مهمة جدًا، ولاحظ الأب ينصح ابنه ويوجه كيف يتعامل مع إخوانه، هذه كلها قضايا إخواني تربوية كثير من الآباء حتى الصالحين، حتى إخواننا من الناس الأفاضل قد يغفل عن هذه التفاصيل فتقع الكوارث في علاقة الأبناء. كثير من الإخوة انفصلوا في حياتهم فوقع بينهم خصومات ومنازعات، السبب في ذلك أحيانًا عدم توجيه الأب الأبناء كيف يتعاملون مع بعضهم البعض؛ الأخ الكبير بوصية: "يا بني أنا قد أموت، انتبه لأخيك الصغير"، "يا بني قد تكبران في الحياة وقد تختلط بكم مناهجها وطرقها"، هذا بيشتغل نجار وهذا بيشتغل حداد، هذا بكون غني هذا بكون فقير، الحياه تفرّق الناس في مسالكها، الرحمة بينكما، حسن الأخلاق، والتوصية عدم الوصاية؛ يعني حتى الابن الكبير يعرف أن هذا الأخ الصغير في النهاية سيكبر وسيكون له حياته وأفكاره وتوجهاته واختياراته، أنت لست وصيًا بقدر ما أنت موجِّه رحيم ناصح، وأنت يا أيها الصغير احترم أخاك الكبير، احترم له سنه وعمره وخبرته. هذا الأب الذي دائمًا يفتح هذه المواضيع مع أولاده ويوجههم، يكبر الأولاد على حسن تربية وحسن توجيه، بخلاف دائمًا الأمور المغلقة والاعتماد على حسن الثقة الزائف، هذا غدًا تجنيه في علاقتهم الكئيبة مع بعضهم البعض.
وكذلك ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: 6]. هنا بدأ يقص له ماذا يرى يعقوب في هذه الرؤيا. ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ طبعًا كلمة وكذلك والخلاف بين المفسرين في توجيهها؛ البعض قالوا أسلوب عربي مكرر للتأكيد على أهمية الشيء، والبعض قال وكذلك أي وكما أراك هذه الرؤيا في المنام، سيجتبيك ربك في الواقع. البعض هكذا قال؛ وكما أراك تلك الرؤيا العظيمة في منامك سيجتبيك ربك في الواقع. يعقوب قالوا كان على علم بتأويل الرؤى تمام، والرؤيا كما يقولون تحكي عن نفسها، لاحظ يعقوب أن سجود الأجرام السماوية أن هناك أناسًا عظامًا وكبارًا سيسجدون ليوسف ويخضعون له، فرأى أن هذا الموضوع دلالة على الاجتباء، في اجتباء رباني ينتظرك: ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾. الاجتباء هذا أول علامة من علامات الرؤيا، ثانيًا: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. ما هو تأويل الأحاديث؟ المشهور عند المفسرين أن تأويل الأحاديث تعبير الرؤى، سيعلمك الله تعبير الرؤى حتى إذا عبرت رؤيا تقع حقًا وصدقًا كما قلت، البعض قال تأويل الأحاديث أعم من تعبير الرؤى فهو يشمل تعبير الرؤى وحسن التفسير للأقوال.
تأويل الأحاديث قدرة عالية على فهم الوقائع والأحاديث والمشاهد التي تدار أمامك، فتفهم ما يقف وراءها وما دلالاتها ولوازمها، وهذا يدل على سعة الفهم وعلوه.
إذا تأويل الأحاديث إما هو خاص بتعبير الرؤى، وهذا له وزن حقيقة، والأكثر على هذا، وإما أن نقول تأويل الأحاديث أعم، فهو حسن فهم الكلام الذي يقال والإشارات، سواء في المنام أو في اليقظة. سؤال؛ هكذا استثارة للذهن: كيف علم يعقوب من الرؤيا أن يوسف سيعلم تأويل الأحاديث؟
في نقاش أصلاً في كتب التفسير: هل ما قاله يعقوب هنا هو تفسير واجتهاد منه للرؤيا، أم وحي من الله؟ البعض اختار أنه وحي من الله، والبعض قال لا هو اجتهاد منه، وسيدنا يعقوب لديه خبرة في تأويل الرؤى، هو نبي من الأنبياء، والأنبياء يجوز عليهم الاجتهاد. فإذا قلنا إن هذا التعبير من يعقوب عليه السلام هو اجتهاد منه، من أين عرف يعقوب أو ما هي الإشارة التي في قصة الرؤية التي تدل على أن يوسف له شأن مع علم تعبير الرؤى؟ قالوا لما ابتدأ أمره -طبعا هذا اجتهاد- لما كان بداية شأنه برؤيا، عرف يعقوب -والله أعلم- أن هذا الطفل سيكون له شأن مع الرؤى. يوسف لم يبتدئ أمره، لم يقل لوالده: كنت أمشي في الغابة فرأيت شجرة تكلمني، أو حجراً يحدثني، ما كان من شيء رآه في اليقظة؛ يوسف كانت بداية قصته رؤيا. فكان يعقوب يتلمح من هذا باجتهاده -والله أعلم- أن هذا الطفل ما دام بداية أمره برؤيا إذاً له شأن مع الرؤى.
الآن النبي عليه الصلاة والسلام وهو صغير كانت له إرهاصات كثيرة، تضليل الغمام والشجر الذي يظلله وكثير من القضايا التي كانت من إرهاصات نبوته تمام، لكن موضوع الرؤى جاء قبل ستة أشهر من البعثة، آخر ستة أشهر بدأت تأتيه الرؤيا كما قالت عائشة: فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح. لكن يوسف عليه السلام منذ صغره من طفولته بدأت الحكاية مع الرؤى، فتلمح يعقوب -والله أعلم- من ذلك أن الله سبحانه وتعالى لم يره هذه الرؤيا إلا أنه يريد أن يجعل له تخصصاً وتميزاً وبروزاً في هذا الموضوع، لذا قال: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. إذاً هذه الرؤيا اجتهد يعقوب في تفسيرها -والله أعلم- أنها تدل على الاجتباء بسبب الخضوع الذي يدل على أنك ستتميز عن غيرك، وأنها كانت رؤيا فيدل على أن الله سيجعلك متميزاً مبرزاً في هذا الفهم.
ثم قال: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ [يوسف: 6]. وإتمام النعمة هنا ما هو؟ اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال النبوة، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ غير الاجتباء والاصطفاء، لأن قد تجتبى وتصطفى لكن لا تصبح نبياً، لا؛ وإتمام النعمة قالوا لا يكون إلا بأن يصبح نبياً، فإن البشر إتمام النعمة عليهم أن يصلوا لدرجة النبوة، هكذا تمت النعمة، هذا أعلى الكمالات البشرية؛ أعلى البشر هم الأنبياء. فقالوا إتمام النعمة هو أن يصبح نبياً.
ولاحظ هنا كيف أن إتمام النعمة على يوسف هو إتمام للنعمة على كل ذرية يعقوب ومن بعدهم، فإن الأب النبي إذا حصلت النبوة لابنه فإن هذا استدامة للنعم؛ تمام، يعني كيف الأب الناجح لما يصبح عنده ابن ناجح كيف هذا استدامة للنعم على الذرية؟ فيقول: وإذا تم اصطفاؤك وإتمام النعمة عليك بالنبوة، فهكذا تتم نعمة الله عليك أولاً أنت شخصياً، وبركة هذه النعمة لا تقف فقط عندك بل تتعدى بركة نعمة نبوتك على آل يعقوب، يعني على أهل يعقوب؛ لأنه أول من سيستضيء بهذه النبوة بنبوة يوسف هم ذرية يعقوب إخوانه بعدما يصلح شأنهم إن شاء الله، وذريتهم ذرية يوسف وذرية أولاد إخوانه؛ فهذه بركة؛ فببركة هذه النبوة ستتعدى إلى آل يعقوب عموماً والآل هم الأهل.
طبعاً البعض قال: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ﴾ ليس هو النبوة بل هو الملك، وقال: ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ قال هي النبوة، ويتم نعمته بالملك، فكأنه جعل إتمام النعمة بماذا؟ بحصول الملك. لكنني أميل إلى الرأي الأول، فإن كثيراً من الأنبياء عرضت عليهم الملك فرفضوه، ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يملك خزائن الأرض فلم يطلبه. فالقول إن إتمام النعمة لا يكون إلا بأن يصبح النبي ملكاً يحتاج إلى نظر؛ يحتاج إلى نظر لأنه أخشى أن يكون من مآلات هذا أن الأنبياء الذين رفضوا الملك يفهم أنه لم تتم النعمة عليهم، وليس لازماً أن يكون الملك، النبي إذا أصبح ملكاً أن يكون أتم نعمة من النبي الذي لم يختر الملك؛ يعني هل هناك تلازم بين إتمام النعمة على النبي بالملك أو لا؟ فالذي أميل إليه أن إتمام النعمة هو النبوة، وأن هذه البركة بركة النبوة ستتعدى إلى آل يعقوب، كما أتم، أي كما تمت هذه النعمة نعمة الاصطفاء ثم نعمة الرسالة كما تمت على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق.
وهذا يؤكد أن القضية قضية نبوة، ليه؟ لو أننا قلنا إتمام النعمة هو الملك، طب هل إبراهيم وإسحاق كانا ملكين؟ لم يعرف أنهما كانا ملكين، فتشبيه النعمة بالنعمة يقتضي أنها قضية مشتركة بينهم، وهذه القضية المشتركة هي قضية النبوة، وليست الملك؛ فإن إبراهيم وإسحاق -على الأقل إبراهيم عليه السلام- لا يعرف أنه كان ملكاً على قوم، وإنما كان يتعامل بالرسالة. فإذاً إتمام النعمة بالنبوة عليك كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق، فأنت من سلالة كرام وتكمل نسل الكرام. ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: 6]. عليم: أين يضع رسالته؟ حكيم في اختياره، فهذا مناسبة ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، الله أعلم حيث يجعل رسالته، عليم لماذا اختارك دون باقي إخوتك، حكيم في هذا الاختيار، ليس اختياراً عبثياً أو عشوائياً -حاشاه سبحانه وتعالى-، فالاختيار والاجتباء لا يكون إلا عن علم وحكمة، فلذلك ختم بهذين الاسمين.
ثم نختم بالآية الأخيرة: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: 7]. الآن كأن القصة ستدخل في المشهد الذي يليه، ستبدأ الأحداث الآن تتسلسل، فقال الله سبحانه: هذه القصة كل ما حصل فيها من المشاهد فيها آيات، وكما قلنا كلمة الآيات أعمق من كلمة الدلائل، أعمق من كلمة العلامات لأنها تخاطب الباطن والظاهر، آيات للسائلين. للسائلين عن ماذا؟ حذف السؤال ليعم كل الأسئلة التي تخطر على ذهن الإنسان؛ للسائلين عن سر البلاء لماذا يبتلي الله الإنسان؟ سيجد الإجابة في قصة يوسف عليه السلام، للسائلين عن طريق التمكين كيف الوصول إليه؟ لن تمكن حتى تبتلى، هكذا قصة يوسف عليه السلام، للسائلين عن الحسد وما الذي يمكن أن يفعله في النفوس؛ تريد شاهداً وآية تدل على جريمته؟ في قصة يوسف وإخوته آيات للسائلين، للسائلين عن الشهوات كيف تستثار وأثر الاختلاط بين الرجال والنساء إلى ماذا يؤدي، وإلى الفراغ والبطالة عند النسوة، والطبائع البشرية والإنسانية كيف تتجلى في مواقف الحياة؛ إذا أردت مشهداً واقعياً آيات للسائلين، للسائلين عن الصبر الجميل وتحمل الأقدار كيف يكون آيات للسائلين، للسائلين عن العفو عند المقدرة والرأفة بالمخطئين، آيات للسائلين، للسائلين عن الأبوة الناجحة، للسائلين عن معالجة الأخطاء، للسائلين عن الحكمة في إدارة المشاهد وضبط النفس وعدم التسرع في الانفعالات كيف تكون؛ كل ذلك آيات للسائلين، أسئلة كثيرة تخطر في ذهن الإنسان ستجد إجابتها في هذه القصة وفي هذه الحكاية، علمنا الله هذه الإجابات وأرشدنا إلى استنباطها من هذه الآيات.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل