دخولتسجيل الدخول

المجلس الأول

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اتبع.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في برنامج المدارسة، وها نحن نخطو الخطوات الأولى إلى الكتاب الرابع بإذن الله في هذا البرنامج. هذا البرنامج أيها الأحبة الهدف منه أن يعتاد الطالب القراءة، وأن يعتاد الطالب طول الدرس، وأن يعتاد الطالب الفهم والتحليل لكلام الأقدمين؛ فنكسر من خلاله الحواجز بين الطلبة المعاصرين وبين كتب التراث.

فإن كثيراً من طلاب العلم اليوم يعجزون عن القراءة في كتب التراث لأنهم لم يعتادوا، ويكسروا هذه الحواجز، ويبقى يتهيب اللغة التي كتب بها كلام الأقدم. لكن في الحقيقة إنما الأمر بالاعتياد، وبكثرة النظر، وبكثرة الملازمة والمجالس للمشايخ، تعتاد بإذن الله كيف تقرأ النص قراءة صحيحة وتفهم وتحلله، فتنكسر هذه الرهبة، بل بالعكس، يصبح النظر في كلام الأقدمين هو الذي يحلو لك وهو الذي يطيب لك؛ لأنك تجد فيه عمقاً وتحليلاً ونظراً وكلاماً عالياً مع بركتهم رضي الله تعالى عنهم.

الكتاب الذي سنتدارسه إن شاء الله في هذا اليوم، واتفقنا بإذن الله أننا نتدارس في يوم واحد، هو كتاب «مناقب الأئمة الأربعة» للإمام ابن عبد الهادي رحمه الله. وابن عبد الهادي من أئمة الحنابلة من الطبقة المتوسطة، من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي، وله باع كبير وذكاء عظيم ومصنفات جليلة واسعة، مع أنه مات صغيراً رحمه الله عليه؛ مات سنة 744هـ، وأنت تتكلم عن ولد ولد سنة 705هـ ومات سنة 744هـ، يعني كم عمره؟ 39 أو 40 عاماً هذا عمره.

لكن حجم المصنفات التي تركها ابن عبد الهادي في مختلف أبواب العلوم الشرعية: فقهاً وحديثاً وتاريخاً والسياسة الشرعية والأصول، كل ما تركه يدل على أن هذا الرجل رجل موفق، نحسبه والله حسيبه، وعالم نحرير، رزقه الله جودة الذهن والذكاء والفطانة. عند كثير من طلاب العلم لا يعرفون العقلية الجبارة التي عند ابن عبد الهادي الحنبلي المقدسي رحمه الله، لكن فقط انظر في أسماء مصنفاته وكتبه وما تركه من تراث لهذه الأمة، تعرف أن هذا الشاب الشيخ ليس سهلاً وليس هيناً أبداً في علومه ومعارفه رحمه الله تعالى عليه.

عنوان الكتاب هو «مناقب الأئمة الأربعة». ولا أخفيكم أن الكتاب لم يكن موجوداً عندنا على قائمة كتب المدارسة، لو أن هناك كتاباً آخر تأخر في شحنه فاضطررنا أن نضع هذا الكتاب خلال هذا الأسبوع، هذا هو الواقع، لكن وجدت هذه فسحة طيبة لنقرأ مثل هذه المصنفات التي يحتاج فيها إلى جلسة واحدة ليس أكثر.

والهدف من قراءة هذا الكتاب عدة أمور، لا أقول هدف بل أهداف حقيقية يستفيدها الطالب من القراءة في كتب المناقب. الهدف الأول والأسنى، وهو الذي جعلنا ابتداءً نضع هذا الكتاب، هو أن يتعلم الطالب احترام العلماء الكبار رضوان الله تعالى عليهم، وأن يعرف قدر كعبهم، وأن يعرف إتقانهم وورعهم وديانتهم، وبالتالي يصون لسانه عن الخوض في أعراض أمثال هؤلاء الكبار رضوان الله تعالى عليهم.

فإننا في الوقت المعاصر للأسف نجد نبتة خبيثة نشأت تستلذ إسقاط العلماء والدخول في الكبار، وتصنع في الطالب الناشئ الصغير الذي ما زال يخطو خطواته الأولى شيئاً من الاستعلاء والحدة والقدرة ببساطة على إسقاط نماذج كبيرة هائلة تركت أثراً عظيماً في أمة الإسلام عبر التاريخ، بعيداً عن الورع وتقوى الله سبحانه وتعالى في الكلام.

فمثل هذه المصنفات عندما نرى ابن عبد الهادي وهو حنبلي يكتب في مناقب الأئمة الأربعة جميعاً بلا استثناء، هذا يعطي رسالة للطالب كيف كان العلماء المتأخرون ينظرون إلى العلماء المتقدمين، كيف كان الإجلال والتقدير والاحترام ومعرفة قدر هؤلاء الكبار. ودائماً يقولون: الكبار هم الذين يعرفون قدر الكبار، وأما الإنسان السفيه المتعجل الحاد الطباع الذي لم يعرف العلم على أصوله هو الذي يسقط الكبار ولا يعرف قدرهم وحجم ما تركوه لأمة الإسلام.

وهذا لا يعني عدم وجود الأخطاء، أو عدم وجود أمور تحتاج لمعالجة ونقاش ورد وأخذ، لكن تبقى السمة العامة عند العلماء التي نتعلمها منهم أنهم يحترمون من سبقهم في هذا الطريق ويجلونهم، وهذا منهج يجب أن تتربى عليه يا طالب العلم من الآن، أن تتربى على السوية النفسية في حياتك العلمية، ولا تتسلق على ظهور الكبار. ولا يكن -وأنت في سنواتك الأولى وما زلت تخطو الخطوات الأولى في حياتك- تكون شهوتك التعليق على أشجار كبيرة وأصحاب آثار عظيمة خدموا بها الإسلام؛ لا يكن هذا من ديدنك ولا من شهوتك ولا من انشغالك، فإن هذا أخشى أن يكون من أمارة الحرمان وعدم توفيق الله سبحانه وتعالى للإنسان، بدلاً من أن يشغله بالطلب والعلم النافع الذي يقربه من الله سبحانه، أن يشغله بالطعن بفلان وفلان من العلماء الكبار المفيدين المجودين الذين امتدحوا عبر التاريخ.

وهذا النوع من التصنيف في مناقب الأئمة ليس أول من طرق هذا الباب، ابن عبد الهادي رحمه الله بل هذا ديدن معروف عند العلماء؛ التصنيف في مناقب من سبقهم. لذلك نجد ابن عبد البر رحمه الله صنف كتابه «المنتقى في مناقب الأئمة الثلاثة»، وابن عبد البر مذهبه مالكي رحمه الله، صنف المنتقى في مناقب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة ومالك والشافعي. كذلك غيره من العلماء مثل ابن حجر الهيتمي صنف كتابه «التنبيه في مناقب الأئمة الأربعة»، وابن حجر شافعي، صنف في مناقب الأئمة الأربعة.

وهذا أيضاً شيء يعطيك عدم وجود التعصب عند العلماء الكبار لمذاهبهم؛ فابن عبد البر المالكي يمتدح أئمة الحنفية والشافعية والمالكية، وابن حجر الهيتمي الشافعي يمتدح أئمة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وابن عبد الهادي الحنبلي يمتدح أئمة الحنفية والمالكية والشافعية. فهذه تعطيك رسالة كيف كان العلماء الكبار يعرفون حق الجميع حتى المخالفين لهم في المذهب والطريقة.

وإن قضية التعصب المذهبي التي تجعل البعض لا يدرس المذهبية بسبب يقول لك: أخشى من التعصب، هي ما كانت موجودة أصلاً إلا عند الصغار، ما كانت موجودة إلا عند الصغار. لا يُعرف عند عالم محقق من أصحاب المذاهب المتبوعة أنه كان عنده تشنج أو إسقاطات أو شيء من العبارات القاسية تجاه المذاهب الأخرى، فإنهم كانوا يعرفون أهمية التراحم، وأن هذه المذاهب إنما هي خلافات فقهية في أوجه النظر ومدارس في النظر، لا تستوجب خلاف القلوب ولا المنافرة، وإنما هي مدرسة حنفية ومدرسة مالكية ومدرسة شافعية ومدرسة حنبلية، كل منها...

يشكل طريقة موزونة محررة في النظر الفقهي في نصوص الكتاب والسنة، هذا ما نتعلمه أيضًا من هذا الكتاب؛ أن ابن عبد الهادي الحنبلي ما عنده مشكلة يمتدح المذاهب الأربعة برؤوسها ورجالاتها، وهذا أنت ما تحتاجه يا طالب العلم الآن أن تتربى نفسيًا على هذا.

لأن اليوم مع الغبش الذي يحصل يظن الطالب أنه لا إشكال أن يهجم على العلماء الأقدمين هجومًا، ويبدأ بعمليات الإسقاط الشعواء وتدمير فلان وفلان ورفع الرايات عليهم وشن الغارة، والمسكين ما زال -كما قلت- لا يضبط كتابًا في مذهبه ولا يضبط أحكام طهارة وصلاته. هذه حالة مرضية سببها عدم التربية على الورع؛ هذا الورع مفقود إخواني عند كثير من الطلاب الناشئة بسبب التربيات السيئة التي قد يتعرضون لها في بعض المحاضن، أن يتعود كثرة الجرح والطعن، ولا يتعلم أن يقف ويحسب الكلمات ويتقي الله عز وجل ويتورع في مقامات الأئمة والعلماء، ويظن أنه كلما كان أكثر هجومًا وإسقاطًا كلما ازداد رفعة عند الله عز وجل، ولا يعرف أنه يزداد سُفلاً.

فمثل هذه الأمور تأخذها من هذه المصنفات: تعلم الورع، تعلم التقوى، تعلم الأدب، تعلم كثيرًا من الأمور عندما تتحدث في مقامات العلماء الكبار -رضوان الله تعالى عليهم-. وهذا لا يعني أن الإنسان لا يناقش البدعة ولا يناقش القول الخاطئ ولا يفند ولا يقيم دلائل أهل السنة والجماعة عليها، لكنه مع سعيه بهذا الأمر يتعلم الرحمة، ويتعلم العدل، ويتعلم الإنصاف.

أين هذه الأخلاق اليوم؟ ذهبت في أجواء طلاب العلم والمتصدرين؛ الرحمة مع المخالف، والإنصاف معه، والعدل في تقييمه، وأن لا يكون الهدف مجرد أن يهجم عليه. وأين قاعدة "الأصل في المؤمن السلامة"؟ وأنني إذا وجدت مخرجًا لهذا الإمام أو العالم أو شيء، لعله أحاول أن أذهب إلى هذا المخرج؟ أليس من أسماء الله الحسنى "الرحيم"؟ من تطبيق أسماء الله الحسنى اسم الله الرحيم أن ترحم إخوانك، وأن ترحم مشايخك، وأن ترحم العلماء الكبار قبل كل شيء، الذين لهم قدم صدق في هذه الأمة إرشادها لكل ما فيه خير، مع وجود الأخطاء التي قد تصدر، وحسن الظن أن هؤلاء العلماء إذا صدر خطأ من أحدهم فلا يكون مقصودًا وليس يقصد بذلك هدم الدين، وإنما هذا ما وصل إليه اجتهاده أو عقله أو فهمه في هذه المسائل، والله يغفر له ويسامح على خطئه.

ولكنني من القرائن الواضحة والدلائل البينة أعرف أن هذا الرجل لا يقصد هدم الإسلام، وهذه هي عقلية الكبار. لماذا ابن عبد البر يمدح ويثني على العلماء مع وجود أخطاء عند بعضهم؟ لماذا ابن تيمية يمدح ويثني مع وجود الأخطاء؟ لماذا ابن القيم، ابن رجب؟ المعلم تجد أسماء كبيرة بهذا الحجم الكبير تعرف الإنصاف وتعرف العدل وحسن التقييم، بينما تجد شابًا متهورًا مستعجلًا يهجم هجومًا على هؤلاء ليسقطه ويظن أنه بذلك يعلو كعبًا.

هذا كله من سوء التربية. الأمور هنا ما عادت إخواني أمورًا علمية، الأمر ما عاد أمرًا علميًا يحتاج إلى نقاش، الأمر أصبح يعود إلى طبيعة التربية التي ينشأ عليها طالب العلم منذ نعومة أطفاله. فمن نشأ على قيمة الورع، قيمة التقوى، قيمة الأدب، قيمة احترام العلماء، يجد هذا الأثر الطيب في حياته عندما يتعامل مع المخالفين، وقاعدته أن الأصل السلامة، والأصل أن أجد لأخي مخرجًا من كل ما هو مخرج.

ولذلك في الفقه يقولون: "تدرأ الحدود بالشبهات". أيش يعني تدرأ الحدود بالشبهات؟ أليس إذا ثبت على الإنسان حد يوجب حد الزنا أو حد السرقة ووجدنا له شبهة واحدة تسقط الحد عنه، ماذا يقول فقهاؤنا؟ خلص لا نقيم عليه الحد لوجود شبهة واحدة. أليس الأصل هكذا أن يكون منهجك مع العلماء؟ على الأقل إذا وجدت عالمًا له شبهة، نصف شبهة أنه معذور، يا أخي أسقط الكلام عنه، ولا تحاشى احتراما لمقام... "تدرأ الحدود بالشبهات". لا، لا بد أن أترك كل الشبهات وأسقط هذا العالم وأربي طلابي على العنف والحدة، وأن لا يحترموا عالمًا مهما كان أثره وبركته على هذه الأمة! هذا إخواني من سوء التربية ومن قلة الورع وضعف الديانة عند الإنسان.

فاتق الله سبحانه وتعالى، وتعلم كيف تجلس وتنظر في كلام العلماء المحققين، العلماء المحققين الكبار، كيف يتعاملون مع نصوص السلف وكيف ينزلون الأقوال في منازلها. طبعًا ستقول لي: طب أليس هناك عالم قديم ذم ذلك العالم القديم؟ وكأنه قلة ورع؟ لا طبعًا؛ العلماء الأقدمون عندما تكلموا في بعضهم البعض جاء المتأخرون من العلماء فنظروا في سياق حديثهم فحملوا هذا الحديث على سياقات تاريخية.

يعني الآن أعيدك درجة إلى الخلف؛ الخلاف الذي وقع بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان، كيف تعامل معه علماؤنا الكبار؟ أيش كان المنهج عند أهل السنة والجماعة؟ "يطوى ولا يروى". مش هكذا يقولون؟ ما لك علاقة، تنبش في تلك المرحلة أو الحقبة التاريخية؟ ونبقى على إجلال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإجلال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه واحترام الصحابة الكرام، مع درايتنا أنه قد يكون وقع خطأ من بعضهم، هذا لا يعني عدم وقوع الخطأ، لكننا لا ندخل في هذا أولًا؛ لأن ذكرى هذه الأخطاء لن يفيد، لن يثمر، ويؤجج النفوس والقلوب في أمور أبدًا، لا تنشئ جيلاً إسلاميًا مربيًا.

كذلك الخلاف بين علماء دين، وما قاله بعض العلماء في بعض الأئمة وما رد عليهم وما شابه ذلك، ما أريد أن أقوله أن هذه النصوص لست أنت أيها المعاصر أول من قرأها؛ يعني كلام العلماء الأقدمين في بعضهم البعض لست أنا وأنت أول من قرأها بالتأكيد. ابن عبد البر قرأها، ابن تيمية قرأها، الذهبي قرأها، ابن كثير قرأها، ابن القيم قرأها، ابن رجب قرأها، المعلم قرأها، وابن عبد الهادي قرأها. يعني لست أنت أكيد أول من قرأها.

فهنا أنت تحتاج أن تدرس منهج العلماء الأقدمين المحققين في القرن الرابع والخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع وما شابه ذلك، هؤلاء الذين قرأوا هذه النصوص التي بين بعضهم البعض، أو رمي بعض العلماء الأقدمين لعالم معين بشيء، مش قرأوه؟ وهل هذا سؤال منطقي؟ ألم يقرأوه؟ طيب كيف تعاملوا معها؟ أنت لا تأتي تتخطى كل هؤلاء الكبار وتقول أنا ما لي علاقة في ابن عبد البر وابن تيمية وابن القيم وابن رجب والذهبي والمعلم، أنا لي فقط أن أنظر في الكتب التي كتبت في القرن الثاني والثالث، ما أجد فيه أحكم، وهؤلاء يعني إما مميع أو نظروا للأمر بطريقة لا تعنيني. لا، وهذه مشكلة؛ أنك أنت طالب معاصر لم تتجاوز في العلم إلا كعبًا يسيرًا، مستعد تتخطى كثيرًا من العلماء الكبار بخطوة قلم أو بكلمة تخرج من أفواههم.

أنا سأعود إلى الكتب التي في القرن الثاني الهجري أقرأها وأنا أطبق. وهؤلاء ماذا كانوا يفعلون؟ ابن عبد البر ماذا كان يفعل في حياته؟ ابن تيمية ماذا كان يفعل؟ ابن القيم؟ هؤلاء الأسماء الكبيرة، أليس هم أعلم منك وأدرى منك وأحكم منك؟ وهؤلاء على مختلف مذاهبهم ومشاربهم والكل اتفق على آلية معينة. أنت لاحظ أن الكل من المحققين الكبار اتفقوا على آلية معينة في التعامل مع تلك النصوص القديمة ووجهوا باتجاه معين حفظوا به دين الأمة.

ما المشكلة عندك حتى لا تمشي على خطى هؤلاء الكبار؟ أم أن وصل بك الاعتداد بنفسك وبراك واعتقادك بعقلك أنك أرجح عقلاً من هؤلاء الكبار عبر التاريخ الإسلامي؟ إذا وصل الإنسان لهذه المرحلة فكبروا عليه أربعاً. إخواني، إذا وصل الإنسان لمرحلة أنه يعتد بفهمه وعقله ومستعد يتخطى أسماء كبيرة عبر التاريخ، يتجاوزها ويغض الطرف عنها قائلاً: لا يعنيني شأنها، أنا فقط أقرأ بوحدي؛ اعلموا أن هذا يعاني من مشكلة نفسية وتربوية ورعوية، وما عادت المشكلة مشكلة علمية لنبدأ نناقش فيها، خلص القواعد العلمية واضحة والمسلك الرشيد في التعامل مع هذا واضح.

وأما من يتخطى ذلك فهو يتخطى منهجاً، يتخطى أسلوباً وطريقة صار عليها العلماء. هذا ما نحتاج أن نثقب به أنفسنا ونثق به الشباب طلاب العلم المحبين للدين؛ حتى لا يخوض ولا يلوك الإنسان بلسانه في أمور يجد عاقبتها عند الله وخيمة. حتى لا أطيل عليكم في هذه المقدمة، نشرح إن شاء الله القراءة في هذا الكتاب وننظر كيف يتعامل العلماء الكبار مع بعضهم البعض. نسأل الله أن يعلمنا الأدب والورع والفهم والتقوى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصلي والحاضرين والسامعين، ونجِّ المستضعفين من المؤمنين، آمين.

قال المصنف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي خلق خلقه أطواراً وصرفهم في أطوار التخليق كيف شاء عزة واقتداراً وهياماً لمعرفتهم بأن ركب فيهم عقولاً وأفئدة وأسماعاً وأبصاراً، وأقام عليهم بالرسل حجته، وكما أتم عليهم بالهداية نعمته فأقر بهما المهتدون طوعاً واختياراً، وأرسل الرسل أعذاراً منه إلى خلقه وإنذاراً لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل توجب لهم اعتذاراً، وجعل لهم من الأمم خلفاء وورثة يهدون بهديهم ويستنون بسنتهم ويبلغون عنهم سراً وجهاراً.

وهؤلاء هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء؛ قال: «وجعل لهم من أمم خلفاء وورثة»، العلماء هم خلفاء وورثة الأنبياء، يهدون بهدي الأنبياء ويعلمون الناس سنتهم ويبلغون دين الأنبياء سراً وجهاراً. نعم، قال: يدعون إلى طريقتهم المثلى، ويحيون بهدم الموتى، ويبصرون بنورهم أهل العمى ليلاً ونهاراً جهاداً في الله وابتغاء مرضاته، وبياناً لحجته على العالمين وبيناته، وطلباً لزلفى لديه ونيل رضوانه وجناته، وحذراً مما خالف هديهم.

فهم النجوم التي يهتدى بها من الضلالات، ويقطع بها السائر البيد والفلوات، ويستضيء بها في الظلمات الحيارى. فهؤلاء هم العلماء؛ العلماء هم النجوم التي يهتدى بها من الضلالات، والعلماء هم الذين يقطع الإنسان بهم صحراء الحياة وبيداء الحياة ليصل إلى الله عز وجل بأمان وسلام. قال: فلذلك نشر الله لهم أعلام الرفعة في العالمين، وأعلى أقدارهم على من سواهم من المؤمنين، وأحيا ذكرهم وهم أموات في الغابرين. فالله أحيا ذكرى العلماء إلى يومنا هذا مع أنهم أموات في الماضي، بعض العلماء مر على وفاته عشرات القرون وما زلنا نذكره ونترحم عليه.

قال: وقد صرح الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى بأنهم من العدول المبرزين، فقال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». هذا الحديث حسنه طائفة من أهل العلم الكبار، ومنهم ابن القيم وغيرهم. حديث النبي ﷺ: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله»، أي من كل جيل من أجيال الأمة يحمل هذا العلم العدول.

طيب، ما وظيفة هؤلاء العدول؟ أولاً ينفون عنه، يعني ينقون هذا الدين من تحريف الغالين، وهذه أول كلمة تواجهك في الحديث: «تحريف الغالين». الغالون هم الذين يتجاوزون الحد في فهم الكتاب والسنة، وما أكثرهم اليوم الذين يتجاوزون الحد ويعلمون الناس الأفكار الخاطئة والمغلوطة؛ الذي ينفي تحريف هؤلاء الغالين لقواعد الشريعة هم العدول من العلماء.

وثانياً: «انتحال المبطلين». ما ينتحل المبطل؟ ما ينتحل المبطل لهذا الدين؟ بعض الناس أصحاب الشهوات وأصحاب الشبهات وأصحاب الأهواء يجعلون من دين الإسلام أموراً ليست من دين الإسلام بشيء، فيبيحون الاختلاط ويستدلون في دين الإسلام، ويحلون المحرمات والمعازف والملهيات ويستدلون بدين الإسلام؛ فالمبطل يحل شيئاً حراماً أو يحرم شيئاً حلالاً وينحل ذلك للإسلام والإسلام منهم بريء، والذين يكشف زيفهم أيضاً هم العلماء العدول.

وثالثاً: «تأويل الجاهلين». وأما الجهال الذين يفسرون الدين على أمزجتهم وأهوائهم، خاصة من الصحفيين والإعلاميين، وهؤلاء الذين لا يعرفون شيئاً في الشريعة ولكن تجد أحدهم على مواقع التواصل الاجتماعي يفتي بما لا يعرف ويأتي بالدين على مزاجه وهواه؛ من الذي يكشف تأويل وجهلهم؟ العلماء العدول. فالعلماء العدول هم صمام أمان لهذه الأمة، لذلك حرمتهم عظيمة وذكرهم بالخير واجب على الطلبة.

قال: نصيحة لله ولرسوله وانتصاراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له اعترافاً بوحدانيته وإقراراً، وإذ خضعنا له بالعبودية طوعاً واختياراً وتواضعاً لعظمته وخضوعاً لعزته وانكساراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله رحمة للعالمين وإماماً للمتقين وحجة على الخلائق أجمعين، فرفع به للحق بعد الخفاء مناراً، وأعلى به لأتباعه وأهل سنته في الدارين أقداراً، وجعل أمته أكرم الأمم وأقربهم وسيلة إليه وأرفعهم منزلة لديه، فهم الموفون، أمة هي خيرها وأكرمها.

أمة الإسلام هي ختام سبعين أمة مضت في تاريخ البشرية، وهذه الأمة وإن كانت هي الأمة الأخيرة لكنها أكرم الأمم عند الله سبحانه وتعالى. قال: «وجعلهم أمة وسطاً عدلاً خياراً»، كما جعل كتابهم خير الكتب المنزلة من السماء، ونبيهم خير الأنبياء، وشريعتهم أكمل شريعة، وحملتها أفضل العلماء، وأدنى الأمة من نبيها جواراً. فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وأتباعه وأنصاره القائمين ببيان الحق ونصرة الدين، صلاة واصلة إليه معروضة عليه سراً وجهاراً وليلاً ونهاراً.

أما بعد، فإن هذه الخطبة، وهذا الكتاب كله خطبة. صلاة وسلام على النبي ﷺ. الآن يبدأ بمضمون كتابه، قال: فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه جعل شريعة الإسلام سببا موصلا إليه، وبرهانا. لن تصل إلى الله إلا من خلال معرفة شريعته، جعل شريعة الإسلام سببا موصلا إليه؛ لا يصل الإنسان إلى الله إلا من خلال معرفته بالوحي، بالكتاب والسنة، ومعرفته بشرعه الإسلام.

قال: وبرهانا واضح الدلالة عليه؛ وشريعة الإسلام هي برهان يدل على الله عز وجل، وتعرف به أسمائه وصفاته وأفعاله. قال: وشفيعا لمن وافاه به مطاعا مقبولا لديه. وشريعة الإسلام جعلها الله شفيعا مطاعا مقبولا لديه يوم القيامة لمن تمسك بها، والمراد بهذا على سبيل التجوز والاستعارة أن من تمسك بشرعة الإسلام وعمل بها، فكانت شريعته هي التي ستشفع لك عند الله عز وجل يوم القيامة لتمسكك بها وسيرك على نهجها.

قال: فرفع بها أقواما، جعلهم للأمة سادة، وللخير قادة، ينتهي إلى أقوالهم ويقتدى بأفعالهم، ويؤتمن أئمة يهدون بأمره، ويبصرون بنوره، ويبلغون عن رسوله، وينصحون لأمته، ويذبون عن شريعته، ويدعون إلى سنته، فهم خلفاؤه وأنصاره وورثته وأولياؤه وإخوانه وأحباؤه، لا يأخذهم في متابعته ملام اللائمين، ولا يتركون قوله لقول أحد من العالمين، ولا يتقدمون بين يدي الله ورسوله ﷺ، لا يتكلمون في دينه إلا لابتغاء مرضاته وفي سبيله، فنهجه قبلتهم، وغايتهم ربهم، وغاية مطلوبهم حوائجهم ومقصودهم.

قال: فحوله يدورون، وبها يأتمون، وعليها يحومون، وإياها يتطلبون، ولها ينتصرون، وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: 285]، وأولئك هم المفلحون. فلذلك نشر الله لهم ألوية الثناء بين العالمين، وجعل لهم لسان صدق في الآخرين، وأحيا ذكرهم وإن كانوا في الأصل أمواتا معدودين، فهم كالشمس للدنيا، والعافية للناس، والغيث للأرض، وهم أولو التجارة الرابحة التي لا تبور يوم العرض، وهم المستقيمون المقيمون لمن انحرف عن الصراط المستقيم، والداعون بإذن الله إلى المنهج القويم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

إذا بدأ رحمه الله عليه ببيان فضل العلماء الأقدمين -رضوان الله تعالى عليهم- والثناء عليهم، وأنهم نجوم الهدى، وأنهم الذين يهتدى بهم في الفلوات، وإن منهج العلماء الأقدمين هو التمسك بالكتاب والسنة، وإن اختلفت أفهامهم ونظرهم في نصوص الكتاب والسنة ومناهجهم في التلقي منها، لكن ما يشترك به العلماء والأئمة السادة الأربعة -رضوان الله عليهم- أنهم جميعا يدورون حول الكتاب والسنة، وكل له زاوية نظره وله طريقة فهمه، والله الهادي إلى الصواب.

قال رحمه الله: فصل، ولله تعالى الخيرة في خلقه، فهو يخلق ما يشاء ولله الخيرة؛ يعني الله يختار من خلقه من يشاء، ويجتبي من عباده من يشاء، فيجعلهم رفعة أو يرفعهم على غيرهم. قال: فاختار آدم وذريته على العالمين، ثم اختار منهم النبيين والمرسلين، ثم اختار من بينهم سيد ولد آدم أجمعين، ثم اختار لهم أصحابا فضلهم على سائر المؤمنين، ثم اختارهم ورثة وخلفاء، جعلهم خير التابعين، ورفع منهم أقواما على من سواهم من العالمين.

فمنهم الأئمة الأربعة أئمة الإسلام. فإذا كان هذا الوصف العام لا يختص فقط بعلماء المذاهب الأربعة، بل هو في جملة علماء السلف -رضوان الله تعالى عليهم- كسفيان والثوري والأوزاعي وابن المبارك وغيرهم من العلماء الكبار، لكن لأن موضوع الكتاب الأئمة الأربعة بالتحديد، سيبدأ الآن يخصص الحديث عنهم، وإلا فهذا الوصف الذي ذكره وصف عام لجلة علماء السلف، ولا يختص فقط بأرباب المذاهب الأربعة المتبوعة.

قال: أئمة الإسلام وسرج الأنام، الذين شهرت فتاواهم وأقوالهم في الآفاق، ووقع على إمامتهم من الناس الاتفاق، وطبق ذكرهم البلاد والأمصار، وسار علمهم مسير الشمس في الأقطار، وما ذلك إلا لسراء علمهم، منهم عالم خفيات الأسرار، ولله في خلقه خواص خصهم بها وقدرها. شوف كيف هنا بدأ يدخل في تزكيتهم وبيان أن الله عز وجل اختارهم لعلمه بصفاء سريرتهم سبحانه وتعالى ولما لهم من المقامات الرفيعة.

قال: فلذلك وقع الاختيار على ذكر طرف من مناقبهم وسيرتهم، إذ بالاطلاع على ذلك تعلو من العبد الهمة، ويترشح بمتابعتهم والاقتداء بهم لحصول النعمة. ما فائدة تصنيف مثل هذا الكتاب؟ لماذا نحتاج أن نقرأ في سير العلماء عموما وفي سير أصحاب المذاهب المتبوعة؟ قال: إذ بالاطلاع على ذلك، إذا قرأت في كتب المناقب وكتب السير للعلماء، أولا: تعلو الهمة؛ فعندما تنظر -أخواني إذا فترت همتك فاقرأ في سير أصحاب الهمم العالية ترتقي همتك وتتجدد لك الروح من جديد- فبالاطلاع على ذلك تعلو من العبد الهمة، ويترشح بمتابعتهم والاقتداء بهم في سيرهم ومسلكهم إلى حصول النعمة، وهي نعمة الهداية لله عز وجل.

قال: وعند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة. ويكفي إذا ذكر الصالحون أن الرحمات تتنزل عند ذكرهم، قالوا: «إذا ذكر الصالحون تتنزل الرحمات»، فنحن نذكر هؤلاء وسيرهم رجاء نزول الرحمات والبركات في هذا المجلس المبارك. قال: وذكرتهم على ترتيب أزمانهم وأوقاتهم، مقدما للأسبق فأسبق، والله سبحانه المسؤول أن يجعل عملنا كله صالحا ولوجهه، إنه خير مسؤول وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

قال: فأول هؤلاء الأئمة المذكورين، وأقربهم زمنا إلى سيد المرسلين، الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي الكوفي، أحد الأئمة الأعلام وفقيه أهل العراق. أدرك جماعة من أصحاب النبي ﷺ، وراى أنس بن مالك. هذه مسألة اختلف فيها المؤرخون، هل الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى عليه هل هو تابعي أم تابع تابعي؟ يعني هل رأى أحد الصحابة أو لم يره؟ هذا وقع فيه خلاف بين المؤرخين؛ فبعضهم قال إنه شاهد أنس بن مالك وبعض الصحابة المتأخرين الذين طال عمرهم، والبعض يقول لا، لم يثبت ذلك بسند صحيح أنه رأى أحد الصحابة بعينه. وبالتالي ستجدون هنا ابن عبد الهادي يرجح أنه تابعي، لكن في كتب أخرى ستردون يقول إنه لم يثبت ذلك، فهي مسألة خلافية، ولكن على الأقل هو من تابع التابعين، وهو بالتأكيد كان حيا عندما كان بعض الصحابة أحياء لأنه ولد سنة 80 هجرية، وأنس بن مالك وغيره من الصحابة ماتوا بعد ذلك.

فهو بالتأكيد عاصر عصر متأخري الصحابة، لكن هل رآهم أو لم يرهم هذه مسألة خلافية. قال: ورأى أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ وصاحبه غير مرة لما قدم عليهم الكوفة، وروى عن جماعة من سادات التابعين وأئمتهم كعطاء.

انظروا من هم شيوخه لتعرفوا جلال قدر هذا العالم اليوم. أولا: عطاء بن أبي رباح، إمام مكة وفقيهها ومحدثها. قال: وعامر بن شراحيل الهمداني الشعبي الكوفي، علامة الإمام الشعبي من شيوخه، وكلهم علماء سلف.

قال: وأبو إسحاق السبيعي الكوفي، أحد الأئمة الأثبات المتفق على النقل عنه في كتب السنة. قال: والحكم بن عتيبة الكوفي، أحد الفقهاء الحفاظ. وحماد بن أبي سليمان، أبو إسماعيل الكوفي، أحد أئمة الفقهاء، وهذا هو شيخه في الفقه، حماد بن أبي سليمان هو شيخه المعروف به وتخرج عليه في الفقه.

قال: وأبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي البصري، الحافظ أحد أئمة التفسير. وأبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي المدني، أحد الأعلام وسيد بني هاشم في زمانه. وأبي عبد الله محمد بن المنكدر القرشي التيمي المدني، أحد العلماء العاملين والأئمة الصادقين.

وأبي بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب القرشي الزهري من شيوخه، ابن شهاب الزهري رحمه الله عليه، قال: المدني سيد الحفاظ وفارس المعاني والألفاظ. وأبي عبد الله عكرمة مولى ابن عباس المدني، أحد علماء التابعين وأئمة المفسرين. وأبي عبد الله نافع مولى ابن عمر المدني، أحد الحفاظ المبرزين والأثبات المتقنين.

وأبي سعيد يحيى بن سعيد الأنصاري البخاري المدني، قاضي المدينة، الإمام الحافظ الثقة الركن الأمين صاحب أنس بن مالك رضي الله عنه وسلم. وابن كحيل الحضرمي الكوفي، صاحب أبي جحيفة صاحب رسول الله ﷺ؛ إذ هو تلميذ لأصحاب الأصحاب، يعني تلميذ لعلماء كانوا ملازمين للصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فانظر قرب المسافة، يعني إذا لم يكن تابعي على الأقل، فهو ملامس للصحابة الكرام ملامسة شديدة واضحة بينها من خلال تلمذه على تلاميذ الصحابة المباشرين.

قال: أحد ثقات الكوفيين الأذكياء الأثبات المتقنين، وقد روى الإمام أبو حنيفة عن جماعة كثيرين غير هؤلاء. إذن هؤلاء شيوخه، وهذا أول مؤشر يعطيك عن طبيعة هذا الشخص؛ هذا الإمام العظيم لم يتربى على يد المعتزلة، ولا على يد الجهم بن صفوان، ولا على يد قطاع طرق، وإنما تربى على يد جلة من العلماء الأفذاذ الكبار في الفقه والحديث والعقيدة والديانة.

ننظر الآن في تلاميذه؛ قال: وروى عنه خلائق كثيرون من أئمة الفقهاء وحفاظ الأثر. فممن روى عنه الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام، قدوة الزاهدين، أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك الحنظلي المروزي، وهذا من أبرز تلاميذه، عبد الله بن المبارك الإمام المجاهد الفقيه.

قال: والإمام الحافظ علامة الإسلام أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي الكوفي؛ وهو أكبر من أتى، أحد متفق على الرواية عنهم. قال: والإمام الرباني القانئ لله، شيخ الإسلام أبو علي الفضيل بن عياض التميمي اليربوعي المروزي، شيخ الحرم الفضيل بن عياض.

قال: والقاضي الإمام العلامة فقيه العراقين أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وهذا معروف، هو أبرز تلاميذه أبو يوسف القاضي، أحد شيوخ الإمام أحمد. ويحيى بن معين، أحد أصحاب الإمام، يحيى بن معين الإمام المحدث المعروف بالجرح والتعديل، هو أحد أيضا ممن نقل عن أبي حنيفة ومدحه.

قال: والفقيه الإمام الثقة المأمون أبو الهذيل زفر بن الهذيل العنبري البصري، أحد أئمة الفقهاء. والقاضي الإمام العلامة فقيه العراق أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، أحد شيوخ الإمام؛ وهذا معروف أنه من تلاميذ محمد بن الحسن الشيباني، وهو الثالث في المذهب، يعني هو أبو حنيفة، ثم أبو يوسف، ثم محمد بن الحسن، هؤلاء الثلاثة هم أسياد المذهب الحنفي.

قال: والإمام القدوة الحافظ الثقة المأمون أبو عمر عيسى بن يونس الكوفي. والإمام القدوة الحافظ ياقوتة العلماء وشيخ الجزيرة أبو مسعود المعافى بن عمران الأزدي الموصلي. والإمام الحافظ الثقة المأمون الرضا أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني البصري، النبي الأحد من كبار شيوخ البخاري. والثقة الحافظ الكبير أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، شيخ الإمام أحمد وإسحاق.

إذن لأحد الأسماء الكبيرة التي تروي عن أبي حنيفة؛ هل يعقل الرجل يكون فاسد العقيدة، فاسد الطريقة، يروي عنه كبار أهل العلم في زمانه؟ وأحيانا في التركيبة العقلية يحتاج إلى إعادة تنظيم عند بعضهم؛ هل يعقل أن هؤلاء رأوا من إشكالاته الفكرية والعقدية ومع ذلك يروون عنه؟ أنت تتحدث عن عبد الرزاق ويحيى بن معين وكبار أهل الزمان يأخذون عن هذا الرجل ويتعلمون منه.

طبعا هذا لا يعني، مثلا عبد الله بن المبارك من تلاميذه وذكر شيئا من انتقال دعواه لأبي حنيفة التي ذكرها الخطيب البغدادي، وبعضهم انتقد في بعض الأمور، لكن في النهاية هو تتلمذ على يديه وتعلم وتخرج منه. فهذه من الأسباب التي تجعلني أقول لما ابن تيمية وابن عبد البر والعلماء الكبار المتأخرون لما نظروا في هذا الجيل الذي تعلم على يديه، هذا بحد ذاته يعطيك ماذا؟ على الأقل إذا أنت صاحب ورع وتقوى يعطيك مؤشرا أنه لا بد أن تقف.

حتى لو أنت مش مقتنع بإمام، يعطيك مؤشرا أنه لا بد أن تقف قليلا وتتريث؛ لأن الرجل الذي تتلمذ على يديه وروى عنه ليس مجموعة من الضلال والأشاعرة والمبتدعة، بل روى عن كبار أهل الحديث وكبار العلماء في زمانه وكبار المحققين الذين كانوا ينتقدون الرجال نقدا كبيرا. أنتم تعرفون يحيى بن معين أصلا، هو يعتبر متشددا في الجرح والتعديل، في طبقات المعدلين والمجرحين، يحيى بن معين يعتبر من المتشددين، ليس شخصا سهلا في هذا وليس من المتوسطين، ومع ذلك يروي عن أبي حنيفة النعمان ويثني عليه.

أنت الآن هنا لما تقرأ الكلام ستبدأ تتشكل لديك صورة؛ أنه من كان عنده هذه المناقب ومن كانت عنده هذه الأحوال يستحق على الأقل مني أن أتوقف. هذا هو الحد الأدنى المتوقع منك أن تتوقف ورعا، تقول أخي والله ورعا، هذه أسماء كبيرة، لا يمكن أن تأخذ من شخص مبتدع ضال فاسد، لا يمكن أن يكون هذا حالهم. فعلى الأقل ورعا تقف، أما إذا الورع لم يقد إلى الوقوف فهذا يعني أنك تعاني من شيء في النفس.

المسألة عندك مسألة علمية، لأن ابن تيمية قرأ هذا فتوقف ابن عبد البر وغيرهم من الأسماء التي ذكرتها؛ لماذا هم يتوقفون وأنت لا تتوقف؟ هذا هو سؤالي. لماذا هم يتوقفون وأنت لا تتوقف؟

هم لم يتوقفوا بل مدحوا، بس أنا بدي أقول لك اعتبرهم توقفوا. ما الذي يمنعك أن تتوقف؟ فأعود فأقول: التربية والتنشئة التي نشأت عليها خانتك ولم تعلمك الورع في مقام العلماء الكبار.

قال الصنعاني: شيخ الإمام أحمد وإسحاق وابن المديني وابن معين، والحافظ الثبت العدل الرضا المأمون، أبو نعيم الفضل بن دكين الكوفي الملائي التاجر، أحد شيوخ الإمام أحمد والبخاري. والإمام الصادق الثبت الحجة، شيخ الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري الكوفي. والإمام الحافظ الثبت الفقيه محدث العراق، أبو سفيان وكيع بن الجراح الرواسي الكوفي، أحد شيوخ الأئمة الأعلام أحمد وإسحاق وابن المديني وابن معين. والإمام الحافظ القانئ لله، شيخ الإسلام أبو خالد يزيد بن هارون الواسطي، أحد شيوخ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. والحافظ الكبير الصادق الأمين أبو معاوية هشيم بن بشير الواسطي نزيل بغداد، أحد شيوخ الإمام أحمد. والإمام المحدث الثقة النبيل السمح الجواد أبو حمزة محمد بن ميمون السكري المروزي، شيخ خراسان. والإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأنصاري، شيخ شيخ البصرة وقاضيها، وأحد شيوخ الإمام أحمد والبخاري. والإمام أبو عمارة حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، أحد الأئمة السبعة القراء المعروف، صاحب إحدى القراءات السبع.

قال: والإمام العارف الفقيه الزاهد أبو سليمان داود بن نصر الطائي، قال: وقد روى عن الإمام أبي حنيفة خلائق، وغير هؤلاء من الفقهاء والحفاظ. وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: «من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة». هذه شهادة الإمام الشافعي في أبي حنيفة النعمان؛ يعني كل من أراد أن يتبحر في الفقه لابد وأن يقف على مذهب أبي حنيفة، فالناس عيال عليه في الفقه.

قال: وقال أيضًا: «ما طلب أحد الفقه إلا كان عيالاً على أبي حنيفة». وعن أبي وهب قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: «رأيت أعبد الناس، ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس، ورأيت أفقه الناس؛ فأما أعبد الناس فعبد العزيز بن أبي رواد، وأما أورع الناس فـ...».

وقد انتقد الخطيب البغدادي بعض الأمور على أبي حنيفة، لكن هذا لم يجعله في نفس الوقت يحرب من الثناء على شيخه وأستاذه. ما في شخص فوق الانتقاد، يعني كل واحد قد يؤخذ من قوله ويرد، لكن فرق بين أني أنتقد وبين أن أسقط، هذا فرق كبير بين هذه وهذه.

قال: وعن حامد بن آدم المروزي قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: «ما رأيت أحداً أورع من أبي حنيفة». وعن محمد بن بشر قال: كنت أختلف إلى أبي حنيفة وإلى سفيان، فأتي أبا حنيفة فيقول لي: «من أين جئت؟» فأقول: من عند سفيان، فيقول: «لقد جئت من عند رجل لو أن علقمة والأسود حضرا لاحتاج إلى مثله». لأن سفيان رأس في الحديث، وعلقمة والأسود وهما من شيوخ أبي حنيفة لم يأخذوا من الحديث ما أخذه سفيان.

قال: فأتي سفيان فيقول: «من أين جئت؟» فأقول: من عند أبي حنيفة، فيقول: «لقد جئت من عند أفقه أهل الأرض مع سفيان الثوري». وممن نقل عنه أنه انتقد أبا حنيفة في بعض الأمور انتقادًا لاذعًا، لكن مع ذلك يروى عنه عبارات أخرى تدل على أنه يحترم فقه هذا الرجل وعقليته.

قال: وعن شداد بن حكيم قال: «ما رأيت ألِمَّ من أبي حنيفة». وعن مكي بن إبراهيم أنه ذكر أبا حنيفة فقال: «كان أعلم أهل زمانه». وعن مسعد بن كتام قال: أتيت أبا حنيفة في مسجده فرأيته يصلي الغداة، ثم يجلس يعلم الناس العلم إلى الظهر، ثم يصلي ويجلس للناس طول نهاره إلى العشاء. فقلت في نفسي: متى يتفرغ هذا للعبادة؟ فتعاهدته، فلما كان الليل انتصب في المسجد قائمًا.

كان هذا الرجل من الفجر إلى العشاء يدرس، فقال: هذا الرجل متى يتعبد لله ما دام منشغل بالتدريس من الفجر إلى العشاء؟ فقال: أرأم الليل عبادته. فلما كان الليل انتصب في المسجد قائمًا إلى الصباح، فصلى الفجر ثم جلس للناس إلى العشاء، ثم فعل في الليلة الآتية كفعله في الماضية، ثم تعاهدته ففعل ذلك أيامًا كثيرة. والمسعر، وهو راوي هذه الحكاية لشدة ملازمته لأبي حنيفة، مات في مسجد أبي حنيفة وهو ساجد.

وعن أبي يوسف أنه قال: قال لي هارون الرشيد: «صف لي أبا حنيفة». وطبعًا أبو يوسف كان قاضيًا لهارون الرشيد في خلافته، وهو تلميذ أبي حنيفة. وهنا فكرة أيضًا؛ أن الطعن في أبي حنيفة هو بشكل عام طعن في الطبقة الأولى من تلامذته، أنهم تلقوا العلم عن شخص ضال فتاكل لا يستحق أن يطلب منه العلم. يعني أنت تطعن في أبي حنيفة، أنت تطعن في أبي يوسف، شيخ الإمام أحمد بن حنبل، وتطعن في محمد بن الحسن الشيباني الذي تتلمذ على يد مالك بن أنس. أنت في دائرة لو فكرت فيها عندما تتكلم ستجد أنك لا تطعن فقط في شخص، أنت تطعن في أئمة تعلموا على يد هذا الشخص.

قال: فقلت: «كان والله شديد الذب عن محارم الله، طويل الصمت، دائم الفكر، لم يكن مهد ولا ثرثارًا، صائنًا لدينه ونفسه، مشتغلاً بما هو فيه عن الناس، لا يذكر أحدًا إلا بخير». فقال هارون: «هذه والله أخلاق الصالحين».

وعن ابن المبارك قال: قلت لسفيان الثوري: «ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة! ما سمعته يغتاب عدوًا له قط». فقال سفيان: «هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها جميل، لأنك إذا اغتبت شخصًا ضيعت حسناتك، فهو أعقل من أن يضيع حسناته بغيبة مخالفة».

وروى الحافظ أبو بشر بإسناده عن ابن المبارك عن سفيان الثوري قال: «كان أبو حنيفة شديد الأخذ...»

للعلم، أبو حنيفة رحمه الله لا يستحل ما حرم الله عز وجل، بل يأخذ بما صح عنده من الأحاديث التي يحملها الثقات، وهذه قضية مهمة؛ هذا النقل يأخذ بما صح عنده من الأحاديث، فما يرمي به البعض الإمام أبا حنيفة من أنه لا يلتفت إلى الحديث هو كذب وعدم دراية بسيرة الرجل وتاريخه. الرجل كان له منهج في نقد الحديث ومعرفة صحيحه وضعيفه يختلف عن غيره، وهذا معروف، لكن أن يقال إن الرجل لم يكن مهتمًا بالحديث، فهذا نوع نشأ عند بعضهم.

قال: بما صح عنده من الأحاديث التي حملها الثقات، وبالأثر من فعل رسول الله ﷺ. وعن أسد بن عمر قال: صلى أبو حنيفة فيما حفظ عليه صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، فكان عامه الليل يقرأ جميع القرآن، ما أدري إذا في شيء من المبالغة أو لا، لكن يقول إنه كان يصلي الفجر فيحافظ على وضوئه حتى صلاة العشاء أربعين سنة، يعني ما يحتاج أن يتوضأ خلال اليوم، دلالة انهمامه وانشغاله بالدرس والبقاء في المسجد. قال: فكان عامه الليل يقرأ جميع القرآن في ركعة واحدة، وكان يسبح بكاءً بالليل حتى يرحمه جيرانه، وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة.

وعن أبي يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلًا يقول لرجل: «هذا أبو حنيفة لا ينام الليل»، فقال أبو حنيفة: «والله لا يتحدث عني بما لم أفعل». فكان يحيي الليل صلاة. جميلة هذه القصة؛ يعني كان أبو حنيفة يمشي مع تلميذه فمر في طريق عام فأشار إليه بعض الناس: «هذا أبو حنيفة الذي لا ينام الليل قائماً». طبعًا أبو حنيفة لما وقعت هذه القصة ما كان يفعل ذلك، فاستحى أن الناس تمدحه في شيء ليس فيه.

بتعرف، مثلًا بيجي واحد بيقول: «والله ما شاء الله أخونا الشيخ يختم القرآن كل سبعة أيام»، هو يقول: «لا أنا ما بختم القرآن كل سبعة أيام»، لكنه لما خلص الناس عرفت عنه هذه المعلومة. أنت أحد رجلين: يا إما أن تنبسط بمدح الناس بما ليس فيك وتبقيها على الناس، يا إما تعلو همتك كما عادت همة أبي حنيفة، فتقول: ما دام الناس تمدحني بشيء وهو ليس فيّ، فعلى الأقل اجعله فيّ، فأصبح مثل هذه الحالة؛ فلما مُدح أنه لا ينام الليل وهو لم يكن كذلك علت همته، فقال: «والله لا يتحدث عني بما لم أفعل». يعني الناس تمدحني بشيء لا يوجد فيّ، فهذا رياء، فخشي على نفسه، فقال: على الأقل أقوم الليل حتى إذا مُدح بهذا يكون صدقًا واقعًا، أنني فعلاً لا أنام الليل. قال: فكان يحيي الليل صلاة ودعاء وتضرعًا.

قال: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول وذكر أبا حنيفة: «كان والله عظيم الأمانة». وسفيان بن عيينة قال: «لم ترَ عيني مثل أبي حنيفة»، وسفيان بن عيينة وهو أحد كبار المحدثين يقول: «لم ترَ عيني مثل أبي حنيفة». قال: وعن أبي يحيى الحماني قال: «ما رأيت رجلًا خيرًا من أبي حنيفة». وعن أبي بكر بن عياش أنه قال: «أبو حنيفة أفضل أهل زمانه». وعن ابن عيينة قال: «كان أبو حنيفة أكثر الناس صلاة، وأعظمهم أمانة، وأحسنهم مروءة».

وعن شريك بن عبد الله القاضي قال: «كان أبو حنيفة طويل الصمت، دائم الفكر، كثير العقل، قليل محادثة الناس». وعن وكيع قال: «كان الحسن بن صالح بن حي يقول: كان أبو حنيفة شديد الخوف لله عز وجل، هائبًا للحرام أن يستحل». وعن ابن فضيل قال: «كان أبو حنيفة معروفًا بالفضل وقلة الكلام». وعن قيس بن الربيع قال: «كان أبو حنيفة ورعًا تقيًا، وكان فضلًا على إخوانه».

وعن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أتينا سفيان بن أبي عروبة فقال: «إنه قد أتتنا هدايا من أبي حنيفة ومن قوم كانوا يهدون إلينا من الكوفة، فلو أصبت منها». يعني أبو حنيفة كان يهدي لإخوانه أيضًا مثل سفيان بن أبي عروبة وهو أحد رواة الحديث المتقنين.

قال: وعن محمد بن جابر قال: «كان أبو حنيفة قليل الكلام إلا عما يسأل عنه، قليل الضحك، كثير الفكر، دائم القطوب». كان دائم القطوب، يعني دائمًا في حالة من القبض، بس ليس المراد أنه معبس أمام وجوه الناس، وإنما دائم الحزن كما يقولون، دائم الفكر. قال: «كان كأنه حديث عهد بمصيبة»، يعني إذا نظرت في وجهه تقول هذا الرجل واقع بمصيبة حديثًا، لكن لا، هو حالته العامة أنه دائمًا في حالة خوف ووجل.

وعن وكيع بن الجراح أنه قال: «ما رأيت أفقه من أبي حنيفة». وعنه قال: «كان أبو حنيفة قد جعل على نفسه أنه لا يحلف بالله تعالى إلا يتصدق بدرهم، فحلف بالله اتفاقًا فتصدق»، أراد أن يربي نفسه فقال: كل يمين أحلف بها بالله أتصدق بدرهم، يريد أن يعود نفسه أنه لا يحلف. فحلف بالله اتفاقًا، يعني عرضًا مصادفة، حلف بالله في يوم من الأيام نسي فتصدق بدرهم. ثم جعل على نفسه أنه متى حلف بالله يتصدق بدينار، فأراد يعاقب نفسه أكثر؛ لأن الدرهم مصنوع من فضة، فقال: خلص، إذا حلفت بالله من يوم وطالع سأتصدق بدينار ذهبي، الدينار من الذهب.

قال: فكان على ذلك، وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها، وكان من منهجه أنه إذا أنفق على عياله مثلاً أنفق عليهم في هذا الشهر مئة دينار، لازم يتصدق أيضًا للفقراء بمئة دينار، أنفق على عائلته مئتين ينفق في سبيل الله مئتين. وقال: وكان إذا اكتسى ثوبًا جديدًا كسب بقدر ثمنه للفقراء والزهاد، وكان إذا وُضع بين يديه طعام رفع منه جزءًا للفقراء والمساكين؛ يعني أي طعام يأكله كان لا بد أن يترك حصة للفقراء والمساكين.

وعنه أنه قال: «كان والله أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان الله في قلبه جليلًا عظيمًا»، وطبعًا وكيع بن الجراح شيخ مالك بن أنس، أحد الذين تتلمذوا على أبي حنيفة. قال: «وكان الله في قلبه جليلًا عظيمًا، يؤثر رضاه على كل شيء، ولو أخذته السيوف في الله تعالى لاحتمل». فرضي الله عنه، رضِي الأبرار، فلقد كان والله منهم. وعن المسعودية قال: «ما رأيت أحسن أمانة من أبي حنيفة، مات وعنده ودائع بألف، ما ضاع منها دينار ولا درهم»، شدة أمانته. قال: وعن يزيد بن كميت قال: «فتح غلام لأبي حنيفة».

يوما رزمه الخز، فإذا الأحمر والأصفر والأخضر الخز وثياب الحرير. فقال الغلام: نسأل الله الجنة، فبكى أبو حنيفة حتى اختلج صدغه، وأمر بغلق الدكان، وقام مغطى الرأس مسرعًا في مشيته.

فلما كان الغد جلس إليه وقد اصفر، فأطرق طويلا وكان قليل الكلام، ثم التفت إلي وقال: «يا ابن أخي، ما أجرأنا! يقول أحدنا نسأل الله الجنة، إنما يسأل الله الجنة من رضي بنفسه، إنما يريد مثلنا يسأل الله العفو». سبحان الله، إذا أبو حنيفة لما فتح رزمه الحرير وكان فيها ألوان جميلة متعددة، فابن أخيه أو من يشتغل عنده قال: نسأل الله الجنة، يعني تذكر الجنة لما رأى الحرير، فأبو حنيفة تذكر ذنوبه وخطاياه فقال: مثلنا يسأل الله الجنة، مثلنا يسأل الله العفو والستر، ويكفيه ذلك. هذا الذي أثر في قلبه ونفسه.

وعن ابن المبارك قال: «ما رأيت رجلا أحلم من أبي حنيفة ولا أحسن سمتا». وعن مسعد بن كدام أنه ذكر أبا حنيفة فقال: «والله إن كان لفقيها عالما». وعن مالك بن مغول قال: «كان أبو حنيفة بصيرا بالفقه، يقيس ما لم يكن بما كان». يقيس ما لم يكن، يعني الوقائع التي لم تحصل، بما كان، أي بالوقائع التي حصلت؛ يقيس ما لم يحصل من الأمور التي يفترضها على ما كان وحصل زمن النبي ﷺ وزمن الصحابة.

وعن أبي نعيم قال: سمعت علي بن صالح بن حي لما مات أبو حنيفة يقول: «ذهب مفتي العراق، ذهب أفقه أهل الكوفة». وعن محمد بن شجاع قال: سمعت أبا عبد الرحمن المقرئ يقول: «حدثني العالم الفقيه أبو حنيفة». وعن سعيد بن أبي عروبة قال: «كان أبو حنيفة عالم العراق». وعن أحمد بن حرب النيسابوري قال: «كان أبو حنيفة في العلماء كالخليفة في الأمراء». كيف الخليفة لما يكون عنده أمراء، كذلك منزلة أبي حنيفة مع علماء عصره، هو الخليفة وكل العلماء تحته كالأمراء.

وعن يحيى بن آدم قال: سمعت الحسن بن صالح يقول: «كان أبو حنيفة النعمان بن ثابت فها متثبتا، فإذا صح عنده الخ عن رسول الله ﷺ لم يعده إلى غيره». إذا هو رجل متمسك بالسنة. وعن أبي يوسف قال: «ما رأيت أحدا أعلم بتفسير الحديث من أبي حنيفة». وعنه قال: «كان أبو حنيفة إذا وردت عليه مسألة قال: ما عندكم فيها من الآثار؟». فنذكر ما عندنا ويذكر ما عنده، ثم ينظر، فإن كانت الآثار في أحد القولين أكثر أخذ بالأكثر، وإن تساوت أو تقاربت نظر فاختار. فإذا كانت أغلب الأحاديث والآثار عن الصحابة في جانب أحد الرأيين، المرجح عنده هو قول الأكثرية من الصحابة، وإن تساوت هنا يبدأ هو ينظر ويرجح.

وعن أبي يوسف أيضا قال: «كنا نختلف في المسألة فنأتي أبا حنيفة ونسأله، فكانما يخرجها من كمه فيدفعها إلينا». كنا نأتي إلى أبي حنيفة فنسأل عن المسألة العويصة، فما إن نجلس بين يديه حتى يعطينا إياها مباشرة سهلة، كأنه واضعها في كمه أخرجها لنا وقدمها إلينا، وهذا يدل على قوة عقله رضي الله عنه.

وعن أبي يوسف أيضا قال: كنا نختلف في المسألة، وعن نعيم بن حماد قال: سمعت أبا عصمة يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: «ما جاء رسول الله ﷺ فعلناه على الرأس والعينين، وما جاء عن أصحاب رسول الله ﷺ اخترناه، وما كان غير ذلك فنحن رجال وهم رجال». إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ وصح على الرأس والعين لا نتجاوزه، وما جاءنا عن أصحاب النبي ﷺ وفيه خلاف، كأن يقول عبد الله بن عمر شيء، وابن مسعود قال شيء، اخترنا من أقوال الصحابة، وأما ما جاءنا عمن بعدهم فهم رجال ونحن رجال. لماذا؟ لأنه هو أصلا من زمرة التابعين أو تابع التابعين، فبالنسبة له بعض الصحابة هو وما يوجد إلا هو وأقرانه في عصره.

وقد كان أبو حنيفة خزازا يبيع الخز. مشكلة أن هذه العبارة اليوم يقولها طالب لم يتجاوز سنة أولى شريعة يقول لك: «نحن رجال وهم رجال»، هذا أبو حنيفة يقولها، سيدي تمام، أبو حنيفة تلميذ الصحابة أو تلميذ التابعين، يقول نحن رجال وهم رجال، أما طالب سنة أولى شريعة أو خريج بكالوريوس، ما يقول نحن رجال وهم رجال، بل لهم رجال وأنت تلميذ عند الرجال، هذا هو الواقع.

وقد كان أبو حنيفة خزازا يبيع الخز، فروي أن رجلا جاءه -وهذه وظيفته، أي وظيفه أبي حنيفة كان يبيع الحرير والثياب عموما- فقال: «يا أبا حنيفة، قد احتجت إلى ثوب خز»، فقال: «ما لونه؟»، فقال كذا وكذا، قال: «اصبر حتى يقع وأأخذه لك مما دارت». يعني ما كان عنده هذا اللون، فما دارت الجمعة، حتى وقع، يعني لم تدر عليه أسبوع حتى وجد اللون الذي يريده الزبون، فجاءه الرجل فقال له أبو حنيفة: «قد وقعت حاجتك»، ثم أخرج إليه ثوبا فأعجبه، فقال: «اقرأ»، فقال: «يا أبا حنيفة، كم أزن للغلام؟»، فقال: «أزن للغلام»، لأنه قديما لما كانوا يدفعوا الثمن كان لابد أن يتم توزين الدرهم أو الدينار على ميزان حتى يتأكد من أنه الدينار وفق الغرامات المحددة له، فيش في غش أو الدينار وفق الغرامات المحددة له؛ فقديما ليس أنه يدفع نقدي خلص زي ما نحن نعمل اليوم، لا، لازم توزن العملة على ميزان يتأكد من غراماتها، فيقول: والله هذا دينار كامل ما في كسر أو شيء من ذلك.

فقال: «بدرهم»، فقال: «أتهزأ بي؟»، قال: «لا والله، إني اشتريت ثوبين بـ ٢٠ دينارا، فبعت أحدهما بـ ٢٠ دينارا وبقي هذا بدرهم، وما كنت لأربح على صديق فاخذه». يعني هو أصلا سعره درهم وباعه بدرهم، قال: «ما بدي أربح منك»، هذا يدل على حسن أخلاقه.

وروى الدولابي عن محمد بن شجاع قال: سمعت حيان يقول: أتت امرأة أبا حنيفة بثوب تعرضه عليه في السوق، فقال: «بكم تبيعينه؟»، قالت: «بـ ١٠٠ درهم»، قال لها: «هو خير من ذلك، فقولي غير هذا القول». شوف حتى تقواه الله يرضى عنه، جاءت امرأة تريد أن تبيعه ثوبا، فقال لها: «بكم ستبيعين هذا الثوب؟»، قالت له: «والله أبيعه بـ ١٠٠ درهم»، فمن...

تقواه، شاف المرأة مسكينة شكلها درويشة مش عارفة السعر، فقال لا: هذا الثوب أغلى من 100 درهم. لو واحد غيره كان عمل إيه؟ يجيك واحد يعرض عليك تشتري شي وعارف ما يعرف السعر، لكن هو قال لا، الأمانة؛ السعر أغلى من كذا. فقالت: أوك، أبيعها بـ 200 درهم مع أن هو رادع، فقال لا، هو خير من ذلك. فقالت: بـ 300؟ فقال هو خير من ذلك. قالت: بـ 400 درهم؟ قال هو خير من ذلك، وأنا آخذه بـ 400، يعني خلاص ماشي 400. فأنظر، ديانة الرجل لم يستغل ضعف المرأة وسذاجتها وعدم معرفتها بالسعر.

روى بإسناده عن خالد الملوي قال: جاء رجل إلى أبي حنيفة فقال: أرشدت إليك، تبيعني ثوبين أريدهما لأمي وزوجتي وأحسن بيعًا. فقال له: أي لون تريد؟ فوصف له، فقال: انتظرني جمعتين. إذا قيل جمعة يعني أسبوع، انتظرني جمعتين يعني أسبوعين. قال: فذهب ثم جاء بعد ذلك فدفع إليه ثوبين ودينارًا واحدًا، وقال: إني لم أخسر عليك، إني جعلت لك بضاعة فرزقت من عند الله عز وجل فاحمد.

فقلت له، لما جاء موعد الدفع، الآن أبو حنيفة أعطاه ثوبين، هذا الرجل جاء إلى محل أبي حنيفة بده ثوبين، واحد لزوجته وواحد لأمي، فأبو حنيفة بعد أسبوعين أعطاه الثوبين وأعطاه ربحًا؛ دينارًا. الرجل يقول: يعني المفروض أني أنا أدفع، أنت بتعطيني ثوبين وتربحني عليهم دينارًا ذهبيًا؟ فقال: أي والله، لأنني سبحان الله لما دخلت في موضوعك رزقت في تجارة معينة، يعني موضوعك فتح لي تجارة معينة فربحت منها فحبيت أنك تشاركني في هذا الربح، يعني عقلية مختلفة عن عقلية التجار اليوم. قال: فأعطاه الثوبين والدينار هدية.

قيل له: يا أبا حنيفة، هل ذكرت بينكما معرفة قديمة؟ قال: لا، ألم تسمع إلى قوله: «وأحسن بيعي»؟ الناس تعجبوا من موقف أبي حنيفة أنه أنت أعطيته ثوبين بدلاً من أن تأخذ منه ثمنهما أعطيت عليهم دينارًا، فقالوا: إذاً أكيد في بينك وبينه معرفة قديمة، هذا صاحبك. قال له: والله لا أعرفه، لكن هكذا وجدت المروءة تقتضي. ولأنه قال «أحسن بيعي»، هو هذا المشتري لما أتى قال له: «أرشدت إليك، تبيعني ثوبين أريدهما لأمي وزوجتي وأحسن بيعي»، فأبو حنيفة لأنه صاحب مروءة لما تذكر أنه قال له «أحسن بيعي» أراد أن يريه ما هو الحسن في البيع، فلم يأخذ منه بل أربح.

حدثنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: إذا قال الرجل للرجل «أحسن بيعي» فقد ائتمنه. يعني إذا أنت رحت على بائع وقلت له «أحسن بيعي» يعني أنت وضعت أمانة عنده أنه ما يغشك، هذه العبارة مدلولها عند السلف. فقال: «فلم أكن أبقي من الإحسان شيئًا إلا أتيتُه لتسلم لي أمانتي»، هو استأمن، لكن هذا حال السلف الله يرضى عنهم.

وعن علي بن حفص البزاز قال: كان حفص بن عبد الرحمن شريك أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يجهز عليه، يعني يعطيه بضاعة من أجل أن يبيع. فبعث إليه في رفقة بمتاع، وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيبًا. فأبو حنيفة ود له بضاعة، هم اثنان شركاء، الظاهر أن هذا له مستودع وهذا له مستودع، بس هم شركاء، فأبو حنيفة شحن له بضاعة وقال له: اسمع، ترى البضاعة التي شحنتها لك في ثوب منها عيب، بدك تنتبه ما تبيعه، أو إذا بدك تبيعه بدك تبين عيبه. فقال: إذا بعته فبين العيب.

فباع حفص المتاع ونسي أن يبين، باع هذا الثوب ونسي أن يبين العيب الذي فيه للمشتري. فلما علم أبو حنيفة، تصدق بثمن المتاع كله. فأبو حنيفة طبعًا هو لو استطاع أن يعرف المشتري ذهب إليه، لكن راح المشتري، فلم يأخذ من الربح من هذا الثوب وتصدق بكل ثمنه ديانة.

عن يحيى بن سعيد أنه قال: كنت إذا رأيت أبا حنيفة علمت أنه يتقي الله. وعن علي بن بعض الناس، إذا نظرت في وجههم بدون أن يتكلم عرفت أنه من أهل الصلاح والتقوى. وعن علي بن عاصم أنه قال: لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف أهل الأرض لرجح بهم. وعن محمد بن عبد الله الأنصاري قال: كان أبو حنيفة يتبين عقله في منطقه ومشيه ومدخله ومخرجه، يعني أسلوبه في الحياة، دخولا وخروجًا وصمتًا، يعطيك رجاحة العقل.

وقال القاضي أبو عبد الله الصيمري: حدثنا علي بن الحسن الرازي، قال: حدث محمد بن حسين الزعفراني بإسناده عن حجر بن عبد الجبار قال: ما رأى الناس أكرم مجالسة من أبي حنيفة، ولا أكرمًا لأصحابه. كان يقال إن ذوي الشرق أتم عقولًا من غيرهم، يعني أن الشرق الذي هي العراق وما حولها تسمى الشرق، فكانوا يقولون إن ذوي الشرق أتم عقولًا من غيرهم، يعني في أخلاقهم وسمتهم وسلوكهم.

وروى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: كان لنا جار وكان له بغلان، سمى أحدهما أبا بكر والآخر عمر، فرما هذا رجل من الروافض والعياذ بالله استهزاءً بأبي بكر وعمر، سمى بغلاً له باسم أبي بكر والآخر باسم عمر. فرما ذات ليلة أحدهما فقتله، فأخبر أبو حنيفة، أحد البغلين رمحه، أي رفصه هذا الرافضي فقتله أحد هذين البغلين، رفص هذا الرافضي -عليه من الله ما يستحق- فأخبر أبو حنيفة بذلك، فقال: انظروا البغل الذي رمحه، أكيد هو الذي سماه عمر، فنظروا فكان كذلك. حتى كان عمر رضي الله عنه حاضرًا حتى لما يستهزأ به يقتص لنفسه.

وروى الدولبي بإسناده عن أبي حمزة السكرية قال: سمعت أبا حنيفة يقول: «إذا جاء الحديث الصحيح والإسناد عن النبي ﷺ أخذنا به، وإذا جاء عن الصحابة تخيرنا ولم نخرج من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمنا»، لأنه هو في حكم التابعين. يعني لما أقول لك «وإذا جاء عن التابعين زاحمنا»، أن تفهم هذا السياق لأنه هو تابعي، يعني هو منهم وليس هو شخص أتى بعدهم بعشرة قرون فيقول أنا أزاحم التابعين، حتى إن بعض الشباب يأخذ هذا النص يسقط على نفسه بعد قرون، لا، هو أصلاً من التابعين.

أبو حنيفة، فذلك يزاحم، أو من تابع التابعين لكن في طبقة عليا.

قال: وعن أبي يوسف قال: جاء أبا حنيفة رجل فقال: إني وضعت كتابًا على لسانك إلى فلان، فوَهَبَ لي 4000 درهم. فقال أبو حنيفة: «إن كنتم تنتفعون بهذا فافعلوه». ما معنى هذه القصة؟ يعني قال: كتبت رسالة إلى شخص أريد منه مالًا، فقلت له في الكتاب إنه أبو حنيفة يوصي في عاد، فما وصى أبو حنيفة فيه ولا عشرة، فذاك الرجل لما قرأ الرسالة: «والله هذا توصية من أبي حنيفة»، أعطاه 4000 درهم. فجاء الرجل يعتذر إلى أبي حنيفة، قال: يا أبا حنيفة، أنا كتبت رسالة إلى شخص وذكرت اسمك أنه أنت توصي في عاد، وأنت ما وصيت في شيء حتى يعطيني مالًا. فأبو حنيفة سامحه وقال: «إن كنتم تنتفعون بهذا فافعلوا»، يعني خلاص، أي شخص يريد أن يأخذ قرضًا ويسجل اسمي أنه أنا أوصي به، يوصي، ما عندي مشكلة.

قال: وعن سهل بن مزاحم قال: كان أبو حنيفة كثير التفضل على إخوانه، بأدلا لهم عرضهم، وكان يقول: «اللهم من ضاق صدره بنا، فإن قلوبنا قد اتسعت له». هذا من حسن أخلاقه؛ يعني حتى لو سببته وشتمته هو يسامحك على هذا، بأدلا لهم عرضهم، يعني لو شتم وسب فهو يسامح.

قال: وعن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: «لا تسألني عن أمر الدين وأنا ماشٍ، ولا قائم، ولا متكئ، فإن هذه الأماكن لا يجتمع فيها عقل الرجل». ولذلك كان العلماء يستحبون إذا سئل العالم؛ لا يُسأل العالم إلا وهو جالس مستعد للسؤال، ولا يصح للمستفتين؛ لأن الشيخ في هذه الساعات ما يكون عقله مجتمعًا، خلاص هو مستعجل، لا تستفتِ؛ لأنه ممكن يعطيك جوابًا غير دقيق. الشيخ لا يُسأل إلا وهو في حالة كمان.

قال: وعنه أنه قال: كان أبو حنيفة ربعًا من الرجال، يعني متوسط الطول، قال: «ليس بالقصير ولا بالطويل»، وكان أحسن الناس منطقًا، وأحلاهم نغمة، حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الرائحة.

سريعًا إلى مواساة الإخوان، وقد روي أن أبا حنيفة ختم القرآن في الكعبة، وأنه كان يقوم الليل يرددها وهي: ﴿فَمِنَ اللَّهِ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: 49]. وأنه كان ينشد دائمًا: «كفى حزنًا أن لا حياة هنية، ولا عمل يرضى به الله صالح».

وروي عنه أنه كان إذا بلغه عن رجل أنه نال منه، بعث إليه برفق وقال: «غفر الله لك يا أخي، وكلتك إلى من يعلم مني خلاف ما قلت». يعني كان إذا شُتم أو ذُكر بسوء يقول لمن شتمه: «غفر الله لك، وكلت أمرك إلى من يعلم مني خلاف ما قلت».

قال: وعن يوسف السمتي قال: أجاز أبو جعفر أبا حنيفة بـ 3 آلاف درهم. أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي أراد أن يعطي هدية لأبي حنيفة، وقديماً كان الخلفاء إذا أرادوا أن يضبطوا أحد المشايخ والعلماء أعطوه مبلغًا من المال. فأبو جعفر المنصور أراد أن يعطي أبا حنيفة 3000 درهم فضة في دفعات، فلما قدم عليه ببغداد فقال: «يا أمير المؤمنين، إني غريب ببغداد وليس لي منزل، فاجعلها في بيت المال». أبو حنيفة لا يريد أن يأخذ، فقال له: «أنا ما عندي بيت في بغداد، أنا من سكان الكوفة، ما عندي بيت في بغداد، فخلص ضعها في بيت مال المسلمين، فإذا خرجت من بغداد باتجاه الكوفة أخذتها معي وأنا ذاهب للكوفة».

قال: فأجابه أبو جعفر إلى ذلك. فلما مات أبو حنيفة أخرجت ودائع الناس من بيته، فقال أبو جعفر: «خدعنا أبا حنيفة». والظاهر أن أبا حنيفة كان له بيت في بغداد بشكل من الأشكال، وكانت فيه ودائع، يعني واضح أنه كان له مخزن في بغداد؛ هو قال: «ما عندنا بيت»، ماذا قصد بالبيت؟ هو تورية، ما له مسكن، بس له مكان ينزل فيه كمستودع أو شيء؛ لأنه لما مات في بغداد، قيل أخرجوا فـوجدوا مستودعًا له في بغداد وفيه ودائع أودعها الناس عنده وأمانات. يعني أنت يا أبا حنيفة لما حكيت لأبي جعفر: «أنا خايف تضيع، تحطها في بيت مال المسلمين، آخذها وأنا خارج»، لا، أنت عندك مستودع في بغداد وقادر تحط فيه 3000، بس أنت ما تريد أن تأخذ الـ 3000 وودائع، فأوهمت أبا جعفر المنصور أنه والله ما عندي مكان أضع فيه المال، قال: «ما لنا منزل، فاجعلها في بيت المال»، لكن لما مات أبو حنيفة في بغداد وجدوا أن له مسكنًا وفيه ماذا؟ ودائع للناس. يعني بالعكس، هو يستقبل ودائع الناس ويستأمن عليها، فالفكر أنه لم يقبل خدمة السلاطين.

قال: وروى الدولابي بإسناده عن أبي حنيفة قال: دخلت على أبي جعفر المنصور وعنده عيسى بن موسى، فالتفت إلى عيسى فقال: «هذا عالم الدنيا»، ثم التفت إلي فقال: «يا نعمان، عمن أخذت العلم؟» قلت: «عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود». قال: «هناك العلم، هناك العلم». طبعًا ليس المراد أنه أخذه مباشرة عنهم، وإنما أخذه لأنه مدرسة ابن مسعود أخذها علماء الكوفة كعلقمة وغيرهم ممن تتلمذوا على يد ابن مسعود، ورثوا علم ابن مسعود، وعلقمة أورث النخعي، والنخعي أورث من بعده حتى وصل إلى أبي حنيفة، فهو يقصد أنه من مدرسة هؤلاء الصحابة.

قال: وروي أيضًا عن عبد الله بن داود الخريبي قال: أراد الأعمش الحج فقال: «من ها هنا يذهب؟»، سؤال استفهام. قال: «من ها هنا يذهب إلى أبي حنيفة فيكتب لنا مناسك الحج؟»، يعني الأعمش لأنه محدث وليس فقيهاً أراد أن يتعلم مناسك الحج من الفقيه، فمن اختار أبا حنيفة؟

قال: وروي أيضًا عن حماد بن زيد أنه قال: أردت الحج فأتيت أيوب السختياني أودعه، فقال لي: «بلغني أن فقيه الكوفة يريد الحج»، يعني أبا حنيفة، «فإن لقيته فأقرئه مني السلام»، وهذا أيوب بن أبي تميمة، أحد علماء السلف.

قال: وروي أيضًا عن ابن زكريا بن أبي زائدة قال: «إنما عرف فضل أبي حنيفة من رآه وسمع كلامه». شوف هذا الكلام؛ يعني أبو حنيفة إخواني كان يُنقل عنه حسداً، كما قال ابن عبد البر، يُنقل عنه أقوال لم يقل بها وتصرفات لم يفعلها، وتُنقل عنه حسداً له وإشكاليات بينه وبين بعض الناس. فهنا ماذا يقول يحيى بن زكريا؟ يقول: هذا الرجل من سمع عنه أشياء قد يظلمه ويظن أنه ليس على حاله سوية، لكن من يعرف فضل أبي حنيفة من جلس بين يديه ورآه عياناً، فهذا يعرف.

فضله وصحة مذهب الرجل ومسلكه. قال أبو قاسم السعدي: حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل، قال حدثني القاسم بن غسان القاضي، قال حدثني أبي، قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: دخلت على الحسن بن صالح فرأيته يستعظم حزناً، حدثنا من رجل، ويضحك.

المحقق يقول في الحاشية: إن في هذه القصة إشكالاً، غير واضح، في مشكلة في النسخ أو في المخطوطات. المهم: دخلت على الحسن بن صالح وهو يضحك بسبب شيء حصل في المجلس، فقلت له: سبحان الله يا أبا محمد! قال: سبحان الله يا أبا محمد! تدفن أخاك علياً غدوه وتضحك في آخر النهار؟

تعجبوا منه، يضحك في آخر النهار وهو دافن أخوه في الصباح، لم نكن متوقعين أن يكون عند الواحد نفس ليضحك. فقال: إنه ليس عليّ من بأس، قال: أنا لست خائفاً على أخي الذي دفنته. فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: دخلت عليه صدر نهاره فقلت: يا أخي كيف تجدك؟ دخلت على أخي قبل أن يموت بيوم مثلاً، فقال: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69].

فتركته ساعة ثم قلت: يا أخي كيف تجدك؟ قال: مع الذين أنعم الله عليهم... وعاد الآية إلى آخرها. فقلت: أي أخي، أتقرأ القرآن أم ترى شيئاً؟ قال: بلى، ورفع يده، فقال: ترى ما أرى! هو شاك في أخيه، قال له: يا أخي، أنت تقرأ القرآن ولا ترى شيئاً في سقف الغرفة؟ قال له: لا، أنا أرى في سقف الغرفة الملائكة.

قال: قلت له: فماذا ترى؟ قال: بلى، ورفع يده فقال: هذا نبي الله محمد ﷺ يضحك إلي ويبشرني بالجنة، وهؤلاء الملائكة معه كذلك، بأيديهم حلل السندس والاستبرق وأطباق الطيب، وهؤلاء الحور العين وتحليات متزينات حتى أصير إليهن. فقال هذا وقضى، فقال: هذا وقضى، رحمه الله عليه، فلماذا أحزن عليه وقد صار إلى نعيم؟

قال القاسم: فحدثني -وطبعاً هنا أنا لا أدري حتى مناسبة القصة هنا لقضية أبي حنيفة النعمان- قال القاسم: أكمل، قال: أظن في تكملة القصة الشاهد. قال: فحدثني أبي، قال حدثني أبو نعيم، قال: فلما كان بعد أيام صرت إلى الحسن بن صالح -وأبو نعيم هو نفسه الفضل بن دكين صاحب القصة- فقال لي حين رآني: علمت أني رأيت أخي البارحة في منامي، كأنه صار...

رجع أبو نعيم على الحسن بن صالح، فقال الحسن بن صالح: ترى رأيت أخي في منامي الليلة؟ هذا موطن الشاهد. قال: كأنه صار إلي وعليه ثياب خضر، فقلت له: يا أخي، أليس قد مت؟ قال: بلى. قلت: فما هذه الثياب التي عليك؟ قال: السندس والاستبرق، ولك عندي يا أخي مثلها. قلت: وماذا فعل بك ربك؟ فقال: غفر لي، وباهى بي وأبا حنيفة الملائكة.

هذا موطن الشاهد: باهى بي وأبا حنيفة الملائكة. قال: قلت: أبو حنيفة النعمان بن ثابت؟ قال: نعم. قلت: وأين منزله؟ قال: نحن في أعلى عليين. قال القاسم: وكان أبو نعيم إذا ذكر أبو حنيفة أو ذكر بين يديه يقول: بخ بخ! في أعلى عليين ثم يذكر هذا الحديث.

طبعاً نحن لا نستدل بهذا كدليل بالرؤى والمنامات، لكن هذا يستأنس به. بعض الناس يلومك، يقول: أنت تستدل على فضل أبي حنيفة برؤيا نوم. نحن ليس الدليل بالمعنى العلمي، لكن يستأنس بهذا، أنه رؤي الرجل في حالة حسنة بعد وفاته وفي أعلى عليين؛ فلذلك لعلك أنت تخوض في عرضه اليوم، ويكون هو عند الله سبحانه وتعالى في أعلى عليين، وأنت المسكين الذي تقصر.

قال: وروى ابن حماد الحافظ عن شيخ له سماه عن أحمد بن محمد بن أبي رجاء، قال: سمعت أبي يقول: رأيت محمد بن الحسن في المنام، فقلت: إلى ما؟ محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة. فقلت: إلى ما صرت إليه؟ قال: غفر لي. قلت: بماذا؟ قال: قيل لي: لم نجعل هذا العلم فيك إلا ونحن نغفر لك.

قال: قلت: فما لم يجعل الله هذا العلم فيك؟ شوف ما أجمل هذا! لم يجعلك الله أهلاً للعلم إلا وهو يريد أن يغفر لك، وهذا دلالة أن الإنسان إذا وفقه الله للعلم النافع ونفع الناس به، فهذا من إرادة الله الخير به. قال: قلت: فما فعل أبو يوسف؟ قال: فوقنا بدرجة. قلت: فأبو يوسف الجنة فوقنا بدرجة؟ قال: قلت: فأبو حنيفة؟ قال: في أعلى عليين.

قال: وروي أيضاً عن محمد بن شجاع، قال: سمعت الحسن بن زياد يقول: دخلت أنا وحماد بن أبي حنيفة على داوود بن نصير الطائي، فجرى ذكر شيء، فلما أراد القيام، أخرج حماد من كمه صرة فيها أربعمائة درهم -وحماد هذا ابن أبي حنيفة، لأبي حنيفة ابن اسمه حماد وهو من أهل العلم عموماً-. فهذا حماد أخرج من كمه صرة مال فيها أربعمائة درهم، فقال له: يا أبا سليمان، خذ هذه فانتفع بها، فقد بلغني ما أنت فيه من الضيق، وقد عرفت ما بيني وبينك من الصداقة.

فقال له داوود: ما بي إليها حاجة. فقال له حماد: إنها ليست مما كسبت، إنها من ميراثي عن أبي حنيفة، يعني هذه ليست مما تعبت حتى جئت بها، ترى هذه ميراث من والدي. فقال له داوود: هذه من ميراثك عن أبي حنيفة، وجعل يردد الكلام كالمتعجب من طيبها، وقال: ولو قبلت شيئاً لقبلتها، وجعل ينظر إليها وإليه بالتعظيم، ولم يقبل منها شيئاً رحمه الله.

وقال مكرم بن أحمد القاضي: حدثنا أحمد بن عبيد الله شهدان المروزي، قال حدثني أبي عن جدي، قال سمعت إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة يقول: إن إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت، ابن النعمان بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار.

يعني هذا نسب أبي حنيفة، حماد بن النعمان، يعني هذا حماد ابن أبي حنيفة له ابن اسمه إسماعيل، فهذا إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، فهو إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت، ابن النعمان بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار. هل أجداد أبي حنيفة كانوا عبيداً لما فتحت فارس؟ قيل أصله ليس من العراق، أصله من في أيام الصحابة الكرام لما فتحوا فارس جلبوا من عند فارس، لكن هل جرى على أجدادهم رق؟

قال: «لا، هم من أبناء فارس الأحرار»، كيف قال؟ قال: «والله ما وقع علينا رقٌّ قط»، يعني أجدادي لم يكونوا عبيدًا قط.

قال: ولد جدي في سنة 80، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب وهو صغير فدعا له. ولد جدي الذي هو أبو حنيفة النعمان في سنة 80 هجرية، قال: فدعا له بالبركة فيهم وفي ذريته، ونحن نرجو من الله أن يكون قد استجاب الله ذلك لعلي بن أبي طالب فينا.

النعمان بن المرزبان أبو ثابت هو الذي أهدى لعلي بن أبي طالب الفالوذج في يوم النيروز، فقال: «نيروز كل يوم». هذا علي بن أبي طالب، وتعرف أن يوم النيروز هو عيد للفرس، حتى اليوم الروافض في إيران يفعلونه أحيانًا، هو عيد للفرس اسمه عيد النيروز. طبعًا نحن ما بنعترف بهذه الأعياد، لكن كان علي بن أبي طالب -إذا الفرس أو بعض من بقي على عاداتهم من المسلمين يفعل هذا العيد وكان يهدى إليه طعام في يومه هذا- يقبله منهم ويقول: «نيروز كل يوم».

يعني لو اليوم هناك عيد، أنت تنكره، لكن في هذا العيد جاءك رجل مثلا من النصارى أو جاءك رجل من المسلمين فهداك طعامًا في يومه، هل هناك مشكلة في قبول هذا الطعام؟ قالوا: ما في مشكلة، حتى علي بن أبي طالب كان يقبل هذا الطعام؛ لأنني واضح أنني أنكر عليك هذا اليوم، أما الطعام فلا يحرم لبدعتهم، يعني الطعام ما دام حلالًا لا يصبح تناوله حرامًا لبدعة عيدكم، يبقى الطعام طعامًا. فكان علي بن أبي طالب كلما حصل يوم النيروز وأتوا له بطعام في عيدهم يقول: «نيروز كل يوم»، يعني كثرنا من هذه الأطعمة. قال: وقيل كان ذلك في المهرجان، فقال: «مهرجان كل يوم».

وعن محمد بن عيسى بن الطباء قال: سمعت روح بن عبادة يقول: كنت عند ابن جريج سنة 150 هـ، وأتاه موت أبي حنيفة فاسترجع وتوجع وقال: «أي علم ذهب!»، قال: ومات فيها ابن جريج. متى توفي أبو حنيفة؟ سنة 150 هجرية.

وقال يعقوب بن شيبة: لم أرهم يختلفون أو يشكون، إن وفاة أبي حنيفة كانت ببغداد في رجب، وقالوا في شعبان سنة 150 في خلافة أبي جعفر المنصور. وكان الواقدي يحكي أنه مات ابن 70 سنة، وروى الدولابي بإسناده عن أبي يوسف قال: مات أبو حنيفة في النصف من شوال سنة 150. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن ابن أبي خيثمة عن يحيى قال: مات سنة 151 هـ. وقال مكي بن إبراهيم البلخي: لقيته بالكوفة وببغداد ومكة سنة 150، وهذه رواية ليست مشهورة، والصحيح أنه مات سنة 150 أو 151.

ومناقبه وفضائله كثيرة، وإنما أشرنا إلى نبذة منها. وقال أحمد بن عبد الله الأسلمي: أحدث الحسن بن يوسف الرجل الصالح: «يوم مات أبو حنيفة صلي عليه ست مرات من كثرة الزحام، آخرهم صلى عليه ابنه حماد، وغسله الحسن بن عمارة ورجل آخر». وقيل إن الناس مكثوا يصلون على قبره 40 يومًا، وقيل 20 يومًا.

وروى الدولابي بإسناده عن عباد التمار قال: رأيت أبا حنيفة في النوم فقلت: يا أبا حنيفة، إلى ما صرت؟ قال: «إلى سعة رحمته»، قلت: بالعلم؟ قال: «فيه للعلم شروط وأفات، قل من ينجو؟»، قلت: فبماذا ذاك؟ قال: «بقول الناس ما لم أكن عليه». هذا يحكي حاله اليوم، المسكين يقول: بماذا أدخله؟ يعني هذه الرؤية، بماذا أدخله الله الجنة لكثرة ما يكذب علي وينسب إلي ما ليس فيَّ، وهذا إلى اليوم مستمر.

وقد روي أن رجلًا جاء إلى أبي حنيفة فنال منه، فبكى أبو حنيفة وقال: «إن الله يعلم مني خلاف ما قلت»، فزع الرجل وقال: «أسألك بالله هلا جعلتني في حل فقد أخطأت»، فازداد بكاء أبي حنيفة وقال: «أنت في حل». سبحان الله!

وقال يعقوب بن شيبة: أملى علي بعض أصحابنا أبيات مدح بها عبد الله بن المبارك أبا حنيفة: رأيت أبا حنيفة كل يوم ... يزيد نبالة ويزيد خيرًا وينطق بالصواب ويصفيه ... إذا ما قال أهل الجور جورًا يقاس من يقاس بلب فمن ذا ... تجعلون له نظيرًا كفانا؟ فقد حماد وكانت مصيبتنا ... به، أمر شيخ حماد بن أبي سليمان

فرد شماتة الأعداء عنا ... وأبدى بعده علمًا كثيرًا رأيت أبا حنيفة حين يؤتى ... ويطلب علمه بحرًا غزيرا إذا ما المشكلات تدافع ... رجال العلم كان بها بصيرا

هكذا انتهى التعليق على سيرة أبي حنيفة النعمان رحمه الله. وهذه سيرة أيها الكرام، بالتأكيد مر عليها العلماء الكبار الأقدمون رضوان الله تعالى عليهم ورأوا فيها، وتجعلك على الأقل -أعود فأقول- تتورع في مقام أبي حنيفة؛ يعني إذا لم يستطب قلبك وبقيت على نفسية أنك لا تريد أو لا تراه شيئًا عظيمًا، وهذا شأنك في النهاية وأنت مخطئ في ذلك بالتأكيد، لكن على الأقل أنك تتورع. معقول كل هذه القصص ليس لها صحة؟ هذه كل هذه القصص والأسانيد وما نُقل، كل هذا لا قيمة له عندك حتى تتورع في أبي حنيفة رضوان الله تعالى عليه.

أريدك أن تفهم قضية؛ لأن البعض يحاول أن ينبش عن كل أسانيد هذه القصص فيحاول أن يقول: هذا الإسناد فيه رجل مجهول، هذا الإسناد فيه كذا، يريد تضعيف كل قصة فيها مدح لأبي حنيفة، نوع من العناد أنه سيثبت لكم أن كل هذه القصص في أسانيدها... يا أخي، أنت إيش اللي متعبك؟ خلها، فيها شيء، رجل مجهول، يا أخي خلها قصة، منها صحيحة ومنها لا، والمدح والرجل أخبار طيبة. لماذا الإصرار على أنه لا بد وأن أثبت لكم أن كل مدح قيل فيه فإما سند فيه مجهول أو فيه كذا؟ يا أخي أنا كإنسان مسلم الأصل في المسلم السلامة، أقول ولعله ولعلها قصة صحيحة. فضلاً، إن تضعيف السند باعتبار وجود مجهول أو شيء، إنما هو باعتبار الظاهر، وإلا فقد يكون في...

الواقع أن القصة صحيحة، فهذا ما يجعل العلماء الذين يفهمون ويعقلون ويعرفون طرق العلم يقولون: الأصل في المؤمن السلامة. وهناك عشرات ومئات النصوص في مدحه، في مقابل نصوص وردت في ذمه وما شابه ذلك، لكن لعل هذه النصوص التي في مدحه يصح منها الكثير، فلماذا لا أتجه نحو مدح الرجل أو على الأقل السكوت ديانة وورع؟

هناك قضية تتعلق بأبي حنيفة -الله يرضى عنه- في زمنه؛ الطريقة الفقهية التي نشأ عليها وربى عليها تلامذته كانت تختلف كثيرا عن طريقة أهل الحجاز ومكة والمدينة. وهذا بحد ذاته دائماً عندما يخرج شيخ بطريقة ومنهج جديد مخالف لمنهج علمي في منطقة أخرى، عادة ما تحصل مناوشات، وعادة ما يصبح الذي ينقل عن تلك المدرسة يبالغ الأمور ويعتدي ويقول أموراً لا تثبت، فتصبح المدرسة الأخرى تنقد أبا حنيفة أو تنقد طريقة العراقيين ويتجاوزون فيها كثيراً.

السلف -رضوان الله تعالى عليهم- خصوصاً مدرسة أهل الحديث كانوا يخشون من شيوع الرأي غير المنضبط؛ فكانوا يشددون على أي فكرة تقوم على التوسع في الرأي وعلى افتراض المحتملات، ويرون أن هذا قد يسبب زهد الناس في الكتاب والسنة. ففي زمنهم كل من خرج بفكره الرأي والحوار والنقاش كانوا يشددون المقالة عليه، كأن يقولوا: «احذروا من أهل المدارس الفرضية»، وذلك حماية للسنة.

لكن إخواني، لما كبرت هذه المدرسة ثم أصلت وضبطت، وأصبح فقه أبي حنيفة ليس رأياً بالأمزجة والأهواء وإنما مبني على قواعد وأصول، وهناك مئات الكتب الأصولية في مذهب أبي حنيفة النعمان التي تضبط رؤية المذهب، وجد العلماء في القرن الثالث والرابع أن هذه مدرسة منضبطة ولها قواعدها وأصولها.

ولذلك، حتى تكون منصفاً، عبر تاريخ العالم الإسلامي نصف العالم الإسلامي على الأقل كان على مذهب أبي حنيفة، حتى الدولة العثمانية التي حكمت العالم الإسلامي كان مذهبها مذهب أبي حنيفة؛ كل بلاد العراق وما وراء النهر، وأذربيجان، وباكستان، وأفغانستان، وخراسان؛ ما كان المذهب الشائع فيها؟ مذهب أبي حنيفة. هذا المذهب حكم العالم الإسلامي شئت أو أبيت طوال الحقبة التاريخية إلى يومنا هذا، وهو حاضر بقوة وأثبت فعاليته ونشاطه ووجوده في حل الكثير من الإشكالات في حياة الأمة، وانضباطه أثبت أنه ليس منهجاً هوائياً كما كان يُتوقع أو كما كان يُخشى في بادئ الأمر لما خرج.

ابن تيمية وابن القيم والذهبي وغير هؤلاء، لما قرأوا النصوص التي فيها الخوف من مدرسة أبي حنيفة عند السلف أو الهجوم عليها أو ما شابه ذلك، وضعوها في سياقها التاريخي. حاولوا أن يقولوا: هؤلاء أهل الحديث في الحجاز أو مالك في المدينة، لماذا ذموا هذه المدرسة؟ كان عندهم تخوفات دعنا نقول إنها مشروعة، لماذا يذم مالك أحياناً مدرسة أهل الرأي؟ تفهم؟ لماذا بعض علماء العراق من المحدثين كانوا يخافون من منطلق أبي حنيفة؟ كانوا يخافون أنه يتوسع بالرأي ولا ينضبط، لكن هذه التخوفات ضمن سياق تاريخي انتهى، وضُبط مذهب أبي حنيفة وأصبحت مدرسة فقهية لها قواعدها وأصولها.

فلما جاء العلماء في القرن الثالث والرابع وما بعد ذلك، فهموا مآخذ ذم أبي حنيفة من السلف. لذلك ابن عبد البر حاول أن يعالج ذلك، قال: بعض مآخذها مبنية على التخوفات، وبعضهم حسداً، هو صرح بذلك ابن عبد البر. وابن عبد البر ليس حنفياً حتى تقول لا ما هو يضبط مذهبه، بل ابن عبد البر مالكي أندلسي، ليس له علاقة بالموضوع، لكنه عنده قدرة على قراءة التاريخ. الإنسان الذي يدرس علم الاجتماع وعلم البشرية عموماً يصبح لديه قدرة وفهم على دراسة حقبة تاريخية معينة وما جرى فيها وسبب الإشكالات.

ليس العلم أن تفتح كتاباً في ذم أبي حنيفة وتقرأ وتقول: "خلص سآخذ بهذا الرأي" وتذهب، لا؛ العلماء الكبار المحققون لما يقرأوا هذه النصوص يضعونها ضمن سياق تاريخي اجتماعي، يضع إحداثيات معينة، يحاول أن يفهم ويحلل ليصل إلى نتيجة. هذا ما فعله الكبار، فوصلوا إلى نتيجة أنه كان في إشكالية في زمن أبي حنيفة بين الأقران والعلماء، والأصل أنها تُطوى ولا تُروى، وإنما يثبت ما ثبت عنه، مثلاً من أُخذ بقول مرجئة الفقهاء أو ما شابه ذلك.

لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسائل قال: «ولم يثبت عن أبي حنيفة فيما يقال عنه شيء إلا ما يُرى في أنه على مذهب مرجئة الفقهاء»، وهي مسألة يسيرة مقابل أمور كثيرة أخرى. قال: هذا الذي ثبت من كل ما ينقل عنه، وأما الباقي فهو قيل وقال. أنا سأسقط قامة علمية كبيرة من أجل قيل وقال؟ فضلاً إن ابن تيمية ألف رسالته «رفع الملام عن الأئمة الأعلام»، والهدف منها -وإن لم يصرح بذلك- الذب عن طريقة أبي حنيفة في الفقه.

هذه الرسالة بالتحديد الهدف منها رفع الملام عن الأئمة الأعلام والذب عن طريقة أبي حنيفة؛ لأن ابن تيمية كان يرى بعض المتعصبين أو المتشدقين يذمون طريقة أبي حنيفة في التفقه، فأراد أن يبين أن الرجل له أعذار، وأن الرجل له طرق في النظر الفقهي تختلف عن طريقكم لكنه ليس صاحب هواء، فألف هذه الرسالة بطريقة ذكية توصل المطلوب منها بدون إشكالات.

فطالب العلم الموفق، أعيد فأقول، هو الذي يسلك درب العلماء المحققين الذين عرفوا كيف يتعاملوا مع تلك النصوص في تلك الحقبة، وأخذوا أنفسهم بمدح هذا الرجل والثناء عليه، وأقل أحوالك أنت تورع. أما أن يأتي شخص يقول عن أبي حنيفة "أبو جيفة" -وهذا من المعاصرين ولا يقول هذه الكلمات- فهذه دلالة عدم ديانة.

إخواني، هذه مباشرة؛ إذا رأيت ولو نسب نفسه إلى العلم، رأيته يشتم أو يسب أو يتنقل في "الميديا" أو على التعليقات، اعلم أن هذا لم يتربَّ أصلاً. هذا يحتاج أن نترك العلم على جنب، تعال أولاً أربيك على الأخلاق السوية والنفسية أن تكون إنساناً متزناً، ثم تدخل على العلم. أما إنسان غير متربٍ ويفقد الأخلاق وحسن الكلام، فهذا إخواني طامة على الأمة. هو طبعاً المسكين يظن أنه هكذا يرفع الراية للإسلام والمسلمين وهو كارثة، هذا النمط من طلاب العلم كارثة؛ والله لو ترك طلب العلم لكان خيراً له، لو انشغل بالدينار والدرهم ولقي الله عز وجل بقيام الليل وصلوات، أفضل له من أن يلقى الله عز وجل بعرض أبي حنيفة أو بعرض العلماء الكبار.

فضلاً أيضاً، من الأمور التي تنقي جانب أبي حنيفة أبو جعفر الطحاوي -رحمه الله عليه-، أبو جعفر الطحاوي حنفي وسنده عند أبي...

أبو حنيفة ما فيش فيه إلا مرحلتين، لما نقل العقيدة الطحاوية ماذا قال في بدايتها؟ "هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي". هكذا قال صحيح، ثم سرد العقيدة الطحاوية.

الإشكال في العقيدة الطحاوية هي قضية إرجاء الفقهاء، يعني لم ينقل عنه الخلق القرآن وأنه أبصر، وكان هذا قول الجهمية والقصص هذه التي تنقل. أليس أبو جعفر الطحاوي ثقة في دينه وثقة في علمه؟ إذا كان أبو جعفر أيضًا لا يعرف مثل أبي حنيفة، وفقط هذا المعاصر هو الجازم برأيه أنه: "لا، كل ما تنقلونه من صلاح أبي حنيفة وعلمه وورعه هذا كله يوضع على جنب، لازم أطعن فيه". إذاً هذه ما عادت مشكلة علمية حتى تناقش، الآن عندك مشكلة نفسية، أنت تحتاج أن تعالج نفسك في التعامل مع العلم ومع العلماء في هذه الميادين.

اقرأ تفضل يا دكتور. نعم، النقطة الأولى، قصة أبو جعفر المنصور. أنا قرأت هذه القصة في سير أعلام النبلاء على نحو آخر، أردت أن نسترشد بها. القصة أن المنصور وهب لأبي حنيفة ٣٠ ألف درهم، وكان يريد أن يتفلت من القضاء، فتعذر بأنه موجود بصفة زائر في بغداد، فليكن في بيت مال المسلمين بين ما أغادر إلى الكوفة، فتركت في بيت مال المسلمين بصفة وديعة. وصف جميل، يعني حساب جاري مديونية.

الآن بعد وفاة أبي حنيفة -رحمه الله عليه- وأبو حنيفة مات في سجن المنصور في بغداد كما قيل، فصار جرد بعد وفاة أبي حنيفة، وجدوا الثلاثمائة ألف درهم الموجودة تحت حساب جاري مديونية باسم أبي حنيفة ليست موجودة في بيت المال، فقال: ضحك علينا أبو حنيفة!

أنا لا أعرف، فهمني صح أم لا؟ هو ضمن السياق الذي تحدث، يعني هو لم يأخذها الله يرضى عنه ولم يتصرف فيها، لكن سياق ابن عبد الهادي أنه وجد لأبي حنيفة كأنه منزل في بغداد أو مسكن وفيه ودائع، يعني كان الناس يضعون عند أبي حنيفة ودائع. أبو حنيفة ماذا أوهم أبا جعفر المنصور؟ أنه خايف أن تروح هذه الأموال لأنه لا يوجد مكان يضعها فيها، فتعذر عن قبولها ابتداءً وقال إذا خرجت أخذها، لكن لما مات أبو حنيفة وجدوا أنه عنده أصلاً يستقبل ودائع الناس ويحرسها لهم. فكيف تحرس ودائع الناس وقادر تستقبلها وخايف على الثلاثين ألف التي سأعطيك إياها أنه لا تجد مكاناً لها؟ فعرف أبو جعفر المنصور أن أبا حنيفة لا يريد أخذها أصلاً، لذلك تركها في بيت المال والله أعلم.

عليك القصة الثانية، استشكلت قصة حنيفة بن حماد لما بول الجد. أبو علي استشهد في سنة ٤٠ للهجرة، وهذه القصة في سنة ٨٠ للهجرة، علي بن أبي طالب استشهد في ٤٠ للهجرة تقريباً، لكنها ليست ٨٠ ميلاد أبو حنيفة.

يا رب، هو أبو حنيفة ولا لأبوه؟ صفحة ٧٦، نعود إلى القصة سريعاً. أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، ولد جدي في سنة ٨٠، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته. فثابت كان صغيراً، فعلي دعا له بالبركة فبورك في ثابت وفي ذرية ثابت، ومنهم نعمان.

قال: وأما ثاني الأئمة المذكورين فالإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمر بن الحارث الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة، وهو حليف عثمان بن عبيد الله التيمي، أخي طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنة.

قال: رأى مالك رحمه الله عطاء بن أبي رباح لما قدم المدينة، إلا مالك بن أنس الإمام الثاني زمنياً وهو إمام دار الهجرة -رضوان الله تعالى عليه-. الآن لاحظ اشتراك مالك مع أبي حنيفة في بعض العلماء والمشايخ مثل عطاء بن أبي رباح، شيخ لأبي حنيفة وشيخ لمالك.

قال: وروى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وإسماعيل بن أبي حكيم، وأيوب السختياني، وثور بن زيد الديلي، وجعفر بن محمد الصادق، وحميد بن قيس المكي الأعرج، وحميد الطويل، وداوود بن الحسين، وداوود بن أبي ليل بن عبد الله، وربيعة الرأي، وزياد بن أبي زياد مولى ابن عياش، وزياد بن سعد، وزيد بن أسلمة، وزيد بن أبي أنيسة، وزيد بن رباح، وسالم أبو النظر، وسعد بن إسحاق بن كعب بن أجرّة، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وسعيد بن عمر بن شرحبيل، وسعيد بن سعد بن عبادة، وسمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسلمة بن دينار أبو حازم، وسهيل بن أبي صالح، وسلمة بن صفوان الزرقي، وسعد بن إسحاق، وشريك بن أبي نمر، وصالح بن أبي كيسان، وصفوان بن سليم، وصيفي مولى ابن أفلح، وضمور بن سعيد المازني، وطلحة بن عبد الملك، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن الفضل، وعبد الله بن جابر بن عتيل، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم، وعبد الله بن دينار، وعبد الله بن يزيد مولى الأسود، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وعبد الرحمن بن قاسم، وعبد الرحمن بن أبي صعصعة، وعبد الله بن عبد الرحمن أبو طوالة، وعبد الله بن سليمان الأغر، وعبد الرحمن بن حارثة الأسلمي، وعبد ربه بن سعيد الأنصاري، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وعبيد الله بن عبد الرحمن، وعبد الكريم الجزري، وعبد الكريم بن أبي المخارق البصري، وعبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، وعطاء الخراساني، وعلقمة بن أبي علقمة، وعمرو بن أبي عمرو، وعمرو بن الحارث بن يعقوب، وعمرو بن مسلم بن عمارة، وعمرو بن يحيى بن عمارة المازني، والعلاء.

بن عبد الرحمن بن يعقوب، الفضيل بن أبي عبد الله، وقطن بن وهب، وكثير بن زيد الأسلمي، وكثير بن فرقد، ومحمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، ومحمد بن عمارة بن عمر بن حزم، ومحمد بن أبي بكر الثقافي، ومحمد بن زيد بن المهاجري، وابن قنفذ، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وأبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، وأبي الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، ومحمد بن عمر بن الحلحل، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن المنكدر، ومحمد بن يحيى بن حبان، ومحمد بن عمر بن عقبة، ومحمد بن أبي بكر بن حزم، ومخرمة بن سليمان، ومسلم بن أبي مريم، والمسور بن رفاعة، وموسى بن أبي تميم، وموسى بن عقبة، وموسى بن ميسرة مولى بني الديل، وعمه أبي سهيل ناف بن مالك، ونافع مولى ابن عمر، ونعيم بن عبد الله المجمر، وهاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وهشام بن عروة، وهلال بن أبي ميمونة، ووهب بن كيسان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن رومان، ويزيد بن أبي زياد مولى عياش، ويزيد بن عبد الله بن خصيفه، ويزيد بن عبد الله بن قسيط، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، ويونس بن يوسف بن حم، وأبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبي بكر بن نافع مولى ابن عمر، وأبي الزبير المكي، وأبي عبيد الحجبي، وسليمان بن عبد الملك، وأبي ليلى عبد الله بن عبد الرحمن بن سالم الأنصاري، وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص وغيرهم. هذا شيوخه، الله يجزاهم الخير، ربما ذكر كل الشيوخ.

وروى عنه، قال: وروى عنه ابن إبراهيم بن طهمان، ومات قبله إبراهيم بن عبد الله بن قريم الأنصاري قاضي المدينة، وإبراهيم بن عمر بن أبي الوزير، وأبو حذافة أحمد بن إسماعيل السهمي وهو آخر من حدث عنه، والإمام أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري، والفقيه أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي، والإمام المرابط أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري، والثقة العابد آدم بن أبي إياس العسقلاني، وإسحاق بن سليمان الرازي أحد علماء الري، وإسحاق بن عيسى بن الطباع البغدادي أحد الثقات، وإسحاق بن الفرات أبو نعيم التجيبي الفقيه قاضي مصر، وإسحاق بن محمد الفروي المدني أحد شيوخ البخاري، وإسحاق بن يوسف الأزرق الوسطي الحافظ، وأسد بن الفرات الفقيه صاحب المسائل المشهورة، وأسد بن موسى الأموي الحافظ المعروف بأسد السنة، وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة أحد الفقهاء، وإسماعيل بن أبي أويس المدني ابن أخت مالك، وإسماعيل بن عياش أبو عتبه الحمصي شيخ أهل الشام، وأشهب بن عبد العزيز المصري أبو عمر الفقيه، وأيوب السختياني وهو إمام البصريين وهو من شيوخه، وأبو عبد الرحمن بشر بن الحكم العبدي النيسابوري أحد الثقات، وبشر بن عمر الزهراني البصري أبو محمد الحافظ، وبشر بن الفضل أحد ثقات البصريين القدماء، وبقية بن الوليد أبو محمد القلاعي محدث الشام، وبهلول بن راشد أبو عمر والفقيه الصالح الأفريقي، وجويرية بنت أسماء الضبعي البصري أحد الثقات القدماء، وحجاج بن محمد المصيصي الأعور أحد الأثبات، وأبو اليمان الحكم النافع أحد الثقات الحمصي، وحماد بن زيد بن درهم أبو إسماعيل الأزدي عالم أهل البصرة، وحماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة إمام أهل البصرة، وحيوة بن شريح المصري شيخ أهل مصر.

ومن أقرانه: خالد بن مخلد القطواني، وأبو الهيثم الشيخ البخاري، وخلف بن أيوب البلخي عالم أهل بلخ ومفتيهم، وخلف بن هشام البزار مقرئ أهل بغداد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني الفقيه، ومن شيوخه روح بن عبادة بن القيسي البصري أحد الثقات، وزهير بن محمد التميمي، وزهير بن عاوية الجعبي. سبحان الله، هذا من الأدب، شوف هذا من روى عنه وهو من شيوخه، ربيع رأى مالكًا مع أنه شيخ لمالك، فما كانوا يجدون غضاضة أن الشيخ يستفيد من طالبه وينقل عنه ويستفيد من علومه.

قال: ومات قبله زياد بن عبد الرحمن الأندلسي الفقيه، وشبطون، وزياد بن أبي أنيسة الرهاوي، ومات قبله بدهر، وسعد بن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري المدني الراوي للموطأ ببغداد، وسعيد بن الحكم بن أبي مريم المصري الحافظ شيخ البخاري، وسعيد بن سليمان الواسطي سعدويه الحافظ، وسعيد بن كثير بن عفير المصري أحد العلماء، وسعيد بن منصور الخرساني الحافظ مؤلف السنن، وسفيان بن سعيد الثوري الحافظ أحد الأعلام ومات قبله، وسفيان بن أبي عمران الهلالي أحد الأئمة، وسعيد بن سعيد الحدثاني أحد من روى عنه الموطأ، وشريك بن عبد الله النخاعي القاضي عالم الكوفة، وشعبة بن الحجاج، وأبو بسطام العتكي الإمام، وهما من أقرانه ومات قبله.

وأبو عاصم الضحاك بن مخلد البصري النبيل أحد كبار شيوخ البخاري، وعبد الله بن إدريس الأودي الكوفي القدوة، والإمام عبد الله بن عبد الحكم المصري الفقيه أحد رواة الموطأ، وعبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن المروزي الإمام الرباني، وعبد الله بن محمد بن أبي جعفر النفيلي الحراني الحافظ، وعبد الله بن مسلم بن قعنب أبو عبد الرحمن القعنبي العادل الرضا، وعبد الله بن نافع الصائغ المدني، وعبد الله بن وهب المصري عالم أهل مصر، وعبد الله بن يوسف التنيسي أحد الأثبات، وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني شيخ أهل دمشق، وعبد الرحمن بن عمر أبو عمر الأوزاعي إمام الشاميين وهو أكبر منه، وعبد الرحمن بن القاسم العتكي المصري الفقيه صاحبه وتلميذه، وعبد الرحمن بن مهدي الحافظ أبو سعيد المصري أحد الأئمة، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني الحافظ محدث اليمن، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أبو الوليد المكي الإمام وهو أكبر منه، وعبد الله بن عمر العمري الإمام وهو من أعد شيوخه، وعثمان بن عمر بن فارس البصري أحد الثقات، وعلي بن الجاعد الجوهري محدث بغداد، وعمرو بن الحارث المصري عالم أهل مصر ومات قبله، وعيسى بن يونس السبيعي أحد الأئمة الأثبات، وأبو نعيم الفضل بن دكين الكوفي الملائي الحافظ، والفضيل بن عياض أبو علي الزاهد شيخ الحرمين، وقيبة بن سيد البلخي أبو رجاء البغلاني محدث خراسان، والليث بن سعد الإمام أبو حارث المصري وهو من أقرانه ونظرائه.

ومحمد بن إدريس أبو عبد الله الشافعي المطالبي الإمام، من تلاميذه محمد بن جعفر البصري الحافظ الثبت، ومحمد بن الحسن أبو عبد الله الشيباني فقيه العراق، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني من أقرانه. ومن أقرانه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل أبو الأسود يتيم عروة، وهو من شيوخه، ومحمد بن المبارك الصوري الدمشقي الثقة المشهور، ومحمد بن مسلم بن شامر الزهري الإمام أحد شيوخه، ومصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيري أحد الأشراف، والمعافى بن عمران الموصلي الإمام ياقوتة العلماء، ومعتمر بن سليمان التيمي عالم أهل البصرة.

ومعن بن عيسى المدني القزاز الحافظ راوي الموطأ، ومكي بن إبراهيم أبو السكن البلخي أحد كبار شيوخ البخاري، ومنصور بن عمار أبو السري الواعظ المشهور، وموسى بن داود الضبي أحد الثقات، وموسى بن طارق أبو قرة الزبيدي صاحب السنن، وموسى بن عقبة صاحب المغازي أحد شيوخه، ونافع بن مالك أبو سهيل الأصبحي عمه وشيخه، ونافع بن أبي نعيم المدني أحد القراء السبعة ومات قبله.

والنضر بن شميل المازني اللغوي عالم أهل مرو، والنعمان بن ثابت أبو حنيفة الكوفي الإمام وهو أكبر منه، وهارون بن محمد بن عبد الله الرشيد العباسي أمير المؤمنين، وهانئ بن المتوكل الإسكندري الفقيه، وهشام بن عبد الملك، وأبو اليد الطيالسي البصري الحافظ، وهشام بن أبي حنيفة النعمان ممن روى عن مالك، وممن روي أنه نقل عن مالك.

وقال هشام عبيد الله الرازي شيخ أهل الري وفقيههم، وهشام بن عمار أبو الوليد السلمي خطيب دمشق وعالمها، وهشيم بن بشير الواسطي الإمام، وهمام بن يحيى العودي البصري ومات قبله بزمان، ووكيع بن الجراح أبو سفيان الرواسي الإمام الثبت، والوليد بن مسلم أبو العباس عالم أهل دمشق، وهبيب بن خالد أحد أئمة البصريين ومات قبله، ويحيى بن آدم الكوفي الحافظ صاحب التصانيف.

ويحيى بن حسان التنيسي أحد شيوخ الشافعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري القاضي أحد التابعين وهو من شيوخه، ويحيى بن سعيد بن فرخ القطان البصري الحافظ شيخ الأئمة، ويحيى بن عبد الله بن بكين المصري الحافظ راوي الموطأ، ويحيى بن قثيم المكي أحد شيوخ البخاري، ويحيى بن محمد ابناه، ويحيى بن يحيى التميمي الخراساني عالم أهل نيسابور، ويحيى بن يحيى الليثي الأندلسي عالم بلاده.

ويزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي المدني وهو من شيوخه، ويزيد بن هارون أبو خالد الواسطي الإمام، ويعقوب بن إبراهيم الأنصاري القاضي العلامة أبو يوسف، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي قارئ أهل البصرة، ويونس بن يزيد الأيلي الثبت وهو أكبر منه، وأبو أسامة الحافظ الكوفي واسمه حماد بن أسامة، وأبو أويس المدني الأصبحي واسمه عبد الله بن عبد الله، وأبو بلان الأشعري الكوفي واسمه مرداس، وروى عنه خلائق كثيرون غير هؤلاء كما ذكرنا.

وقال الإمام أبو عبد الله الشافعي: «إذا جاء الأثر فمالك وابن عيينة القرينان، ولولا مالك وابن عيينة لذهب علم أهل الحجاز». يعني إذا جاء الأثر فمن المميز في نقل السنة مالك، فهو أستاذ كبير، ومالك وابن عيينة مقترنان في نقل السنة.

وقال الفلاس، وسميته عبد الرحمن بن المهدي، يقول: «أئمة الناس في زمانهم أربعة: الثوري بالكوفة، ومالك في الحجاز، والأوزاعي بالشام، ومحمد بن زيد بالبصرة». وقال ابن أبي عمر العدني: «وسُميت الشافعية»، يقول: «مالك معلمي وعنه أخذت العلم». وعن الشافعي قال: «كان مالك إذا شك في حديث طرحه كله».

وقال محمد بن إسحاق الثقفي السراج: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن أصح الأسانيد فقال: «مالك عن نافع عن ابن عمر». يعني أصح الأسانيد في كتب السنة ما رواه مالك عن نافع، وهذا يدل على رسوخ مالك في علم الحديث.

وقال أبو بكر الأعين عن أبي سلمة الخزاعي: «كان مالك بن أنس إذا أراد أن يخرج يحدث، توضأ وضوءه للصلاة ولبس أحسن ثيابه ولبس قلنسوة ومشط لحيته»، فقيل له في ذلك فقال: «أوقر به حديث رسول الله ﷺ». وهذا عموماً في مجلس العلم، أن الإنسان إذا حضر مجلس العلم يتوضأ ويلبس أحسن ثيابه ويتطهر، احتراما لمجلس العلم خاصة إذا كان يذكر فيه حديث النبي ﷺ.

وقال إبراهيم بن المنذر الحزمي عن مان بن عيسى قال: «كان مالك بن أنس إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل وتبخر وتطيب، فإذا رفع أحد صوته في مجلسه زجره». وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2]، فمن رفع صوته عند حديث رسول الله ﷺ فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله ﷺ.

وقال علي بن المديني عن سفيان بن عيينة: «ما كان أشد انتقاد مالك للرجال وعلمه بشأنهم». يعني مالك كان من أئمة الجرح والتعديل، وانتقاد الرجال ليس المراد به الانتقاد الذي نشتغل فيه، بل المراد به أن يعرف الثقات من المجروحين في أسانيد الحديث.

وقال علي أيضاً قيل لسفيان: أيهما كان أحفظ، سفيان أو سالم أبو النضر؟ فقال: «قد روى مالك عنهما»، مما يدل على أنهما ثقتان ما دام مالك روى عن كليهما. وقال علي أيضاً عن حبيب الوراق كاتب مالك: «جعل لي الدراوردي...».

كان لمالك كاتب اسمه حبيب الوراق، جعل له عبد العزيز الدراوردي وابن أبي حازم قصة لطيفة؛ حيث جاء ابن أبي حازم وابن كنانة إلى حبيب لأنه ملازم لمالك في بيته دائماً يكتب ويطبع، فقال له: «نعطيك ديناراً على أن تسأل مالكاً عن ثلاثة رجال، نريد نعرف هل هم عدول عنده أو ليسوا بعدول، لماذا لم يروِ عنهم؟». وكان حبيب حديث عهد بعرس، فقالوا له: «تدخل عليه وعليك مورتان؟»، أي كأنه عريس يضع عليه شيئاً من الورد، فكان حبيب يريد أن يدخل على مالك مباشرة وكان عليه شيء من الثياب أو الحلي.

التي توضع على العريس، فقالوا له: عيب تدخل عليك هذه الأمور التي توضع على العريس. فقال لي: فدخلت عليه بعد الظهر، وليس أنه غير هؤلاء. قال: هم هؤلاء الثلاثة كانوا موجودين في مجلس مالك، لكن هابوا أن يسألوا مالك عن هؤلاء؛ لماذا لم تروِ عن فلان وفلان؟ الدراوردي وابن أبي حازم وابن كنانة كانوا موجودين ومالك هنا، لكنهم هابوا أن يسألوا مالك.

فقالوا: ادخل أنت يا حبيب، نعطيك دينارًا بس اسأل مالك عنها؛ لماذا لم يروِ عن هؤلاء الثلاثة الرجال؟ قال: فقال لي يا حبيب: ليس هذا وقتك. قال: فدخل حبيب على مالك، فقال له مالك: مش وقتك يا حبيبي، ليس الآن وقت السؤال، تعال بعدين. قال: قلت: أجل، ولكن جعل لي قوم دينارًا إلا أن أسألك عن ثلاثة رجال لم تروِ عنهم، وليس في البيت دقيق ولا سويق.

فحبيب قال له: أنا عارف أنه مش وقتي، بس أنا عريس جديد وما عندي في البيت لا سويق ولا دقيق في شيء نطبخه، وهناك أناس حاضرون، بس هو ما حكى عنهم، قال: هناك أناس أعطوني دينارًا ذهبيًا على أن أسأل عن هؤلاء الرجال، وكان عبد العزيز حاضرًا، والدراوردي وغيره حاضرون. فأطرق ثم رفع رأسه وقال: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله»، وكان كثيرًا ما يقولها، ثم قال: يا حبيب، ما أحب إلي منفعتك، ولكني أدركت هذا المسجد وفيه سبعون شيخًا ممن أدرك أصحاب النبي ﷺ وروى عن التابعين، ولم يحمل العلم إلا عن أهله.

فأووا القوم إلى أن قد اكتفينا. الدراوردي جالس، وابن أبي حازم جالس، وابن كنانة جالس، وهم ساكتون، وحبيب يسأل مالك عن الثلاثة هؤلاء، وطبعًا ليسوا عارفين من هم الثلاثة الذين يسأل عنهم. فقال مالك: ما دام الجماعة جعلوا لك دينارًا، أنا والله أريد مصلحتك، سأجيبك. العلماء لا يحملون العلم إلا عن أهله.

أنت ماذا فهمت؟ أنه هؤلاء الثلاثة أنا لم أروِ عنهم لأنهم ليسوا أهلاً للعلم، ولكن لم يجرحهم مباشرة، وهذا من منهج أدب؛ أنه ليس هدفي كسر شخص، بل هدفي فقط حماية الدين. فالدراوردي وأصحابه الثلاث كانوا جالسين، فقالوا: خلص، وصلت، لا تكمل أكثر من ذلك، فأووا القوم إلى أن قد اكتفينا.

قلت له في الموردين، فتبسم، كأنه كان واضعًا شيئًا من الزينة يوضع على العريس، فأنا لا أعرف ما هو، فتبسم مالك. سألته أنه هل في شيء مشكلة شرعية أن أكون واضعًا هذا الشيء علي؟ فتبسم مالك وقال: ربما رأيت على ربيعة بن أبي عبد الرحمن مثلهما.

وقال بشر بن عمر الزهراني: سألت مالكًا عن رجل، فقال: «رأيته في كتبي»، قلت: لا؟ قال: «لو كان ثقة لرأيته في كتبه». هذا كله دلالة على ورع مالك في نقده للرجال، هو يعلمك كيف يكون الأدب. بشر بن عمر الزهراني يسأل مالكًا عن الرجل: لماذا لم تروِ عنه؟ فقال مالك: «رأيته في كتبي»، هل يعني رأيتني رويت عنه؟ قال: لا، فقال: «لو كان ثقة لرأيته في كتبي»، وانتهى الأمر؛ أعلم أنني لم أروِ عنه لأنه ليس على مقدار عالٍ من الثقة بدون جرح واضح مباشر له، أدبًا وتورعًا.

وقال علي بن المديني: لا أعلم مالكًا ترك إنسانًا إلا وكان في حديثه شيء، مالك لا يترك الرواية عن شخص إلا وكان عنده ضعف في الحديث. وقال يحيى بن معين: «كل من روى عنه مالك بن أنس فهو ثقة إلا عبد الكريم البصري أبو أمية». فأخذ عن مالك أنه روى عنه أن البعض ضعفه، لكن تضعيف عبد الكريم البصري هو رأي يحيى بن معين أنه ضعيف، لكن ممكن يكون غير يحيى بن معين لا يرى مشكلة فيه.

وقال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: «أصحاب نافع الذين رووا عنه أيوب وعبيد الله ومالك»، فمالك روى عن نافع تلميذ ابن عمر. وقال: «هؤلاء أثبت أصحاب نافع». وقال أيضًا: سمعت يحيى بن سعيد يقول: «ما في القوم أصح حديثًا من مالك»، بالقوم سفيان الثوري وابن عيينة، قال: «ومالك أحب إلي من معمر»، معمر بن راشد. وقال أيضًا: قال يحيى بن سعيد: «أصحاب الزهري: مالك، فبدا به، ثم سفيان بن عيينة، ثم معمر»، وهذا يدل على أن مالكًا هو أوثق الناس في النقل عن ابن شهاب الزهري.

وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يقدم على مالك أحدًا. وقال ابن عبد الله بن بكير: حدثني محمد بن أبي زرعة المقرئ عن ابن لهيعة، قال: قدم علينا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل سنة ست وثلاثين ومائة، قال: فقلنا له: من بالمدينة اليوم يفتي؟ قال: «ما ثم مثل فتى من ذي أصب أصبح يقال له مالك بن أنس»، لأنه مالك بن أنس أصبحي النسب.

وقال حماد بن زيد: سمعت أيوب يقول: «لقد كانت لمالك حلقة في حياة نافع»، يعني مالك جلس بين يديه وكانت له حلقة في المسجد، مع أن شيخه نافع حاضر ولم يمت بعد، وهذا دلالة على نبوغه السريع أنه جلس وأصبحت له حلقة علمية مع أن مشايخه كانوا حاضرين.

وقال أحمد بن صالح المصري عن يحيى بن حسان، قال: كنا عند وهيب، فذكر حديثًا عن ابن جريج ومالك، ومالك عن ابن جريج ومالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن ابن جريج ومالك عن عبد الرحمن بن القاسم. فقلت لصاحب لي: اكتب ابن جريج ودع مالك، وإنما قلت ذلك لأن مالك كان يومئذ حيًا وكان ابن جريج ميتًا، فقال: اكتب عن الأموات. فسمعها وهيب فقال: تقول ما بين... رواه ابن جريج ومالك عن عبد الرحمن بن القاسم، فقلت لصاحبي: خلص، لا.

ترويه عن مالك، ومالك على قيد الحياة، اكتب عن جريج عن ابن جريج، فإن ابن جريج قد مات. ووهيب سمعه، فسمعها وهيب، فقال: تقول «دع مالكًا»، بدك أشطب اسم مالك.

ما بين شرقها وغربها أحد أعلم عندنا من مالك. نعم، قال: «ما بين شرقها وغربها أحد أعلم عندنا من مالك». طبعًا هذه ما بين قوسين: إما هي أعلم، أو أما هي أعلم، كان صاحب المخطوطة شك في الرواية؛ هل هو «ما من أحد أعلم عندنا من مالك»؟ لا، «أما هي أعلم»؟ شك ناقل المخطوطة.

قال: «ولا العرض على مالك أحب إلي من السماء من غيره». إيش يعني هذا الكلام؟ «ولا العرض على مالك أحب إلي من السماع من غيره». الأقل، أحسنت، العرض هو أن أنا أقرأ والشيخ يصحح لي، وهو الأعلى منها؛ أن هو الشيخ يقرأ وأنا أسمع. الأولى قراءة الشيخ على طالبه، والعرض أن الطالب هو الذي يقرأ والشيخ يصحح. من الأعلى في التلقي؟ أن الشيخ هو الذي يقرأ. فيقول: «إني أقرأ على مالك ومالك يصحح»، أعلى عندي من أن غيره يسمعني الحديث مباشرة، يعني أنا بالنسبة لي الأدون عند مالك أحسن من السماع من غيره.

قال: «ولقد أخبرني شعبة أنه قدم المدينة بعد وفاة نافع بسنة، وإذا لمالك حلقة». مر معنا قبل شوية أن مالك درس في حياة نافع. قال: وقال إسماعيل القاضي، حدثنا أتق بن يعقوب قال: سمعت مالكًا يقول: حدثنا ابن شهاب ببضعة ورب حديثًا، ثم قال: «أعدها علي»، فأعاد عليه أربعين وأسقطت البضعة. يعني ابن شهاب ألقى على مالك وزملاءه ثلاثة وأربعين أو أربعة وأربعين حديثًا، فقال: «من يعيدها علي؟»، فأعاد مالك أربعين وأسقط البضعة، يعني ما جاب كل الأحاديث، لكن جاب مثلاً من الـ 43 أربعين، هذا يدل أن حافظته قوية.

قال: وقال حسين، هذا معنى «وأسقطت البضعة»، يعني ما قدر يجيبها كلياتها، استطاع أن يأتي بجلها، ولكن أنت في النهاية أربعين من 43، الله يخلف عليك. قال: وقال حسين بن عروة عن مالك: «قدم علينا الزهري، فأتينا معه ربيعة، فحدثنا نيفًا وحدثًا»، قال: ثم أتيناه الغد، قال: «انظروا كتابًا حتى أحدثكم منه، أرايتم ما حدثتكم به أمس؟ أي شيء في أيديكم منه؟».

يعني ابن شهاب الزهري قدم على المدينة، فمالك وربيعة ذهبا إلى الزهري ليسمع منه الحديث، ففي نفس القصة السابقة: حدثنا نيفًا وحدثًا، يعني 42 أو 43 حديثًا، ثم مالك جاء عليه اليوم الثاني مع ربيعة، قالوا بدنا برضه أحاديث جديدة، فقال لهم: «انظروا كتابًا، شوفوا لكم شغلة غير هذه الأحاديث أحدثكم بها، فآها التي حدثتكم بها أمس»، يعني أنتم لحقتوا تحفظوها؟ ابن شهاب يقول لمالك: يعني لحقتوا تحفظوا الأحاديث الأربعين والنيف أربعين التي حدثكم بها أمس؟ روحوا احفظوها ثم أزيدكم. فقال له ربيعة: «من يرد عليك ما حدثت به أمس؟»، يعني يروي لك ما حدثت به أمس كاملاً. قال: «من هو؟»، فقال: «ابن أبي عامر»، اللي هو مالك بن أبي عمر. فقال: «هاتي»، سمعنا الأحاديث فحدثته بأربعين حديثًا منها وأسقط البضعة، يعني استطاع أن يأتي بـ 40 من 43. فقال الزهري: «ما كنت أقول إنه بقي أحد يحفظ هذا غيري»، تعجب ابن شهاب الزهري من ذاكرة مالك، قال: «ما كنت أتوقع أنه أحد بقي له ذاكرة قوية إلا أنا». يعني ابن شهاب كان يرى أنه هو الوحيد الذي عنده مثل هذه الذاكرة القوية، فوجد أن مالك ذاكرته قوية أيضًا.

قال: وقال الفلاس، سمعت عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن مهدي يقول: حدثنا مالك، وهو أثبت من عبيد وموسى بن عقبة وإسماعيل بن أمية عن نافع. دائمًا هم يبحثون في علم الرجال؛ مثلاً يقول لك نافع يروي عنه مجموعة من الرواة، من هو أثبت شخص روى عنه؟ مثلاً ابن شهاب الزهري روى عنه مئات من الطلبة، من هو أثبت الطلاب فيه؟ فدائمًا كانوا يجدون مالكًا هو أثبت في شيوخه في نافع، وفي ابن شهاب الزهري أثبته مالك. هذا يدل على تميز ورفعة عن سائر أقرانه؛ لتعرف لماذا حفظ الله فقه مالك ولماذا اختاره الله على أهل زمانه؟ لأنه واضح الرجل عنده من القدرات ما لا يوجد عند أهل زمانه، وإن كان الكل على خير.

قال: وقال العباس بن محمد بن العباس، أخبرنا الحارث بن مسكين أنه سمع بعض المحدثين يقول: قدم علينا وكيع فجعل يقول: «حدثني الثبت، حدثني الثبت»، فظننا أنه اسمه رجل، فكروا أن في واحد اسمه الثبت، وكيع كل ما روى الحديث قال: «حدثني الثبت»، قالوا: يا أخي مين الثبت هذا؟ فقلنا: من هذا؟ قال: هو مالك بن أنس.

قال: وقال حرب بن إسماعيل، قلت لأحمد بن حنبل: «مالك أحسن حديثًا عن الزهري أو سفيان بن عيينة؟»، قال: «مالك أصح حديثًا»، قلت: «فمن أقدم؟»، قال: «قدم مالكًا عليه، إلا أن معمرًا أكثر حديثًا عن الزهري»، يعني إذاً من هو الأثبت عن ابن شهاب؟ مالك، لكن من هو الأكثر رواية عن ابن شهاب؟ معمر بن راشد.

قال: وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، قلت لأبي: «من أثبت أصحاب الزهري؟»، قال: «مالك أثبت في كل شيء». قال: وقال الحسين بن الحسن الرازي، سألت يحيى بن معين فقلت: «من أثبت أصحاب الزهري عن الزهري؟»، فقال: «مالك بن أنس»، قلت: «ثم من؟»، قال: «معمر». قال: وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: «ثقة، وهو أثبت في نافع من أيوب وعبيد الله بن عمر وليث». وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: «أثبت أصحاب الزهري مالك، ومالك في نافع أثبت عندي من عبيد الله بن عمر وأيوب السختياني». يحيى بن معين يرى أن مالكًا هو أثبت طلاب الزهري وأثبت طلاب نافع.

قال: وقال بكر بن سهل الدمياطي عن عبد الله بن يوسف التنيسي، حدثني خلف بن عمار قال: كنت عند مالك بن أنس، فأتاه ابن أبي كثير، قارئ أهل المدينة، فناوله رقعة، فنظر فيها مالك ثم جعلها تحت مصلاه. فلما قام من عنده ذهبت أقوم، فقال: «اجلس يا خلف، وناولني الرقعة»، فإذا فيها: «رأيت الليلة في منامي كأنه يقال...»

هذه رؤيا رآها ابن كثير في مالك بن أنس، وهي رؤيا نوم رآها في مالك بن أنس، فما هي هذه الرؤيا؟

قال: «فإذا كانوا يقال لي: هذا رسول الله ﷺ في المسجد، فأتينا المسجد فإذا ناحية القبر قد انفرجت، وإذا رسول الله ﷺ جالس والناس حوله يقولون له: يا رسول الله مر لنا، فقال لهم: إني قد كنز تحتها -تحت المنبر- كنزًا، وقد أمرت مالكًا أن يقسمه فيكم، فاذهبوا إلى مالك. فانصرف الناس وبعضهم يقول لبعض: ما ترون مالكًا فاعلًا؟ فقال بعضهم: ينفذ لما أمره به رسول الله ﷺ. فبكى مالك».

انتهت الرؤية؛ ما هو الكنز؟ العلم، العلم وضع تحت المنبر، الكنز هو العلم، فمالك هو الذي يروي علم رسول الله ﷺ. فبكى مالك لما سمع هذه الرؤيا، ثم خرجت من عنده وتركته على تلك الحال.

قال: وقال ابن مهدي: «ما رأيت أحدًا أعقل من مالك». وقال مصعب الزبيري: «كانت حلقة مالك في زمن ربيعة مثل حلقة ربيعة وأكثر، وأفتى معه عند السلطان»، يعني مالك هو تلميذ لربيعة الرأي، حلقة مالك في زمن ربيعة -ولسه ربيعة عايش- أكثر أو مثل حلقة ربيعة نفسه، وأفتى معه عند السلطان، يعني كلاهما كان يفتي الخلفاء العباسيين، هو وشيخه.

قال: وقال أبو زرعة الدمشقي: حدثنا الوليد بن عتبة قال: حدثنا الهيثم بن جميل قال: سمعت مالكًا سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في ثلاث منها: «لا أدري»، هذا الورع، إخواني هذا الورع. مالك علم ضخم وزخم كثير جدًا، ومع ذلك يأتي شخص يسأل عن ثمان وأربعين مسألة، ثلاث وثلاثين مسألة يقول فيها: «لا أدري»، يعني أكثر من ثلثين، ما عنده مشكلة ولا غضاضة ولا استحياء، إذا سئل عن شيء لا يعرفه يقول: «لا أدري»، بهذا الورع نبه القوم، والله عز وجل حفظ علومهم، لا يتكلمون إلا عن معرفة ودراية، والورع الذي فيهم يجعلهم دائمًا يقولون: «لا أدري» فيما لا يعلمون.

قال ابن عبد البر: قال صح صح عن أبي الدرداء أنه قال: «لا أدري نصف العلم». وعن خالد بن خداش قال: قدمت على مالك بأربعين مسألة فسألته عنها، فقال لي: «لا أدري نصف العلم». سؤال الجمهور: كيف لا أدري نصف العلم؟ لأنه ما حصلت علمًا، العلم الذي ما حصلته أكثر دائمًا من العلم الذي حصلته، هذا وجه، أحسنت.

شيخ العلم الله سبحانه وتعالى، لا أدري، أنا لماذا جعلها نصف العلم؟ هذه الفكرة؛ محمد خلاص، عندك شيء؟ تفضل، أحسنت، مش هناك مقولة قد تساعدك على فهم هذه المقولة، هم يقولون: «السؤال نصف العلم»، ضع «السؤال نصف العلم» مع «لا أدري نصف العلم».

الإنسان إذا لم يدرِ شيئًا أراد... طبعًا النصف هنا إخواني بدك تفهم شيئًا، النصف هنا يطلق بمعنى ليس النصف المساوي وإنما الشطر، يعني جزء من العلم. حتى تفهم هذه الفكرة، أنت إذا جهلت شيئًا فإنك ستبحث حتى تصل إلى معرفته، أما إذا ظننت أنك تعرفه وأنت لا تعرف حقيقة، ستبقى جاهلًا فيه، فاعتراه الجهل في شيء، وقولك «لا أدري» سيجعلك تبحث حتى تدري فتزداد معرفة.

أما الإنسان الذي يتوهم أنه يدري، وكلما سئل عن شيء يقول: «آه، كذا وكذا»، وهو لم يبحث ولم يعرف حقيقة، وإنما قال هذا بادئ الرأي وتوهمه أنه يعرف، سيحرمه من كثير من المعرفة، وسيحرم من التزيدي في هذا الميدان. فلذلك قالوا: «لا أدري نصف العلم»، لأنه كثير من علمك أنت لما تسأل عن شيء وتقول: «والله ما بعرف»، في العادة ماذا ستفعل؟ ستذهب تنبش حتى تعرف، حتى إذا سئلت مرة أخرى تستطيع أن تجاوبك، فكلما سئلت وقلت: «لا أدري»، فأنت تزداد علمًا بشرط أنه كلما سئلت عن شيء لا تدريه تذهب حتى تدريه.

قال: وعن خالد بن خداش قال: قدمت على مالك بأربعين مسألة فسألته عنها، فما أجابني منها إلا في خمس مسائل، نموذج آخر على ورعه. وقال أشهب عن الدراوردي قال: رأيت أني دخلت مسجد النبي ﷺ فوافيته يخطب، إذ أقبل مالك، فلما أبصره رسول الله ﷺ قال: «إليّ إليّ»، فأقبل مالك حتى دنا منه، فسل خاتمه من خنصره، يعني أخرج الخاتم من الخنصر ﷺ ووضعه في خنصر مالك، وهذا دلالة توارث العلم.

قال: وقال النسائي: «أمناء الله على علم رسول الله ﷺ ثلاثة: شعبة، ومالك، ويحيى القطان». وقال ابن عيينة: «لما بلغه موت مالك، ما ترك على الأرض مثله». وحكي عن الأوزاعي أنه كان إذا ذكر مالكًا قال: «عالم العلماء ومفتي الحرمين». وعن أبي يوسف قال: «ما رأيت أعلم من أبي حنيفة ومالك وابن أبي ليلى». وقال يحيى القطان: «مالك إمام يقتدى به». وقال معين: «مالك من حجة الله على خلقه، مجمع على فضله»، وقد قال له المنصور: «أنت أعلم أهل الأرض». وقال أسد بن الفرات: «إن أردت الدنيا والآخرة فعليك بمالك».

قال: وقال أبو عاصم: «ما رأيت محدثًا أحسن وجهًا من مالك». وقال عيسى بن عمر المدني: «ما رأيت قط بياضًا ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشد بياض ثوب منه». وقال سعد بن عبد الحميد بن جعفر عن مالك: «أدركت الناس ما يتكلمون حتى تطلع الشمس»، وكان مالك يفعل ذلك. يعني الناس كانوا إذا صلوا الفجر لا يتكلمون في حديث الدنيا، وإنما ينشغلون بذكر الله وأذكار الصباح والمساء حتى تطلع الشمس، وكان مالك يفعل هذا مما يدل على أن هذه سنة منقولة، أن الإنسان إذا جلس بعد صلاة الفجر لا يتحدث في أمر الدنيا حتى تطلع الشمس، وإنما يكون حديثه بالذكر وأذكار الصباح وما شابه ذلك.

قال: وقال زيد بن الحسن، سمعت مالكًا يسأل عن الزهد، فقال: «هو طيب الكسب وقصر الأمل». الزهد ليس أن يكون مالكًا قليلًا، قال: «الزهد هو أن تحرص على طيب الكسب»، أن يكون رزقك حلالًا حتى دخلُك الشهري بالآلاف، ما دمت تحرص على الرزق الحلال فأنت زاهد. ولذلك من يعرف سيرة مالك حقيقة، مالك كان مضاربًا، يعني عنده أموال ويعطيها للتجار يضاربون فيها له، وكان غنيًا في آخر عمره، قالوا ما كان يخلو يوم من لحم في مائدته، كل يوم يأكل اللحم، ورجل كان ثريًا.

وكان بيته واسعاً، وكان عنده من النافلة. فمالك بن أنس، مع أنه كان ثرياً، فهذا لا ينافي علو كعبه في العلم وأنه من نقله الحديث. بعض طلاب العلم يظن أنه لكي يكون طالب علم أو عالماً لا بد من الفقر والحياة المتعبة، لا؛ فمالك بن أنس نموذج آخر.

أحمد بن حنبل كان نموذجاً للحياة الزاهدة جداً بقلة الطعام ورثاثة الحال، لكن في نموذج آخر نموذج مالك بن أنس العالم الرباني المحدث الكبير. وطبعاً في بداية حاله كان فقيراً حتى باع سقف بيته من أجل أن يجد مالاً يطلب به الحديث. متخيلين؟ الواحد يبيع سقف بيته، كان جريداً من النخل أو شيئاً ما باعه من أجل أن يجد مالاً يطلب العلم. لكن مع الوقت تحسن وضع المال وأصبح ثرياً وحاله ممتازاً، ولم يمنع ذلك أن يكون من العلماء الربانيين.

قال عبد الله بن المبارك: كان هو الذي يحرك القوافل للحج ويجهز باللحم والطعام وما شابه ذلك. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا إسحاق بن الفضيل، قال: سألت مالكاً عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء، فقال: «إنما يفعله عندنا الفساق».

بعض أولاد الماجشين، عبد الملك بن الماجشين وغيرهم، بعض أهل المدينة كانوا يسمعون الغناء ويضعون فيه شيئاً من الطمبور أو المعازف، فكان مالك يقول: هذا من صنع الفساق، حتى ولو ترخص به بعض مشايخ المدينة، قال: هذا لا يصنعه العدول الأثبات. على نظرة مالك في الغناء، وهي نظرة صحيحة.

وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: «إن الرجل إذا أخذ يمدح نفسه ذهب بهاؤه». الإنسان إذا وجدتموه في مجلس يمدح نفسه ويثني على نفسه بالخير، قال: يذهب نور وجهه؛ لأن الأصل في الإنسان دائماً ماذا يفعل؟ يعود على نفسه بالنقص والهضم ويعرف ما فيه من العيوب. أما الإنسان الذي في طوال مجلسه أو في أكثر مجالسها: «أنا فعلت، وأنا كنت كذا، وأنا أصبحت كذا»، هذا يستعرض، وليس معلماً للناس الخير بهذه الطريقة، إلا إذا كان من باب ذكر فائدة حصلت معه أو من باب تنشيط الطلاب على منبهة معينة، فلا إشكال في ذلك. أما أنه ينشغل بذكر محاسنه ومآثره، فهذا ليس خلقاً طيباً.

نصلي العصر إن شاء الله ثم نكمل مجلسنا، وصلى الله على سيدنا محمد.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. نشرع إن شاء الله في الجلسة الثانية في هذا اليوم.

قال رحمه الله تعالى: وقال ابن أبي أويس: «القرآن كلام الله وعلمه ووحيه وتنزيله، فمن قال مخلوق فهو كافر». هذه مقالة أخي مالك، وقال سلمة بن شبيب -أخي أو خالي، خالي مالك هذا خاله- وهذا يدل على أن مالكاً على معتقد السلف رضوان الله تعالى عليهم في أن القرآن كلام الله، وليس على طريقة المعتزلة ومن سار على دربهم.

وقال سلمة بن شبيب: حدثنا مهدي بن جعفر، قال: جاء رجل إلى مالك فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكاً وجد من شيء كوجده من مقالته، وجد حزيناً أو غاضباً. وأطرق القوم وجعلوا ينظرون، كأنهم يظنون أنه سيأمر بضرب هذا الرجل. ثم سري عنه، لأن مالكاً لا يحب أبداً الدخول في تفسير آيات الصفات، تقرأ والكيف غير معقول.

فقال: «والكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضلالة». ثم أمر به فأخرج. ولاحظوا ماذا قال: «والاستواء غير مجهول»، ما قال الاستواء لا نعرف معناه، قال: غير مجهول. يعني مفهوم المعنى، لكن الكيف غير معقول، وهذا يؤكد مذهب السلف. نحن لا نقول بتفويض الاستواء بأن نقول: والله نحن مش فاهمين شو معنى استوى. مالك يقول لك: الاستواء غير مجهول، يعني أنا وإياك عارفين إيش معنى الاستواء، أما أن نبدأ نشرح كيف استوى الله، هنا سندخل في عالم ليس لنا به، فنكتفي بفهمنا في أذهاننا لمعنى الاستواء ونقف هنا.

وقال القاضي عياض: قال ابن نافع وأشهب، وأحدهما يزيد على الآخر. قلت: يا أبا عبد الله، ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]، ينظرون إلى الله؟ قال: نعم بأعينهم هاتين. قلت: فإن قوماً يقولون إن ناظرة بمعنى منتظرة للثواب، وهذا قبل المعتزلة، أنهم يقولون: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ يعني منتظرة. والمعتزلة تعرفون أنهم ينفون رؤية الله يوم القيامة.

قال: بل تنظر إلى الله. أما سمعت قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143]؟ أتراه؟ سأل محالاً، قال الله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143]، أي في الدنيا لأنها دار فناء، فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما يبقى إلى ما يبقى. وقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: 14]، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15].

قال: بل تنظر إلى الله. أما سمعت قول موسى؟ قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، أي في الدنيا لأنها دار فناء، فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما يبقى إلى ما يبقى. وقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ﴾، والعينان والجسد يوم القيامة وفي الجنة يبقى. إذا دخلت أنت الجنة، هل جسدك يزول؟ لا. فيقول مالك: نظروا بما يبقى إلى ما يبقى، وهو الله سبحانه وتعالى. في الدنيا كأنه يقول: عيناك ثانيتان في الدنيا فلا تصلح أن ترى فيها الباقي سبحانه، وأما في الآخرة لما يغير خلقك فتصبح دائماً مخلداً في الجنة، فإنك تنظر بما يبقى ولا يفنى إلى ما يبقى سبحانه وتعالى.

وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]. فلما حُجب أعداؤه عن رؤيته، هذه الآية كيف يستدل بها على رؤية الله؟ بمفهوم المخالفة؛ لما حجب أعداءه عن رؤيته، دل بالمخالفة على أن أولياءه يرونه.

وقال غير واحد باللازم: إن مالكاً يرى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض. وقال محمد بن هانئ أكد على أن مذهب مالك أنه نقل عنه أنه يرى زيادة الإيمان ولا يرى نقصانة، وهناك رواية أخرى أنه يرى أن الإيمان يزيد وينقص. والصواب أن مالكاً، حتى في الرواية التي قيل إنه لا يرى نقصانة، هو يرى أن كلمة النقصان لم تثبت في القرآن، وإنما الذي ثبت في القرآن لفظ الزيادة: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الفتح: 4]. فلما رأى كلمة النقصان لم تثبت في القرآن توقف، فقال: لا أقول بالنقصان، وإنما أثبت الزيادة. وهذا تمسك منه بالنص؛ لأن كل ما يقبل الزيادة هو يقبل النقصان، وإلا هذا زاد إيمانه.

على هذا، إذا منطقياً ذاك ناقص وهذا زائد، فما دام الشيء يقبل الزيادة إذا هو يقبل النقصان، فما لك توقفه؟ إخواني، في أصل فكرة النقصان وإنما توقفك في اللفظة لعدم ورودها في القرآن.

ولكن هناك رواية أخرى تثبت أنه تكلم بالنقص؛ كما قال غير واحد عن مالك: «الإيمان يزيد وينقص». وقال محمد بن عمر الواقدي: «كان مالك يجلس في منزله على ضجاع ونمارق مطروحة يمينه ويساره في سائر البيت». والواو زائدة في سائر البيت، يعني مجلس بيت مالك كان ثرياً، مالك في آخر عمره عاد عنده نمارق وكبايات وأمور طيبة.

قال: «في سائر البيت لمن يأتي من قريش والأنصار والناس، وكان مجلسه مجلس وقار وحلم، وكان رجلاً مهيباً نبيلاً، ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط، وكان الغرباء يسألونه عن الحديث بعد الحديث، وربما أذن لبعضهم فقرأ عليه». وكان له كاتب قد نسخ كتبه يقال له حبيب، يقرأ لجماعة، فليس أحد ممن حضر يدنو منه ولا ينظر في كتابه ولا يستفهم هيبة له. وكان حبيب إذا قرأ فأخطأ فتح عليه مالك، وكان ذلك قليلاً؛ يعني مالك يحفظ أحاديثه فحتى لو أخطأ حبيب، مالك يفتح عليه، يعني يصحح له.

قال: وقال ابن وهب، سمعت مالكاً يقول: «دخلت على أبي جعفر، فرأيت غير واحد من بني هاشم يقبل يده، ورزقني الله العافية من ذلك فلم أقبل له يداً». أبو جعفر هو المنصور الخليفة العباسي، فمالك لا يقبل أيادي السلاطين. بعض الناس كان يتزلف للسلاطين، هو يقبل دبر حاله، لكن أنا لا أقبل.

وروى طاهر بن خالد بن نزال عن أبيه عن أبي عينة أنه ذكر مالكاً فقال: «كان لا يبلغ من الحديث إلا صحيحاً، ولا يحدث إلا عن الثقات، وما أرى المدينة إلا ستخرب بعد موته». يعني من العلم، وكذلك وقع، ستخرب يعني سيقل فيها العلم بعد وفاته. وكان لذلك وقع، يعني قل العلم في المدينة بعد وفاة مالك.

وكان مولد مالك رحمه الله في أواخر عصر الصحابة. قال يحيى بن بكير: «ولد مالك سنة 93». أنا مالك ولد سنة 93 للهجرة، وأبو حنيفة متى ولد؟ ولد سنة 80، يعني كم بين ولادتهما 13 سنة، يعني هم تقريباً أجيال. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيره: «ولد سنة 93». وقال الواقدي: «مات بالمدينة سنة 179 وهو ابن 86 سنة». وهذا هو المشهور؛ أنه متى توفي مالك بن أنس؟ سنة 179 هجري، يعني بعد وفاة أبي حنيفة بـ 19 سنة، لأن أبا حنيفة توفي 150 ومالك توفي 179 على المشهور.

قال: «وحمل به ثلاث سنين»، يعني بقي في بطن أمه ثلاث سنين. هذه قصة، والله أعلم. قيل إن أمه لما حملت به جلس في بطنها ثلاث سنوات، نحن الحمل تسعة أشهر هذا المعروف، أما مالك فجلس في بطن أمه ثلاث سنين. يعني بعض هذه القصص ناشئة أحياناً عن تصور غير دقيق عن الحمل، هذا الذي أعتقده، تمام؟ قد تكون أمه حملت حملاً كاذباً ثم بعد سنة أو سنتين حملت بمالك، فظن أنه كل هذه السنوات هي حاملة بمالك. أنا أعتقد أنه لا، كان في شيء، لأنه ما في سونار ولا شيء، ما كانوا يعرفون هذه الأمور المعاصرة، فقد يكون تصوراً مغلوطاً نشأ عندهم في هذه القضية، والله أعلم.

قال: وقال محمد بن سعد عن إسماعيل بن أبي أويس: «اشتكى مالك أياماً يسيرة، فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت، فقالوا: تشهد، ثم قال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾، وتوفي صبيحة 14 من ربيع الأول سنة 179 في خلافة هارون». وصلى عليه عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وهو يومئذ والٍ على المدينة، ودفن بالبقيع وكان ابن 85. وقال محمد بن سعد فذكرت ذلك لمصعب بن عبد الله فقال: «أنا أحفظ الناس لموت ابن أنس، مات في صفر سنة 179». وقال محمد بن سعيد: «وكان مالك ثقة مأموناً ثبتاً، وإن فقيهاً عالماً حاجاً ثبتاً». هذه عدلوها ثبتاً بالثاء وليس بالتاء.

وقال القاضي: «سمعتهم يقولون عمر مالك 89 سنة، وعرضت عليه في سنة 91 ومات سنة 79». وقال القاضي عياض: «والصحيح أن مالكاً مات في ربيع الأول يوم الأحد لتمام 22 يوماً من مرضه، وغسله ابن أبي زنبر وابن كنانة وابن يحيى وكاتبه حبيب، يصبان عليه الماء، ونزل في قبره جماعة، وأوصى أن يكفن في ثياب بيض ويصلى عليه في موضع الجنائز». قال القاضي: «وخالف في هذا كله حبيب كاتبه ومطرف فيما حكي عنه، فقال مات سنة 180». وخالف أيضاً الفروي، فحكى عنه ابن سحنون وغيره أنه توفي سنة 178. وقال القاضي: «هذا وهذا وهم، غلط، ما مات 178». وقال أبو مصعب وغيره: «إن عمره 86 سنة»، وقيل 87 وقيل 84، وقال أيوب بن صالح: «92 سنة». قال أبو محمد الضراب: «هذا خطأ، والصواب أن عمره 86، من 93 لـ 179».

ومناقب مالك كثيرة، وقد صنف فيها جماعة كثيرون. وقال أسد بن موسى: «رأيت مالك بن أنس بعد موته وعليه طِيلَة وثياب خضر، وهو على ناقة تطير بين السماء والأرض، فقلت: يا أبا عبد الله، أليس قد مت؟ قال: بلى. قلت: فإلى ما صرت؟ قال: قدمت على ربي، وكلمني كفاحاً، وقال: سلني أعطك، وتمنَّ عليَّ أرضك». رحمه الله على الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة.

ننتقل الآن إلى سيرة الإمام الثالث، الإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي. دكتور، دائماً ينشأ في ذهني سؤال، أنه الليث بن سعد هو قرين في العلم، وأعرف الناس بفضل الليث بن سعد هو مالك نفسه. والشافعي ذكر أن الليث صاحب مذهب، إلا أن تلاميذه لم يخدموا مذهبه. يلفت انتباهي في ترجمة مالك أن...

يفكر شيوخه، ويذكر طلابه وتلاميذه، وذكروا الناس الذين رووا عنه، وذكروا: «أعلم منه ربيعة»، «هو أعلم من ربيعة»، «فلان أعلم منه»، «وهو أعلم من فلان».

لا، هو مر معنا اليوم قبل قليل في ذكر أقرانه ومن رووا عنه، فقال منهم: الليث بن سعد وهو قرينه وروى عنه. قال مصنف رحمه الله تعالى: «وأما ثالث الأئمة المذكورين فنصير رسول الله ﷺ ونصر سنته، الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد الله بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي الشافعي المكي، نزيل مصر، إمام عصره وفريد دهره».

وجده المطلب بن عبد مناف، وأخوه هاشم بن عبد المناف. ولد سنة مائة وخمسين بغزة، فلما بلغ عامين حُمل إلى مكة فنشأ بها، وأقبل على علوم الفقاهة. قال: فتفقه بمسلم بن خالد الزنجي وغيره، وحدث عن إبراهيم بن سعد الزهري، وإبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة الجمحي، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وإسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين، وإسماعيل بن جعفر المدني، وإسماعيل بن عياش البصري، وأبي ضمرة أنس بن عياض، والليث بن سعد، ويحيى بن سويد الرملي، وحاتم بن إسماعيل المدني، وأبي أسامة حماد بن أسامة، وداود بن عبد الرحمن العطار، وسعيد بن سالم القداح، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن الحارث المخزومي، وعبد الله بن مؤمل المخزومي، وعبد الله بن النافع الصائغ، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وعطاف بن خالد المخزومي، وعمر بن عمرو بن أبي سلمة التنسي، ومالك بن أنس، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك، ومحمد بن أبي الحسن الشيباني، ومحمد بن خالد الجندي، ومحمد بن عثمان بن صفوان الجمحي، وعمه محمد بن علي بن شافع، ومطرف بن مازن قاضي صنعاء، وهشام بن يوسف الصنعاني القاضي، ويحيى بن أبي حسان، ويحيى بن حسان التنسي، ويحيى بن سليم الطائفي، ويوسف بن خالد السمتي وغيرهم.

وروى عنه جماعة كثيرون، منهم: أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، والإمام أحمد بن حنبل، وأحمد بن خالد الخلال، وأحمد بن أبي سريج الرازي، وأحمد بن سعيد الهمداني، وأحمد بن سنان القطان الواسطي، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري (ابن أخي عبد الله بن وهب)، وأبو الطاهر أحمد بن أحمد بن عمرو بن السرح، وأحمد بن محمد الأزرقي، وأحمد بن يحيى بن عبد العزيز البغدادي، وأبو عبد الرحمن الشافعي المتكلم، وأحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان المصري، وإسحاق بن راوية، وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، وبحر بن ناصر بن سابق الخولاني، وحميد بن يحيى التجيبي، والحسن بن محمد بن صباح الزعفراني البغدادي، والحسين بن علي الكرابيسي، والربيع بن سليمان المرادي، والربيع بن سليمان الجيزي. والربيع بن سليمان هذا أهم شخص عليك أن تعرفه، أنه تلميذه الذي لازمه في مصر وروى عنه الرسالة المصرية وغيرها من كتبه.

وسعيد بن عيسى بن تليد الرعيني، وأبو أيوب سليمان بن دود الهاشمي، وأبو بكر عبد الله بن الزبير بن الحميدي، وعبد العزيز المكي صاحب الحيدة، وعمرو بن سواد العامري، وأبو عبيد بن قاسم بن سلام، وأبو حنيفة بن قاسم بن عبد الله الأسواني، وأبو يحيى محمد بن سعيد بن غالب بن عطار، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وابنه أبو عثمان محمد بن محمد بن إدريس الشافعي، ومحمد بن يحيى بن حسان التنسي، وأبو الوليد موسى بن أبي الجارود المكي، وروى عنه كتاب الآمالي وغيره، وهارون بن سعيد الإيلي، وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي، ويونس بن عبد الأعلى وغيرهم. وقد أفرد الدارقطني كتابًا لمن له رواية عن الشافعي في جزئين.

وقال القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري: «شافع بن السائب الذي ينسب الشافعي إليه قد لقي النبي ﷺ وهو مترع، وأسلم أبوه السائب يوم بدر، فإنه كان صاحب راية بني هاشم، فأسر وفدى نفسه، ثم أسلم. فقيل له: لمَ لم تسلم قبل أن تفتدي؟ فقال: ما كنت أحرم المؤمنين طمعًا لهم».

وقال بعض أهل العلم بالنسب، وقد وصف الشافعي بأنه شقيق رسول الله ﷺ في نسبه وشريكه في حسبه: «لم تنل رسول الله ﷺ طهارة في مولده، فضاق في آبائه، إلا وهو قسمه فيها، إلى أن افترق من عبد مناف». فزوج المطلب ابنه هاشمًا؛ شفاء بنت هاشم بن عبد مناف، فولدت له عبد يزيد جد الشافعي، وكان يقال لعبد يزيد: «المحض»، لا قذى فيه، فقد ولد الشافعي هاشميًا. وهاشم بن عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف؛ هاشم بن عبد مناف هو جد النبي ﷺ، وهاشم بن عبد المطلب هو عبد المطلب أخو عبد مناف، وهو جد النبي ﷺ، هذا شخص آخر من قريش.

والشافعي ابن عم رسول الله ﷺ وابن عمته، لأن المطلب عم رسول الله ﷺ، وشفاء بنت هاشم بن عبد مناف أخت عبد المطلب عم الرسول ﷺ. وأما أم الشافعي فهي أزدية، وقد قال النبي ﷺ: «الأزد جرثومة العرب»، أي أصل العرب. وقال ابن عبد الحكم: لما حملت أم الشافعي به رأت كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقضى بمصر، ثم وقع في كل بلد، وهذا إشارة أن...

استقر الشافعي في مصر في آخر عمره، قال: «ثم وقع في كل بلد منه شذيه، فتول أصحاب الرؤية أنه يخرج عالم يخص علمه أهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان، فيتفرق علمه في سائر البلدان». والشافعي في آخر عمره كان في مصر وتفرق علمه في مختلف أنحاء العالم.

قال: سمعت الشافعي يقول: «حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين». وعن حسين بن علي: «موطأ مالك حفظه وهو عمره عشر سنوات».

قال: بات مع الشافعي غير ليلة، وكان يصلي نحو ثلث الليل، فما رأيته يزيد على خمسين آية، فإذا أكثر، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله لنفسه وللمؤمنين أجمعين، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ منها وسأل النجاة لنفسه ولجميع المسلمين، فكأنما جمع له الرجاء والرهبة جميعًا.

وعندما تقرأ في سير العلماء تجد منهجًا عامًا، وأنه ما من عالم إلا وله نصيب من العبادة. إن هذه فائدة قراءة هذه القصص؛ ليس كما نتصور اليوم أنه ممكن أن أكون طالب علم ولكن لا علاقة لي بالقيام ولا بالقرآن ولا بالأوراد ولا بالأذكار، هذا غير معروف عندهم، بل من أسباب نجاحهم وفلاحهم ورفعة الله لهم أنهم يجمعون بين العلم والعبادة.

وأبو حنيفة مر معنا في سيرته كيف كان يقوم الليل، وأنه صلى العشاء والفجر بوضوء العشاء أربعين ليلة، أو عفواً أربعين سنة، وغير ذلك، وكذلك سيرة مالك بن أنس وسير الأئمة الأعلام. هذا يعطيك منهجًا أن طالب العلم لا بد وأن يكون له ورد من التعبد، أما طالب علم ما له علاقة بهذه الأمور ففي العادة لا ينجح.

قال: وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: قد كان الشافعي بآخره يديم التلاوة ويدرج القراءة. فأخبرنا علي بن... يعني في وقت متقدم من سنه، في آخر عمره، يديم التلاوة للقرآن ويدرج القراءة، يعني يسرع فيها.

قال: حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن إبراهيم الصفار، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني بمصر، قال: سمعت ربيع بن سليمان يقول: «كان الشافعي يختم في كل ليلة ختمة، فإذا كان شهر رمضان ختم في كل ليلة منها ختمة، وفي كل يوم ختمة، فكان يختم في شهر رمضان ستين ختمة».

هذا يعني ينقل عنه، وإن كان الأصل في الإنسان أن يتبع منهج النبي ﷺ فلا يختم في أقل من ثلاث. ومثل هذه القصص إما أن تُحمل على أن الله بارك لهؤلاء وأعطاهم من سعة الوقت ما لم يعط غيرهم، ولكن المنهج الأعلى حقيقة في هذا هو منهج النبي ﷺ، فإنه لما نصح عبد الله بن عمر نصحه أن لا يختم في أقل من ثلاث.

أما هذه قصص، إما استثنائية، وإما يحتاج أحيانًا أن ينظر في سندها وتفاصيلها؛ فإن كثيرًا من القصص التي تروى في مناقب الأئمة قد يحصل فيها شيء من الإفراط في مدح الإمام، فيُروى شيء ليس موجودًا بهذه الصفة وبهذه الحرفية من حب الطالب لشيخه أو عدم التدقيق في الأسانيد. فأنا لست مع رواية القصص التي تروي أشياء ليست هي منهج النبي ﷺ في التعبد، لأنها حقيقة تعطي أحيانًا إشارة غير صحيحة في مكانها.

قال: وأخبرنا أبو نعيم الحافظ، وقال: حدثنا أبي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، قال: حدثنا ربيع، قال: «كان الشافعي يختم القرآن ستين مرة»، قلت: في صلاة رمضان؟ قال: «نعم».

وقال بحر بن نصر: «كنا إذا أردنا أن نبكي، قلنا بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى الملبي يقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القرآن حتى يتساقط الناس بين يديه، ويكثر عجيج البكاء». فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة.

وقال أحمد: «ظهر أن قراءة الشافعي كانت مميزة، يعني الناس تتأثر بها». وقال أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي: سمعت الربيع بن سليمان يقول: «كان الشافعي يفتي وله خمس عشرة سنة، وكان يحيي الليل إلى أن مات».

الشافعي تصدر للإفتاء وعمره خمس عشرة سنة، هذا طبعًا نباهة واصطفاء، حتى لا أحد يقيس نفسه؛ ليس القضية بالأعمار، القضية أن هناك أناسًا ربنا عز وجل اختارهم واجتباهم، فأعطاهم من الذكاء والمؤهلات ما لم يعط غيرهم. أنت كحافظ للموطأ، هو حفظ الموطأ وعمره عشر سنوات، فبالتالي منطقي على الخامسة عشرة أن يكون نبغة في أساسيات الفقه، أما طالب ليس حافظًا لعمدة الأحكام ويتجرأ على الفتوى، فهذا سبع سنوات.

قال: وقال الحافظ أبو بكر: حدثني الحسن بن أبي طالب، حدثنا محمد بن عباس الخزاز، قال: حدثنا محمد بن محمد الباغندي، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا الحميدي، قال: سمعت مسلم بن خالد الزنجي مر على الشافعي وهو يفتي وهو ابن خمس عشرة سنة، فقال: «يا أبا عبد الله أفتِ، فقد آن لك أن تفتي».

قال الحافظ أبو بكر: هكذا ذكر في هذه الحكاية عن الحميدي أنه سمع مسلم بن خالد مر على الشافعي وهو ابن خمس عشرة سنة يفتي، فقال له أفتِ، وليس ذلك بمستقيم؛ لأن الحميدي كان يصغر عن إدراك الشافعي وله تلك السن، والصواب ما أخبرنا به. هذا نقد من أبو بكر.

قال الحافظ أبو بكر: القصة فيها إشكال؛ لأن الحميدي كان يصغر عن إدراك الشافعي وله تلك السن، والصواب ما أخبرنا به. والصواب ما أخبرنا به علي بن المحسن، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الصفار، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني، قال: سمعت ربيع بن سليمان يقول: سمعت عبد الله بن زبير الحميدي يقول: قال مسلم بن خالد الزنجي للشافعي: «يا أبا عبد الله أفتِ الناس، إن لك والله أن تفتي»، وهو ابن دون عشرين سنة.

إذًا من الذي قال هذه القصة ليس الحميدي؛ قال: سمعت مسلم... حدثنا الحميدي عبد الله بن زبير، قال: سمعت مسلم بن خالد الزنجي... يقول: سمعت عبد الله بن زبير الحميدي يقول: نعم. الفكرة أن هناك في "حدثنا الحميدي" في الرواية الأولى التي أخطأها أبو بكر: "حدثنا الحميدي قال سمعت مسلم بن خالد الزنجي"، أنه سمعها سماعًا: "سمعت مسلم بن خالد الزنجي وقد مر على...".

الشافعي وهو يفتي، فكأنه هذا مشهد شهده الحميدي، أنه سمع مسلم يقول للشافعي. فماذا تفهم من القصة؟ أن الحميدي كان حاضرًا بقوله: «سمعت مسلم يقول للشافعي»، وقد مر به وهو يفتي. وفي الرواية الثانية ماذا يقول أبو بكر الحافظ؟ يقول: «سمعت الربيع يقول سمعت الحميدي يقول قال مسلم بن خالد». إذاً هنا الحميدي لم يسمع المشهد ولم يقف عليه، وإنما يرويها نقلاً أنه قال مسلم بن خالد وقد مر على الشافعي يفتي الناس.

إذن هل الحميدي كان شاهدًا للقصة؟ لا، لأنه كان أصغر من أن يشهدها ويحضرها. فالروائي قال: «سمعت مسلمًا»، وهذا خطأ أن تكون «سمعت» لأنه لم يشهد هذه الواقعة، الحميدي فقد كان أصغر من ذلك وإنما نقلها نقلاً، وهذا كثير ما يكون في كتب المناقب والقصص أنها تنقل نقلاً دون ذكر الإسناد كاملاً.

قال: وقال جعفر بن أبي، ابن أخي أبي ثور: «سمعت عمي يقول: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن، واجمع الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ ومنسوخ من القرآن والسنة». فوضع له كتاب الرسالة، وهي الرسالة العراقية.

الشافعي كتب الرسالة مرتين، أو كتب رسالتين حتى أكون دقيقًا: الأولى الرسالة العراقية، وهي بناء على طلب عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرحمن بن مهدي رجل متخصص في علم الحديث، بعث إلى الشافعي، والشافعي متخصص في أصول الفقه والفقه؛ طلب عبد الرحمن بن مهدي من الشافعي أن يضع له منهجًا في أصول الفقه والاستنباط من الكتاب والسنة، فوضع له الرسالة العراقية.

وهذه الرسالة مفقودة إخواني، ليست موجودة بين أيدينا، وإنما الموجود بين أيدينا رسالة الشافعي المصرية برواية الربيع بن سليمان المرادي. فعليك أن تعرف أن الشافعي كتب رسالتين في أصول الفقه: الرسالة البغدادية العراقية، تجدون لها بعض الشروح ينقل منها الزركشي في البحر المحيط. والزركشي من يقرأ كتاب البحر المحيط يجده ينقل عن الربيع في شرحه على الرسالة العراقية، فهذا يدل أن الرسالة العراقية لم تفقد بزمن الشافعي، فقدت في مرحلة متأخرة؛ بدليل أن هناك شروحًا على الرسالة العراقية، وحتى شروح الرسالة العراقية مفقودة، ولكن عرفنا ذلك من كلام الزركشي أن هناك شروحًا للرسالة العراقية وقف عليها الزركشي وينقل هؤلاء أصحاب الشروح عن الشافعي ماذا قال في رسالته، فهذا يدل على وجودها لكنها فُقدت في الزمن المتأخر.

قال: وقال عبد الرحمن... تفسير يا دكتور، أنه تكون هذه الرسالة المصرية هي الطبعة الثانية والرسالة العراقية هي الطبعة الأولى؟ هل تنقل الطبعة الثانية عن الأولى؟ الرسالة المصرية هي طبعة ثانية؟ لا، أنت تعرف أن الشافعي لما انتقل إلى مصر غير كثيرًا من منهجه الفقهي والأصولي، فلا يمكن أن تكون نفسها بالضبط.

هذا نتفق عليه، لذلك حتى في أصول الفقه يقول مثلاً: مذهبه القديم قبول قول الصحابي، ومذهبه في الجديد أنه لا يعترف بمرجعية قول الصحابي، هل هي حجة؟ يعني في بعض الزوايا يختلف فيها قول الأصول بين القديم والجديد.

قال: وقال عبد الرحمن بن مهدي: «ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو لك فيها». وقال عمرو بن العباس: «لا أصلي صلاة إلا وأدعو لك يا شافعي». وقال عمرو بن العباس: «سمعت عبد الرحمن بن مهدي وذكر الشافعي، فقال: كان شابًا مفهمًا». قال عبد الله بن محمد بن زياد: «مفهمًا»؛ يعني رزقه الله الفهم للشريعة.

قال: سمعت الميموني بالرقة يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «ستة أدعو لهم سحرًا، أحدهم الشافعي». شوف الطالب الذي يدعو لشيخه، وهذا من أدبهم. قال: وعن صالح بن أحمد بن حنبل قال: «مشى أبي مع بغلة الشافعي، فبعث إليه يحيى بن معين فقال له: يا أبا عبد الله، أما رضيت إلا أن تمشي مع الشافعي؟ فقال: يا أبا زكريا، لو مشيت من الجانب الآخر، لو مشيت من الجانب الآخر لكان أنفع لك». قال: «امشِ على الجانب الآخر من البغل»، بلا كثرة حكي.

قال: وقال أبو علي ابن حزم الهمذاني الفقيه: حدثنا محمد بن هارون الزنجاني، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قلت لأبي: «يا أبي، أي رجل كان الشافعي؟ فإني سمعتك تكثر من الدعاء له»، فقال لي: «يا بني، كان الشافعي كشمس للدنيا وكعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو منهما عوض؟». يعني صعب أن يعوض شخص مثل الشافعي، الشافعي جمع بين مدرسة أهل الرأي ومدرسة أهل الحديث، هذه ميزته وقوته، استطاع أن يستوعب كلا المدرستين ويركب منهما.

قال: وقال أبو عبيد الأجري: «سمعت أبا داود يقول: ما رأيت أحمد بن حنبل يميل إلى أحد ميله إلى الشافعي». وقال ابن أبي حاتم: أخبرني أبو عثمان الخوارزمي نزيل مكة، فيما كتب إلي: قال حدثنا أبو أيوب حميد بن أحمد البصري، قال: كنت عند أحمد بن حنبل نتذاكر في مسألة، فقال رجل لأحمد: «يا أبا عبد الله، لا يصح في حديث»، فقال: «إن لم يصح في حديث ففيه قول شافعي وحجته».

ثم قال: «قلت للشافعي: ما تقول في مسألة كذا وكذا؟»، فأجاب فيها، فقلت: «من أين؟»، هل فيه حديث أو كتاب؟ قال: «بلى»، فنزع في ذلك حديثًا للنبي ﷺ، وهو حديث النص. وهو حديث النص؛ يعني جازم في المسألة، حديث النص يعني حديث جازم، ما هو النص في أصول الفقه الذي لا يحتمل؟ يعني حديث النص يعني قاطع. وهذا يدل أن أحمد بن حنبل في هذه المسألة لم يعرف مأخذ الشافعي، لكنه يثق أن الشافعي لا يقول شيئًا إلا بعلم، فلما ذهب إلى الشافعي وسئل: ما مأخذك في المسألة؟ ذكر حديثًا له في هذه المسألة.

قال: وقال أبو عبيد: «ما رأيت رجلًا أعقل من الشافعي». وقال أبو عبد الله البوشنجي: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: «الشافعي إمام». وعن أبي ثور قال: «من زعم أنه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكنه فقد كذب». كان محمد بن إدريس الشافعي منقطع القرين في حياته، فلما مضى لسبيله لم يعتضد منه أي لا يوجد بديل عنه، لم يُحط منه. وقال أبو الوليد ابن أبي الجارود: «ما رأيت أحدًا إلا وكتبه أكبر من مشاهدته».

إلا الشافعي، فإن لسانه كان أكبر من كتابه. وقال هارون بن سعيد الإيلي: «لو أن الشافعي نظر على هذا العمود الذي من حجاره أنه من الخشب لغلب، لاختاره على المناظرة». وقال أحمد بن علي الجرجاني: كان حكان الحميدي إذا جرى عنده ذكر الشافعي يقول: حدثنا سيد الفقهاء الشافعي.

وعن حرملة قال: سمعت الشافعي يقول: «سميت ببغداد ناصر الحديث»، كان يسمى في بغداد بناصر الحديث. وقال محمد بن الحسن بن الجنيد قال: سمعت الحسن بن محمد يقول: كنا نختلف إلى الشافعي عندما قدم إلى بغداد سنة ست إحدى وستين، نختلف يعني نجلس في مجلسه نزوره نحضر دروسه، هذا معنى كلمة نختلف، مش من الاختلاف بل من الحضور بين يديه.

وقال أحمد بن حنبل: وأبو ثور، وحارث النفل، وأبو عبد الرحمن الشافعي، وأنا ورجل آخر سماه، وما عرضنا على الشافعي وكتبه إلا وأحمد بن حنبل حاضر كذلك. وقال المزني، وهذا يدل على ملازمة أحمد بن حنبل الشافعي: «ما رأيت أحسن وجها من الشافعي»، وكان ربما قبض على لحيته فلا تفضل عن قبضه، يعني هذا يدل أن لحيته لم تكن غزيرة، بل كانت بالقدر الذي تصل إليه قبضه.

وقال معمر بن شبيب: سمعت المأمون يقول: «قد امتحنت محمد بن إدريس في كل شيء فوجدته كاملاً، وفي كل العلوم وجدته أستاذاً». وقال أحمد بن محمد بن بنت الشافعي: سمعت أبي وعمي يقولان: كان سفيان بن عينة إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا التفت إلى الشافعي فيقول: سلوا هذا.

وقالت بنت عبد الله: سمعت سويد بن سعيد يقول: كنت عند سفيان فجاء الشافعي فسلم وجلس، فروى ابن عينة حديثاً رقيقاً فغشي على الشافعي، فقيل: يا أبا محمد، ما لمحمد بن إدريس؟ فقال ابن عينة: «إن كان مات فقد مات أفضل أهل زمانه حديثاً رقيقاً». يعني حديث في الخوف من النار، فغشي عليه من تقوى الله.

وقال الحارث بن سريج: سمعت أحد القطاني يقول: أنا أدعو الله للشافعي أصه به، وقال حرمل: سمعت الشافعي يقول: «الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز». هذه مسألة اختلف فيها تذكر في علم العقائد؛ هل يجوز أن نقول إن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس؟ اختلف كثير من المتأخرين في هذه القضية، فالبعض يقول لا، الخلافة الراشدة هم أربعة.

ولا شك أن عمر بن عبد العزيز كان من خير الأمراء، وإن خلافته كانت عن الرضا من الأمة، لكن لا يوضع بمنصب الأئمة الصحابة الكرام، فضلاً أن معاوية بن أبي سفيان هو أفضل من عمر بن عبد العزيز، ومعاوية صحابي ولا يأتيك في قلبك شيء أن تقول ما هو معاوية رضي الله عنه، ليس لك علاقة بهذا، معاوية بن أبي سفيان صحابي ومن كتاب الوحي. فهذا القول كان يخشى أن يزدرى به معاوية بن أبي سفيان لما يقال إن الخلفاء خمسة ويتجاوز معاوية بن أبي سفيان، وطبعاً معاوية بن أبي سفيان هو أفضل ملوك الإسلام هكذا كان يقول السلف، فهذا القول دائماً يتحرز من نشره أن يقال إن عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس، وإنما نقول هو بالتأكيد من خير الخلفاء ومن أصلح الأئمة العلماء وقادة المسلمين، لكنه لا يوضع خليفة خامساً بجانب الخلفاء الراشدين الأربعة لأن معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز بلا شك.

وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: «طلب العلم أفضل من صلاة النافلة». قال المزني: سمعت الشافعي. طبعاً هنا لما نقول طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، لبعض طلاب العلم يأخذ من هذا أن يترك كل النوافل، والشافعي يعطيك قاعدة عامة، يعني يقول لك إذا تزاحم العلم مع صلاة النافلة اطلب العلم، أما أن يكون طول عمرك العلم يزاحم صلاة النافلة فمعناتها في عندك مشكلة، لأنه الأصل أنك تستطيع الجمع.

قال المزني: سمعت الشافعي يقول: «من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تكلم في الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في اللغة رق طبعه»، الذي يتعلم اللغة يصبح أديباً فيجد في كلامه وأسلوبه رقة وحسن. وقال: «ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه». والله صدق، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه، هذه من درر الشافعي. إذا أنت لو تعلمت ما تعلمت لكن لم تصن نفسك عن مواطن الشبهات ولم تصن نفسك عن المحرمات والموبقات فماذا ينفعك العلم؟ العلم يجب أن يهديك إلى العفة وصون النفس والارتقاء والسمو في حياتك، إذا لم ينفعك العلم هذا فلا فائدة منه.

وعن الشافعي أنه قال: «بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد». وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت محمد بن داوود يقول: لم يحفظ في دهر الشافعي كله أنه تكلم في شيء من الأهواء ولا نسب إليه ولا عرف به، مع بغضه لأهل الكلام والبدع. والمراد بالأهواء يعني البدع، يعني الشافعي على طريقة أهل السنة أهل الحديث ولا يعرف عنه قول بدعي واحد.

وروى الربيع وغيره عن الشافعي قال: «مرتدِي أحد بالكلام فافل». الشافعي من أكثر الناس ذماً لعلم الكلام. وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: «المراء في الدين يقسي القلب ويورث الضغائن». وقال الشافعي: «وددت أن الناس تعلموا هذا العلم»؛ يعني كتبه على أن لا ينسب إليه منه شيء، وهذا من صدق نيته، تمنى لو أن الناس عرفوا علومه ولم يعرفوا من المتكلم أنه هو الشافعي، لأنه لا يبحث عن أن يعرف في الأرض، وإنما يبحث أن يعرف عند الله.

وقال أيضاً: «حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريدة ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر». ينادى عليهم، هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل الكلام. هذا حكم الشافعي في أهل الكلام أن يضربوا بجريد النخل، وهي أوراق النخل، يضربوا بها، وأن يحملوا على الإبل ويفضح بين العشائر، ويقال هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنة. طبعاً لما نقول هذا للمنشدين بعلم الكلام في زماننا ماذا يقولون؟ يقول إنما قصد الشافعي بهذا المعتزلة لأنهم هم علماء الكلام الذين عايشهم الشافعي، وهذا كلام غير صحيح، فقد مر معنا في جامع بيان العلم وفضله أن ابن عبد البر ماذا قال؟ قال: وعلماء الكلام الذين ذمهم الشافعي قال يدخل فيهم.

الأشاعرة ومن سار على دربهم. ابن عبد البر وهو متقدم يقول: علماء الكلام ليس فقط المعتزلة، بل دائماً الأشاعرة وغيرهم. المعاصرون إذا قيل لهم: يا عمي ماذا تنسبون فقهياً للشافعي؟ هي رأيه في علم الكلام، يقول لك: لا، أنا سمعت أحد رؤوسهم الكبار في البلد يقول الشافعي قصد بالأهل الكلام هنا المعتزلة فقط هم الذين أدركهم، وأنتم الأشاعرة ما أنتم، ماذا فعلتم؟ أنتم سلكتم منهج المعتزلة في علم الكلام لكنكم استعملتم فقط علم الكلام للرد عليهم.

أبو الحسن الأشعري ماذا كان أصلاً؟ كان معتزلياً أربعين سنة وهو على طريقته الاعتزال، وعندما اختلف مع الجبائي -زوج أمه- ترك الاعتزال وأخذ يرد على المعتزلة بنفس أسلوبهم. فعلم الكلام لا يخرج، بقي علم الكلام موجوداً سواء أشاعرة ولا معتزلة ولا مرتدية، هو نفسه الذي يذمه الشافعي رحمه الله عليه؛ لأن علم الكلام لا يورث هداية.

وكما قال الغزالي، وهو من أرباب علم الكلام: «إن عقائد العوام أفضل من عقائد المتكلمين، لأن المتكلم كثير الشك في عقيدته، وأما العام فهو واثق ما عنده شكوك ولا ريب». وقال أيضاً لبعض أصحابه: «لا تخضنا في أصحاب رسول الله ﷺ، فإن خصمك النبي ﷺ غداً، ولا تشتغل بعلم الكلام فإني اطلعت من أهل الكلام على التعطيل»، وقال أيضاً: «ولا تشتغل بالنجوم»، وقال أيضاً: «على التعطيل»، يعني على نفي صفات الله سبحانه وتعالى.

وقال أيضاً: «مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط وتشريدهم في البلاد». وقال أيضاً: «ما نظرت أحداً على الغلبة إلا على الحق عندي»، وما معنى ما نظرت أحداً على الغلبة إلا على الحق عندي؟ ما قصدي أن أغلب أحداً، لا يدخل وهو يريد الماركة ليظهر أنه هو صاحب الحق، وإنما هدفي في أي نقاش أدخله الوصول إلى ما يرضي الله عز وجل. وقال أيضاً: «وما نظرت أحداً إلا على النصيحة»، وأظن فيها إشكالاً، يعني إلا وأنا أنصح له وأريد له الخير، وليس "أظن" على النصيحة، هذه تحتاج إلى نظر.

قال الزعفراني: سمعت الشافعي يقول: «ما نظرت أحداً في الكلام إلا مرة، وأنا أستغفر الله من ذلك»، يعني مرة واحدة ناظر شخصاً بعلم الكلام وخلص، استغفر الله. وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: «الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص». وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: قال الشافعي: «أنتم أعلم بالأخبار الصحيحة منا، فإذا كان خبر صحيح فعلمني حتى أذهب إليه، كوفي كان أو بصرياً أو شامياً».

وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بها ودعوا ما قلته». وسمعته يقول وقد قال له رجل: أتأخذ بهذا الحديث يا أبا عبد الله؟ فقال: «متى رويت عن رسول الله ﷺ حديثاً صحيحاً ولم آخذ به؟ فاشهد أنه عقلي ذهب». وهذا يدل أن منهج العلماء التمسك بالسنة رضي الله تعالى عنه. وسمعته يقول: «أي أسماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا رويت عن رسول الله ﷺ حديثاً فلم أقل به».

وقال أبو ثور: سمعته يقول: «كل حديث عن النبي ﷺ فهو قولي وإن لم تسمعوه مني». ولذلك تجد المتأخرين من الشافعية والمتوسطين يبحثون: إذا الشافعي رحمه الله أوقف قولاً على ثبوت الحديث، ثم ثبت عند المتأخرين أن الحديث ثابت، هل ينسب هذا القول الفقهي المستنبط من الحديث إلى الشافعي ونقول هذا مذهب الشافعي؟ قالوا: نعم. لأن الشافعي وضع قاعدة: «أي حديث صح لديكم فاعلموا أنني أقول بمضمونه»، خلص قاعدة عامة، بالتالي أي مسألة تستنبط من حديث صحيح عند العلماء فالأصل أنه مقبول عند الشافعي، طبعاً إذا كان يسير على قواعده العلمية.

روى الشافعي يوماً حديثاً فقلت: أتأخذ به؟ فقال: «أرأيتني خرجت من كنيسة أو عليّ نار؟ حتى إذا سمعت عن رسول الله ﷺ حديثاً لا أقول به؟». عصب الشافعي؛ روى الشافعي حديثاً فطلاب يقولون له: تعمل بهذا الحديث؟ فقال: يعني ماذا، شايف طالع من كنيسة؟ أكيد سأعمل بهذا الحديث، هذا حديث النبي ﷺ على الرأس والعين.

وقال الربيع: كان الشافعي يقسم الليل، فالثلث الأول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام. وقال أيضاً سمعت الشافعي يقول: «ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا مرة، فأدخلت يدي تتقيأ»، إخواني، ست عشرة سنة ما شبع! نحن إذا في اليوم ما شبعنا ثلاث مرات مشكلة، الشافعي ست عشرة سنة لم يشبع إلا مرة. فأدخل يده ليتقيأ لأنه رأى أن هذا الشبع خطأ، وهو يثقل البدن عن طلب العلم ويقص القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف عن العبادة. قوم وهبوا أنفسهم لله فما عاشوا لذات الدنيا كما نعيشها نحن.

وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: «ما حلفت بالله صادقاً ولا كاذباً». لاحظوا منهج العلماء، أبو حنيفة وضع على نفسه ديناراً ودرهماً، والشافعي يرفض أن يحلف بالله مطلقاً لأنهم كانوا يعظمون الحلف بالله، حتى صادقاً ما يحلف بالله، أعظم من أن يصبح يلوك على لساني كل شيء أدخل فيه رب العزة سبحانه وتعالى.

وقال أبو داوود: حدثني أبو ثور قال: قل ما كان يمسك الشافعي شيئاً من سماحته، يعني إذا كان بيده شيء دائماً يتصدق به ويعطي، لا يمسك شيئاً في يده من سماحته وكرمه وجوده. وقال عمرو بن سواد: كان الشافعي أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام. وقال الربيع: أخذ رجل بركاب الشافعي فقال له: أعطه أربعة دنانير وأعذرني عنده. وقال أيضاً أخبرني الحميدي: قدم الشافعي صنعاء فضربت له خيمة ومعه عشرة آلاف دينار، فجاء القوم فسألوه، فما قلعت الخيمة ومعه منها شيء. وعن الربيع أيضاً قال: سمعت الشافعي يقول: «من استُغضب فلم يغضب فهو حمار».

«ومن استُرضي فلم يرضَ فهو شيطان»، وقال أبو زرعة: سمعت قتيبة يقول: «من استُغضب فلم يغضب فهو حمار». الإنسان السوي، الأصل فيه أنه يغضب إذا استُغضب، أي إذا فُعل شيء مما يغضبه، الأصل يكون عندك مشاعر الغضب؛ لأن هناك إنسان يفعل الشيء أمامه، مثلاً يسب أمه أو يشتم، معقول لا تغضب؟ أو ينتقص شيئًا من معالم الشريعة، معقول ما تغضب؟ الإنسان الطبيعي إذا فعل شيء يغضبه الأصل أنه يغضب.

لكن الأصعب منها: «ومن استُرضي فلم يرضَ فهو شيطان»، يعني إذا جاءك شخص أخطأ في حقك واسترضاك وطلب منك العفو ولم ترضَ وقلت لا، لا أسامحك أبدًا، فهذه من أفعال الشياطين. هكذا يقول.

قال وقال أبو زرعة: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: «مات الثوري ومات الورع ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع». سبحان الله! وقال أبو ثور: «ما رأيت مثلًا شافعيًا ولا رأى هو مثل نفسه». وقال الفضل بن زياد: هو نفسه مش شبهه. وقال الفضل بن زياد: سمعت أحمد يقول: «ما أمسك أحد محبرة ولا قلمًا إلا وللشافعي في عنقه منه؛ لأن علم الشافعي خلاص صار في البلدان، وكل من كتب بعد الشافعي فهو عيال على الشافعية في الفقه».

قال وقال إسحاق بن راهويه: «ما تكلم أحد بالرأي وذُكر جماعة من الأئمة إلا والشافعي أكثر اتباعًا منه وأقل خطأً منه، والشافعي إمام». وقال أبو داوود: «ما تكلم أحد بالاجتهاد إلا والشافعي ستجده أقوى اجتهادًا منه». والمراد بالرأي هنا يعني الاجتهاد؛ ما تكلم أحد بالرأي وذكر جماعة من الأئمة، قال إلا والشافعي أكثر اتباعًا ممن تكلم بالاجتهاد، كأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن شبرمة، ستجد الشافعي أكثر اتباعًا منهم جميعًا وأقل خطأً منهم، ثم قال: «والشافعي إمام».

وقال أبو داوود: «ما أعلم للشافعي حديثًا خطأه عن أبي زرعة». قال: طبعًا هذا فيه نظر؛ هذا معرفة أبي داوود، لكن من نظر في مسند الشافعي يعرف أن العلماء صححوا في مسنده أحاديث وضعفوا أحاديث، فهذا الكلام. الخطأ الذي من جهته، يمكن تقصد أن يقول: ما علم حديث الخطأ، يعني هو أخطأ في نقله، وإنما الخطأ في شيوخه، ممكن العبارة شوي مجملة.

قال عن أبي زرعة: «ما عند الشافعي حديث فيه غلط». وعن عبد الملك بن هشام اللغوي قال: «طالت مجالسنا مع الشافعي فما سمعت منه لحنًا قط». وقال أحمد بن أبي سريج الرازي: «ما رأيت أحدًا أفوه ولا أنطق من الشافعي»، وكان مفوه اللسان رحمه الله عليه.

وقال الأصمعي: «أخذت شعر ذي الرمة عن الشافعي». الأصمعي الشاعر المعروف تعلم من الشافعي الشعر، والشافعي كم جلس في قبيلة هذيل؟ جلس عشرين سنة يتعلم لسان العرب، وهذا يدل إخواني أن العالم لا يكون عالمًا إلا بعد درايته باللغة؛ ما في إنسان يصبح عالمًا وهو ضعيف وركيك في معرفته، فالشافعي من أسباب نبله ونبوغه الإتقان الشديد حتى إن قوله في اللغة حجة، يقول الشافعي: «قولي في اللغة حجة على العلماء».

وقال زبير بن بكار: «أخذت شعر هير ووقائعها عن عمي مصعب بن عبد الله، وقال أخذتها من الشافعي». وقال ابن عبد الحكم: «ما رأيت الشافعي يناظر أحدًا إلا رحمت الطرف الآخر؛ لأن الشافعي يجيء من هنا ومن هنا ومن هنا فذاك مسكين يتعقد قصفه، ولو رأيت الشافعي يناظرك لظننت أنه سبع يأكلك»، وهو الذي علم الناس الحجج، وهذا يدل على قوة حجته، رحمه الله، الله عز وجل أعطاه قوة في الحجاج.

وقال أيضًا: «ما رأيت أحدًا أقل صبًا للماء في تمام التطهر من الشافعي»، وهذا يدل أيضًا على عدم إسرافه؛ يعني كان إذا توضأ لا يفتح الصنابير، كان يأخذ ماءً قليلاً كحال النبي ﷺ. وقال أبو ثور: سمعت الشافعي يقول: «ينبغي للفقيه أن يضع التراب على رأسه تواضعًا لله وشكرًا له».

وقال أبو منصور القاضي: سمعت إمام الأئمة ابن خزيمة يقول وقلت له: هل تعرف سنة رسول الله ﷺ في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي في كتبه؟ قال: لا، يعني لم يترك الشافعي شاردة ولا واردة في السنة الثابتة إلا وقد أثبتها في كتبه الفقهية.

وقال حرملة: قال الشافعي: «كنت أقرئ الناس وأنا ابن عشر سنين، وأحفظ الموطأ قبل أن أحتلم». عرفنا أنه حفظ الموطأ على عمر عشر سنوات قبل أن يبلغ. وقال محمد بن يعقوب الفراجي: سمعت علي بن المديني يقول: «عليكم بكتب الشافعي». وقال فوران: «قسمت كتب الإمام أبي عبد الله بين ولديه فوجدت فيها رسالة الشافعي العراقية والمصرية بخط أبي عبد الله رحمه الله». وأبو عبد الله من هو؟ أحمد بن حنبل. ولاحظوا أحمد بن حنبل؛ يعني لما مات أحمد بن حنبل قسموا كتبه التي في مكتبته على أولاده صالح وعبد الله، فوجدت فيها رسالتي الشافعي، زي ما حكينا الشافعي كم رسالة له في الأصول، رسالة العراقية والمصرية وكانت مكتوبة بخط أبي عبد الله رحمه الله عليه.

وقال أبو بكر الصومعي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «صاحب الحديث لا يشبع من كتب الشافعي». وقال ابن عدي: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر القزمي: «حتى يتعلم الفقه صاحب الحديث»، لماذا لا يشبع من كتب الشافعي؟ لأنه صاحب الحديث يحتاج إلى أن يتفقه في الحديث، وأقوى من تفقه في الحديث وعرف دلائله الإمام الشافعي رحمه الله، وإلا تجمع الحديث وأنت لا تعرف فقهه فهذا لا يفيد كثيرًا.

قال حدثنا صالح بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: سمعت الموطأ من الشافعي لأنني رأيته فيه ثبت وقد سمعته من جماعة قبله. ويروى عن الشافعي أنه قال: «إذا رأيت رجلًا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلًا من أصحاب النبي ﷺ»، جزاهم الله خيرًا حفظوا لنا الأصل فلهم علينا فضل. وقال البويطي: سمعت الشافعي يقول: «عليكم بأصحاب الحديث فإنهم أكثر الناس صوابًا». وقال أبو عبد الله محمد: «بماذا لقوا حجتهم؟ أصحاب الحديث عندهم الأثر وحجتهم أقوى من أهل الرأي». وقال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي: «في الشافعي ومن شعب الإيمان حب الشافعي».

«تطوع، وإني حياتي شافعي، فإن مت فوصيتي بعدي بأن يتشفع». وكل شخص صار يؤلف هذا على مذهبه، وصيتي للناس أن يتحملوا، وهذاك وصية، وهكذا.

قال الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن غانم في كتاب مناقب الشافعي له، وهو مجلد: «جمعت ديوان شعر الشافعي كتابًا على حده»، ثم روى بإسناده إلى ثعلب قال: الشافعي... في اللغة الآن، هل هناك ديوان ثابت عن الشافعي في الشعر؟ الآن تجدون كتبًا مطبوعة ديوان الشافعي، لكن كثيرًا من المحققين في اللغة يقول: هذا ليس ثابتًا عنه. ما هو موجود الآن معاصر مطبوع باسم ديوان الشافعي، يقولون هذا لم يثبت أنه فعلاً من قوله حقًا؛ لأنهم وجدوا فيه كثيرًا من الشعر الضعيف أو الركيك، وقالوا مثل هذا لا يمكن أن يكون الشافعي قد قاله. فهنا نحتاج إلى تثبت، ليس كل شيء وجد على ديوان الشافعي تشتريه، لا أظن أنه ثابت.

قال أبو ابن عدي الحافظ: سمعت الربيع بن مرار يقول: «لو رأيت الشافعي وحسن بيانه وفصاحته لعبت، ولو أنه ألف هذه الكتب على العربية التي كان يتكلم بها معنا في المناظرة لما قدرنا على قراءة كتبه لفصاحته وغرائب ألفاظه، غير أنه كان في تأليفه يوضح للعوام المقصود». لذلك من يقرأ كتاب الرسالة المصرية الموجود للشافعي أو كتاب الأم، الكلام عالي؛ يعني الرسالة الشافعية المصرية، أنت ربما تحتاج أن تقرأها ثلاث خمس مرات وأنت متقن للغة حتى تفهم طريقة ما الذي يريد الرجل أن يقوله أصلًا، لأنها كتبت بلغة عالية وليست بلغة سهلة.

قال مصعب بن عبد الله: «ما رأيت أحدًا أعلم بأيام الناس من الشافعي»، يعني بالتاريخ. وقال نقل ابن سريج بعض النسَبين أنه قال: «كان الشافعي من أعلم الناس بالأنساب، لقد اجتمعوا معه ليلة فذكرهم بأنساب النساء إلى الصباح». وقال: «أنساب الرجال يعرفها كل أحد»، يعني قالوا أنا ما راح أحدثكم عن أنساب الرجال هذه خلص كلكم تعرفوها، بل سأحدثكم عن أنساب النساء وهذه قل أن يطلع عليها أحد.

قال الحسن بن الرشيق: أخبرنا أحمد بن علي المدائني قال: قال المزني: قدم علينا الشافعي فأتاه ابن هشام صاحب المغازي فذكره أنساب الرجال، وابن هشام صاحب سيرة النبي ﷺ. فقال له الشافعي: «دع عنك أنساب الرجال فإنها لا تذهب عنا وعنك، وحدثنا في أنساب النساء»، فلما أخذوا فيها بقي، وهو حار يضل يحكي وابن هشام صامت.

قال أبو حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: ما رأيت أحدًا لقي من السقم ما لقي الشافعي، ودخلت عليه فقال: «اقرأ ما بعد المائة والعشرين من آل عمران». فلما قمت قال: «لا تغفل عني فإني مكروب». قال يونس: طلب مني بقراءة ما لقي النبي ﷺ أصحابه أو نحوه. وقال الميموني: سمعت أحمد يقول: سألت الشافعي عن القياس فقال: «عند الضرورات»، وقال شيخ الإسلام: «القياس لا يذهب إليه إلا عند الضرورة، والأصل اعتماد على الكتاب والسنة».

قال شيخ الإسلام علي بن أحمد بن يوسف الهكاري في عقيدة الشافعية له: أخبرنا أبو يعلى الخليل بن عبد الله الحافظ، أن أبا القاسم ابن عقبة الإبهري حدثنا عبد الرحمن... في سورة آل عمران، الآية 120. يقول يونس: طلب مني بقراءة ما لقي النبي ﷺ وأصحابه. وهي الآية: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ...﴾ ثم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَن مَّسْجِدِ الْأَقْصَىٰ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُم تَوَاصَلْتُمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 139].

أقرأ ما بعد الـ 120؛ هو إذا كان يقصد مجموعة من الآيات وليس آية 120 وحدها، هو يريد أن ينظر ماذا حصل مع النبي ﷺ وأصحابه في غزوة أحد، التي هي: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۗ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ...﴾ [آل عمران: 144]. الشافعي كان مريضًا وكان مبتلى، فلما دخل عليه يونس قال: اقرأ علي ما بعد المائة والعشرين من الآيات التي تتكلم عن بلاء النبي ﷺ والصحابة في سورة آل عمران، فلما قمت قال: «لا تغفل عني فإني مكروب»، يعني ارجع اقرأ علي. قال يونس: طلب مني أن أقرأ هذه الآيات ليعزي نفسه بقراءتها، ليذكر حال النبي ﷺ وأصحابه عند البلاء، مما يقوي الإنسان عند البلاء.

حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت أبا عبد الله الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله تعالى وما يؤمن به، فقال: «لله أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ، وأمته لا يسع أحدًا قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها وصح عن رسول الله ﷺ القول بها، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرواية ولا بالفكر، ولا نكفر أحدًا بالجهل بها إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، ونثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه كما نفاه عن نفسه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]».

وقال أحمد بن محمد بن عبيدة: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: كان الشافعي إذا أخذ في التفسير كأنه شهد التنزيل، يعني كأنه كان مع الصحابة والآيات تنزل لشدة درايته بمعاني القرآن، كأنه كان شاهدًا وقت نزولها مع النبي ﷺ. وعن الربيعي قال: قلت للشافعي: من أقدر الفقهاء...

قال عن المناظرة: «من عوَّد لسانه الركض في ميدان الألفاظ، ولم يتلعثم إذا رمقته العيون». جميل، هذه العبارة، فمن هو الأقوى في باب المناظرة؟ ومتى يحق لك يا طالب العلم أن تناظر أو تدخل في هذه الميادين؟

إذا كان من اللغة يستطيع أن يعبر به عن أفكاره، يقول: «من عوَّد لسانه الركض في ميادين الألفاظ»، يعني يستطيع أن يأتي بألفاظ قوية رصينة يقيم بها الحجج، ويستطيع أن يدافع عن نفسه. أما طالب العلم الذي ليس عنده مخزون لغوي ومفرداته اللغوية ضعيفة بسبب ضعف قراءته، فهذا لا يحسن أن يناظر؛ لأنه يفضح نفسه في مقام المناظرة. مقام المناظر يحتاج قوة بديهة، وقوة لسان، وقوة في عرض الألفاظ والأفكار.

قال: «إذا عوَّد لسانه الركض في ميدان الألفاظ، ولم يتلعثم إذا رمقته العيون». بعض الناس إذا أحد اطلع عليه يبطل يعرف يتكلم، خطيب الجمعة إذا أحد اطلع عليه بطل يعرف يحكي. لا، أقول لك الإنسان القوي أو المناظر هو الذي حتى لو رمقته العيون ما يخجل، ما يستحي، ما عنده حياء من الناس في هذا الموضوع، فيبقى لسانه جارياً.

قال الحسن بن سفيان: حدثنا أبو ثور قال: سمعت الشافعي، وكان من معادن الفقه، ونقاد المعاني، وجهابذة الألفاظ؛ لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وأسماء المعاني معدودة محدودة، وجميع أصناف الدلالات على المعاني لفظاً وغير لفظ خمسة أشياء: اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد أي بالأصابع، ثم الخط وهي الكتابة، ثم الذي يسمى النصبة؛ والنصب في الحال الدلالة التي تقوم مقام تلك الأصناف.

النصبة يعني أن تنصب شيئاً يدل على معنى، مثلاً إشارات المرور، إشارات السير، هذا نصب؛ أنت نصبت شيئاً، لما ترى إشارة "قف" معناها ممنوع الوقوف، ولما ترى إشارة سيارتين مثلاً معناها ممنوع التجاوز، فهذا يسمى نصباً؛ أن تنصب شيئاً ليدل على معنى، تنصب إشارة أو فكرة معينة يصل بها إلى معنى ولا يكون باللسان. فالذي يدل على المعاني إما اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد أي بالأصابع، ثم الخط، ثم الذي يسمى النصبة.

قال: «ولا تقصد عن تلك الدلالات، ولكل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها، وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة، وعن خفائها، وعن تفسيرها، وعن أجناسها وأفرادها، وعن خاصها وعامها، وعن طباعها في السار والضار، وعما يكون لهواً بهرج وساقطة مدحرجة».

قال يونس بن عبد الأعلى: قال للشافعي: «ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه». يعني مهما حاولت أن ترضي الناس، فإرضاء الناس غاية لا تدرك؛ ليس إلى السلامة من الناس سبيل أي إرضاء الناس، فلا تبحث عن إرضاء الناس، ابحث عن رضى الله عز وجل وما فيه صلاح نفسك.

قال موسى بن سهل الجوني: حدثنا أحمد بن صالح قال: قال للشافعي: «تعبد قبل أن تراس، فإنك إن تراست لم تقدر أن تتعبد». كان أحمد يقول: تعلم العبادة قبل أن تصبح مترسياً في فقه أو دولة أو حي أو مركز قرآني؛ لأن الإنسان إذا أصبح مترسياً في شيء، أشغلته الرئاسة عن تعلم التعبد. باختصار، أنت تحتاج أن يكون التعبد قبل أن تتصدر للناس.

قال أحمد: كان الشافعي إذا تكلم كان صوته صوت صنج أو جرس من حسن صوته. وقال ابن جميع الغساني: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عباس بن عثمان بن شافعي بن سائب الضريب بمكة يقول: قال أبي، سمعت عمي يقول، سمعت الشافعي يقول: «أقمت في بطون العرب عشرين سنة، أخذت أشعارها ولغاتها، وحفظت القرآن، فما علمت أنه مر بي حرف واحد إلا وقد علمت المعنى فيه والمراد، ما خلا حرفين». قال أبي: حفظت أحدهما ونسيت الآخر. المراد بالحرف هنا الكلمة، يعني ما عدا كلمتين في القرآن لم يظهر لي معناهما عند العرب. قال أبي: حفظت إحدى الكلمتين ونسيت الأخرى، وهي: «قد أفلح من دساها»، المراد لم أحفظ شاهداً لها من لسان العرب، وفي النهاية «وقد خاب من تساهل»، وفوق كل ذي علم عليم. سبحان الله! إذا غابت عن الشافعي وجدها غيره، ليس المراد أنه لا يوجد أحد يعرف معنى هذه الكلمة، لكن الشافعي هذا ما وصل إليه علمه.

قال الأصم: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال أخبرنا الشافعي محمد بن إدريس، قال حدثنا إسماعيل بن قسطنطين، قال: قرأت على شبل، وأخبر شبل أنه قرأ على عبد الله بن كثير، وأخبر عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد، وأخبر مجاهد أنه قرأ على ابن عباس، وأخبر ابن عباس أنه قرأ على أبي، قال ابن عباس: وقرأ أبي على النبي ﷺ.

وقال الشافعي: وقرأت على إسماعيل بن قسطنطين، وكان يقول: «القرآن اسم وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت، ولو أُخذ من قرأت لكان كل ما قرأت قرآناً، ولكنه اسم للقرآن». مثل التوراة والإنجيل، يهمز "قرأت" ولا يهمز "القرآن". وإذا قرأت القرآن تهمز "قرأت" ولا تهمز "القرآن"، وإذا قلت قرأت قرآناً تهمز "قرآناً". وإذا قرأت القرآن تهمز كلمة "قرآن" بالنكرة، ولا تهمز إذا عُرف؛ إذا قلت "القرآن"؛ لأنه إذا أُطلق تطلق "قرآن" وهو اسم خاص بهذا الكتاب، كالتوراة اسم علم على هذا الكتاب، فالقرآن بدون ال التعريف "قرآن" هو اسم علم على هذا الذي بين أيدينا وهو ما نزل على النبي ﷺ، وليس مهموزاً من "قرأت". فإذا قلت "قرآن" بدون ال التعريف ولا تقصد به القرآن الذي بين أيدينا، تلك تهمز.

تقول قرأت قرآناً، فإذا قلت قرأت قرآناً على سبيل التنكير فلا مشكلة، وتقول قران وتأتي بالهمزة، لكن إذا قلت القرآن وقصدت الكلام المنزل على النبي ﷺ فهنا لا تهمز؛ يعني هذه وجهة نظر الشافعي وفيها خلاف طبعاً، لكن وجهة نظره أن كلمة "القرآن" غير مهموزة، وهي علم وُضع ابتداءً على الكلام المنزل على النبي ﷺ، مثلها مثل التوراة مثلها مثل الإنجيل، ولا يراها مشتقة، يعني باختصار هو لا يرى أن كلمة القرآن مشتقة من قرأته، بل هي علم على الكتاب وهي بغير همزة "قرآن"، وأما إذا قصدت قرآناً بمعنى قرأت قرآناً فهذه لا إشكال في همزتها.

قال أبو محمد بن الورد: حدثنا أبو سعيد الفربري قال: قال أحمد بن حنبل: «إن الله تعالى يقيض للناس في كل رأس مائة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله ﷺ الكذب». فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي، الذي هو مجدد لكل مائة سنة.

قال وقال الحسن بن محمد الزعفراني: قد قدم علينا الشافعي بغداد سنة 95 فأقام عندنا سنتين ثم خرج إلى مكة، ثم قدم علينا سنة 98 فأقام عندنا أشهراً ثم خرج، وكان يخضب بالحناء وكان خفيف العارضين، كان خفيف اللحية.

قال وقال الخطيب: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد المجهز قال: سمعت عبد العزيز الحنبلي صاحب الزجاج يقول: سمعت أبا الفضل الزجاج يقول: لما قدم الشافعي إلى بغداد، وكان في المسجد ما نيف ورบบ أو خمسون حلقة، فلما دخل بغداد صارت حلقة علمية، ما زال يقعد في حلقته ويقول لهم: قال الله، قال الرسول، وهم يقولون: قال أصحابنا، حتى ما بقي في المسجد حلقة غيره؛ يعني كل الحلقات تركت وأصبحت حلقة واحدة حلقة الشافعي، هو يقول: قال الله، قال رسول الله ﷺ، فيستدل عليهم بالكتاب والسنة، وهم ما يعرفون الاستدلال بالكتاب والسنة، يعرفون: قال أصحابنا، وقال شيخنا، فبالتالي أذعنوا لعلم الشافعي وقوة حجته.

قال وقال أيضاً أخبرنا أبو العباس الفضل بن عبد الرحمن الأبهري قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الأعلى الأندلسي بأصبهان، قال: سمعت أبا بكر أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي، قال: سمعت المزني يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام فسألته عن الشافعي، فقال لي: «من أراد محبتي وسنتي فعليه بمحمد بن إدريس الشافعي المطلبي، فإنه مني وأنا منه».

وقال أيضاً أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي، قال: سمعت إبراهيم بن علي بن عبد الرحيم بالموصل يحكي عن الربيع، قال: سمعت الشافعي يقول في قصة ذكرها: «لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر، ومن دونها أرض المهامة والقفر، فوالله ما أدري أإلى الفوز والغنى أُساق إليها، أم أُساق إلى قبري؟». قال: فوالله ما كان إلا بعد قليل حتى سيق إليهما جميعاً؛ يعني سيق إلى ماذا؟ قال: فوالله ما أدري أإلى الفوز والغنى أم أُساق إلى قبري؟ فهو فاز وغني في مصر ومات في مصر، فسيق إليهما جميعاً؛ للغنى وللموت، فكانت نهايته في مصر.

قال وقال زكريا بن يحيى: حدثني حسن بن محمد بن محمد الزعفراني: حج بشر المريسي سنة إلى مكة ثم قدم، فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلاً ما رأيت مثله عالماً ولا مجيباً. قال: فقدم الشافعي إلينا بعد ذلك بغداد، فاجتمع إليه الناس وخفوا عن بشر، فجئت إلى بشر يوماً فقلت: هذا الشافعي الذي كنت تزعم أنه قد قدم؟ فقال: إنه تغير عما كان عليه. قال الزعفراني: فما كان مثله إلا مثل اليهود في أمر عبد الله بن سلام؛ حيث قالوا سي أن تعرفوا.

مشكلة الشافعي مع بشر المريسي، أن بشر المريسي لما دخل مكة قال: رأيت رجلاً، يعني شاباً في الحجاز ما رأيت مثله علماً، فوصل بشر المريسي -وهو أصلاً من بغداد- فلما ذهب الشافعي إلى بغداد ما عادت الناس تجلس عند بشر المريسي، تركته وأصبحت تجلس عند الشافعي، فقيل له: هذا الشافعي الذي أنت امتدحته؟ قال: تغير عما كان عليه، أموره مختلفة. فقيل: هذا مثله مثل اليهود؛ يعني لما كانوا يعرفون صفات النبي ﷺ أو لما شافوا عبد الله بن سلام النبي ﷺ، ماذا قالوا لهم عن عبد الله بن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، فلما قال لهم إنه أسلم قالوا: جاهلنا وابن جاهلنا. هذا بشر المريسي مدح الشافعي، فلما وصل الشافعي إلى بغداد وأخذ منه الرئاسة العلمية اختلف قلبه عليه وجعل يذمه. قال الزعفراني: فما كان مثله إلا مثل اليهود في أمر عبد الله بن سلام حين قالوا: سيدنا وابن سيدنا، فقال لهم إنه أسلم، قالوا: شرنا وابن شرنا.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحاكم النصري، قال: ولد الشافعي في سنة 150 ومات في آخر يوم من رجب سنة 204، مات في اليوم الذي مات فيه أبو حنيفة؛ يعني حتى تحفظ السنة، مات أبو حنيفة 150 وولد الشافعي 150، وكان الله قد جدد لهذه الأمة رجلاً؛ مات رجل وعاش رجل. ومات الشافعي رحمه الله سنة 204 للهجرة على المشهور، وعاش 54 سنة رحمه الله.

قال وقال الحافظ أبو أحمد بن عدي: قرأت على قبر محمد بن إدريس الشافعي بمصر على لوحين من الحجارة، أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، نسبته إلى إبراهيم الخليل عليه السلام: «هذا قبر محمد بن إدريس الشافعي، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن صلاته نسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمره، وهو من المسلمين، عليه حيا وعليه مات وعليه يبعث حياً إن شاء الله». توفي أبو عبد الله ليوم بقي من رجب سنة 204. وقال الحسن بن حبيب الدمشقي: حدثني ربيع بن سليمان، لذلك ما أحد اختلف في وفاته؛ لأنه وفاته مكتوبة على قبره، وبالتالي فليس مجال يختلف فيها.

قال حدثني ربيع بن سليمان قال: رأيت الشافعي بعد وفاته في المنام، فقلت: يا أبا عبد الله، ما صنع الله بك؟ قال: «أجلسني على كرسي من ذهب، ونثر علي اللؤلؤ الرطب».

واضح دائما ابن عبد الهادي كلما ختم سيرة إمام يقول لك الرؤية في المنام بعد وفاته. ومناقب الشافعي وفضائله كثيرة جدا، قد صنف فيها العلماء قديما وكتب كاملة في مناقب الشافعي رحمه الله تعالى، والبيهقي من أفضل من جمع علوم الشافعية واشتغل بها وعرف بها.

قال: وأما آخر الأئمة، وصلنا الآن إلى السيرة الأخيرة وهي سيرة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. قال ابن عبد الهادي على مذهب أحمد، عشان هيك أعطاه المساحة الأكبر، فهو إمامنا وسيدنا.

قال: وأما آخر الأئمة المذكورين فالإمام الرباني أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن ابن أسد الهري الشيباني المروزي ثم البغدادي، شيخ الإسلام وسيد المسلمين في عصره. خرج به من مرو؛ حملته أمه وهو في بطنها، وولد ببغداد ونشأ بها ومات بها، وطاف البلاد في طلب العلم، ودخل الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة.

فسمع من إبراهيم بن سعد قليلا، ومن هشيم بن بشير فأكثر، ومن عباد بن عباد المهلبي، ومعتمر بن سليمان التيمية، وسفيان بن عيينة الهلالي، وأيوب النجار، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وعلي بن هشام بن البريد، وقرنة بن تمام الأسدي، والقاضي أبي يوسف، وجابر بن نوح الحماني، وعلي بن عراب القاضي، وعمر بن عبيد الطنافسي وأخويه محمد ويعلى، والمطلب بن زياد، ويوسف بن الماجشون، وجريد بن عبد الحميد، وخالد بن الحارث، وبشر بن المفضل، وعباد بن العوام، وأبي بكر بن عياش، ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي، وعبد العزيز بن عبد الصمد العمي، وعبده بن سليمان، ويحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، ونضر بن إسماعيل البجري، وأبي خالد الأحمر، وعلي بن ثابت الجزري، وأبي عبيدة عبد الواحد بن واصل الحدادي، وعبيدة بن حميد الحذاء، ومحمد بن سلمة الحراني، وأبي معاوية محمد بن خازم الضرير، وعبد الله بن إدريس الأودي، ومروان بن معاوية، ومحمد بن جعفر غندر، وإسماعيل بن عليه، ومخلد بن يزيد الحراني، وحفص بن غياث، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، ومحمد بن فضيل بن غزوان، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، والوليد بن مسلم، ومحمد بن يزيد الواسطي، ومحمد بن الحسن المزني الواسطي، ويزيد بن هارون، وعلي بن عاصم الواسطي، ووكيع فأكثر، ومسكين بن بكرين، ويحيى بن سعيد القطان فأكثر، وأنس بن عياض الليثي، وإسحاق بن الأزرق، ومعاذ بن العنبري، ومعاذ بن هشام الدستوائي، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، ومحمد بن أبي عدي، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن نمير، ومحمد بن بشر، وزيد بن الحباب، وعبد الله بن بكر، ومحمد بن الشافعي، وأبي عاصم النبيل، وعبد الرزاق، وأبي نعيم، ومحمد بن إدريس شيخ أحمد وتلميذ له.

قال: وحسين بن علي، وهنا هو يذكر شيوخه لكنه يعتبر شيخا لأحمد وتلميذا له في نفس الوقت. قال: وأبي النضر هاشم بن القاسم، ويحيى بن آدم، وأبي عبد الرحمن المقرئ، وحجاج بن محمد، وأبي عامر العقبي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وروح بن عبادة، وأسود بن عامر، ووهب بن جرير، ويونس بن محمد المؤدب، وسليمان بن حرب، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وخلائق، إلى أن ينزل في الرواية إلى قتيبة بن سعيد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وهارون بن معروف، وجماعة من أقرانه.

وعدة شيوخه الذين روى عنهم في المسند 200 ونيف، ثقت شيخا في مسند الإمام أحمد أكثر من 200 شيخ. قال: حدث عنه البخاري ومسلم وأبو داود، وروى عنه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه، وحدث عنه أيضا ابناه صالح وعبد الله، وابن عمه إسحاق بن حنبل.

وشيوخه: عبد الرزاق، والحسن بن موسى الأشيب، والأسود بن عامر شاذان، وعبد الرحمن بن مهدي، وقتيبة، وأبو الوليد الطيالسي، ووكيع، ويحيى بن آدم، ويزيد بن هارون، والشافعي. شوف ذكر الشافعي في ممن حدث عنه وذكره في شيوخه، فهو الشافعي استفاد منه في الحديث، وأحمد استفاد من الشافعي في الفقه.

قال: وحدث عنه أيضا علي بن المدين، ويحيى بن معين، وما ت قبله، وأحمد بن أبي حواري، وخلف بن هشام البزار، وداوود بن عمر الضبي، ودحيم، وأحمد بن صالح، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وأحمد بن الفرات الرازي، والحسن بن صباح البزار، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، وحجاج بن الشاعر، ورجاء بن مرج، وسلمة بن شبيب، وأبو قلابة الرقاشي، والفضل بن سهل، والفضل بن سهل الأعرج، ومحمد بن منصور الطوسي، وزياد بن أيوب الطوسي، وعباس بن الدوري، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازي، وحرب بن إسماعيل الكراري، وإسحاق بن منصور الكوسج، وأبو بكر الأثرم، وأبو بكر المروذي، وإبراهيم الحربي، وبقي بن مخلد الأندلسي، وأحمد بن أصر المغفر. مخلد هذا ذكرنا قصته العجيبة في استفادته من أحمد بن حنبل.

قال: وأحمد بن منصور المرذم، وأحمد بن ملاعب، وأحمد بن أبي خيثمة، وموسى بن هارون، وأحمد بن علي الأبار، ومحمد بن عبد الله الحضري، وأبو طالب أحمد بن حميد، وإبراهيم بن هاني النيسابوري وابنه إسحاق بن إبراهيم، وبدر المغازلي، وزكريا بن يحيى الناقد، ويوسف بن موسى الحربي، وأبو محمد فوران، وعبدو بن مالك العطار، ويعقوب بن متانة، ومهنى بن يحيى الشامي، وحمدان بن علي الوراق، وأحمد بن محمد القاضي البرتي، والحسين بن إسحاق التستري، وإبراهيم بن محمد بن الحارث الأصبهاني، وأحمد بن يحيى ثعلب، وأحمد بن الحسن بن عبد الجابر الصوفي، وإدريس بن عبد الكريم الحداد، وعمر بن حفص السدوسي، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، ومحمد بن عبد الرحمن السامي، وأبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي وهو آخر من حدث عنه، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد.

ابن إسماعيل الترمذي، ويعقوب بن سفيان الفارسي، ويعقوب بن شيبت السدسي، وخلائق وغيرهم. وقد جمع أبو محمد الخلال جزءًا في تسمية الرواة عن الإمام أحمد.

وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: «وخرجت من بغداد وما خلفت فيها أفقه، ولا أزهد، ولا أورع، ولا أعلم من أحمد بن حنبل». وقال المزن: قال للشافعي: «رأيت ببغداد شابًا إذا قال حدثنا، قال الناس: صدق»، قلت: «ومن هو؟»، قال: «أحمد بن حنبل». وقال الزعفراني: قال للشافعي: «ما رأيت أعقل من أحمد، وسليمان، وابن داوود الهاشمي».

وعن الشافعي قال: «قال أحمد: إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في القرآن، إمام في اللغة، إمام في السنة، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في الفقر».

وقال إسحاق بن راهويه: سمعت يحيى بن آدم يقول: «أحمد بن حنبل إمامنا». وقال قتيبة بن سعيد: «أحمد بن حنبل إمام الدنيا». وقال محمد بن إسحاق بن راهويه: سمعت أبي يقول: «قال لي أحمد بن حنبل: تعال حتى أريك رجلًا لم ترَ مثله»، فذهب به إلى الشافعي. فقال محمد بن إسحاق: «قال لي أبي»، وما رأى الشافعي مثل أحمد بن حنبل. وقال: «سمعت أبي يقول: لولا أحمد بن حنبل، وبذل نفسه لما بذلها، لذهب الإسلام». المقصود في فتنة خلق القرآن، ثبات أحمد على العقيدة كان حفاظًا على دين الأمة.

قال وقال علي بن المديني: «ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وبلغني أنه كان لا يحدث إلا من كتاب»، ولنا فيه أسوة حسنة. وهذا يدل على أن أحمد -وإن كان ذاكرته قوية- لكنه كان يكتب. وذكرناها البارحة في مجلس نقل الحديث، أنه صحيح؛ الإنسان يعتمد على ذاكرته لكن قد ينسى مهما بلغ في الحفظ، فكان إذا نقل الأحاديث لتلاميذه يكون كتاب بين يديه من باب التأكد.

ماذا يعني إمام في الفقر؟ لأنه كان أحمد بن حنبل فقيراً جداً، وكأنه يعلمك كيف تفتقر. قال وعن ابن المديني أنه قال: «أمرني سيدي أحمد بن حنبل أن لا أحدث إلا من كتاب». وعنه أنه قال: «أحمد اليوم حجة». دائمًا الإنسان مهما بلغت قوته في الحفظ لا بد وأن يكون هناك كتاب بين يديه عندما يعلم التلاميذ، لأن الحفظ يخون، فدائمًا الكتاب يوثق.

قال وقال أبو الحسن الميموني: «قال لي علي بن المديني بالبصرة قبل أن يمتحن، وبعد ما امتحن أحمد بن حنبل وضرب وحبس وأخرج: يا ميموني، ما قام أحد في الإسلام ما قام به أحمد بن حنبل». فتعجبت من هذا عجباً شديداً، أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقد قام في الردة وأمر الإسلام ما قام به!

قال الميموني: «فأتيت أبا عبيد القاسم بن سلام فتعجبت إليه من قول علي، قال فقال: لا يا ميموني، لا يوجد أحد قام في الإسلام موقف عظيم كموقف أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن». فهنا الميموني ماذا دخل في نفسه؟ أين موقف أبو بكر الصديق لما وقف في حروب الردة؟

قال الميموني: «فأتيت أبا عبيد القاسم بن سلام فتعجبت إليه من قول علي بن المديني، قلت له: علي بن المديني يقول ما في أحد قام في الإسلام موقف كموقف أحمد بن حنبل؟ فقال لي أبو عبيد مجيبًا: نعم، إذاً يقسمك». قلت: «بأي شيء يا أبا عبيد؟» وذكرت له أمر أبي بكر. قال: «أنكر الصديق». قلت: «كيف يعني كلام علي بن المديني حجب علي أو يقسمنا؟ كلام حق». فقال له: «إن أبا بكر الصديق وجد أنصارًا وأعوانًا، وإن أحمد بن حنبل لم يجد ناصرًا».

وهذا الفرق أن أبا بكر الصديق لما أراد يحارب المرتدين كان جنبه عمر وعثمان وعلي وصناديد الإسلام، لكن أحمد بن حنبل لما وقف في مواجهة فتنة خلق القرآن كان وحده، وكثير من العلماء في زمنه خلصوا، كما يقول السلطان خوفًا من السيف ومن الفتنة، فأحمد ثبت وحده، وأبو بكر الصديق ثبت ومعه جماعة.

قال وأقبل أبو عبيد يطري أبا عبد الله ويقول: «لست أعلم في الإسلام مثله». وقال محمد بن حسين الأنماطي: «كنا في مجلس فيه يحيى بن معين، وأبو خيثمة، وزهير بن حرب، وجماعة من كبار العلماء، فجعلوا يثنون على أحمد بن حنبل ويذكرون فضائله، فقال رجل: لا تكثروا، بعضكم يبالغ في هذا القول». فقال يحيى بن معين: «تستنكر علينا كثرة الثناء عليه؟ لو جلسنا مجلسنا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله لكمالها». ما شاء الله، لو كل المجلس كان في الثناء عليه لم نوفيه حقه.

قال وقال أبو جعفر النفيلي: «كان أحمد بن حنبل من أعلام الدين». وقال أحمد بن عبد الله العجلي: «أحمد بن حنبل يكنى أبا عبد الله، سدوسي من أنفسهم من أهل خراسان، ولد ببغداد ونشأ بها، ثقة». قلنا هو أصلاً من أهل خراسان باعتبار أنه خرج من خراسان حملًا وولد في بغداد، هذا يريد أن يقول لك ما أصله. وقال: «ثبت في الحديث، نزه النفس، فقيه في الحديث، متبع للآثار، صاحب سنة، وخير».

وقال المروذي: «حضرت أبا ثور قد سئل عن مسألة، فقال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا». وقال مهن بن يحيى: «ما رأيت أحدًا أجمع لكل خير من أحمد بن حنبل، ولقد رأيت سفيان بن عيينة، ووكيعًا، وعبد الرزاق، وبقية بن الوليد، وطهمة بن ربيعة، وكثيرًا من العلماء، فما رأيت مثل أحمد بن حنبل في علمه وفقهه وزهده وورعه».

وقال أبو بكر الأثرم: «قلت يومًا ونحن عند أبي عبيد في مسألة، فقال بعض من حضره: هذا، فقلت: من ليس في شرق الأرض ولا غربها أكبر منه؟ أحمد بن حنبل، فقال أبو عبيد: صدق». وقال علي بن...

سمعت بشر بن الحارث، وثنا الأثرم، وطبعاً الأثرم من تلاميذ أحمد بن حنبل ومن نقل عنه. قال: وسئل عن أحمد بن حنبل بعد محنته، فقال: «أنا أسأل عن أحمد بن حنبل؛ أدخل الكير فخرج ذهباً أحمر»، يعني أدخل الكير، كير الحداد، فيقول: أحمد بن حنبل لما أدخل الكير، يعني لما ابتلي، خرج معدنه ذهباً.

وقال آخر: قلت لبشر بن الحارث: ألم تصنع كما صنع أحمد بن حنبل؟ فقال: «تريد مني مرتبة النبيين؟ لا يقوى بدني على هذا». بشر بن الحارث ممن تعرض لفتنة خلق القرآن، فقيل لبشر: لماذا لم تثبت في فتنة خلق القرآن كما ثبت أحمد؟ فقال: «هذه مرتبة النبيين وأنا لا أستطيع، لا يقوى بدني على هذا». قال: حفظ الله أحمد بن حنبل بين يديه ومن خلفه ومن فوقه ومن أسفل منه ومن يمينه ومن شماله.

وقال نصر بن علي: «كان أحمد بن حنبل أفضل أهل زمانه». وقال الحجاج بن الشاعر: «ما رأت عيناي روحاً في جسد أفضل من أحمد بن حنبل». وقال أحمد بن سعيد الدارمي: «ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله ﷺ، ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أبي عبد الله أحمد بن حنبل».

وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: «إذا رأيتم الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلموا أنه صاحب سنة». سبحان من جعلك على السنة أن تحب أحمد بن حنبل رحمه الله عليه. وقال أبو جعفر محمد بن هروي المخرمي يقول: «إذا رأيت الرجل يقع في أحمد بن حنبل فاعلم أنه مبتدع». سبحان! تخيل أن رجلاً يصبح مفصلاً بين السنة والبدعة؛ إذا رأيت الرجل يشتم أحمد أو يقع فيه فاعلم أنه مبتدع. لذلك بعض المتكلمين اليوم يستنقص من عقيدة أحمد ويدخل فيها، وهذه دلالة بدعته أصلاً؛ لا أحد يستنقص من أحمد إلا عنده مشكلة في العقيدة.

وقال أبو يعلى المنصوري: سمعت أحمد بن إبراهيم الدورقي يقول: «من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهموه على الإسلام». وقال أحمد بن سلمى النيسابوري: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: كنت ألتقي بالعراق مع يحيى بن معين وخلف بن سالم وأصحابنا، وكنا نتذاكر الحديث من طريقين وثلاثة، ثم يقول يحيى بن معين وطريق كذا وطريق كذا، يقول لهم: «أليس قد صح بإجماع منا؟» فيقولون: نعم، فأقول: «ما تفسيره؟ ما مراده؟ ما فقهه؟» فيبقون كلهم إلا أحمد بن حنبل فإنه يتكلم.

هو يخبر عن علماء الحديث، يحيى بن معين وغيره، أنهم يعرفون طرق الحديث، فبعد أن شرحوا طرق الحديث يقول لهم: «أليس قد صح بإجماع منا؟» يعني خلص الحديث ثبت باتفاقنا جميعاً، يلا تعالوا نشوف شو فقه الحديث وماذا يستنبط منه، فيحيى بن معين وكلهم يسكتون، ما يعرفون الدخول في هذا إلا أحمد بن حنبل؛ هو الذي يعرف الدلائل والاستنباط وما الذي يخرج من فقه الحديث، فهذا معنى فيبقون كلهم يسكتون إلا أحمد بن حنبل فإنه يتكلم بكلام له قوة في فقه الحديث واستنباطه.

وقال أبو زرعة الرازي: «كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث»، فقيل له: وما يدريك؟ قال: «ذكرته فأخذت عليه الأبواب». طبعاً ألف ألف قد يكون مليوناً، لكن هل الأحاديث النبوية مليون؟ لا طبعاً، وإنما المراد بالمليون بالطرق، فالمراد معرفته بطرق الحديث، يعرف للحديث مئة طريق.

وقال: «ما أعلم في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه، وما رأيت أكمل منه، اجتمع فيه فقه وزهد وأشياء كثيرة، وما رأيت مثله في فنون العلم والفقه والزهد والمعرفة وكل خير، وهو أحفظ مني، وما رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ منه».

إخواني، من فوائد قراءة هذه السير أن طالب العلم يحترم نفسه. بتعرف شو أنك تحترم نفسك؟ ما تأتي اليوم تقول لي: أنا بدي أرجح بين الشافعي وأحمد! الله يرضى عنك، ليه؟ لأنك شايف السير عبادة وعلم وموسوعية واطلاع، يأتيك طالب الأربعين النووية لا يزال يخطئ فيها، ويقول للدكتور في الجامعة: يلا رجح بين رأي الإمامين! أيش رجحت يا شيخ؟ أنت عارف مع من تتكلم؟ من هو الشافعي؟ من هو أحمد؟ أحياناً نحتاج فعلاً أن نقرأ هذه الأمور حتى يعرف الإنسان حجمه. أنت أربعون نووية وعمدة أحكام وأشياء خفيفة، وقدرك أن تلزم مذهباً، وإذا احتيج أن تجتهد، تجتهد أدباً واحتراماً وأخلاقاً على استحياء أمام هذه الأشجار. أما أن يأتي شخص طالب علم يحفظ شيئاً في الكتاب ولا في السنة، ويأتي يتسلق على هؤلاء الأئمة ويقول: والله أخطأ أحمد هنا، والشافعي ضعيف في هذه المسألة، رأيه.. ارفق بنفسك حتى تعلم قدر هؤلاء حفظاً ودراية وفهماً؛ هذه من فوائد قراءة هذا.

وقال عنه: «حذرنا استشهادات أحمد في العلوم، فوجدناه يحفظ سبعمئة ألف حديث فيما يتعلق بالأحكام». وقال عبد الله بن أحمد: «كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمئة ركعة، فلما مرض من تلك الأسقام أضفته فكان يصلي في كل يوم وليلة مئة وخمسين ركعة، وقد كان قريباً من الثمانين، وكان يقرأ في كل يوم سبعاً، يختم في كل سبعة أيام».

لاحظوا اشتغال أحمد بالعلم، هل حرمه العمل؟ يختم القرآن كل سبعة أيام. اليوم بعض طلاب العلم لا يختم كل شهرين، ويتحجج بالعلم، يقول: يا أخي لماذا لا تختم كل شهر؟ يقول لك: والله أنا مشغول بالعلم والدراسة مع المشايخ، له يقوم ليل وله يحفظ قرآن، وله ما له أي أوراد من قيام أو تعبد، ويقول لك اشتغل بالعلم! طب هؤلاء الأئمة ماذا كانوا يفعلون؟ ما هم أكثر اشتغالاً بالعلم منك، وأكثر حفظاً وضبطاً ومراجعة، ومع ذلك يصلي في اليوم مئة وخمسين ركعة ويقرأ. هذا يدل أن العبادة هي وقود العلم، كلما ازددت تعبداً كلما رزقك الله همة ونشاطاً على طلب العلم، وإن كثرة الملل والفتور في حياة طلابنا اليوم من أسبابها ضعفنا في باب العبادة، ضعفنا جميعاً في باب العبادة يضعف من بركة العلم في حياتنا وهمتنا في تحصيله.

قال: وكانت له ختمة في كل سبع ليالٍ سوى صلاة النهار، وكان ساعة يصلي العشاء، ثم ينام نومة خفيفة، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو. وقال أيضاً: مكث أبي بالعسكري عند الخليفة ستة عشر يوماً وما...

ذاق شيئًا إلا مقدار ربع سويق في كل ليلة، كان يشرب شربة ماء، وفي كل ثلاث ليالٍ يستف حفنة من السويق. فرجع إلى البيت، ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، ورأيت هذا لما كان محبوسًا في فتنة خلق القرآن. فلما جلس في العسكر عند الخليفة ستة عشر يومًا ما ذاق شيئًا إلا أشياء خفيفة كانوا يطعمونه إياها، فبعد أن أرجعوا إلى بيته بعد انتهاء الاعتقال داخل العسكر، لم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، يعني كان مستويًا تمامًا لما خرج.

قال: ورأيت موقعه قد دخل في حدقته؛ يعني هذه المنطقة، كان عيونه دخلت في بعضها رحمه الله عليه لجده التعب.

وقال أحمد بن محمد بن حجاج عن محمد بن سعيد الترمذي: قدم صديق لنا من خراسان، فقال: إني اتخذت بضاعة ونويت أن أجعل ربحها لأحمد بن حنبل، يريد أن يساعد أحمد بن حنبل ماديًا، قال: اتخذت بضاعة أريد أربحها وأعطي الربح لأحمد بن حنبل حتى يتقوى به. قال: فخرج ربحها عشرة آلاف درهم، فحملها إليه، ثم قلت حتى أذهب إليه فأنظر كيف الأمر عنده، فذهبت إليه فسلمت عليه فقلت فلان، فعرفه، فقلت إنه اتخذ بضاعة وجعل ربحها لك، وهو عشرة آلاف درهم، فقال: جزاه الله عنا خيرًا، نحن في غنى وسعة، وأبى أن يأخذها. وقال: فرفض أحمد أن يأخذ ربح هذه التجارة.

وقال الطبراني حدثنا محمد بن موسى: ذاك هو إمام في الفقر، عرفتم لماذا؟ إمام في الفقر، ما كان يأخذ شيئًا. قال: حُمِل إلى حسن بن عبد العزيز الجروي ميراثه من مصر مئة ألف دينار، وحُمِل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس، كل كيس ألف ألف دينار، فقال: يا أبا عبد الله، هذه من ميراث حلال فخذها واستعن بها على عتقتك، فقال: لا حاجة لي بها، أنا في كفاية، فردها ولم يأخذ منها شيئًا.

وقال الخلال: حدثنا محمد بن علي، حدثنا الأثرم، حدثني بعض من كان يسمع مع أبي عبد الله، أنهم كانوا يجتمعون عند يحيى بن آدم، ويتشاغل عن الحديث بمناظرة أحمد، فيتشاغل عن الحديث بمناظرة أحمد يحيى بن آدم ويرتفع الصوت بينهما، وكان يحيى بن آدم واحد أهل زمانه في الفقه، يعني أحمد كان يناظر يحيى بن آدم ويحيى يناظره، وكلاهما إمامان في الفقه، فلا يشتغلون بالحديث، يشتغلون بالمناظرات الفقهية.

وقال: عن سليمان بن حرب أنه قال لرجل: سل أحمد بن حنبل ما يقول في مسألة كذا فإنه عندنا إمام. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: قدمت صنعاء أنا ويحيى بن معين، فمضيت إلى عبد الرزاق إلى قريته وتخلف يحيى، فلما ذهبت أدق الباب، قال لي بقال تجاه داره: مهلا لا تدق، فإن الشيخ يهاب. فجلست حتى إذا طلع -وهذا عبد الرزاق الصنعاني إمام أهل اليمن في الحديث- أحمد بن حنبل خرج مع يحيى بن معين في زمالة علمية، ذهبوا إلى اليمن ليطلبوا الحديث من عبد الرزاق الصنعاني، فذهب أحمد ليدق على باب عبد الرزاق، فهناك كان كأنه بياع بقل قريب من الباب، قال له: لا تدق على باب عبد الرزاق فإن الشيخ يهاب، انتظر حتى هو يطلع، أما تستخرج من بيته لا يخرج.

قال: فجلست حتى إذا كان قبل المغرب خرج، قال أحمد: جالس حتى عند المغرب خرج الشيخ عبد الرزاق من بيته، قال: فوثبت إليه وفي يدي أحاديث انتقيتها، فسلمت وقلت: حدثني بهذه يرحمك الله فإني رجل غريب، قال: ومن أنت وزبرنيق؟ قاله عبد الرزاق؛ يعني أليك عني، لست في وقتك، فقلت له: أنا أحمد بن حنبل. فهو سامع بأحمد بن حنبل بس أول مرة يراه، فلما عرف أني أحمد ضمني إليه، قال: فضمّني إليه وقال: بالله أنت أبو عبد الله؟ ثم أخذ الأحاديث وجعل يقرأها حتى أظلم، فقال للبقال: هلم المصباح، حتى خرج وقت المغرب، وكان عبد الرزاق يؤخر صلاة المغرب إلى آخر وقتها.

وقال الخلال: حدثنا الرمادي، قال سمعت عبد الرزاق -إذا كان عبد الرزاق يؤخر صلاة المغرب إلى آخر وقتها- ذكر أحمد بن حنبل فدمعت عيناه، وقال: بلغني أن نفقته نفدت، فأخذت بيده فأقمته خلف الباب وما معنا أحد، فقلت له: إنه لا تجتمع عندنا الدنانير إلا إذا بعنا الغلة، وقد وجدت عند نساء عشرة دنانير فخذها وأرجو أن لا تنفقها حتى يتهيأ شيء، فقال لي: يا أبا بكر، لو قبلت من أحد شيئًا لقبلت منك. وقال عبد الله: قلت لأبي: بلغني أن عبد الرزاق عرض عليك دنانير؟ قال: نعم، وأعطاني يزيد بن هارون خمسمائة درهم وأظن فلم أقبل، وأعطى يحيى بن معين وأبا مسلم، فأخذ منه، يعني عبد الرزاق لما كان في اليمن كان يعطي طلابه، فيحيى بن معين أخذ، وأبو مسلم أخذ، لكن أحمد بن حنبل ما كان يأخذ من شيخه.

وقال الجوزجاني: كان أحمد بن حنبل يصلي بإمام عبد الرزاق، فسأل عنه عبد الرزاق فأخبر أنه لم يكن منذ ثلاثة أيام شيء، يعني كان أحمد بن حنبل إمامًا، كان أحمد يصلي بعبد الرزاق، يعني عبد الرزاق يقدم أحد تلاميذه أحمد يجعله إمامًا، فأحمد سها في الصلاة، فسال عنه عبد الرزاق لماذا سهوت أو ما الذي سبب سهو أحمد، فأخبر أنه لم يأكل منذ ثلاثة أيام.

وقال الطبراني أنشدنا محمد بن موسى بن حماد لمحمد بن عبد الله بن طاهر: أضحى ابن حنبل محنة مرضية .. وبحب أحمد يعرف المتنسك وإذا رأيت لأحمد متنقصًا .. فأخبرني

وكان عبد الله بن المبارك شيخًا قديمًا، قال: كنت عند إسماعيل بن عياش فتكلم إنسان بشيء فضحك بعضنا، ثم أتينا إسماعيل بن عياش فوجدناه غضبانًا فقال: تضحكون وعندي أحمد بن حنبل؟ وقال يحيى بن سعيد القطان: أحمد لا يضحك بحضرته. وقال يحيى بن سعيد القطان: ما قدم علي مثل أحمد بن حنبل.

أحمد بن سلان قطان: ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيماً منه لأحمد بن حنبل، ولا أكرم أحداً مثله، وكان يقعده إلى جنبه ويقره ولا يمازحه. وقال عبد الرزاق: ما رأيت أحداً أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل، وما رأيت مثله وما قدم علينا مثله. وقال حفص بن غياث: ما قدم الكوفة مثل أحمد بن حنبل. وقال يحيى بن معين: والله ما تحت أديم السماء أفقه من أحمد بن حنبل، ليس في شرق ولا غرب مثله.

وقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد وكان والله قد جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف، يقول ما شاء الله، يدعو ما شاء ووعظ ما شاء، يقول ما شاء ويدعو ما شاء. وعد الأئمة؛ أظنها عُد الأئمة، أي عُد مجموعة من الأئمة، فقال: وكان أحمد أفقه هؤلاء.

وقال عبد الوهاب الوراق: كان أحمد أعلم أهل زمانه وهو من الراسخين في العلم وما رأيت مثله، قال وقد أجاب عن ستين ألف مسألة بأخبار وحديث، أي كل المسائل إذا أجاب عنها بالدليل والأثر. وقال أبو ثور: أجمع المسلمون على أحمد بن حنبل، وقال: كنت إذا رأيته خُيّل إليك أن الشريعة لوح بين عينيه، يعني كان الشريعة أمامه ينتقي ويختار.

وقال إسحاق: أنا أقيس أحمد إلى كبار التابعين، هو حجة بين الله وبين عباده في أرضه ولا يدرك فضله، يعني أحمد بمنزلة كبار التابعين كمنزلة سعيد بن المسيب، وهذا الجيل الأول في العلم والفهم. وقال ابن مهدي: لقد كاد هذا الغلام أن يكون إماماً في بطن أمه، وعن عبد الله بن أحمد قال: كان أبي يذاكر بألفي حديث، يعني إذا ذاكر ليلة من الليالي يذاكر بألفي حديث، يعني حوالي مئتي ألف.

وقال الهيثم بن جميل الحافظ: إذا عاش هذا الفتى سيكون حجة على أهل زمانه، أي أحمد بن حنبل. وقال الحارث بن عباس: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحداً يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال: لا أعلمه إلا شاب في ناحية المشرق، يعني أحمد بن حنبل. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت قتيبة يقول: لولا الثوري لما مات الورع، ولولا أحمد بن حنبل لأحدث في الدين. قلت لقتيبة: تضم أحمد بن حنبل إلى أحد التابعين؟ فقال: إلى كبار التابعين، هو ليس كحده بل هو إلى كبارهم منسوب.

وقال قتيبة أيضاً: إذا رأيت رجلاً يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سنة، ولو أدرك أحمد عصر الثوري والأوزاعي والليث لكان هو المقدم عليهم. وقال شجاع بن مخلد: كنت عند أبي الوليد الطيالسي فورد عليه كتاب من أحمد بن حنبل، فسمعته يقول: ما بالبصريين، يعني البصرة والكوفة، أحد أحب إلي من أحمد بن حنبل ولا أرفع قدراً منه في نفسي.

وعن علي بن المديني أنه قال: أحمد أفضل عندي من سعيد بن جبير في زمانه؛ لأن سعيداً كان له نظراء، وعن أبي عبيد قال: وأما أحمد فليس له نظراء. وعن أبي عبيد قال: إني لأتزين بذكر أحمد، ما رأيت رجلاً أعلم بسنتي منه. وعن يحيى بن معين قال: ما رأيت محدثاً لله إلا ثلاثة: يعفر، وعبيد، والقاع، وأحمد بن حنبل.

وقال أبو خيثمة: محدث لله، أي لا يطلب شيئاً من الدنيا، كأنه يقول محدث لله، يعني نيته خالصة لله عز وجل، لا يريد شيئاً؛ لا شهرة ولا منصب ولا شيء من الحكام والسلاطين وما شابه ذلك. وهذا ليس حصراً حقيقياً، وإنما المراد ما شاهده وما رآه، وإلا إن شاء الله في علماء السلف الخير الكثير. وقال أبو خيثمة: ما رأيت مثل أحمد ولا أشد منه قلباً.

وقال مروذي: دخلت على ذنون السجن ونحن بالعسكر، فقال: أي شيء حال سيدنا أحمد بن حنبل؟ وقال أبو ثور: أحمد بن حنبل أعلم وأفقه من الثوري. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن علي بن المديني وأحمد بن حنبل أيهما أحفظ؟ فقال: كان في الحفظ متقاربين، وكان أحمد أفقه. وقال أبو زرعة: أحمد بن حنبل أكبر من إسحاق وأفقه. وقال الذهلي: جعلت أحمد إماماً فيما بيني وبين الله.

وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: سمعت محمداً بن سخبريه يقول: سمعت أبا عمير بن النحاس الرملي يذكر أحمد بن حنبل، فقال: رحمه الله عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضي ما كان أشبهه، وبصالح ما كان ألحقه، عرضت له الدنيا فأبى، والبدعة فأنفاها. قال أبو حاتم: كان أبو عمير من عباد المسلمين. وقال أبو عبد الله البوشنجي: ما رأيت أجمع في كل شيء من أحمد بن حنبل ولا أعقل منه.

وقال ابن واره: كان أحمد صاحب فقه، صاحب حفظ، صاحب معرفة. وقال النسائي: جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث والفقه والورع والزهد والصبر. وقال أبو داوود: كانت مجالس أحمد مجالس أُخر لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيته ذكر الدنيا قط. وقال صالح جزرة: أفقه من أدركت في الحديث أحمد بن حنبل.

وعن محمد بن أبي بشر قال: أتيت أحمد بن حنبل في مسألة، فقال: ائتِ أبا عبيد فإن له بياناً لا تسمعه من غيره، فأتيته فشفعني جوابه، فأخبرته بقول أحمد، فقال: ذاك رجل من عمال الله، نشر الله رداء علمه، وذخر له عنده الزلفة، أما تراه محبباً مألوفاً؟ ما رأت عيني بالعراق رجلاً اجتمعت فيه هذه الخصال، فبارك الله له فيما أعطاه من الحلم والعلم والفهم.

وعن المزني قال: أحمد بن حنبل يوم المحنة، وشوف قدرته؛ أقدر أبي عبيد على أن يمدح قرينه، تمام اليوم، هل سهل على شيخ يمدح شيخاً آخر من أهل زمانه؟ تجده إذا مدحه والله الشيخ جيد وأنصح به، لكن لازم حتى يشعرك أنه هو أعلى من ذاك الشيخ بشكل من الأشكال، شوف نفسية أبي عبيد وهو يمدح أحمد بن حنبل من علماء زمانه.

من نفس البلدة يمدحه ويقول لك: هذا أفضل مني، هذا أحسن مني، هذا رجل ربنا فتح عليه أكثر مني. هي نفسية إخواني، بها كتب الله ذكر هؤلاء ما عندهم تحاسد وتنافس وحقد، وكل شخص يريد أن يظهر هو أمام زمانه ويكسر الطرف الآخر، ويعرفون قدر بعضهم البعض ويحترم بعضهم بعضا؛ هذه أخلاق العلماء الذين نقتدي بهم اليوم.

قال عن المزني: قال أحمد بن حنبل: يوم المحن، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم صفين. هذه مواقف لا تُنسى. وقالوا عن محمد بن مصعب العابد: قال لصوت ضربه أحمد بن حنبل في الله أكبر من أيام بشر بن الحارث. وقال شيخ الإسلام الأنساري: أخبرنا أبو يعقوب أن أبا منصور بن عبد الله الذهلي حدثنا محمد بن الحسن بن علي البخاري: سمعت محمد بن إبراهيم البوشنجي وذكر أحمد بن حنبل فقال: هو عندي أفضل وأوفق من سفيان الثوري؛ وذلك أن سفيان لم يمتحن بمثل ما امتحن به أحمد.

ولا علم سفيان ولا علم من تقدم من فقهاء الأمصار كعلم أحمد بن حنبل؛ لأنه كان أجمع له وأبصر بأغوار الفقه وصدوقا. ومن مما ساعده على ذلك أن أحمد متأخر، فاستطاع أن يطلع من علوم الأمصار ما لم يطلع عليه سفيان وغيره؛ لأنه جاء بعد أبي حنيفة ومالك والشافعي، فبالتالي استطاع أن يجمع من علوم المتأخرين والأمصار ما لم يقف عليه المتقدمون.

قال: بلغ أن شاء الله، قال: ولقد بلغني عن بشر بن الحارث أنه قال: «قام أحمد مقام الأنبياء، وأحمد عندنا امتحن بالسراء والضراء فكان فيهما معتصما بالله». وقال محمد بن نصر المروزي: جئت إلى دار أحمد بن حنبل مضطرًا وسألته عن مسائل، فقيل له: كان أكثر حديثا أم إسحاق؟ قال: بل أحمد أكثر حديثا وأورع.

أحمد فاق أهل زمانه، وقال أبو عبيد: ما هبت أحدا في مسألة ما هبت أحمد بن حنبل. وقال إبراهيم الحربي: سعيد بن المسيب في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه، وأحمد بن حنبل في زمانه؛ كل هؤلاء أئمة في أزمنتهم. وقال الذهلي حين بلغته وفاة أحمد: ينبغي لكل أهل دار ببغداد أن يقيموا عليه النياحة في دورهم؛ هذا يجب أن يبكى عليه.

وقال الحسين الكرابيسي: مثل الذين يذكرون أحمد بن حنبل مثل قوم يجيئون إلى أبي قبيس يريدون أن يهدموه بنعالهم. ومن أبو قبيس؟ هذا جبل. الذي يريد أن ينال من مرتبة أحمد بن حنبل كشخص ماسك نعلًا وعم يضرب جبلًا؛ أبو قبيس الجبل سيظل جبلًا، أنت مسكين كناطح صخرة يوما لنها فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل كما قال الأعشى.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، وقيل له: اختيار أحمد وإسحاق أحب إليك، أم قول الشافعي؟ قال: بل اختيار أحمد وإسحاق. ما أعلم في أصحابنا أسود الرأس أفقه من أحمد بن حنبل، وما رأيت أحدا أجمع منه. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي وذكر الدنيا فقال: «قليلها يجزئ وكثيرها لا يجزئ».

وقال صالح بن أحمد: ربما رأيت أبي يأخذ الكسر، ينفض الغبار عنها ويسيرها في قصعة ويصب عليها ماء ثم يأكلها بالملح. أحمد كان يأخذ كسرة خبز ناشفة جافة ويبللها بالماء ثم يأكلها بالملح؛ هكذا أكل أحمد بن حنبل. وما رأيته قط اشترى رمانا ولا فرجا ولا شيئا من الفاكهة إلا أن يكون بطيخة فيأكل بخبز وعنبا وتمرا؛ إذا أراد أن يتبحر، اشترى بطيخة وأكلها بالخبز.

وكان إذا توضأ لا يدعو من يستقي له. ربما اعتللت فيأخذ قدحًا فيه ماء فيقرأ فيه ثم يقول: اشرب منه واغسل وجهك ويديك. وربما قال ابنه صالح: أحيانًا بمرض فبماذا ينصحني أبي؟ فيقول: خذ قدحًا من ماء فيقرأ فيه، أحمد يقرأ في قدح الماء ثم يعطيه لابنه يرقيه فيشرب منه ويغسل وجهه ويده. وكان ربما خرج إلى البقال فيشتري الرزة والحطب والشيء فيحمله بيده، لم يكن يحتاج إلى تلاميذ يساعدونه في حمل أمتعته، بل يحمل بيده ويخدم نفسه بنفسه، متواضع والأمور طيبة.

وكنت أسمعه كثيرًا يقول: «اللهم سلم، اللهم سلم». وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله: ما أكثر ما يدعو لك؟ قال: «أخاف أن يكون هذا استدراجا». ما أكثر من يدعو لك من طلابك وأهل زمانك، فما غره ذلك؟ قال: «وأخشى أن يكون ذلك استدراجا». قلت له: لماذا يدعون لي؟

وقال: قدم رجل من ترسوس، فقال: كنا في بلاد الروم في الغزو، إذا هدأ الليل رفعوا أصواتهم بالدعاء: «ادعوا لأبي عبد الله». وكنا نمد المنجنيق ونرمي عن أبي عبد الله، ولقد رمي بحجر والعلجوم تترس بدرعة، فذهب برأسه وبالدرعة؛ الحجر شق رأسه والدرع معها. فتغير وجه أبي عبد الله وقال: «ليته لا يكون استدراجا». يعني يخشون على أنفسهم ولا يعجبون.

وقال المروزي أيضًا: رأيت طبيبا نصرانيًا خرج من عند أحمد ومعه راهب، فقال إنه سألني أن يجيء معي ليرى أبا عبد الله. هذا الراهب طموحه في الدنيا يشوف من هو أحمد بن حنبل، قد ما حكى الناس عنه؛ طبيب نصراني كأنه أحمد بن حنبل احتاج لهذا الطبيب، إما عنده أو لأحد أولاده أو زوجته، ولكن هذا الطبيب أحضر معه راهبا يريد أن يعرف من هو هذا الرجل. وأدخلت نصرانيًا على أبي عبد الله فقال له: إني لا أشتهي أن أراك منذ سنين، ما بقاؤك صلاح المسلمين وحدهم، بل الخلق جميعًا. النصراني يقول لأحمد: بقاؤك خير حتى للديانات الأخرى.

«ما من أصحابنا النصارى إلا ورضي بك حكما». قال فقلت لأبي عبد الله: إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأنصار، فقال: «يا أبا بكر، إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس». وهذا من اتهامه لنفسه، إذا كان الواحد عارف نفسه مذنبًا، ماذا ينفعك أن الناس تمدحك؟ انظر نظرتهم لأنفسهم رحمه الله عليهم.

وقال أيضًا: قال لي أحمد: «ما كتبت حديثًا إلا وقد عملت به»، حتى مر بي أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا، فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت. وهذا من تمسكه بالعمل بما يتعلم، وهذه بركة العلم العمل.

وقال: كان أبو عبد الله إذا ذكر الموت خنقته العبرة، وكان يقول: «الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب، وإذا ذكرت الموت هان علي كل أمر الدنيا، إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، فإنها أيام قلائل، فما أعدل بالفقر شيء، ولو وجدت سبيلاً لخرجت حتى لا يكون لي ذكر». وقال: «أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أعرف، قد بليت بالشهرة، إني أتمنى الموت صباحًا ومساءً».

وقال المروذي: لم أرَ الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أبي عبد الله، كان مائلاً إليهم، مقصرًا عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع تعلوه السكينة والوقار، وإذا جلس في مجلسه بعد العصر لفتي لا يتكلم حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر.

وقال: رأيت أبا عبد الله وقد وهب لرجل قميصه، وكان ربما واسى من قوته، وكان شديد الحياء، كريم الأخلاق، يعجبه السخاء. وقال أيضًا: كان أبو عبد الله لا يجهل، وإن جهل عليه حلم واحتمل؛ أي لا يشتم ولا يسب. قال: كان أبو عبد الله لا يجهل، أي لا يشتم غيره، وإذا جهل عليه أحد شتمه حلم واحتمل وصبر ويقول: «يكفي»، يقول: «يكفي الله». ولم يكن بالحقد ولا العجول، وكان كثير التواضع، حسن الخلق، دائم البشر، لين الجانب، وكان يحب في الله ويبغض في الله، وإذا كان في أمر من الدين اشتد له غضب غضبه، وكان يحتمل الأذى من الجيران، يعني كان لا يغضب إلا في أمر من أمور الدين.

وقال عبد الله: كان أبي يصوم ويدمن ثم يفطر ما شاء الله، يدمن يعني يطيل الصيام، ثم يفطر ما شاء الله ولا يترك صوم الاثنين والخميس، يفطر ما شاء الله، كحال النبي ﷺ، لا تشاء أن تراه صائمًا إلا رأيته صائمًا، ولا تشاء أن تراه مفطرًا إلا رأيته مفطرًا. وقال: وأيام البيض، فلما رجع من العسكر أدمن الصوم إلى أن مات، لما فك أسره أدمن الصوم حتى مات رحمه الله عليه.

قال وقال فتح بن نوح: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «أشتهي ما لا يكون»، أشتهي مكانًا لا يكون فيه أحد من الناس. وقال الميموني: قال: «أشتهي شيء لا يمكن أن يحصل»، قالوا له: ماذا تشتهي؟ قال: «أشتهي مكانًا لا يوجد فيه أحد من الناس»، بدي عزلة خاصة بعد أن اشتهر أمره، أصبح الناس لا يتركونه، والإنسان الذي يعرف قيمة الدنيا ويحب الله عز وجل ترى الشهرة متعبة وليست مغنمًا.

وقال الميموني: قال أبو عبد الله: «رأيت الخلوة أروق لقلبي». وقال محمد بن الحسن بن هارون: «رأيت أبا عبد الله إذا مشى في الطريق يكره أن يتبعه أحد». وقال غيره: كان أبو عبد الله يحب الخمول والانزواء عن الناس، ويعود المريض، وكان يكره المشي في الأسواق ويؤثر الوحدة.

وقال عبد الله: سمعت أبي يقول: «وجدت أني نجوت من هذا الأمر كفافًا، لا علي ولا لي». وقال إبراهيم: «أرجو أنني أخرج من الدنيا كفافًا»، يعني لو ما في علي سيئات، ما في لي حسنات، بس ما لي سيئات، وهذا كلمة عمر بن الخطاب أيضًا قالها عند موته.

وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوري: كان أبو عبد الله حيث توارى من السلطان، وذكر من اجتهاده في العبادة أمرًا عجيبًا، قال: وكنت لا أقوى معه على العبادة، وأفطر يومًا واحدًا واحتجم. وقال إبراهيم بن شماس: كنت أعف أحمد بن حنبل وهو غلام وهو يحيي الليل. وقال عبد الله بن أحمد: هذا يقوم الليل وهو غلام صغير، شوف نشأ على العبادة مش شيء يتكلفه.

وقال عبد الله بن أحمد: لما قدم أبو زرعة نزل عند أبي، فكان كثير المذاكرة له، فسمعت أبي يومًا يقول: «ما صليت اليوم غير الفريضة، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي». هذا تطبيق لكلام الشافعي أنه العلم أفضل من النافلة، يعني يوم من الأيام أبو زرعة لما زار بغداد نزل عند أحمد بن حنبل، فأحمد استفاد هذا اليوم، ما كان يصلي النوافل الرواتب، اشتغل بمذاكرة أبي زرعة في الحديث، هذا تطبيق أنه إذا تزاحم الأمران قدم العلم، وأما منهجه العام فهو التعبد والتنفل.

وقال أبو بكر بن شاذان: حدثنا أبو عيسى أحمد بن يعقوب، حدثتني فاطمة بنت أحمد بن حنبل قالت: وقع الحريق في بيت أخي صالح، وكان قد تزوج بامرأة غنية، فحملوا إليه جهازًا شبيها بـ ٤٠٠٠ دينار، فأكلته النار، فجعل صالح يقول: «ما غمني ما ذهب، إلا ثوب لأبي كان يصلي فيه أتبرك به وأصلي فيه». قالت: فطفأ الحريق ودخلوا، فوجدوا الثوب على السرير قد أكلت النار ما حوله وسلم، سبحان الله، الله أعلم، يعني هذا صالح تزوج امرأة غنية وحملوا إليه جهاز ٤٠٠٠ دينار، احترق كل جهاز العروس إلا ثوب أحمد بن حنبل لم يحترق.

قال ابن الجوزي: وبلغني عن قاضٍ، قضاه علي بن علي بن الحسين الزينبي، أنه حكى أن الحريق وقع في دارهم فأحرق ما فيها إلا كتابًا كان فيه شيء بخط الإمام أحمد. وقال: ولما وقع الغرق ببغداد في سنة ٥٤٥، غرق كتب وغرق كتبي، وسلم لي مجلد فيه ورقتان بخط الإمام أحمد. وقال غيره، وكذا استفاض وثبت أن الغرق الكائن بعد ١٧٠٠ ببغداد ارتفع الماء فيه على المقابر.

مقبرة الإمام أحمد، ودخل في الدهليز، وعلو الذراع، ووقف بقدر الله. وبقيت الحصر حول قبر أحمد بغبارها، وكان ذلك.

وقال: نعم، قال: وكان صالح بن أحمد قال: أبي طلب الحديث وأنا ابن ست عشرة سنة، ومات هشيم وأنا ابن عشرين سنة، وأنا أحفظ ما سمعت منه. ولقد جاء إنسان إلى باب أبي وعليه كتب هشيم، فجعل يلقيها علي وأنا أقول: هذا إسناده كذا، وهذا إسناده كذا، فجعل يلقيها علي وأنا أقول: هذا إسناده كذا؛ أحمد من عنده يعطيه الأسانيد.

قال: فجاء المعيطي وكان يحفظ، فقلت له: أجب فيها، فبقي وأغرب من حديثه ما لم أسمع. وخرجت إلى الكوفة سنة مات هشيم، سنة ثلاث وثمانين، وهي أول سنة سافرت فيها، وقدم عيسى بن يونس الكوفة بعد أيام سنة ثلاث وثمانين ولم يحج بعدها.

قال: وأول خرجة خرجت فيها إلى البصرة سنة ست وثمانين. قلت له: أي سنة خرجت إلى سفيان بن عيينة؟ قال: في سنة سبع وثمانين، قدمناها وقد مات الفضيل بن عياض، وهي أول سنة حججت فيها. وفي سنة واحد وتسعين حج الوليد بن مسلم، وفي سنة ست وتسعين، وأقمت بمكة سنة سبع وتسعين، وخرجنا سنة ثمان وتسعين، وأقمت سنة تسع وتسعين عند عبد الرزاق، وجاء موت سفيان ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي سنة ثمان وتسعين.

قال: وحججت خمس حجج، منها ثلاث راجلة، أنفقت في إحداها راجلاً. قال: أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهما. قال أبي: وخرجت، ولو كانت عندي خمسون درهماً لكنت قد خرجت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الري، فخرج بعض أصحابنا ولم يمكني الخروج. قال: لو امتلكت فقط هذا المبلغ لذهبت إلى جرير بن عبد الحميد حتى أطلب منه، لكن ما كان معي خمسون درهماً، مبلغ زهيد إخواني في ذاك الزمان؛ ما كان يملك حتى هذه المبالغ اليسيرة.

قال العباس الدوري: سمعت أبا جعفر الأنبارِي يقول: لما حُمّل أحمد بن حنبل، ويراد به المأمون، أخبرتُ، فعبرتُ: "يراد به المأمون" في فتنة خلق القرآن، لأنه المأمون هو الذي بدأ هذه الفتنة، فحُمّل أحمد بالأغلال والسلاسل إلى المأمون.

قال: لكنه في الطريق دعا أحمد على المأمون فمات المأمون قبل أن يأتيه. قال: أخبرتُ، فعبرتُ الفرات إليه، فإذا هو في الخان، فسلمت عليه فقال: يا أبا جعفر تعنيت؟ فقلت: ليس هذا عناء، قال فقال له: يا هذا، أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فوالله إن أحببت إليّ فإن أجبت إلى خلق القرآن، ليجبن بإجابتك خلق من خلق الله؛ احذر يا أحمد أن تضعف. قال: وإن أنت لم تجب، ليمنع خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، ولا بد من الموت؛ هذا ينصح أحمد بن حنبل، أن أثبت، ترى الحياة قصيرة يا أحمد، وإذا مت -يعني إذا لم يقتلك المأمون- أنت أصلاً ميت، فاثبت حتى لا تفتن الناس. قال: فاتق الله ولا تجبهم إلى شيء. فجعل أحمد يبكي وهو يقول: ما شاء الله، ما شاء الله. قال: ثم قال لأحمد: يا أبا جعفر، أعد عليّ ما قلت؟ فأعدت عليه، فجعل يقول: ما شاء الله، ما شاء الله. هذا موقف جميل أنه الإنسان لما يكون سيُسجن أو يُعذب يجد شخصاً يدعمه معنوياً: اثبت، وإن شاء الله أنك على خير وصلاح. هذا أعجب أحمد بن حنبل بهذا الكلام.

وقال علي بن أحمد: حدثنا أبو بكر السره، وردية بمكة، قال: رأيت أبا ذر بسره وردة، وقد قدم معي، وكان مقطوعاً بالبرص. وكان ممن ضرب أحمد بن حنبل بين يدي المعتصم، وربنا ابتلاه بالبرص لأنه ضرب أحمد بن حنبل بالسياط في فتنة خلق القرآن، هذا أبو ذر.

قال: دعينا في تلك الليلة ونحن خمسون جلاداً، فلما أمرنا بضربه كنا نعدو حتى نضربه، ثم يجيء الآخر على أثره ثم يضرب، وضعوا مائة وخمسين جلاداً، كل واحد يجيء يضرب قليلاً حتى يتعب، ثم يأتي الذي يليه ليضرب أحمد بالسياط حتى يتعب، مائة وخمسون جلاداً مروا على جسد أحمد، فهذا ربنا ابتلى أحدهم بالبرص.

وقال أحمد بن مروان الدينوري: حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحنفي، قال: سمعت أبي يقول: كنت في الدار وقت أدخل أحمد بن حنبل وغيره من العلماء، فلما أُمدَّ أحمد ليضرب بالسياط، دنا منه رجل وقال له: يا أبا عبد الله، أنا رسول خالد الحداد من الحبس، ويقول لك: اثبت على ما أنت عليه، وإياك أن تجزع من الضرب، واصبر؛ فإني قد ضربت ألف سوط في الشيطان، وأنت تضرب في الله. هذا رجل كان راقداً وقطاع طريق، قال: أنا ضربت ألف سوط وأنا حرام، أنت اصبر على ألف سوط في الله سبحانه وتعالى.

وقال أحمد بن مروان: حدثنا إدريس الحداد، قال: كان أحمد بن حنبل إذا ضاق به الأمر أجر نفسه من الحاجة. فلما كان أيام المحنة وصرف إلى بيته، حُمّل إليه مال فرده وهو محتاج إلى رغيف، فجعل عمه إسحاق يحسب ما رد، فإذا هو نحو خمسمائة ألف، فقال: يا عم، رددت خمسمائة ألف؟ فقال: يا عم، لو طلبناه لما أتنا، وإنما أتانا لما تركناه.

وقال هلال بن علي الرقي: من الله على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس؛ وبالشافعي تفقه بحديث رسول الله ﷺ؛ وأبي يحيى بن معين نفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ؛ وأبي عبيد القاسم بن سلام فسر الغريب عن حديث رسول الله ﷺ.

قال صالح بن أحمد: قلت لأبي يوما إن رجلا جاء إليه فقال: اجعلني في حل، فقال: لا جعلت أحدا في حل أبدا، فتبسم. فلما مضت الأيام قال: يا بني، مرتد به بهذه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]. فنظرت في تفسيرها، فإذا هو: إذا كان يوم القيامة قام منادٍ فنادى: لا يقوم إلا من كان أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا. فجعلت الميت في حل من ضربه إياي، ثم جعل يقول: ﴿وَمَا عَلَى الرَّجُلِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ وَيَصْفَحَ﴾ [التغابن: 14]. يعني أنت لست خسرانًا إذا رب ربنا عز وجل ما عذب أحدا بسببه، اعفُ عن الناس.

قال حمبل بن إسحاق: مات أبو عبد الله في سنة 241هـ، توفي أحمد بن حنبل رحمه الله. ولد سنة 164هـ وتوفاه الله يوم الجمعة في ربيع الأول، وهو ابن 77 سنة. وقال عبد الله بن أحمد: توفي أبي رحمه الله في يوم الجمعة ضحوة، ودفناه بعد العصر ليلة اثنتي عشرة من ربيع الآخر سنة 241هـ. وصلى عليه محمد بن عبد الله بن الطاهر، وهو أمير البلدة.

وقال عبد الله: وكنا صلينا عليه نحن هاشميون داخل الدار، وكان له 78 سنة. وكانهم لم يحبوا أن يصلي هذا الأمير عليه لأن الظلم كان فيهم منتشراً، لكنه أجبرهم قائلاً: أنا سأصلي، أنا أمير البلد. وقال عبد الله: وخطب أبي رأسه ولحيته بالحناء وهو ابن 63 سنة.

وقال أبو أمية الطرسوسي: مات سنة 241هـ، ولم يتابع على قوله سنة اثنتين، لأن المشهور سنة 241هـ وليس 242هـ. وقال المروذي: مرض أبو عبد الله تسعة أيام، وكان ربما أذن للناس فيدخلون عليه أفواجاً يسلمون عليه ويرد بيده وتسامح الناس وكثروا. سمع السلطان بكثرة الناس، فوكل السلطان ببابه وباب الزقاق أصحاب الأخبار، ثم أغلق باب الزقاق، فكان الناس في الشوارع والمساجد، حتى أصحاب الأخبار؛ يعني الاستخبارات والأجهزة الأمنية، لأن بيته كثر يزوره الناس في هذه الأيام.

ثم أغلق باب الزقاق فكان الناس في الشوارع والمساجد، حتى تعطل بعض الباعة، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه ربما دخل من بعض الدور وربما تسلق، وجاء أصحاب فوق أسطح الدور حتى يصلوا إلى بيت أحمد. فقعدوا على الأبواب، وجاء حاجب بن الطاهر فقال: إن الأمير يقرئك السلام وهو يشتهي أن يراك. فقال: هذا مما أكره، وأمير المؤمنين مش حابب أشوفه، وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره. وأصحاب الخبر يكتبون بخبره إلى العسكر، والبرد تختلف كل يوم.

وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه وجعلوا يبكون عليه، وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم. ودخل عليه شيخ فقال: اذكر وقوفك بين يدي الله، فشهق أبو عبد الله وسالت دموعه. فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادعوا لصبيان بلسان ثقيل، فجعلها بلسان ثقيل متعب. فجعلوا ينضمون إليه وجعل يشمم ويمسح رؤوسهم وعينه تدمع، وأذكر أن خلت تحته الطست فرأيت بوله دماً عبيطاً، فقلت لطبيبه، فقال: هذا رجل دمه عبيط، أي دم متجلط. فقال الطبيب: هذا رجل قد فتت الحزن والغم جوفه، قيل للطبيب: ما قصة هذا الدم المتجلط الذي يخرج منه؟ قال: هذا رجل يخاف الله.

واشتدت علته يوم الخميس، فقال: حلل الأصابع. فلما كانت ليلة الجمعة ثقل وقبض صدره، فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كان الدنيا قد ارتج وامتلات السكك والشوارع. وقال بنان بن أحمد: حضرت الصلاة على جنازة أحمد بن حنبل يوم الجمعة سنة 241هـ، وكان الإمام عليهم محمد بن عبد الله بن الطاهر. فأخرجت جنازة أحمد بن حنبل ووضعت في صحراء أبي قيراط، وكان الناس خلفه إلى عمارة سوق رقيق.

فلما انقضت الصلاة، قال محمد بن عبد الله بن الطاهر: انظروا كم صلى عليَّ ورائي؟ فنظروا فكانوا 800 ألف رجل و6 آلاف امرأة. ونظروا من صلى في مسجد الرصافة العصر فكان 20 ألف رجل، صلوا عليه مرتين؛ مرة على الطاهر ومرة صلى عليه الهاشميون. قال: ذلك يعني الجنائز تشهد أن الناس اجتمعوا علينا وليس عليكم.

وعن فتح بن حجاج قال: سمعت في دار الأمير أبي محمد عبد الله بن الطاهر أن الأمير بعث عشرين رجلاً فزروا كم صلى على أحمد بن حنبل، فبلغ ألف ألف، وقال غيره: أكثر من مليون. وقال غيره: و300 ألف سوى من كان في السفن في الماء، يعني الناس صاروا يصلون حتى في السفن جوا الأنهار والبحار.

وقال الخلال: سمعت عبد الوهاب الوراقي يقول: ما بلغنا أن جمعاً في الجاهلية ولا في الإسلام مثله ممن شهد الجنازة، حتى بلغنا أن الموضع حُزر، فإذا هو نحو مليون، وحزرنا على القبور نحو 60 ألف امرأة. وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع ينادون من أماكن الوضوء حتى يدركوا الجنازة.

وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: بلغني أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذي وقف عليه الناس حيث صلى على أحمد، فبلغ مقام ألف ألف و500 ألف. وقال عبيد الله بن يحيى بن خاقان: سمعت المتوكل يقول: طوبى لك يا محمد، صليت على أحمد بن حنبل رحمه الله عليه.

وقال الإمام أبو عثمان الصابوني: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: حضرت جنازة أبي الفتح القواس الزاهد مع الشيخ.

أبو الحسن الدال القطني، فلما بلغ إلي ذلك الجمع الكبير، أقبل علينا وقال: سمعت أبا سهل بن زياد القطان يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: «قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز».

قال أبو عبد الرحمن: عُلّق على أثر هذه الحكاية أنه حزر الحزر المصلون على جنازة أحمد بن حنبل، فبلغ العدد بحذرهم ألفًا وسبعمئة ألف سوى الذين كانوا في الصف.

وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو بكر محمد بن عباس المكي قال: سمعت الوركي جار أحمد بن حنبل يقول: أسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس. وقال الوركي: يوم مات أحمد بن حنبل وقع المأتم والنوح في أربعة أصناف من الناس: المسلمين، واليهود، والنصارى، والمجوس.

وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو يوسف بختان، وكان من خيار المسلمين، قال: لما مات أحمد بن حنبل رأى رجل في منامه كان على كل قبر قنديل، فقال: ما هذا؟ قيل له: أما علمت أنه نور لأهل القبور بنزول هذا الرجل بين أظهرهم، وقد كان فيهم من يعذب، فرحمهم. لما دخل أحمد في هذه المقبرة، رُئيت رؤيا في النوم أن كل أهل القبور رَحِمهم الله بنزول أحمد بن حنبل في مقبرتهم.

عن إبراهيم بن جعفر المروذي قال: رأيت أحمد بن حنبل في المنام يمشي مشية يختال فيها، فقلت: ما هذه المشية يا أبا عبد الله؟ قال: «هذه مشية الخدام في دار السلام».

وقال زكريا بن يحيى السمسار: رأيت أحمد بن حنبل في المنام على رأسه تاج مرصع بالجوهر، وفي رجليه نعلان وهو يخطر بهما، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: «غفر لي، وأدنى، وتوجني بيده بهذا التاج»، وقال لي: «هذا بقولك القرآن كلام الله غير مخلوق». قلت: ما هذه الخطرة التي لم أعرفها لك في دار الدنيا؟ قال: «هذه مشية الخدام في دار السلام».

وقال بندار: رأيت سفيان الثوري فقلت: إلى ما صرت؟ قال: «إلى أكثر مما ملت». فقلت: ما هذا؟ قال: «در وياقوت، قدم علينا أحمد بن حنبل فأمر الله أن ينثر عليه ذلك، فهذا نصيبي». وكان أهل الجنة في الجنة زينوا بقدوم أحمد بن حنبل، وسفيان مات قبل أحمد، فسفيان زين أهل الجنة لقدوم أحمد بن حنبل، والمراد من الأرواح.

وقال ابن أبي حاتم: سمعت عبد الله بن الحسين بن موسى يقول: رأيت رجلًا من أهل الحديث توفي، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: «غفر لي». فقلت: بماذا غفر الله لك؟ قال: «بمحبة أحمد بن حنبل».

وقال الخلال: حدثني أحمد بن محمد بن محمود قال: كنت في البحر مقبلاً من ناحية السند في الليل، فإذا هاتف يقول: «مات العبد الصالح أحمد بن حنبل»، فقلت لبعض من معي: هاتف؟ يعني صوتًا نسمعه ولا نعرف مصدره، يسمونها هاتفًا، قال: هذا من صالح الجن، ومات أحمد هذه الليلة، الله أعلم.

وقال حبيش بن أبي الورد: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا نبي الله، ما بال أحمد بن حنبل؟ فقال: «سيأتيك موسى عليه السلام فاسأله». فإذا أنا بموسى، فقلت: يا نبي الله، ما بال أحمد بن حنبل؟ فقال: «أحمد بن حنبل بل السراء والضراء فوجد صادقًا، فألحق بالصديقين».

وقال أحمد بن محمد الكندي: رأيت أحمد بن حنبل في المنام فقلت: يا أبا عبد الله، ما صنع الله بك؟ قال: «غفر لي»، ثم قال: «يا أحمد، ضربت في...» قلت: نعم يا رب، قال: «يا أحمد، هذا وجهي فانظر إليه، فقد أبحْت لك النظر إليه».

ومناقب هذا الإمام وفضائله كثيرة جدًا، وقد صنف فيها العلماء قديمًا وحديثًا، وبالله التوفيق والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

أيها الكرام، إن هؤلاء الأئمة الأعلام مناقبهم وأحوالهم وسيرهم، بل حتى المنامات التي رُئيت بهم، إنما كانت لفضيلة بذل أعمارهم في سبيل الله، لما أوقفوا هذه الأعمار لخدمة الشريعة ورفع لوائها وتعليم العلم وتعلمه، الله عز وجل رفع ذكرهم في العالمين. فمن أراد أن يذكره أهل السماء قبل أهل الأرض، فعليه أن يسير على خطى هؤلاء العلماء بذلًا وتضحية، والتخلي عن الشهوات والمعاصي والذنوب، والإقبال على الله والتعبد، بهذا ينال الإنسان الرفعة.

قد يكون بيننا وبينهم مسافات شاسعة، لكن على الأقل أن تسير على حذوهم. هذه فائدة قراءة مثل هذه الكتب؛ أن ترتفع همتك لتسلك هذا المسلك، مسلك العبادة ومسلك العلم، وأن تعرف أن الله عز وجل أراحهم في الآخرة؛ تعبوا في الدنيا لكن بأول ما ماتوا ارتاحوا ووصلوا إلى الله عز وجل، وأصبح علمهم يُذكر إلى الآن.

وهذا أيضًا من فوائد هذا الكتاب كما قلنا قبل قليل؛ أن يعرف قدر العلماء، وأن تعرف حجمك في مقام هؤلاء الكبار، وماذا جنيت وماذا أنت جمعت في مقابل ما حصلوه وأتقنوه وضبطوه. هؤلاء أئمة في كل شيء، فهذا جيد أن يعرفه الإنسان، وأن يستعين بالله سبحانه وتعالى على سلوك دربهم، وأن يستعملنا الله عز وجل في ضبط مذاهبهم ومعارفهم، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، آمين آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

غراس العلم، طريقك.