بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس سماع جديد، وتعليق جديد على كتاب من كتب أهل العلم، ونحمد الله سبحانه وتعالى أن أعان ووفق لعقد هذا المجلس، ونسأله سبحانه وتعالى أن يديم علينا نعمة العلم أياماً مديدة وسنوات عديدة، وألا يحرمنا من طلب العلم النافع بسبب ذنوبنا وخطايانا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
كتابنا اليوم أحبابي الكرام في موضوع جديد، أحببنا أن نغير الوجهة الآن إلى جهة أخرى من الجهات التي تعتبر أيضاً جانب تزكاوي وتربوي، لكنه مهم جداً لطالب العلم. موضوعنا في هذا الكتاب: كتاب آداب العالم والمتعلم والمفتي والمستفتي للعلامة جمال الدين القاسمي. يتكلم عن فن للأسف قل طارقوه، وقل أن ينتبه له طلبة العلم في هذا الزمان.
وكثير من المعاهد والجامعات للأسف لا تلتفت إليه. يبدأ الطالب الدراسة الشرعية في الجامعة في كلية الشريعة، إذا به يدخل مباشرة على مسائل الطهارة والصلاة، ويتتابع في مسائل التفسير ومصطلح الحديث، ويدخل في خضم مسائل، ويغفل أن يتعلم -قبل أن يتعلم العلم- يتعلم كيف يأخذ العلم، وآداب هذا العلم والمسلك الصحيح.
مع أنه والله إنه أهم ابتداءً من الشروع في ذات العلم؛ لأن تعلم الآداب وتعلم المسالك، وأن تتعلم كيف تتعامل مع العلم ومع الشيخ ومع الكتاب ومع الزملاء، كل هذا هو الذي يضمن لك بإذن الله الاستمرارية في هذا الطريق. أما هذا النزول المباشر بدون الإعداد المسبق، النزول المباشر -كما هو الحال اليوم في المعاهد والجامعات- الدخول المباشر في المسائل الشرعية ومعاركتها مع إنسان ربما حديث عهد بتخرج من الثانوية العامة أو الإعدادية، ولم يسبق له أن تعلم الآداب ولا كيف يجلس في حلقة علم، وكيف يخاطب شيخه بالأسلوب الصحيح، وكيف يحترم كتاب العلم، وكيف يتعامل مع الأقران، ولم يتعلم كيف يصلح قلبه وكيف يصلح سمته والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم في ومع أهله ومعشرته، كل هذه الآداب للأسف يتم القفز عنها وتغافلها، والدخول مباشرة في مسائل في الطهارة والصلاة ونحو ذلك.
وهذا يفسر لنا الإشكالية التي نعيشها في الواقع المعاصر، وهو أن كثيراً ممن يدرس العلم الشرعي قد يكون سمته وأدبه ضعيفاً، أن كثيراً ممن يدرس العلم والشريعة حتى ولو وصل إلى الدكتوراة، حتى ولو درس في الجامعة، حتى ولو حصل ما حصل ونال من الألقاب الدنيوية ما نال، يبقى تحصيله في جانب الآداب، ويبقى سمته وهيئته وطريقه تعامله مع العلم ومع الطلبة ضعيفة.
السبب أنه عندما نشا وعندما ترعرع في العلم لم يترعرع على كتب الأدب، ولم يعرف ولم يطرق هذه الأبواب، بالتالي بقي عنده شيء من الفجوة، شيء من المساحة الواسعة في أخلاقه وسمته وبين أخلاق الأوائل وسمتهم. لذلك الأكابر كانوا دائماً ما يقولون: إن أحوج ما ينبغي أن يتعلمه طالب العلم في بداية تعلمه أن يتعلم أدب الطلب، وأدب الجلوس في مجالس العلم، وأدب التحلق، وأدب الكتاب، وأدب الشيخ، وأدب المعلم، ويتعلم الآداب الشخصية المتعلقة بصمته وحياته، حتى يكون للعلم ثمرة في حياته وثمرة في سمته.
كما قال الحسن البصري رضوان الله تعالى عليه عن طلبة العلم في زمانه قال: كان أحدهم إذا شرع في طلب العلم سرعان ما يظهر أثر ذلك في سمته وهيئته. اليوم ربما بعض طلبة العلم يجلس سنوات وهو يدرس في كلية الشريعة في الجامعة ولا يظهر سمت ذلك عليه، لا هو أطلق اللحية، ولا هو حريص على الآداب والأخلاق العامة، ولا هو انكف عن الذنوب والمعاصي، وهو هو الذي في الثانوية، هو الذي في الجامعة، هو الذي عندما يتخرج لا تجد أثراً للعلم واقعاً على حياته، من ذلك عدم انتباه المدرسين وعدم انتباه الطلبة على أهمية دراسة مثل هذه المصنفات.
ليست فقط الدراسة، الدراسة والعمل؛ لأننا نحن لا نقصد من دراستنا أو من مجلس سماعنا هذا فقط أن نقرا آداب الطالب من دون أن نتحلى بها وأن نتسنى بها. المطلوب منا إذا قرأنا ماذا نعمل؟ نطبق، ونسعى قدر المستطاع أن نجاهد أنفسنا على التحلي بهذه الآداب المرضية التي ذكرها علماؤنا، وبها بلغ ما بلغ من العلماء إلا بعد أن تأسى بهذه الآداب في الجمله.
نعم، كلنا يدخلنا شيء من النقص والتقصير، لكن في الجمله هناك آداب وهناك خطوات وهناك نقاط لا ينبغي لط طالب العلم أن يتجاهلها في السلوك العلمي. متى تجاهلها وضعف فيها، قل إنتاجه، قل انتفاع الناس بعلمه، قلت همته ومسيرته في هذا الطريق. كثير من الطلبة يشكو من ماذا؟ من ضعف الهمم، وضعف الإرادات، وضعف الاستمرارية.
وهذه الشكوى ينبغي أن نضع لها حداً، وأن نعرف ما أسبابها وما جذورها، لكن أقول من أسبابها ولست أُدعي أنه السبب الوحيد، لكن من أسبابها: أن طالب العلم لا يدرس آداب الطلب الظاهرة والباطنة التي ينبغي أن يتحلى بها، يظن أن طلب العلم هو مجرد أن يسجل في جامعة، أو مجرد أن يأخذ مواد معينة وينجح بها، هكذا يصبح طالب علم أو يحصل على شهادة، وهذا والله أبعد ما يكون عن طلب العلم.
الشهادة والدراسات الأكاديمية -خاصة مع الفساد الأخلاقي المنتشر فيها في هذه الأزمنة، وكيف تكون دراسة مختلطة وضمن جامعات مختلطة إلى غير ذلك- كل هذا يفسد الدراسة الشرعية أصلاً ويضعفها، فأنت يا طالب العلم احمد الله سبحانه وتعالى أن وجه قلبك ونفسك في هذا الطريق، أن تحضر مجالس تعلم الأدب، وأن ينبهك إلى هذه المصنفات التي عليك أن تصوغ قلبك وتصوغ حياتك العلمية على منوالها قبل أن تفكر في دراسة الفقه والعقيدة والتخصص في اللغة أو مصطلح الحديث، قبل أن تغوص في أصول الفقه عليك أن تغوص في هذه المعاني الشريفة، معاني آداب الطلب، وأن تجاهد قلبك وجوارحك عليها؛ لأنك إذا استويت في هذه المعاني استوت حياتك العلمية.
ما الفائدة أن يخرج طالب علم مشوه السلوك؟ ما الفائدة أن يخرج طالب علم قرأ آلاف الكتب لكنه لا يحسن التعامل مع الناس، ولا يحسن العشرة لزوجة وأهله وأهل زمانه؟ لا فائدة من ذلك أحباب الكرام، اللهم ربما انتفع على الصعيد الشخصي برفع الجهل عن نفسه، لكن عندما نتكلم عن صناعة طلاب علم يخدمون هذه الأمة ويبرزون ويكونون أصحاب بصمات، هؤلاء الطلبة أول ما ينبغي أن نشبع به هو تعلم آداب هذا الطريق.
وهذه نصيحتي للمعلمين منكم إن شاء الله في المستقبل: إياك أن تفرط في تعليم طلبتك آداب الطلب، إياك أن تفرط في تعليم الناس هذه الأخلاق. والبعض يظنها أنها مسالة من فضول العلم أو من هوامشه أو من حواشيه، وهذا والله خطأ أحبابي، هذا التصور خطأ، هذه هي أصول العلم، أصول العلم أن تعلم كيف صوب النية لله وتخلص له، أصول العلم أن تعرف كيف تستثمر العلم بشكل الصحيح والطرق الصحيحة في التعامل معه، هذه أصول العلم، ثم بعد ذلك تغوص على تؤدة وعلى وضوح وعلى هدوء، فيكون علمك علماً مثمراً، هذا الذي نبحث عنه اليوم، طالب علم علمه مثمر يفيد الناس، يكون قدوة في سمته وهيئته وكلامه ومعشره وأسلوبه.
وقليل من العلم مع كثير من الأدب أعلى وأفضل، كما قال علماؤنا، من كثير من العلم مع قليل من الأدب. يعني لو وازنت أو لو سألت: أيما أفضل: أنا أستكثر من الأدب أو أنا أستكثر من العلم؟ أستكثر من الأدب؛ لأن الأدب الجَمَّ مع قليل من العلم يبارك فيه الله سبحانه وتعالى ونجد ثماره، لكن إنسان عنده علم لكنه لا يمتلك الآداب، سبحان الله، تمحق البركات وتزول ثمار رحلة التعلم.
بالتالي أريدك أن تقرا هذا الكتاب للعلامة القاسمي، أن تستحضر أنك تدرس علماً عظيماً، علماً مهمماً، علماً قد لا أجد من يدرسه لي مرة أخرى، قد لا أجد من يتطرق إلى هذه الكتب في الجامعات ولا المعاهد المنتشرة في زماننا، فعض على هذه الكتب بالنواجذ، استفد منها، علق عليها، احتفي بها احتفاءً كبيراً، كما قلت لأننا للاسف حتى في حياتنا -للاسف- سابقاً عندما شرعنا في بدايه هذا الطريق، قل من كان ينبهنا والله أحبابي على هذه الأمور إلا من وفقه الله من مشايخنا وأساتذتنا متعهم الله بالصحه والعافيه، من قل انتباهه لهذه القضايا، فهذا حقيقه اريد أن أنبهك على هذه القضيه من الآن، حتى تعرف كيف ترسم منهجك ومنهج الطلبه الذين سيأخذون منك في المستقبل.
لا تشغل الطلبة ابتداءً بالخلافات بين الفرق الإسلامية، لا تشغل الطلبة ابتداءً بالخلاف بين أصحاب العقائد، لا تشغل الطلبة ابتداءً بمتون مسائل فرعية وطالبك لم يتعلم الأدب بعد، وطالبك لم يعرف كيف يتكلم مع العلماء وكيف يحترمهم وكيف ينزل الناس منازلهم؛ لأن اليوم إخواني الكرام كل هذه التشوهات السلوكية والأخلاقية التي نشاهدها على وسائل التواصل الاجتماعي في المناقشات الفكرية والعقدية إلى غير ذلك، سببها الأساس أن من يناقش في العادة لم يتعلم هذه الأمور، أو لعله قرأ هذا لكنه لم يهتم بتطبيقها في حياته ولم يجاهد نفسه عليها؛ لأن هذه الأمور تحتاج إلى مجاهدة، تحتاج إلى متابعة وإلى مراقبة لنفسه، وتسال شيخك عن سلوكياتك، هكذا كان السلف: يا فلان، أنت عندك مشكلة هنا، والطارق يستقبل ويصلح ويرتقي.
أما اليوم للأسف كثير من الطلبة إذا قلت له: يا فلان، ترى عندك مشكلة كذا -بينك وبينه- لا يعود يحضر مجلس العلم، يقول: أنا عندي مشكلة، خلاص إذاً أنا لا أصلح، ويزهد ويظن أنه هكذا يعني شبع نهمةً له، أو أن مثلي لا ينصح. إذا كنت تشعر أنك أعلى من النصح وأعلى من التوجيه، إذاً أنت لا تصلح أن تحمل العلم، أن أعطيك إياها من النهاية، إذا كنت تعلم أنك تعتقد في نفسك أنك أعلى من النصح ومن الإصلاح، وتعتقد في نفسك الكمال، فأنت لا تصلح لطلب العلم؛ لأن طالب العلم من أهم صفاته التواضع، من أهم صفاته تقبل النصح، وككما قال البخاري رحمه الله عليه: لا ينبل الرجل حتى يتعلم ممن هو مثله ودونه وفوقه.
لا يكمل طالب علم ولا ينجح حتى يتعلم من كل الناس، ممن هو دونك، وممن هو مثلك، وممن هو فوقك، هكذا ينشأ طالب علم متوازن نفسياً سلوكياً، يستطيع أن يتعامل مع الخلافات الفكرية والعقدية بهدوء، يستطيع أن ينزل الناس منازلهم، يستطيع أن يقود ركب هذه الأمة. نحن عندما نتكلم عن العلماء وعن طلبة العلم أحبابي، نحن نتكلم عن قادة الجيل، نحن لا نتكلم عن طبقة مهمشة في المجتمع.
حتى صدقوني حتى ضعاف الدين، حتى غير المتدينين يبقى طالب العلم في أعينهم هيبة، فإنني أجلس مع كثير من الناس ممن حتى قد لا يكون يحافظ على الصلاة بشكل جيد، فعندما يتكلمون عن رموز هذه الأمة من العلماء يبقى لهم هيبة وإجلال في نفوس الناس، هذه الهيبة من الذي يقذفها؟ الله رغماً عن أنوفيا، يعني أنت صح غير متدين، لكن تجد في قلبك هيبة لذاك العالم، لماذا؟ لأن نور العلم وهيبة العلم لها سطوة على النفوس، بشرط أن تكون عالماً وطالب علم بحق.
ولذلك نحن في هذه المجالس بإذن الله نسعى أن نركز على الجوانب المهمشة في حياة طلبة العلم اليوم، نحاول كما أننا ندرس المتون الدقيقة والعميقة، نحاول ألا نغفل عن جانب تربوي مهم، وعن جانب سلوكي عظيم هو الذي يكمل شخصية طالب العلم، فطالب العلم ليس مجرد حافظة، آلة تحفظ، ليس مجرد إنسان يختم كتاب بعد كتاب، وعبارة عن سلوك وأخلاق وشامة في أعين الناس، فحاول أن تصنع نفسك على موائد آداب العلماء، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وأن يسددنا وأن يعلمنا ما ينفعنا.
هذا الكتاب أحبابي الكرام الذي بين أيدينا اليوم كتاب آداب العالم والمتعلم والمفتي والمستفتي، من عنوانه هو يتطرق إلى موضوعين، القسم الأول سيتعلق بماذا؟ بآداب طالب العلم وآداب المعلم، يعني آداب المعلم في حياته وآداب طالب العلم؛ لأن كلاً منهما يحتاج إلى آداب يتحلى بها، فأنت اليوم طالب علم، غدا تصبح إن شاء الله ماذا؟ معلماً، بالتالي عليك أن تعرف أدبك وأنت طالب، وأدبك وأنت معلم.
طبعاً هناك آداب مشتركة، وهناك آداب تتعلق بالطالب خاصة به، وهناك آداب تتعلق بمن؟ بالمعلم. القسم الثاني -وهذا شيء جميل في الكتاب- يتكلم عن آداب الفتيا وأحكام دقيقة سيتطرق لها جمال الدين القاسمي تتعلق بمسائل الفتيا، ما هو أدب المفتي الذي يلقي الفتيا ويعلم الناس؟ وكيف يكون المستفتي في حاله في سؤاله، في تلقيه للإجابة إذا عرضت له المسألة مرة أخرى؟
وسيكون القسم الثاني أكثر دسوماً؛ لأنه مسائل دقيقة وعميقة وفيها خلاف فقهي ونقاش علمي، فالقسم الثاني فيه نوع من العمق، قضية أدب المفتي والمستفتي والأحكام المتعلقة به، لكن القسم الأول يتميز بالسهولة والسلاسه، خاصة أنه يتكلم عن آداب الأصل أن الكل سمع بها، لكننا الآن نعمقها ونجذرها من خلال الكلام المؤثر، ومن خلال معرفة ما ذكر في الكتاب والسنة وكلام أهل العلم حول هذه الآداب.
في البداية أحبابي الكرام، طبعا أود أن أقرا أو نسمع معاً سيرة العلامة القاسمي، ربما كثير من طلبة العلم لا يعرفون هذا العالم الجليل جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى عليه، من علماء الشام وهو حقيقة قريب من زماننا وليس بعيداً، لكنه كان عالماً كبيراً وله تحريرات نفيسة وكتب منوعة، وهو نموذج يحتذى حقيقة.
من علماء السلف وهذا ما يميز هذا العالم، أنه كان في عقيدته على طريقتة السلف، وإن كان كما سنقرأ تعلم على أيدي كبار أهل التصوف وعلى يد أصحاب الطرق، تعلم على أيديهم، لكن الله أنقذه من الضلالات ومن البدع وبين له منهج السلف، فاختار هذا المنهج وسلك عليه.
فجمال الدين القاسمي يعتقد عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذه مزية له مع احترامه وإجلاله للعلماء حتى المخالفين له في الاعتقاد، فسنوجد أدباً جماً في كلامه معهم.
جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى عليه، من أين أخذ هذا الكتاب؟ فقط هذه فائدة أود أن أختم بها مقدمة هذا الكتاب أحبابي الكرام، هو في جله هو ملخص لمقدمة العلامة النووي رحمه الله تعالى عليه على كتابه المجموع، تعرفون المجموع، تعرفون المجموع في الفقه النووي، مجموع شرح ايش المشايخ؟ شرح المهذب.
العلامة النووي وضع مقدمة لكتابه المجموع في آداب طالب العلم، آداب العالم والمتعلم، وجل العلماء الذين تكلموا بعد النووي في آداب الطلب لخصوا مقدمته، لذلك سنجد القاسمي يعني أخذ من مقدمة النووي بالنصوص، بالنصوص الكثيرة، فجل ما ورد هو تلخيص وتهذيب وتعليق من القاسمي على مقدمة الإمام النووي في كتابه المجموع.
نقول هذا حتى أنت إن شاء الله يأتيك نهى من تعود هذه المقدمة وتقرأها من المنبع الأساس من كتاب المجموع للعلامة النووي، كذلك يعني ابن جماعة في تذكرة السامع، والمتكلم أو جل، لا أقول كل، جل من وضع في آداب الطلب بعد النووي استفاد من مقدمته، فهي حقيقة مقدمة نفيسة، رحم الله كاتبها وواضعها وناقلها ومبرمجها ومتعلمها.
لذلك سنجد أن يعني بشكل واضح أن هذا الكتاب هو تلخيص وتهذيب وتعليق من القاسمي على مقدمة النووي لكتابه المجموع، مهم جداً أن تعرف هذه الفائدة وتدونها.
دعونا ابتداء نقرا سيرة القاسمي حتى نتعرف على العالم، فمن حق العالم إذا لم يكن معروفاً عند الطلبة أن يُعرف به، خاصة سنقرا كتابه، فإذا عرفت قدر هذا العالم وجلده في التعلم وسيرته العلمية، لعل هذا يشوقك أكثر وأكثر أن تنظر في كلامه وتدقق فيه.
وجيدة دائماً طالب العلم ينظر في سير العلماء، فانه والله في سيرهم وفي قصصهم ما يشحذ الهمة، دائماً يعني من الفوائد كما يقول علمائنا وأساتذتنا من فوائد قراءة سير المشايخ والعلماء الاقدمين أن سيرهم ماذا تفعل؟ ترفع همتك وتعرف كيف نجح، يعني هو في النهاية كان مثلي ومثلك طالب علمي، كيف أصبح عالماً؟ أكيد في عناصر نجاح، عناصر النجاح هذه تجدها في القصص والمواقف، فما أجمل أن يعتني طالب العلم بقراءة كتب سير العلماء مثل سير أعلام النبلاء، وصفحات من صبر العلماء، وقيمة الزمن عند العلماء، وغيرها من هذه الكتب التي اشتغلت بهذا التصنيف؛ لأنها ترفع الهمم، كلما شعرت بضعف همتك رد علي، بس افتح كتاب من هذه الكتب وانظر كيف سيختلف الأمر، ستجد شيء يشحذك ويدفعك لأن تستمر أكثر وأكثر في هذا الطريق.
لذلك هنا شيخ الجراني جزاه الله خيراً المحقق وضع ترجمة نفيسة جميلة للعلامة القاسمي يحسن بنا الوقوف عليها وبالتعليق على بعض تفاصيلها الجميلة.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.
قال حفظه الله تعالى: ترجمة الإام القاسمي رحمه الله.
نسبه: رحمه الله تعالى هو العلامة الشيخ أبو الفرج محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن أبي بكر المعروف بالقاسمي رحمه الله تعالى، نسبة إلى جده فالقاسم واحد أجداده، والمشهور هو دائماً نحن باختصار نقول جمال الدين القاسمي هكذا على سبيل الاختصار.
قال ولادته رحمه الله: يقول الجمال رحمه الله ولادتي كما رايتها بخط والدي الماجد رحمه الله ضحوة يوم الاثنين لثمان خلت من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين والف في دمشق، يعني متى ولد رحمه الله عليه باختصار؟ 1283، يعني قبل قديش تقريباً 200 سنة؟ نحكي 160 سنة، يعني ليس بعيداً كثيراً عن هو يقول عن نفسه: وجد والده جمال الدين القاسمي وجد والده قد دون ولادة ابنه على صفحة كتاب، هو يقول جمال الدين: وجدت والدي قد كتب ولادتي على صفحة كتاب، فوجدته كتب أنني ولدت متى مرة أخرى؟ في ضحى يوم الاثنين لعام 1283 في مدينة دمشق.
أكمل قال: نشأته ومشيخته رحمه الله، ربي في كنف والده رحمه الله وهو أعظم أشياخه، هذه أول نقطه ود التنبيه عليها من أول مشياخه، وأريد أشوف أهمية البيت الذي فيه طالب علم ويتزوج امرأة صالحة، ويكون طالب العلم هذا مهتماً بتربية أبنائه، ربما والده غير مشهور كثيراً في العلم صح؟ ليس مشهوراً بالعلم، لكن يكفيه أنه خرج جمال الدين القاسمي؛ لأن ليس شرطاً أن تكون أنت العالم إذا لم توفق إلى ذلك، لكن أقل شيء كن أنت والدي العالم، قل أنت من ربى لهذه الأمة عالماً، قضية أن تصبح عالماً أو لا تشغل دينك بها، لكن اشغل نفسك أنني أتعلم وأفيد الأمة، وأن أربي أبناء لعل أحدهم يكون ماذا هو العالم.
فلاحظ التربية الصالحة كيف أخرجت عالماً كبيراً، لذلك قال: وهو أعظم أشياخه، تصوروا أعظم من تربى على أيديهم من المشايخ والده، وإن كان والده ليس مشهوراً عندنا، وقد يكون مشهوراً في زماننا، لكن أقول عندنا ليس مشهوراً بالمصنفات أو الكتب النفيسة، لكن يكفيه أنه ربى ولداً خرج عالماً نحريراً، وهذا يدل على أهمية التنشئة البيتية، وأنه لا تلقي ابنك للآخرين حتى يربوه، أنت من عليك أن تربي ابنك ومن تقوم عليه وأن ترعاه، وأن تجد له إذا لم تكن متخصصاً في طلب العلم، أقل شيء القيم والأخلاق والسلوكيات عليك أن تزرعها في هذا الطفل حتى يخرج ثمراً يانعاً بإذن الله، هذه فكرة مهمة جداً، قضية التربية والتنشئة كيف تخرج العالم.
أكمل قال رحمه الله تعالى: وقرا القرآن على الحافظ المعمر الشيخ عبد الرحمن بن علي بن شامل المصري رحمه الله نزيل دمشق، قال: يقول ثم جودت القرآن الكريم على شيخ القراء بالشام الشيخ، هذه فائدة ثانية ننتبه لها، في ما هو أول شيء انشغل به بالعلم؟ قرآن، لذلك يا طالب العلم إذا كنت في ريعان شبابك العلمي لا تشتغل بغير القرآن، لا يلبس عليك الشيطان يقول لك أحفظ ألفية ابن مالك ولا أحفظ الأجرومية ولا أحفظ، لا، اشتغل بالقران ولا تترك القرآن؛ لأن مشروع القرآن إذا أجلت وأخرت بحجه انشغالك باللغة أو الصرف سيضيع، وسيبدأ الشيطان معك برحله التسويف.
العلماء جميعاً قاعدتهم العامة أن طالب العلم يبدأ الانشغال بالقران، يجاز به، يأخذ سنداً متصلاً به واحداً، ثم بعد ذلك يتوسع في العلوم يبدأ دراستها، أما التوسع في العلوم وأنت لم تضبط القرآن، هذا غير معروف المسلك أبداً عند أهل العلم، وهذا من بدع الحياة المعاصرة، سمينا من بداية الحياة المعاصرة للأسف اليوم تجد الإنسان أصبح يعني أستاذ دكتور حتى في العلوم الشرعية وهو لا يحفظ القرآن.
طبعا البعض بقول لك يا شيخ ليس شرطاً، الغزالي أنه ليس شرطاً في المجتهد أن يكون حافظاً وليس شرطاً، صحيح، لكنه معيب، يعني فرق بين أن تقول شرط وبين أن تقول عيب أن تكون انساناً متقدماً وعندك قدرات، وهذه القدرات زهدت في حفظ كتاب الله، وانشغلت بحفظ غيره من كلام البشر، لذلك أحد الأخوة قبل قليل عن عالم من العلماء قال: يعني في سيرته، وكان مما أخذ عليه أنه لم يحفظ القرآن، وهو ابن خزيمة قيل إنه يعني مما أخذ عليه، شوف مما أخذ عليه أنه لم يحفظ القرآن كاملاً، هذا يدل نعم على أن حفظ القرآن وإن لم يكن شرطاً، يمكن إنسان يصبح عالماً بدون أن يحفظ بمجرد أن يستظهر استظهاراً، لكن نقطة كانت نقطة عليك أنك لست كغيرك، وهذا يدل أن عرف العلماء المستقر أن الطالب لا ينشغل بتحصيل دقائق العلوم إلا بعد أن يتقن كلام ربه سبحانه وتعالى، وهذا نفعه مجرب عند الجميع.
نعم، قال رحمه الله تعالى: ثم جودت القرآن الكريم على شيخ القراء بالشام الشيخ أحمد الحلواني رحمه الله، فقرات عليه ختمة ونصف الختمة على رواية الإمام حفص، وحضرته من كتب التجويد الميدانية، وشرح الجزرية لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى مرتين زكريا الأنصاري نعم، وللشيخ خالد الأزهري رحمه الله مرة، وقرات عليه معظم شرحه على منظومته في التجويد المسمى باللطائف البهية، كل ذلك صباح الثلاثاء والجمعة.
وأما القراءة ففي كل صباح وبعد الاهتمام بفترة الصباح والانجاز فيها ووجود برنامج أسبوعي كل ثلاثاء وجمعة يقرأ هذه المصنفات في علم التجويد على مشايخه حتى نبغ قدره.
نعم، قال: وبعد أن ختمت القرآن أخذت في تعلم الكتابة، وبعد أن ختمت القرآن شرعت في تعلم العلوم الأخرى، هو نفسه يخبر عن سيرته العلمية.
نعم، قال: أخذت في تعلم الكتابة عند الشيخ محمود أفندي بن محمد مصطفى القرصي رحمه الله نزيل دمشق، وهو من صلحاء الترك وكرامهم، ومكثت عنده نحو من ثلاث سنين إلى أن أتقنت الخط بالقلمين وذلك سنة 1250 كما ذكر عند والد يزيد فضله صباحاً مع طلبة كثيرة على والده ينشغل، وشوف العالم والداعي الذي يعطي وقتاً، يعني أنا يعجبني شخصية والده، والده مش منشغل بالناس وتارك بيته، صح بعض الدعاة اليوم تجده ماذا؟ منشغل بإلقاء الدروس والمحاضرات ومن مجلس إلى مجلس، طب وأهلك بيتك لا يعطيهم؟ فيكون ولده مثلاً عنده إشكاليات أو كذا، ليست قاعدة عامة قد يخرج الولد حتى ولو انشغلت به، لكن الفكرة أنه إياك أيها الداعية أو يا طالب العلم إذا وفقك الله للإلقاء في المستقبل، إياك أن يكون أهل بيتك أقل الناس حظاً منك، إياك أن يكون أهل بيتك أقل الناس حظاً من علمك، اشتغل بتعليم أبنائك كما تشتغل بتعليم أبناء المسلمين، وانظر والدك كيف كان حريصاً على أن يعلم ابنه.
نعم، قال: صباحاً مع طلبة كثيرين ومساء في جامع السنانية وفي مجالس الحديثية، قال: وحضرت قراءة على الشيخ سليم بن ياسين العطار رحمه الله تعالى شرح شذور الذهب لابن هشام وابن عقيل على الألفية وجمع الجوامع في أصول الفقه وتفسير البيضاوي، يعني حتى هذه الكتب المتخصصة العميقة وصل إليها وانتهى معها.
نعم، قال رحمه الله تعالى: وسمعت منه حصة وأثرة من صحيح البخاري رواية ومجالس منه دراية، اهتمامهم بسماع الحديث رواية دراية وقوفاً على معانيه، وموطأ مالك، ومصابيح السنة للبغوي رحمه الله عليه.
نعم، قال: والطريق المحمدية، وكتب لي إجازة عامة بجميع مروياته سنة 1301، يعني كم كان عمره؟ إحنا قلنا متى ولد ولا نسيتم؟ 1283، وكمان، طب الآن هو 1301 يعني كم سنة؟ يعني ثمانية عشر عاماً، انظروا إلى أين انتهى، وهذه كلها أحبابي ببركة أولاً التنشئة وحفظ القرآن ابتداء، هاتين النقطتين: وجود أب منتبه على ابنه تربية صالحة في البيت، اهتمامه بالقرآن ابتداء فتحت له كل هذه الآفاق، 18 سنة تتكلم عن كتب كبرى متخصصة، إذا هذا سيعطي في الحياة، أما طالب العلم لساته 27 سنة ولسات لم نقنعه أنه يحفظ القرآن! هذا ماذا بقي من العمر أحبابي الكرام إلا أن يشاء الله؟ يعني كل شيء بركة، لكن أنا أقصده إنشاء عالم، هذا مشروع كبير يحتاج إلى أب صاحب إرادة حديدية، وابن ينتبه على نفسه منذ ريعان صغره على هذه القضایا.
نعم، قال رحمه الله تعالى: ومن كبار مشايخه العلامة النحرير الشيخ بكري بن حامد بن أحمد العطار رحمه الله تعالى عم شيخنا المتقدم، حضرته في فنون متعددة منها: شرح لامية الأفعال لبحرق، ومغني اللبيب، وجذور الذهب وشرحها بحرق الحضرمي رحمه الله عليه.
قال: وسمعت منه حصة وأثرة من البخاري ومعظم مسلم والموطأ وسنن أبي داود وابن ماجه والشمائل المحمدية.
ممتاز، هنا نلاحظ فيه اهتمام منه أن يسمع كتب السنة أكثر من مرة، وهذا مهم أيضاً في حياتك يا طالب العلم، كتب السنة ولم يحفظها واضحاً، جمال الدين القاسمي لم يحفظ كتب السنة وهذا يصعب، حرص على ماذا؟ على أن يسمعها أكثر من مرة من أفواه المشايخ، وهذه عادة أكثر أهل العلم، يعني أكثر أهل العلم ما كانوا يحفظون كتب السنة، يعني البخاري ومسلم نعم يستظهرون كثيراً منها يحفظون قسماً منها، لكن أكثر أهل العلم كان اعتناؤهم بماذا؟ بأن يسمع البخاري ثلاث، أربع، عشر مرات في حياتي حسب ما يتوفر له ومن أكثر من شيخ وباكثر من شرح، حتى هذه المعاني العلمية في نفسه أن تسعد وأن تحتفي بكثره سماع كتب السنة، هذا سيؤثر على نفسيتك وعلى علميتك في حياتك بإذن الله.
نعم، قال: واجاز لي إجازة عامة وكتبها في غرة محرم سنة 1302.
قال: ومن المواقف الجميلة التي تبين شدة حرص العلامة الجمال القاسمي رحمه الله تعالى على العلم وهنا أنه حقيقة الأمور التي ينتبه لها حرص العلماء على تعليم الشباب الصغار، يعني أنت تتكلم عن العطار، العطار كان يعلم القاسمي كم كان عمر القاسمي؟ 17، 18، اليوم بعض الناس لا، يعني أقول لك أنا ما أحضر مجلس علم إلا إذا كان الحضور فيه من الكبار من العشرين فصاعداً، وهذا خطأ، أهم ما ينبغي أن تنشغل بتعليمه وهذا النشء الصحيح، أن هذا النشء بعد سنوات هم الذين سيحملون هذا العلم، كلنا نكبر وبكره من ختير ونصير شافت اللحى وينتهي ملفنا في الحياة، لكن العبرة بالجيل الصاعد، فهؤلاء العلماء كانوا متواضعين، كانوا يهتمون بهذا الجيل، مش يقولوا لا والله بالتصغير ايش تحضر جمع الجوامع ولا البيضاوي؟ يحضره ويسمع ويعلق ويسمع المناقشات، وهذا والله من بركة المشايخ.
نعم، قال: ومن المواقف الجميلة التي تبين شدة حرص العلامة الجمال القاسمي رحمه الله تعالى على العلم ما حكاه حفيده محمد سعيد.
القاسمي عن موقف طريف بين جده الجمال وشيخه بكري العطار رحمهما الله، يقول: شوف هذه القصة الجميلة التي حدثت بين الشيخ العطار وتلميذه جمال الدين القاسمي، وشوف حرص الشيخ وحرص الطالب؛ يعني حرص الشيخ على التعليم، وحرص الطالب على التعلم، حتى تعرف كيف خرج جمال الدين القاسمي، ما هي النفسية التي كان يطلب فيها العلم؟ قال: سمعت من بعض أحفاد الشيخ بكر العطار رحمه الله أنه كان يلقي دروسه في داره بعد صلاة الفجر، ويوجب على طلبته الحضور ولو كانوا في أقصى المدينة.
شوف الشيخ الصارم هاي أول شيء، شوفوا هذا الشيخ صارم! بدك تيجي على مجلس العلم، إي أونلاين مش أونلاين، دعوني من السواليف هذا كله كلام فارغ أحباب الكرام. إذا بدك للواقع العملي يعني هو صح يعني بديل لمن لا، لكن كواقع عملي بدك تكون طالب علم، بدك تكون رجل وتحضر مجالس العلم. والله أزمة يا شيخ وتكاليف! هذا ما هو معروف، هذه الشكوى وهذا التذمر هذا ما هو معروف عند أهل العلم والمتابعة عن بعد.
لذلك شوف الشيخ الصارم كيف أخرج طالب علم بحجم السماء كما يقولون، يلزم الطلبة أن يحضروا مجلسه متى؟ بعد صلاة الفجر ولو كانوا يسكنون في أقاصي المدينة. بدك تحضر، بدك تحضر إذا اردت أن تكون طالبا، أما لا تريد أن تكون طالبا عاد تشوف لك شيخ ثاني. هذه الشدة هي التي تخرج طلبت علم أقوياء، أما الشيخ الذي يتهاون مع الطلبة ويتسامح معهم ويراعي كثيرا هذا يخرج طلبة أنصاف، فشدوا قليلا على طلبتكم ولا تعاملوهم بالهوينا، من أجلهم وليس من أجلكم، من أجلهم هم في المستقبل نعم.
قال رحمه الله تعالى: وفي إحدى ليالي الشتاء الممطرة والباردة وطرق دمشق وأزقتها مغمورة بالوحل. طلب الشيخ بكري من أهله تحضير المنقل لتدفئة قاعة الدرس كما هي العادة؛ منقل يعني زي منقل الشوي بس الله أعلم، أهل دمشق أعلم بشعابها، لكن هو يعني في يوم ممطر بارد بعد صلاة الفجر، قال لاهله: ماذا تفعلون؟ احضروا منقل حتى ندفئ غرفة الدرس. شوفوا اهتمام الشيخ أيضا بماذا؟ طلبته، كما نفعل بكم إحنا يعني شاي وقهوة الأمور يعني في نوع من الاهتمام والاحتفاء بالطلبة حتى الطالب يأتي إلى الدرس بنفسية جيدة. تخيل أنه يدخل غرفة الشيخ وهي باردة جدا! ما راح يستفيد كثير، ما هو مشغول بالبرد وجعل رجلينا! فالشيخ يهتم بقضية يعني رعاية المكان المناسب للطلبة.
فقالت له ابنته: إن هذه ليلة شديدة البرد، والطرق مغطاة بالوحل، والأمطار مستمرة لم تنقطع، لذا لن يحضر الطلبة الدرس، ولا حاجة اليوم الدنيا يعني الاجواء الجوية غير مساعدة، ولا حاجة لتحضير المنقل. فأجابها والدها: إذا لم يحضر الطلبة بسبب السقيع والمطر، فلابد من حضور جمال الدين القاسمي؛ لأن الشيخ الذي يعرف طالبه قال: نعم، يعني عموم الطلبة لن يحضروا، لكن هناك طالب سيحضر مهما كانت الظروف الجوية صعبة. من هو؟ جمال الدين القاسمي. قال: سيحضر. هذا ظنه بطالبه؛ لأنه يعرف أن هذا الطالب صاحب همة كبيرة، لا يحوله برد الشتاء، ولا حر المصيف، ولا زهر الربيع، ولا بصر خريف، ودائما يحضر في كل الظروف الجوية، ما عنده دائما شماعات يعلق عليها الغياب كحال كثير من الطلبة. بعض الطلبة كأنه يجد منفسا ليهرب من الدرس، يجد منفسا يعلق أو يبرر، آه والله اليوم في عنا عزومة خلاص مافي داعي، لا اليوم والله والدي... كأنه يجد شي شعره حتى يبرر لنفسه الضعف والهوان الذي يشعر به. لا، طالب العلم الذي يرجى للأمة لا ينظر إلى كل العوامل الجوية، صعوبات الحياة، ويحاول دائما أن يتجاوز العقبات والعوائق التي تقف في طريق تعلمه وطلبه للعلم نعم.
فقال رحمه الله تعالى: لأنه لم يتخلف يوما عن حضور الدرس. وهذه نقطة قوية في شخصيته؛ يعني جمال الدين القاسمي لم يغب يوما عن الدرس يوما! تخيلوا قدرة جمال الدين القاسمي على تجاوز عوائق الحياة؛ يعني هو مش زينا بشر، يعني القاسمي مش كان يوم جوعان ويوم زعلان ويوم تعبان ويوم كذا؟ يعني ليس بشرا مثلي ومثلك؟ كيف استطاع أن يثبت نفسه على الحضور المستمر حتى عرف عنه شيخه هذه الصفه: أنه لم يتخلف يوما واحدا؟ يشهد القدرة على ترتيب الجدول اليومي والزمني، مش دائما معجوق امتحانات جامعة أو تخلف. يعني بعض الناس للاسف في واقعنا المعاصر حقيقه يضعف همة الشيخ لكثره تغيبه ولكثره يعني اعتذاراته وتعلقه بالدنيا، أمثال هؤلاء يصعب أن نعلق عليهم الآمال. الذين نعلق عليهم الأمل هم أمثال هذا النوع من الطلبة، أمثال جمال الدين القاسمي الذي لا يتخلف ولا يغيب ولا ينتهي في مجلس العلم نعم.
قال رحمه الله تعالى: ففعلت وأحضرت المنقل، ولما حان موعد الدرس عقب صلاة الفجر، إذا الباب يطرق، ويطل محمد جمال الدين القاسمي فيناديها والدها الشيخ قائلا: ألم أقل؟ الشيخ العطار قال إنه سيحضر رغم كل الظروف، وهكذا فعل. وقرر الدرس للقاسمي، وقرر الدرس للقاسمي! ايش يعني؟ أعطى درس لواحد! وهذا حقيقة نجاح في شخصية الشيخ. بعض المشايخ وبعض الأساتذة -وهذه الرسالة لي ولكم في المستقبل- يضعف همتهم ويكسرهم عدم حضور الطلبة، إذا حضر الواحد والاثنين بيقول لك: لا، أنا لا أقد درس إلا لأربعين فصاعدا، إذا لم يحضر هذا العدد عدد الجمعة لا يعطي درسا. وهذا الشيخ في العادة لن ينجح، خاصة في مثل هذا الزمان الذي نحن فيه الذي تقاعصت فيه الهمم وهجرت فيه مضارب العلم. إذا أردت هذه الأعداد الكبيرة هذه لن تجدها إلا يعني إذا كتب الله لك وأصبحت مشهورا وعلما مثل هؤلاء المشايخ بعضهم الذين تشاهدونهم على السوشيال ميديا، لكن في العادة وفي الأصل أنك عليك أن توطن نفسك أيها الشيخ أن يحضر عندك الواحد والاثنين.
وبعض مشايخنا، سواء قربهم وهمهم كان يقول: كنت أدرس البلاغة ولا يحضر إلا الواحد والاثنين، وأعطي الدرس لاثنين وواحد، والحمد لله ربنا بارك في علمه وفي جهده واستفاد منه آلاف الطلبة عبر العالم العالم، لكن يعني ما أريد أن أنبه إليه أنه يا طالب العلم لا تطلب العدد الكبير لمن يحضر عندك، وطن نفسك أنك ستعلم الواحد والاثنين والثلاث والأربعة. شوف هذا الشيخ العطار على جلالة قدره اعطى درس لكم شخص؟ العالية اتاه الله بالصحة والعافية، فهو يريد أن يعطيك يعني فوائد من هذه القصة انتفعوا بها.
قال: وفي هذه القصة اللطيفه فوائد، وأذكر منها بعضها وهي حريبة بالتعليق ومزيد البيان وذكر المواقف الحسنة الشاهده لها، ولكن اكتفي هنا بمجرد الذكر لمناسبه المقام. الأولى: أهمية عناية الشيخ بتلاميذه وتهيئه المكان لهم. الثانية: العناية بتحريض وتحريص الشيخ تلاميذه حضور مجالس العلم وشدته في ذلك. الثالثة: العناية باختيار احسن الاوقات لعقد الدروس العلمية. الأوقات حقيقة هذه مسألة نسبية، أنا أعتقد يعني هو كان بعد الفجر، ربع مليون بعد الفجر قد لا يكون مناسب لكثير من الإخوة الموظفين أو العاملين، ربما يناسبهم بعد العصر أو بعد المغرب، هذه قضية نسبية. قال الرابعة: فضيلة إشراك العالم أهله الأجر في خدمتهم طلبة العلم. جميل الفائده، وأين من أين أخذ هذه الفائدة؟ أن الشيخ العطار كان يقول لبنته التالي: الأصل أن الشيخ أو المدرس إذا كان يعقد الدرس في منزله أن يشارك أهله في ثواب عقد هذه المدارس، فيطلب منهم تهيئة المكان وإصلاحه. والأصل في المرأة الصالحة ألا تتذمر، أن الكثير من النساء خاصة إذا كان الشيخ يعني مزوارا معناته كل يوم في تنظيف، كل يوم في منقل، كل يوم في أكل بده ينحط، كل يوم في كذا مع الوقت... فنعم المرأة الصالحة التي تعين زوجها المعلم على تحقيق هذه المقاصد الشريفة، والزوج في المقابل يشرك زوجته في ثواب إعداد هذه المجالس العلمية. الفائده لطيفه نعم.
قال الخامسة: تفرس العالم بأنجب تلاميذه وتهيئته للمكانة العلية لسبقه واجتهاده. هذا ظاهر أن الشيخ العطار كان يتفرس في جمال الدين القاسمي النباهة والحرص على... قال السادسة: أهمية المواظبة على حلق العلم ومجالسته مهما حلت العوائق. واضح في شخصية جمال الدين القاسمي، يعني جمال الدين القاسمي العالم النهائي بسموه المنتج، هو ثمره تلك الليالي البارده في دمشق التي كان يذهب بها إلى العلم صح ولا لا؟ يعني بعض الناس هذا المنتج خرج فجاه؟ هو خرج من إصرار واستمرار ومواظبة في الليالي الباردة على حضور مجالس مشايخه ولم يغب يوما فخرج جمال الدين القاسمي. تريد أن تكون أنت مثل هذا النموذج؟ بدك تكون على هذا النفس، أما طالب علم يكثر الغياب ويكثر الاعتذار ويكثر يعني الضعف أمام عوائق الطريق هذا لن يخرج ولا ربع ولا خبز جمال الدين القاسمي باختصار. هذا هو الطريق؛ يعني هذه حتى تعرف الطريق من نهايته، هذا هو الطريق الذي ينتج العلماء ويخرج طلبة علم متمكنين، بغير هذا ارضى بجهلك واقنع بما كتب لك ولا تضع سقفا أعلى من السقف الذي يتماشى مع حجم الجهد الذي تبذله، كن واقعيا.
قال السابعة: عدم تطلع العالم لعدد الحاضرين عنه وليتطلع إلى عظم أجر ذلك، ذكرناها قبل قليل. قال الثامنة: معرفة العالم عادة بعض تلاميذه من أخبار أحوالهم مما يفيد في المستقبل. التاسعة: رفعة العلم لمن صدق في طلبه بالثناء الحسن والخبر الجميل. العاشرة: الإخلاص في الطلب والصدق مع الله فيه يبارك الله به في صلاح الأبناء وأبناء الأبناء أو يمتد بهم إلى غيرهم والله أعلم. هذا واضح في نسب جمال الدين القاسمي، فوالده لما كان من أهل العلم وانشغل بذلك بارك الله في ذريته وأحفاده نعم.
قال: ومن أجلاء مشايخ القاسمي رحمه الله الاستاد الجليل الشيخ محمد بن محمد الخاني النقشبندي رحمه الله، وهذا كان على الطريقة النقشبندية وكان من كبار الصوفية، ومع ذلك تلقى منه جمال الدين القاسمي وتعلم على يديه، وإن كان القاسمي بعد ذلك كما قلنا سلك مسلك السلف رضوان الله تعالى عليهم في علم العقائد، لكن أنت تعرف سوريا والشام وأهل الشام ممن هو حاضر الطرق الصوفية كيف كانت عامرة بها ولعله ولا لا ما زالت عامرة بهذه الطرق، فالشيخ ابن بيئته، ولكن كونه ابن بيئته لم يجعل ذلك أسيرا لها، لم يبق متعلقا بالتصوف أو غلو التصوف، وإنما استفاد من مشايخه وترحم عليهم، لكنه بعد ذلك تحرر لما درس العلم وعرف طرائق السلف في هذه المسائل.
قال: قرأت عليه حواشي كتب كثيرة بالحرف، منها حاشية الصبان على الأشموني نصفها وحضرته... أحسنت! يعني قرأ الحاشية من أولها إلى آخرها، أنت تتكلم حاشية الصبان على الأشموني حاشية عميقة أربع مجلدات، قرأها بالحرف من أول الكتاب إلى آخره، ولاحظوا الإنجاز في إنجاز صح؟ بعض طلاب العلم اليوم إذا دخل دورة بيكملهاش، اسمع أول درسين بعدين خلص، بيروح على شيخ ثاني أو دورة أخرى وهكذا لا ينجز كتابا، هذا أيضا في لدى نفسه فليس من أهل العلم إذا بقي بهذا النفس يا طالب العلم. عود نفسك الإنجاز، وإذا شرعت في دورة أن تتمها، إذا شرعت في قراءة كتاب أن تختمه من أوله إلى آخره بالحرف، وليس فقط قراءة هكذا جملية بل قراءة علمية دقيقة. طبعا لابد وجود شيخ هو الذي يعلمك كيف تختار الكتاب المناسب وموعدها، هذا أمر آخر يتكلم عنه في مكانه نعم.
قال: وحضرته في حاشية عطية الجهوري في شرح البيقونية، وفي شرح جمع الجوامع، وسمعت منه أبوابا كثيرة من البخاري ومن شرحه للقسطلاني مع شرح الزرقاني، وسنن أبي داود مع حاشية السندي، ومن سنن الترمذي، وسمعت منه الأربعين العجلونية، ولازمت حلقته مدة ثم تركتها لأمر ما واجاز لي اجازه عامة لأمر ما. هذه كلمة "لأمرا ما" شوي هيك تشعر أنه ماذا؟ هو قال: وتركه بعد ذلك لما التزم بطريقة السلف، وشعر وخلص اكتفى منه؛ يعني هذا الشيخ ما عنده شيء أكثر منه يعطيني، وهو رجل كان من أئمة اهل التصوف الغلو يعني من أئمة اهل البدع خلينا نقول، فهو انتفع منه ما استطاع أن ينتفع، ثم بعد ذلك بعد أن عرف وتميز في طريقة السلف ترك الجلوس عنده حتى لا يكون ذلك عونا للمبتدع في الاستمرار على بدعته. وهذه قضية تحتاج إلى توازن حقيقة؛ كيف أن الإنسان يمكن أن يستفيد من اهل البدع لكنه في النهاية يحاول يعني إذا كان وجوده سببا في انتشار أمرهم أن يكون محافظا على توارزه وأن يجعل بينه وبينهم مسافة.
قال: وبالجمله فهو افضل أشياخي الذين انتفعت بمجالسهم وتادبت بادابهم واغتبطت بصحبتهم، وكان يحضني على تأليف رسائل في بعض مباحث علمية واريته كثيرا مما جمعته فسر به. شوف هذه الفقرة حقيقة متى يعني تلهمك أو ماذا تستفيد منها؟ الانصاف والادب مع العالم حتى ولو كان مبتدعا. هذا كلام مين؟ هذا كلام جمال الدين القاسمي يثني على شيخ النقشبندي يقول: إن هذا الشيخ في النهاية ولو كنت أخالفه في بعض مسائل الاعتقاد لكن الإنصاف والاجلال أن أحترم قدره وأحترم ما استفدته. انظروا ماذا قال؟ قال: وبالجمله فهو ايش؟ افضل مشايخي، مع أنه يعني ما في خلاف عقدي، لكن لم يمنعه ذلك من ماذا؟ من أن ينصف وأن يشكر وأن يثني وأن يعرف الجميل لمن قدمه له. قال: فهو أفضل مشايخي الذين انتفعت بمجالسهم وتادبت بادابهم واغتبطت بصحبتهم وكان يحضني على تأليف رسائل في بعض مباحث علمية. يعني كان هناك بقي شيء من التواصل العلمي العام بينهم، هكذا حالك يا طالب العلم حتى ولو كان الطرف الآخر الذي استفدت منه عنده بدعة مهما كانت، حاول أن تتعلم الإنصاف واحترام المشايخ وأن تنزل الناس منازلهم وأن تشكر من أسدى لك.
معروفًا، وانظروا يعني تتكلم عن صوفي أشعري، تعامل معه جمال الدين القاسمي، لكنه مع ذلك حافظ على ميزانه وحافظ على أنه يبين عقيدة السلف ويكون واضحًا في هذا المجال، لكن مع ذلك لا يحفزه ذلك على أن يسقط حرمة الشيخ والمعلم والأستاذ، وهذا التوازن مطلوب اليوم عند كثير من الشباب؛ لأن كثير من الشباب اليوم تعلم الاندفاع في التعامل مع أهل البدع وعدم يعني تحقيق توازن في شيء من ذلك، فبعضهم إما يريد أن يسقط حتى حرمة المشايخ الكبار الذين قدموا لهذه الأمة بسبب هفوات وقعوا فيها، وبعضهم مميع زيادة عن اللزوم يريد أن يجعل البدع كأنها أمر اجتهادي لا إشكال فيه.
ونحن نريد الاقتصاد، لا؛ البدعة تبقى بدعة، لكن كيف تتعامل مع أهل العلم الذين وقعوا في شيء من، خاصة إذا أنت استفدت منهم وتعملت من علومهم؟ هذه قضية كبيرة، انظروا إلى صمت العلماء وطرائقهم، هنا تتعلم، جمال الدين القاسمي من علماء السلف وعلى طريقة السلف، لكن لاحظوا كيف تعامل مع شيخه المبتدع! هذه قضية تحتاج منك إلى وقفة جيدة.
قال محنته رحمه الله تعالى حادثة المجتهدين، قال يحدثنا بإيجاز العلامة الشيخ محمد رشيد رضا عن القاسمي رحمهما الله تعالى من علماء مصر، وكان له تواصل مع الشيخ جمال الدين القاسمي نعم، قال فيقول: كان يتحرى مذهب السلف في الدين وينصره في دروسه ومصنفاته، وما مذهب السلف إلا العمل بالكتاب والسنة بلا زيادة ولا نقصان على الوجه الذي كانوا يفهمونه في الصدر الأول.
وقد اتهم كما اتهم غيره من المستقلين بأنه أحدث مذهبًا جديدًا في الإسلام، ولما كانت حادثة السعاية أن الأشاعرة والصوفية في زمن جمال الدين القاسمي ما أعجبهم أن جمال الدين القاسمي في عقر الشام يجهر بمذهب سلف، لم يعجبهم ذلك، فإش قالوا عنه؟ أنت مخالف للمذاهب الأربعة ومخالف لما قرره المتأخرون، نفس القضية التي تثار اليوم في زماننا وفي مكاننا، أنك تنشئ مذهبًا جديدًا ومذهبك وهذا ما يسمى مذهب السلف مذهب الخوارج ومذهب لم يمشي عليه العلماء، نفس العلامة جمال الدين القاسمي تعرض لهجمة شرسة لأنه كان يجهر بمذهب السلف الذي سار عليه أهل الحديث رحمه الله تعالى عليهم لما جهر به في دمشق، فكاتب عليه أهل التصوف وأهل البدع واتهموه أنه ينشئ مذهبًا إسلاميًا جديدًا غير معروف عند العلماء، لاحظوا كيف الفتن تتكرر في صورها وإنما يختلف أشخاصها.
قال رحمه الله تعالى: ولما كانت حادثة السعاية لغط حساده بهذه المساله، فقال يرد عليهم: زعم الناس بأني مذهبي يدعى الجمالي واليه حينما أفضي، في العقيدة هذا مذهبك أنت الشخصي مذهب جمال الدين القاسمي وليس مذاهب الأمة، ادعوا أن مذهبه اسمه إيش استهزاء؟ قالوا: هذا مذهب الجمال مذهب جمال الدين وليس مذهب السلف، فهو يرد عليهم في هذه الأبيات، زعم الناس بأني نعم قال: زعم الناس بأني مذهبي يدعى الجمالي واليه حينما أفتي الورى أعزو مقالي لا وعمر الحق إني سلفي الانتحال مذهبي ما في كتاب الله رب المتعالي ثم ما صح من الأخبار لا قيل وقال أقتفي الحق ولا أرضى بآراء الرجال وأرى التقليد جهلًا وعمى في كل حال
وقال في هذا المعنى أيضًا: أقول كما قال الأئمة قبلنا صحيح حديث المصطفى هو مذهبي ألبس ثوب القيل والقال بالياء ولا أتحلى بالرداء
المذهب صفاته رحمه الله تعالى، اتصف العلامة القاسمي رحمه الله تعالى بالصفات النبيلة والشيم، حتى نعته العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى فقال: كان من أكمل ما رأيت في أخلاقه وآدابه وشمائله، كان أبيض اللون نحيف الجسم ربعة القد أقرب إلى القصر منه إلى الطول، بل هو أقرب إلى القصر منه إلى الطرف كثير الأطراف، يعني لا يلتفت كثيرًا في أي مجلس كان، وإنما يغض طرفه وعليه الصمت والوقار.
نعم قال: كثير الأطراق خافض الصوت ثقيل السمع خفيف الروح دائم التبسم، وكان تقيًا ناسكًا واسع الحلم سليم القلب نزيها النفس واللسان، قال: نزيها النفس واللسان والقلم أحدا، هذا معنى لا يحمل على أحد ولا يذم أحدًا بلسانه ولا بقلمه، نعم قال: بارًا بالأهل وفيًا للإخوان، يأخذ ما صفى ويدع ما كدر، يعني يأخذ ما صفى من أخلاق إخوانه ويدع يعني الأسلوب الخاطئ الذي يمكن أن يحدث منهم، وهذا من جميل صفات الإنسان أنه يأخذ ما صفى من إخوانه ويدع ما كدر، يعني كل إنسان ستتعامل معه فيه إيجابيات وفي سلبيات، فهو يأخذ منهم الإيجابيات ويتغافل عن السلبيات، فهو كما قال الذبياني: أي الرجال المهذب؟ وكل واحد له إيجابيات وسلبيات، وخذ مني خيري وتغافل عن شري، يعني هذه القاعدة التي يتعامل بها.
قال: وفيًا للإخوان يأخذ ما صفى ويدع ما كدر، عائلًا عفيفًا قانعًا، قال رحمه الله تعالى تلاميذه، عالم كبير ومصلح جليل مثل القاسمي رحمه الله لابد أن يكون له تلاميذ ومحبون وأصحاب يأخذون من معين علمه ويستفيدون من شمائله وكريم أخلاقه، ومن أبرز تلاميذه من كبار أهل العلم: الشيخ العلامة محمد بهجة البيطار رحمه الله تعالى، والشيخ العلامة محمد حامد التقي الدمشقي رحمه الله وهو أكبر تلاميذه وأكثر ملازمة له، والشيخ العلامة محمد جميل الشطي مفتي الحنابله رحمه الله، والشيخ عبد الفتاح الإمام في الشام شيخ الشطي.
نعم قال: الشيخ عبد الفتاح الإمام رحمه الله، والشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله، أسماء كبيرة يعني معروف الشيخ رحمه الله عليه، نعم قال: الأستاذ الشاعر محمد محمود البزم رحمه الله، والأستاذ الشاعر خير الدين الزركلي رحمه الله تعالى، والشيخ العلامة محمد بن عبد العزيز رحمهما الله.
مؤلفاته، اذهب إلى الصفحة، ومن أشهر مؤلفاته قال: ومن أشهر مؤلفاته محاسن التأويل وهو تفسير للقرآن الكريم، ودلائل التوحيد وأصل كتاب مهم جدا في تفسير القرآن كتاب كبير للشيخ القاسمي والمشهور اليوم في كتب النشر بتفسير القاسمي وهو محاسن التأويل، هذا تفسير كبير لكتابه، هو مشكلته مو صغير يعني حتى يقتنيه الطالب المبتدئ يعني تفسير ضخم، قال: ودلائل التوحيد، وإصلاح المساجد من البدع والعوائد، وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، وتعطير المشام في مآثر دمشق والشام، وحياة الإمام البخاري، وموعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، والنفحة الرحمانية شرح متن الميدانية في علم التجويد، وآداب العالم والمتعلم والمفتي والمستفتي.
طيب وفاته، قال: وفاته رحمه الله، كانت وفاة الشيخ العلامة رحمه الله مساء السبت الثالث والعشرين جمادى الأولى سنة 1332، ودفن في مقبرة الباب الصغير بدمشق عليه سحائب الرحمات والرضوان، الله تعالى على هذا العلامة الكبير وأجزل له المثوبه، وجعلنا نمشي على خطاه في الهمة في طلب العلم والمداومة على حضور المجالس وكسر العوائق وتجاوز أي قضية يمكن أن تحول بيننا وبين هذا الطريق، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفيدنا بعلمه وأن يغفر له وأن يرحمه، دائمًا أي عالم تستفيد من مصنفاته تعلم الدعاء له والترحم عليه، رحمه الله تعالى العلامة القاسمي.
طيب، أشرع الآن في قراءة هذا الكتاب آداب العالم والمتعلم والمفتي والمستفتي، بسم الله، قال رحمه الله تعالى: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه في كل وقت وحين، وبعد، فهذا كتاب في آداب العالم والمتعلم والمفتي والمستفتي جردته من مقدمة شرح المهذب أخذته، هذا كتاب جردته أي التقطه وأخرجه من مقدمة من نعم قال: جردته من مقدمة شرح المهذب للإمام الكبير والولي الشهير أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى، رضي الله تعالى عنه وأرضاه وجعل جنة الفردوس مأواه آمين.
وهي من البداية أن هذا الكتاب إنما هو مجرد ومأخوذ من مقدمة العلامة النووي في كتابه المجموع، هو اسم الكتاب المجموع شرح المهذب، طيب قال: وهي فصول مهمة لا يستغني عنها فاضل من فضلاء الأمة، قال رضي الله، حتى ولو كان ليس منشغلاً بالعلم يعني المعلومات التي سيذكرها هنا ليست فقط خاصة لطلاب العلم، كل انسان فاضل يريد الأخلاق الرفيعة والصفات العالية وأن يسير على خطى السلف عليه أن يعتني بهذه الآداب التي ذكرها، وإن كان أولى من ينبغي أن يعتني بهم طلبة العلم.
نعم قال رضي الله تعالى عنه: فصل في الإخلص والصدق وإحضار النية في جميع الأعمال البارزة والخفية.
ممتاز، إذا هو في هذا الفصل سيتكلم عن موضوعين: الموضوع الأول ما هو؟ الإخلاص. الموضوع الثاني ما هو؟ الصدق، وسيتكلم إحضار النية هذا سيأتي تبعًا لكنه سيتكلم عن مفهومين: عن مفهوم الإخلاص وعن مفهوم الصدق، وهذا يدل على أنه يرى التفريق بينهما، أليس كذلك؟ الإخلاص وعطف عليه ماذا؟ الصدق، والعطف يقتضي ماذا؟ قلنا المغايرة، أحيفتموها؟ ممتاز، فسيتكلم عن هذه القضية.
وحقيقة باب الكرام ينبغي على طالب العلم ألا يمل من قضية تكرار الحديث عن الإخلاص، فإن كثير من الطلبة يعني إذا جاء موضوع الإخلاص فكانه يعتبر الموضوع ماذا؟ محسومًا منتهيًا، وأنه أنا شيخ هذه قضايا الله يرضى عنكم لا تكلموني فيها لأنني يعني جبل فيها عتيد ويكون أبعد الناس عنها، فإخواني موضوع الإخلاص هذا إياك أن تمل عنه، بل لو كل يوم سمعت درسًا عن الإخلاص والله ليس بالكثير، لو كل يوم سمعت درسًا عن تحقيق هذه العبودية في النفس فليس بالكثير، ما أسرع ما يدخل الرياء على نفس المسلم عمومًا يدخل في أي عمل صالح؛ لأن الشيطان لا يترك الإنسان، الشيطان يحاول أن يتغافلك من هنا من هنا في أي عمل صالح ويحاول أن يفسده عليك، فبالتالي أنت تحتاج من يجدد لك الكلام حول هذه الأمور ومن يعرض لك الآيات والأحاديث والنصوص التي تجذر هذا الموضوع أكثر وأكثر، وكلما يعني مر شهر أو شهرين جدد الكلام والقراءة والتفكير في موضوع الإخلاص، فإن كبار الصحابه رضوان الله تعالى عليهم كانوا يخشون على أنفسهم من ماذا؟ من النفاق، عمر كان يخشى من النفاق، ودائما نقول عمر الذي شارك في بدر وأحد والأحزاب وشهد المشاهد وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة كان يخشى النفاق، فمن أنا وأنت حتى نظن في أنفسنا أننا بلغنا مبلغًا في الإخلاص؟
حقيقة سيسرد لنا القاسمي قصص وأحوال أهل العلم في قضايا الإخلاص تجعلنا والله نزدري أنفسنا ونعلم كم نحن بعيد عن منهج السلف في تحري معاني الإخلاص والصدق مع الله سبحانه وتعالى في العبوديات عموما وفي طلب العلم خصوصًا، أنا لا أريد أن أطيل كثيرًا في التعليق حتى يعني لا يفقد الكتاب جماله وهيبته في النصوص التي يأتي بها، فطريقة القاسمي أنه يأتي دائمًا بنصوص القرآن ثم نصوص النبي صلى الله عليه وسلم ثم ما ذكر عن السلف والأئمة على هذا الترتيب.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] الشاهد: مخلصين له الدين أننا أمرنا بإخلاص الدين لله، وهذا يتعلق بفكرة الإخلاص.
نعم وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 2].
وقال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100].
وأين موطن الشاهد في هذه الآية عن الإخلاص؟ مهاجرًا إلى الله ورسوله وليس إلى أي شيء آخر، وهذه مهاجر الله ورسوله هي موافقًا ما جاء في الحديث، فما كانت هجرته إلى الله ورسوله فهذه موطن الشاهد على قضية الإخلاص في الآية.
نعم قال: وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كلاهما صحيح، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
حديث متفق على صحته، مجمع على عظمة موقعه وجلالته، وهو أحد قواعد الإيمان وأول دعائمه وأكد الأركان، لا أظن أن أحدكم يجهله لكثره ما سمعه في حياته، وهو كما قال النووي والقاسمي هو أحد أعمدة هذا الدين، هذا الحديث هو أحد أعمدة هذا الدين لأنه يؤصل لمفهوم النية الشامل وحاجة الإنسان إلى أن يراقب نيته في كل خطوة من خطوات حياته، إنما الأعمال بالنيات، لا وجود لأي عمل في الشريعة في الشريعة إلا بماذا؟ بالنية، وبقدر نيتك بقدر ما يعطيك الله ثوابًا على عملك، وإنما لكل امرئ ما نوى، ثم أنت بعد ذلك عليك أن تحدد هذه النية: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، من كانت نيته لله فالله يعطيه ثواب هذه النية، ومن كانت نيته إلى دنيا يصيبها أو امرأة فتزوجها أو أي مقصد ما هو؟ هذه الفكرة إشارة إلى أي مقصد من مقاصد الدنيا فهجرته إلى ما هاجر إليه.
نعم قال الشافعي رحمه الله: يدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من الفقه، وقال أيضًا: هو ثلث العلم، وكذا قاله أيضًا غيره، وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الاسلام، وقد اختلف في عدها فقيل ثلاثة وقيل أربعة وقيل اثنان وقيل حديث، قال النووي عليه الرحمة يعني طبعا هذه مسائل ذكرناها في شرحنا على النووي أن ذكر ذلك بن رجب في جامع العلوم والحكم أن هناك أربعة أحاديث عليها مدار الإسلام، البعض قال خمسة أحاديث عليها مدار الإسلام، بعض ثلاثة أحاديث، لكن الكل متفق أن حديث الأعمال بالنيات هو أحدها، الكل متفق أن حديث الأعمال بالنيات هو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام.
نعم قال النووي عليه الرحمة: وقد جمعتها كلها في جزء الأربعين فبلغت أربعين حديثًا لأربعين في كتاب الأربعين النووية التي تعرفونه وتقرءونه.
نعم قال رحمه الله: لا يستغني متدين عن معرفتها؛ لأنها كلها صحيحة جامعة قواعد الإسلام في الأصول والفروع والزهد والآداب ومكارم الأخلاق وغير ذلك، رحمه الله عليه إن الأربعين.
كلها صحيحة بعد اجتهاده، لأنه في بعضها نظر. ليس فيك يعني، بعضها لا، بعضها فيه نظر لكثير من المحدثين، لكن هذا اجتهاد النبوي أن كلها صحيحة، هذه فقط ننبه لها حتى لا تأخذها على سبيل الجزم؛ هو يرى أن الأربعين النووية كلها صحيحة، نحن نقول جُجلها صحيحة، لكن بعضها فيه ضعف من حيث قال رحمه الله تعالى: وإنما بدأت بهذا الحديث تأسياً بأئمتنا ومتقدمي أسلافنا من العلماء رضي الله عنهم. وقد ابتدأ به إمام أهل الحديث بلا مدافعة أبو عبد الله البخاري في صحيح البخاري، أول حديث يواجهك هو حديث النية، وهذا يدل على شرف موطنه.
نعم قال: ونقل جماعة أن السلف كانوا يستحبون افتتاح الكتب بهذا الحديث -تفاحة افتتاح الكتب بهذا افتتاح الكتب كتبي بهذا الحديث خطأ في النسخة- نعم، تنبيهاً للطالب على تصحيح النية وإرادة وجه الله تعالى بجميع الأعمال البارزة والخفية. وروينا لماذا أهل العلم يستحبون أن يبدأ المدرس والكاتب بهذا الحديث؟ ماذا قال لك القاسمي تتبعاً للنووي؟ تنبيه للطلبة على ماذا؟ على أهمية تصحيح النية في أي درس، في أي كتاب، في أي مشروع علمي، تربوي، دعوي، حياتي؛ صحح النية ابتداءً، اعرف البوصلة أين تتجه قبل أن تشفع.
قال وروينا عن الإمام أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى قال: لو صنفت كتاباً بعد أئمة الحديث الكبار -عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى عليه ماذا يقول ابن مهدي؟ قال رحمه الله: لو صنفت كتاباً بدأت في أول كل باب منه بهذا الحديث بهذا الحديث حديث إنما الأعمال بالنيات، ويقترب المهدي أهمية هذا الحديث وقيمته وأن كلما يعني يقول لو صنفت كتاباً هذا الكتاب مقسم على أبواب، كل باب سأبدأ بهذا الحديث- كان كل باب يحتاج إلى نية جديدة وانتباه لما تقصده في كتابتي، كل باب يحتاج إلى نية.
نعم قال وروينا عنه أيضاً قال: من أراد أن يصنف كتاباً فليبدا بهذا الحديث. وقال الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي الشافعي، الإمام في العلوم رحمهم -الخطاب معالم السنن وغيره من الكتب الشهيرة- قال رحمه الله: كان المتقدمون من شيوخنا يستحبون تقديم حديث الأعمال بالنيات أمام كل شيء ينشأ ينشر ينشأ، أمام كل عمل تريد أن تفعله، عليك أن تستحضر هذا الحديث عند كل عمل تريد أن تفعله.
نعم قال رحمه الله: إذا كان طبعا من امور الدين، كما قد ينشأ ويبتدأ من امور الدنيا فالباب فيها يعني أسهل. قال رحمه الله: لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها، لأن كل عمل من أعمال الدين تحتاج فيه إلى تصويب النية، فلذلك هذا الحديث مهم جداً. قلت لك: موضوع النية والإخلاص إياك أن تجعله موضوعاً مستهلكاً في حياتك، أو موضوعاً لا ترغب بسماعك، أو تعتبر نفسك خلاص، أنت انجزت هذا الملف وانتهى، هذا ملف لا ينجز، هذا ملف سيبقى حتى تلقى الله سبحانه وتعالى حاضراً بين عينيك يا طالبا العلم.
نعم قال رحمه الله تعالى: وهذه أحرف من كلام العارفين في الإخلاص. قال وهذه أحرف أي وهذه كلمات من كلام العارفين، من هم العارفون؟ علماء السلوك، المقصود بالعارفين هنا في الجملة علماء السلوك والقلوب. قال رحمه الله تعالى: قال أبو العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أولاً، بدأ عبد الله بن عباس الصحابي الجليل ماذا قال؟ قال: إنما يعطى الرجل على قدر نيته. هذا كلام مهم جداً، ايش يقول ابن عباس؟ إنما يعطى الرجل على قدر ماذا؟ نيته، ما معنى هذا الكلام؟
يلا ناخذ الجمهور حتى ما تناموش معنا. آسف، طيب إيش يعني إنما يعطى الرجل على قدر نيته؟ حتى لو العمل في أكثر يعني أنت أعطيت شعلة بس بدي اياك تكمل. نعم يعني الأجر فقط أنت حطيت الأجر والثواب، لكن هل هذا فقط هو الذي ستحصله؟ الأجر والثواب على قدر النية وصح، لكن أنا أريد عبارة أعم حقيقة، إيوه في ايش؟ في العمل وفي الأجر، يعني أنت لا تحصر الموضوع، لما يقول إنما يعطى الرجل مش فقط الثواب، حتى المعلومات، حتى الأفكار، حتى المشاريع، حتى الإنجاز، كل شيء على قدر نيتك تجد فلان.
ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه، كانوا يستغربون كم يكتب في اليوم من الصفحات والأوراق، من الذي بارك له في هذا العمل وخلى ينجز هذه الإنجازات والكتب وغيرهم؟ حتى أنه رحمه الله عليه يقول: الذهب لا أدري ماذا بين النووي وبين الله حتى صنف كل هذه الكتب، مع أنه توفي على الأربعين والأربعين رحمه الله تعالى عليه. فأخوالي لما نقول، لما يقول ابن عباس: إنما يعطى الرجل على قدر نيته، هذا في العلم وبركة العمر والفتح وقوة الذهن وحسن الأخلاق والثواب في الآخرة، فلا تحصر الأمر فقط في الدنيا، إذا كانت نيتك صادقة وتبتغي وجه الله، سيفتح الله عليك في الدنيا وفي الآخرة، سيفتح الله عليك في الهمة، سيفتح الله عليك في الاجتهاد، سيفتح الله عليك في القراءة والتعلم، سيفتح الله عليك في الدلالة على المشايخ، سيفتح الله عليك في التفكير والاستنباط والفهم، يفتح الله عليك مغلقات العلم، يفتح الله عليك كل شيء، ستجد فتح الله حاضراً إذا صلحت نيتك مع الله سبحانه. فهذا كلام عظيم في الحياة؛ إنما يعطى الرجل على قدر نيته، كلام واضح أنه استقام ابن عباس من معين النبوة.
نعم قال رحمه الله تعالى: وقال أبو محمد سهل بن عبد الله التستري رحمه الله نظر الأكياس في تفسير الأخلاق -على طريقة السلف ومن خيرة علماء السلوك- ذكر كلاماً جميلاً، وأظنه من أجمل الكلام الذي يمكن أن يقال في تعريف الإخلاص. هذا التعريف الذي سيقدمه وزارة التستري من أفضل من أفضل التعاريف التي قدمت لمفهوم الإخلاص، يعني اختصر عليك المسافة بعد كثرة الكلام، انظروا ماذا قال رحمه الله: نظر الأكياس في تفسير الإحياء -يعني نظر الأذلاء والعقلاء في تفسير ما معنى الإخلاص- فلم يجدوا غير هذا التعريف. ما هو؟ شوف معنا: أن تكون حركاته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى وحده، لا يمازجه شيء لا نفس ولا هوا ولا دنيا. لن تجد والله أعلم أجمع من هذا التعريف للإخلاص، أن تكون أي حركة من حركاتك وأي سكنة من سكناتك في سرك أو في علانيتك تقصد بها وجه الله، بدك احسن من هيك؟ ولا يخالط ذلك لا طلبات للنفس ولا هوى تميل إليه، ولا ماذا قال؟ ولا دنيا تطلبها وإن كان يعني كله سواء النفس والدنيا كله قد يدخل تحت مفهوم الهوى، لكن عموماً هو فصلها.
فهذا يا أحبابي الكرام هو معنى الإخلاص بعيداً عن شخشقة الكلام، إذا كانت حياتك كلها لله من أولها إلى آخرها في ظهرك وباطنك، ولم يمازج ذلك شيء من الأهواء، فأنت باذن الله مخلص لله. يعني كمعنى خلص واضح مفهوم، يبقى عليك أن تعمل ما بعد ذلك، يبقى عليك أن تعمل لتحقق هذا المعنى الشريف الذي ذكره سهل التستري، وتحاول في كل عمل أن يكون لك نية كما قال أحمد بن حنبل: انوي الخير دائماً في أي عمل تفعله في الحياة، حاول أن توجد لك نية صالحة، حتى في طعامك، حتى في شرابك، حتى في نكاحك، حتى في لهوك، حاول أن توجد نية صالحة؛ لأن الإخلاص شامل لكل الحركات والسكنات، كما قال سهل رحمه الله تعالى عليه.
نعم قال رحمه الله تعالى: وقال السري رحمه الله عليه أيضاً -هذا أحد أئمة السلوك أحد العارفين كما قال- نعم قال رحمه الله: لا تعمل للناس، ولا تترك لهم شيئاً، ولا تعطي لهم شيئاً، ولا تكشف لهم شيئاً. وهذا من التعاريف التي ذكرت في الإخلاص: أن لا تعمل للناس ولا تلتفت للناس، وإنما يكون التفاتك دائماً لله سبحانه وتعالى.
نعم قال وروينا عن حبيب بن أبي ثابت التابعي رحمه الله تعالى أنه قيل له: حدثنا، فقال: حتى تجيء النية. العالم الكبير العالم هذا أحد علماء الحديث ماذا قال؟ قالوا له يا امام جالس في مجلس فقالوا إنه يا امام حدثنا يعني ألقي علينا العلم، فماذا قال؟ قال لسه مش زابطة الان، مش مستحضرة، قال: حتى تجيء النية، بس أشعر أن قلبي يستحضر الإخلاص لله أكلمكم.
شوف العالم الذي عن بتابع خطراته، أنت اليوم واحد تكلم، شوف الناس على الفيسبوك، على وسائل التواصل، الكل بيحكي، ما حدا ينتبه أجت ولا نية راحت ولا نية، من أين أتت أصلك؟ هذا العالم عم يحسب الكلمة، حبيبي بن أبي ثابت عم يحسب الكلمة يعني أعطينا درس حتى أشعر أن قلبي حضرت فيه النية الصالحة، بعد ذلك أكلمك. شوف الانتباه والتدقيق على ملفات للاسف احنا اليوم لا ندقق فيها ولا نلتفت لها.
نعم قال رحمه الله تعالى: وعن أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى قال: الثوري أحد أئمة الحديث والفقه، نعم قال رحمه الله: ما عالجت شيئاً أشد علي من نية أنها تتقلب علي. وهذا من الآثار الذي أكرره دائماً على الطلبة، يعني سفيان الذي أتقن العلوم النقلية واتقن الحديث والرجال والفقه، كل شيء سهل عليه وهان عليه إلا شغلة واحدة في حياته يعني تعب منها؛ ما هي؟ النية.
النيه الكثير منكم حاطه على الرف، ومش منتبه لها ومعتبر نفسه حاسمها، سفيان الثوري الذي أتقن العلوم النقلية بشكل عالي جداً يقول: أنا كل شيء سهل علي وهان علي، ما عالجت شيئاً -يعني اجتهدت في معالجة شيء- أشد علي من ماذا؟ من موضوع إخلاص قلبي لله سبحانه وتعالى. قال: إنها تتقلب علي، كل يوم الشيطان يدخل علي من باب. ما معنى أنها تتقلب علي؟ الشيطان كل يوم يدخل علي من باب، يحاول أن يفسد علي طلبي للعلم ومقاصدي لله سبحانه وتعالى. هذا يدل على أن موضوع النية موضوع أبداً ليس سهلاً، وإياك أن تركن لنفسك وتعتقد فيها الصلاح في هذا الموضوع، بداية انهزامك وسقوطك، وإحسانك الظن باخلاصك واعتقادك كأنك على درجة عالية منه، لكن طبعا أنبه أن لا يصبح الأمر وسوسة؛ أن بعض الناس إذا تكلمت أنا وكثير عن الإخلاص عنده ايش؟ وسوسة، بقول لك: أنا انسان ما بدي اعمل اشي لأني أنا دائماً مراعي، ليس هذا المطلوب، المطلوب أن تجاهد وتجتهد، لكن لا تصل لمرحلة الوسوسة، هذا مهم جداً.
نعم قال رحمه الله تعالى: وروينا عن الاستاذ أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري رحمه الله في رسالته المشهورة، رسالته المشهورة هي الرسالة القشيرية، وهذه من كتب أهل التصوف لها ما لها وعليها ما عليها، يعني فيها فوائد وفي عليها طبعا ملاحظات.
نعم قال رحمه الله: الإخلاص افراد الحق في الطاعة بالقصد. الحق افراد الله الحق هناك الله سبحانه وتعالى، قال افراد رضا افراد الحق في الطاعة بالقصد، يعني إذا أردت أن تطيع الله سبحانه وتعالى فيكون قصدك ربك، ولا يكون قصدك إلى أي شيء آخر.
نعم قال: وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو شيء سوى التقرب إلى الله تعالى. هذا شرح لتعريفه، ما معنى هو؟ هكذا عرف القشيري الإخلاص، قال: الإخلاص افراد الحق في الطاعة بالقصد، يعني إذا أردت أن تطيع فتفرد الله سبحانه وتعالى بالقصد ولا تقصد في الطاعة أي شيء آخر من محمدة الناس أو نحو ذلك مما ذكره القشيري رحمه الله تعالى عليه.
طيب قال رحمه الله: ويصح أن يقال -هذا تعريف آخر للقشيري، القشيري عرف الإخلاص تعريفاً آخر فقال- قال: ويصح أن يقال الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. ما معنى هذا الكلام؟ يعني إذا فعلت فعلا فلا تلاحظ به أحداً، لا تتمنى أن ينظر إليك فلان أو فلان، لا تتمنى أن يلحظك أحد، وإنما تتمنى أن يشاهدك الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، فهذا معنى تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين فعلاً، ويكون قلبك صافياً لا تريد إلا أن يشاهدك ربك ولا تريد أن يلحظك مخلوق فيمدحك أو يثني عليك.
نعم قال رحمه الله: قال وسمعت أبا علي للدقاق رحمه الله تعالى يقول: الإخلاص التوقي عن ملاحظة الخلق، والصدق التنقل. الإخلاص ماذا قال الدقاق؟ يعني طبعا هي كلها تعاريف صحيحة، لكن كل عالم يركز على جانب أو يعبر باسلوب يختلف عن العالم الآخر، وإلا كلها تصب في نفس الاتجاه، فقال: الإخلاص التوقي عن ملاحظة الخلق. وهذه نفس الفكرة التي مرت معنا قبل قليل في كلام القشيري: ألا تتمنى أن يلاحظك المخلوقون وأنت تسعى وتعمل في طلب العلم أو في طاعة أو ما شابه ذلك، وأما الصدق فقال قال رحمه الله: والصدق التنقي عن مطالعه النفس. فالمخلص لا رياء له، والصادق ولا إعجاب له.
ما معنى أن يعني ما الفرق بالتالي بين الصدق والإخلاص بناءً على كلام الدقاق وماذا قال؟ قال: الإخلاص ألا تهتم بملاحظة الناس، والصدق ما هو؟ لا تعجب بنفسك، يعني في واحد بقول لك: أنا والله ما بهتم برؤية الناس، لكني والله لم أقعد مع نفسي أعجب بنفسي أني والله انجزت وحققت وفعلت. الدقاق ماذا يقول لك؟ قرية الصدق التنقي من مطالعه النفس، يعني أن لا تنظر إلى نفسك بإعجاب، ألا تنظر إلى نفسك وتزدهي بها، وتعلم أن كل ما منحته إنما هو فضل الله سبحانه وتعالى. قال: فالمخلص لا رياء له لأنه لا ينظر إلى الناس، والصادق لا إعجاب بعده عجب ليه؟ لأنه لا ينظر إلى نفسه. فهمتم ايش يعني لا ينظر إلى نفسه؟ يعني لا تعطي نفسك إعجاباً أنه أنت إنسان مميز وأنا إنسان كذا وأنا إنسان كذا، طبعا هذا اليوم.
لو سمح إخواننا جماعة القيادة والإدارة والثقة بالنفس بيزعلوا علينا. الشيخ: لا، لا بد أن تزرع في نفسك الثقة. وهو حقيقة خليني أقول إن الموضوع يحتاج إلى موازنة؛ يعني بعض الناس، يعني هو ليس المطلوب أن تعتقد في نفسك الضعف، أو خليني أعبر بعبارة أخرى: ليس المطلوب أن تحتقر نفسك وأنه أنا انسان فاشل حتى أكون هيك مش معجب بنفسي. لا، الحمد لله ربنا منعم علي معطيني سمع وبصر وعقل وكذا، وهذه نعم ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]، وأما بنعمة ربك فحدث.
لكن لما يؤتين الله سبحانه وتعالى علماً أو شيئاً وأبرز به على أقراني فهنا لا ألاحظ قوة نفسي وإنما ألاحظ منة الله وتوفيق الله سبحانه وتعالى لي، فهذا المراد؛ أن لا تلاحظ النفس حتى لا يصبح عندك إعجاب بنفسك فتهمش موضوع التوفيق الإلهي على حساب، يعني، الثقة الزائدة بالقدرات الشخصية. فلذلك الدقيقة لصدق هو التنقي عن مطالعة النفس، يعني ألا تعجب بنفسك وتكل الأمور دائماً إلى الله سبحانه وتعالى المتفضل عليك.
نعم، قال رحمه الله تعالى: وعن أبي يعقوب السوسي رحمه الله قال: متى شهدوا في إخلاصهم، والاخلاص احتاج إخلاصهم إلى إخلاص. شو هذا الكلام؟ يعني هذا لغز ولا ماذا قصد أبو يعقوب السوسي في هذا الكلام؟ أقرأ العبارة مرة أخرى: قال رحمه الله تعالى: متى شهدوا في إخلاصهم، والاخلاص احتاج إخلاصهم إلى إخلاص. يلا جيد، خلينا نفكر مع بعض ماذا يقصد السوسي؟ يا حبيبنا المرة أنه مخلص احتاج إلى أن يجلس يعني بس هو شوي كلام، إيوه يا شيخ عامر يعني أقرب اللي بعرف عبارات التصوف يعني مش، يعني، يعني هو أنتم عباراتكم قريبة، أنا ما بقول أنا خطأ، لكن إيوه يا شيخنا شعر تغيرت شعرنا إلى شعر.
يعني حتى لا أطler الأمر، هم يقولون، خاصة علماء التصوف، علماء التصوف لهم تطبيقات في هذه المقامات أعلى من غيرهم، يقولون: وأنت تفعل العبادة يجب أن لا تشاهد العبادة، يعني لا تشهد نفسك أنك تخلص وأنت تخلص، عليك ألا تشاهد نفسك مخلصاً، لذلك أقول كلامكم قريب لا أستطيع أن أقول كلامكم بعيد، لكن لفظ المشاهده عندهم يعني هو لفظ شوي أدق من قضية ظن نفسه.
إذاً يقول: متى شهدوا في إخلاصهم الأخلاص، يعني وهم يمارسون الإخلاص عند أهل التصوف يقولون: يجب أن لا تشاهد نفسك مخلصاً أو لا تشاهد نفسك في هذا المقام، لانك إذا شاهدت نفسك في هذا المقام ما عدت مخلصاً. هكذا يقولون. طبعا أنا ما بدي أيك توصل وسوسة شوي في هذا الموضوع تتكلف، لكن الكلام تبعهم يعني له وجه من الصحة، لكن كما قلت لانكم مبتدئون في هذا الميدان لا نشغل أنفسنا بالتعمق فيه.
لكنني يهمني أن تفهمه أنهم يقولون في أي شيء تفعله يجب أن لا تشاهد نفسك وأنت تفعل هذا الفعل، أنك إذا شاهدت نفسك كأنك بدأت تعجب بها، فإذا متى في إخلاصهم؟ إخلاصهم أي وهم يمارسون الإخلاص، متى شهدوا أنهم في مقام الإخلاص احتاج إخلاصهم هذا إلى أن أصبحت ممارستك الإخلاص هي نفسها تحتاج إلى إخلاص ويتسلسل الأمر.
نعم قال رحمه الله تعالى: وعندي النون رحمه الله قال ممنون المصري أحد علماء السلوك أيضاً، نعم قال: ثلاث من علامات الإخلاص: استواء المدح والذم. من المفيد لك، يعني كيف تعرف نفسك أنك مخلص بعيداً عن التعاريف؟ أعطيني علامات تساعدني أني أكتشف نفسي هل أنا فعلاً عندي هذا الباب أما أنا ضعيفي؟
قال العلامة الأولى: أن يستوي المدح والذم من العامة، يعني إذا مدحوك فلا ترتفع، وإذا ذموك على عملك لا تنتهي، فأنا ماشي في هذا الطريق لا يهمني مدح ولا ذم، وقد ركز بالحزم الظاهر على هذه القضية، على قضية استواء المدح والذم بالتفصيل في كتابه مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق.
إن الإنسان الصادق مع الله المخلص له عليه أن يصل إلى مرحله في مشروعه العلمي أو الدعوي أو الحياة الذي يقصد به وجه الله، لا يهتم ماذا بمدح الناس أو ذمه. إذا بدا، لكن لما أطلب وإذا ذموني جزاهم الله خير، لكنني لن أترك العمل إذا كان الذنب فقط من أجل النقد وليس من أجل وجود خطأ في الموضوع.
نعم، قال رحمه الله تعالى: ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال. هذه نفس ما ذكره قبل قليل الشيخ السوسي. إيش يعني ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال؟ نفس ما ذكرنا أنه لا يجوز عند علماء التصوف عموماً وأنت تفعل الفعل أن تشاهد فعلك، يعني وأنا بطلب العلم ما شاء الله هنا عم بطلب العلم وكذا ليه؟
فقالوا: إذا شاهد الفعل ونظر إليه وهو يفعله سيتسرب إليه الإعجاب بنفسه، فلذلك قالوا: لا تنظر إلى نفسك وأنت تفعل الفعل حتى لا تعجب بها.
نعم قال: واقتضاء ثواب العمل في الآخرة. وهذا واضح؛ اقتضاءنا طلب أن أنها تطلب ثواب عملك من الدنيا من أهل الدنيا لما تفعل عمل لله تنتظر الثواب ممن؟ من الله سبحانه، ما تطلب إنه فلان يعطيك مال أو مدح أو ثناء أو جاه أو يقدموك في المدارس. لا تعامل مع الناس ببساطه الأمر وهويمته.
نعم، قال رحمه الله: وعن أبي عثمان رحمه الله قال: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق. هي نفس الفكرة التي ذكرت سابقاً يعني هذا من المعاني التي ذكرت في تفسيره الإخلاص، يعني هذا التفسير العاشر الذي يقدمه النووي والقاسي من الإخلاص.
نسيان رؤية الخلق، وأنت تفعل كان الناس مش موجودة، وكأنك تشاهد الله سبحانه وتعالى وحده، هذا معنى نسيانه رؤية الخلق كأنهم غير موجودين، فلا يهتم بوجودهم: رأوني لا رأوني هذا لا يهمني.
قال رحمه الله: وعن حذيفة المرعشي رحمه الله تعالى قال: الإخلاص أن تستوي أعمال العبد في الظاهر والباطن. إن بعض الناس، ما شاء الله، إذا ذهب، الإنسان المخلص هو الذي يستوي ظهيره باطنه، كما قال: فأنت في الخلوة كما أنت في العلانية، ما عندك، يعني، وجهين، ما عندك تفاوت في الأعمال.
تظهر أمام الناس الصلاح والورع وأنك من أهل الخير وتبكي، وإذا عدت إلى بيتك وأغلقت الباب عليك إذا أنت تمارس الحرامات الله، هذا لا يمكن أن يكون مخلصاً وهو يسير بهذا النهج في حياته.
قال رحمه الله: وعن أبي علي الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. هذه تحتاج إلى، يعني، حقيقة تفصيل. القضية الأولى قول الفضيل بن عياض: ترك العمل لأجل الناس رياء. لو سالتك كيف يكون هذا؟ يعني أنا دخلت المسجد شفت جماعة جالسين فقلت خلاص ما بدي أصلي حتى لا يمدحوني. تركوا العمل لأجل الناس، يقول الفضيل، هو كيف يكون رياء؟ طب أنا تركت العمل حتى لا يمدحوني، فكيف يكون ترك العمل لأجل الناس شكله من أشكال الرياء؟ هذا حقيقة عبارة تحتاج إلى موازنة. يعني تركز على الفكرة: لماذا جعلت ترك العمل من أجل الناس (خشية يشاهد الناس) جعل هذه العملية شكل من أشكال الرياء؟
ترك العمل يظن الناس، لا، هو لم يخسر هذا الفضيل مش لقضية بالعكس هو فر من مدح الناس، لكن هنا جعلنا ذلك شكل أشكال الرياء. أعطتني الغاية صح حتى لا يترك الناس العمل، لكن كيف يكون ذلك رياء؟ أحسنت، طيب، يعني هو الأخ اقترب بدأ يقرب لنا الأمور الفكرة الأخيرة الشيخ أحمد، يعني أحسنت في هذه الفكرة بدنا نقف هون أن هو أصبح عنده ملاحظة شديدة للناس، أصبحت قضية الناس هي الشيء اللي حاضر في حياته، بحيث إنه أصبح يترك ويعمل فقط لأنه يشاهد الناس.
والاصل فيك أيها الإنسان المسلم أن تشاهد، يعني أنا محافظ على طاعة معينة ممتاز ومستمر عليها، لما جاء الناس وحضور لو كنت صادقاً تمام الصدق لم أعَب بحضورهم واستمررت في عملي. ترك العمل لأجل الناس هو ماذا؟ هو دلالة على أنني لاحظتهم بشكل من الأشكال، فترك العمل هنا أصبح لأنه أصل عملي، مثلاً إنسان خليني أعطيك: يقوم الليل ممتاز، يوم من الأيام ابنك صاحي، أخوك كان صاحي، فهو ما عاد يريد أن يقوم الليل حتى ماذا؟ حتى لا، يعني، يشاهده أخوه وهو يقوم الليل، هنا أنت واضح أنك تلاحظ الناس وأنت تعمل في شيء من ملاحظة الناس.
واللو صفى قلبك تمام الصفاء استوى عندك حضور الناس وغيابهم، لكن برايكم هل هذه القاعدة مضطردة دائماً؟ يعني كلاماً فضيل بن عياض هل هو كلام، يعني، فعلاً يجب أن نبطقه دائماً ولا يقبل الاستثناء؟ حقيقة، يعني، كثير من أهل العلم قالوا: كلام الفضيل هنا في السطر الأول يحتاج إلى نظر، وأن الكلام ليس دائماً الرياء. هذه الجملة هل هي على إطلاقها صحيحة؟ لا أقطع بذلك.
نعم، يعني بمفهوم معين، كما طرح ابتداءً، أنه الأصل أنت أن يستوي عندك حضور الناس وغيابهم. فكل ما هي الفكرة؟ إذا كل عمل خير، يعني في جانب صحيح من كلام الفضيل بن عياض يجب أن لا نغفل عنه، إنه إذا أنا كل عمل خير وجدت الناس شافوني فيه بدي أتركه معنى تلاعب راح أدرس ولا سرى راح أصلي والأخير راح أدخل فيه بحجة إيش الناس؟ وهذا دلالة على أنك تلاحظ الناس كثيراً.
لكن في المقابل، أحياناً فعلاً الإنسان في موقف معين في موقف أو مشهد معين قد يخشى على نفسه من شيء من، ماذا؟ من الرياء. يعني إذا بعض الناس يقول لك: يا شيخ أنا ما بحب أبكي أمام الناس لأني بعرف نفسي إذا بكيت أمام الناس راح أتعب ويدخل للرياء وكذا، بحب أبكي وحدي. هل هذا أنت مراعي؟ يعني هل هذا من السهل إطلاق كلمة مراعي على كل شخص ترك عملاً؟ حقيقة أنا لا أفق أن هذه القاعدة على إطلاقها. لا يمكن الإنسان في مواقف معينة أن يترك العمل يشعر أنه أنا الآن إذا بكيت أمام الناس خلاص قلبي لن يكون سليماً، فبحاول أمسك نفسي حتى أفعل هذا الفعل في خلوتي.
أنا لا أقطع أن هذا رياء حقيقة، لكن إذا أصبح سنة متبعة في حياتك أنك دائماً تترك الأعمال لأجل الناس هو دلالة على فعل أن الناس أخذوا حيزاً كبيراً من تفكيرك ونظرك، فأصبحت تترك الأعمال من أجلهم. ها هذا قد أقول إنه قد يوافق كلام الفضيل، أما كلام الفضيل على إطلاقه فقد يحتاج إلى نظر وإلى تدقيق، لأنه ليس دائماً الإنسان إذا خاف على نفسه رياء فترك عملاً اعتبره رياء.
أنت أحياناً قد تحمل الناس فوق طاقتهم بهذه أو بهذا الإطلاق على عمومه والله أعلم. أما العمل لأجل الناس شرك فهذه واضحة، لأنك قصدت الناس في فعلك.
قال رحمه الله تعالى: وعن رويم رحمه الله قال: الإخلاص أن لا يريد على عمله عوضاً من الدارين ولا حظاً من الملكين. قالوا عن يوسف بن الحسين رحمه الله قال: أعز شيء في الدنيا الإخلاص. ولا حظاً من الملكين.
طبعاً، من المراد بالملكئين هنا؟ قالوا لك: الحسنات والسيئات. يعني هذه بعض العبارات شوية يعني قد لا يحتاج إليها كثيراً. قال الإخلاص أن لا يريد على عمله عوضاً من الدارين ولا حظاً من الملكين.
طيب إيش معنى هذا الكلام؟ وخلينا نفكر فيه، أنت دائماً خاصة لما تقرا لبعض علماء التصوف بدك تنتبه مية بالمية تكون العبارة صحيحة. إيش يعني أن لا أنتظر عوضاً من الدارين ومنظر بالدارين؟ الدنيا والآخرة. طب صحيح أنه أنا لما أعمل عمل ما بدي ربنا يعوضني الجنة مثلاً؟ هذه الفكرة ضمرنا عليها كثيراً علماء التصوف، وقلنا إن الإنسان، يعني بعض علماء التصوف يقول: يجب أن يكون عملك فقط لذات الله، لا تطلب جنة ولا تخاف من نار، وهذا الكلام ليس بصحيح، بل طلبوا الجنة والتظاهروا عوض الله والخوف من النار هذا جزء من طلبك لله سبحانه وتعالى.
فقوله: ألا تنتظر عوضاً من الدارين كلام ليس بصحيح، بل أنا أنتظر العوض من الله في الدار الآخرة، ولا ليش الله شوقني وأعطاني وصف الجنة وخوفني من النار؟ كل هذا ليس من أجل أن أطلب الجنة، فكيف تقول لا تطلب عوضاً؟ هذا الكلام يحتاج إلى نظر ليس بدقيق هذا التعبير.
وقضية ولا حظاً من الملكين، اللي هو ملك الحسنات والسيئات، يعني هذا قد يقبل من جهتي أن الإنسان لا يقصد الملائكة في عمله وإنما يقصد وجه ربه، لكن يعني لا أجد كلام رويم أفضل ما يقال يعني كلام وغيره قد يكون أكثر ضبطاً.
نعم، قال رحمه الله تعالى: وعن أبي عثمان قال: إخلاص العوام ما لا يكون للنفس فيه. الحسين رحمه الله قال: أعز شيء في الدنيا الإخلاص. والعزة هنا قد تكون بمعنى إيش؟ العظمة والفخامة، وقد تكون بمعنى أن ندرة الشيء، العزيز والشيء العظيم وهو أيضاً شيء نادر، فكلمة أعز شيء تحتمل العظمة والجلال، يعني اعظم شيء في الدنيا الإخلاص، وتحتمل القلة، أعز شيء أقل شيء يمكن في قله من يحققه ولقلة من يصل فيه إلى المنتهى، فهذه محتملة وهذه محتملة.
نعم، قال رحمه الله تعالى وعن أبي عثمان قال: إخلاص العوام ما لا يكون للنفس فيه حظ، وإخلاص الخواص ما يجري عليهم لا بهم، فتبدو منهم الطاعات وهم عنها بمعزل، ولا يقع لهم عليها رؤية ولا بها اعتداد.
شوفونا شوية الشيخ أبو عثمان يعني دخل في عبارات أصعب وأصعب من العبارات أهل التصوف، وهذه يعني من مسالك أهل التصوف ومن كلامهم أنهم يقسمون الناس في أعمال القلوب إلى عوام وخواص. الخواصم الأولياء، أسياد من الأولياء، والعوام التي حالاتنا وحالاتكم تمام، فهو يقسمون الناس في علم السلوك إلى عوام ما زالوا في بداية الطريق إلى الله، وخواص. وهذا التقسيم أصلاً.
بحد ذاته فيه نظر، وإذا الأصل أن أعمال القلوب يشترك الناس جميعاً فيها ما فيها، والله خواصه وعوام، لكن يعني عند من يصححه بدنا المشي، ماذا قال؟ قال إخلص العوام -اللي زي حالاتي وحالاتكم- ماذا يفعل؟ قال: «ما لا يكون للنفس فيه حظ». إيش يعني هذا؟ واضح، يعني أن تفعل فعلاً لا تريد حفظ نفسك، وإنما تريد ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى، هذا واضح. طيب إخلاص الخواص اللي بتحكي عنهم ما هو؟ قال: «ما يجري عليهم لا بهم»، هذه جائزة.
ما يجري عليهم لا بهم، ما معنى هذا الكلام؟ ما معنى أنا أحياناً بحاول أسألك، حتى بدك تفكر، مش دائماً تستنى أو تنتظر مني الشرح المباشر. ما معنى قال إخلاص الخواص ما يجري عليهم لا بهم؟ نعم.
طيب يعني جيد. أحسنت، يعني كأن العمل جاء عليهم، لا يعني أن لا تنظر إلى سببيتك في العمل باختصار. إخلاص الخواص ألا تنظر إلى سببيتك في العمل، يعني لما صليت أنه أنا ما ليش دخل، هذا إشي ربنا أجراه على جوارحي إجراء، قريبة من فكرة الجبر اللي بيحكي عنها، يعني كأنه شيء نزل عليك نزولاً وأنا لست سبباً فيه، وهذه درجة عالية جداً حقيقة ليست مطلوب منا أن نصل إليها، لكن علماء التصوف يقولون بها، لأنها توصل بهم إلى حال إيش؟ الفناء. عمرك بالفناء الصوفي؟ الفناء الصوفي ألا تشاهد نفسك ولا تلحظها وتفنى في ذات الله. هم يريدون الوصول إلى درجة الفناء، وهذه المراتب وتقسيماتها حقيقة لا يهتم بها الطالب المبتدئ الدافيء في عنده السلوك ولا أنصح أن ينشغل بها، لأن الكثير منها يحتاج إلى نظر.
قضية ألا أشاهد نفسي وأن أفنى في ذات الله إلى غير ذلك، هذا كله لا يحتاج إليه، يكفي فاصل عوام ألا يكون لك حظ لنفسك وانتهى الأمر. أما أنني مطلوب مني إذا أردت أن أكون من الأولياء ألا أشاهد نفسي في العمل وأن أشاهد أن العمل أجري عليّ فقط، هذا شيء يعني صعب ولا يوجد دليل على أننا مطالبون به أصلاً. لا يوجد دليل على أننا مطالبون به أصلاً، أنا مؤمن بالقضاء والقدر وأن الله هو الذي خلق فعلي، لكنني أؤمن أيضاً أنني ماذا؟ سبب في الفعل، وأخشى أن يكون مثل هذا الكلام هو قنطرة للجبرية ولعقائدهم في أن الإنسان ليس له سبب في الفعل، وهذا ليس بكلام صحيح ولا سديد. نعم.
قال رحمه الله تعالى: وما الصدق؟ فقال الله تعالى. وقلنا هذا الفصل في تاريخ ماذا؟ الصدق. سؤال: ما الفرق بين الإخلاص والصدق؟ قبل شوية أبو علي الدقاق أعطانا، صح ولا لا؟ أعطانا تصور. فما هو التصور اللي قدمه الدقاق؟ أن الإخلاص ألا تشاهد المخلوقين، والصدق ألا تشاهد نفسك. هذا قول، وهناك قول آخر وهو مشهور عند أهل العلم أن يقولون: الإخلاص توحيد المطلوب، والصدق توحيد الطلب. الإخلاص أن توحد المطلوب، وأما الصدق فهو توحيد الطلب. ما معنى ذلك؟ نقول: الإخلاص أن توحد مطلوبك فيكون مطلوبك واحداً وهو الله، فلا تطلب الناس. وأما الصدق فهو أن توحد طلبك، يعني أن تجمع قلبك على الله سبحانه وتعالى ولا تشغل قلبك بأي خاطر أو فكرة لا داعي لها، فهذا يسمى توحيد الطلب، يعني أن تجمع قلبك من الشتات من الخواطر وتجعله يتجه إلى مطلوب واحد.
الصدق والإخلاص متقاربان، لأن الصدق جمع القلب، ثم أجمعه علاما على مطلوب واحد وهو الله. فالخطوة الأولى أنك تجمع قلبك وتجمع طلبك وتجمع همتك وهذا يسمى صدقة، غفلان صادق مع الله يعني جمع قلبه على الله ولم ينشغل بتجارة الحياة الدنيا ولا بيسافها. وأما الإخلاص فهو أن تطلب مطلوباً واحداً ولا تطلب معه شيئاً آخر من الناس والمخلوقين، فهذا معنى قولهم إن الإخلاص هو توحيد المطلوب الله، وأما الصدق فهو أن توحد الطلب، لا يكن عندك في قلبك انشغال بأي شيء لا يعنيك في مسيرك إلى الدار الآخرة. مفهومة ولا في غموض فيه؟ فهمنا الفرق بين الإخلاص والصدق؟ فالإخلاص يتعلق بمن تطلبه، والصدق يتعلق بنفس القلب بنفس الطلب. الإخلاص أطلب مطلوباً واحداً، الصدق أجمع قلبي على شيء واحد أفعله ولا أفعل أشياء متعددة تشتتني عن هدفي وبغيتي في هذه الحياة.
قال رحمه الله: وأحياناً من باب الفائدة البعض قد يطلق الصدق ويقصد به الإخلاص، يعني بعض أهل العلم أحياناً يستعملون الصدق معنى الإخلاص ويعرفونهما بنفس التعريف، فالبعض جعلهما من المترادفات والبعض فرق بينهما. من فرق بينهما أن قدم وجهات نظر عديدة لهذه التفرقة. قال: واما الصدق فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. قال رحمه الله تعالى: قال القشيري: الصدق عماد الأمر وبه تمامه وفيه نظامه. قال: واقله استواء السر والعلانية، يعني الحد الأدنى من الصدق هو ماذا؟ استواء السر والعلانية. وأنا نجد أن القشيري عرف الصدق بما هو بمعنى الإخلاص، يعني عرف الصدق بما هو بمعنى الإخلاص، يعني لم يعطي تعريفا منفصلا كما فعل الدقاق قبل قليل. نعم.
قال: وراينا عن سهل بن عبد الله التستري رحمه الله قال: لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره. ما معنى هذا الكلام؟ لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه، يعني تعامل مع نفسه بالمسامحة، أنه نفسه فعلت معصية يلا مش مشكلة هاي مداهنة. والله نظرت عينك للحرام، هو لحالي أنا بنظر الحرام هو كل المجتمع، هذا نوع من المداهنة النفس وترطيبها في لما تفعل للخطر. فالمراد مداهنة النفس أي عندما ترتكب خطأ أو كسلاً أو عجزاً أو دفعاً أو تتوسع في المباحات، لا تداهن نفسك وتعامل معها كحسب، أخطأت أخطأت، ضيعت وقتك وضيعت الوقت، لا تجامل نفسك عندما تخطئ، سواء الخطأ كان في أصول المعاصي أو في فضول المباح. المراد أنه لا يكون الإنسان صادقاً إذا كان يداهن نفسه أو يجامل غيره. وأنا أتفق أن هذا هو الصدق بمعنى توحيد الطلب، أنك إذا كنت صادقاً ستجمع قلبك على الله ولن تسامح نفسك إذا ضيعت نفساً من الأنفاس أو وقتاً من الأوقات في غير ما يقودك إلى الله سبحانه وتعالى، فتوحيد الطلب يقتضي منك ألا تداهن نفسك وأن تحاول دائماً أن تجمع قلبك على الله سبحانه وتعالى ولا تضيع النفس في المعاصي وفضول مباحه. نعم.
قال رحمه الله تعالى: وعن ذي النون رحمه الله قال: الصدق سيف الله ما وضع على شيء إلا قطعه. قالوا عن الحارث بن... هي عبارة يعني بلاغية خلينا نقول أكثر من أنها شارحة لطبيعه الصدق نعم. قالوا عن الحارث بن أسد المحاسبي بضم الميم قال: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه، ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله، ولا يكره اطلاعهم على السيء من عمله، لأنك كرهته ذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم، وليس هذا من أخلاق الصديقين. نعم، نحن نتفق مع الحارث المحاسبي على النقطة الأولى والثانية، لكن النقطة الثالثة أظننا لا نحتاج أن نناقش فيها. قضية أن الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه، يعني لو كل الناس كرهوك مقابل يصلح قلبك، أنت تفضل أن يصلح قلبك ولو كرهك كل الناس وأخرجوا ما في قلوبهم لك من التعظيم والاحترام ما عندي مشكلة. أخرجوا ما في قلوبهم لي من التعظيم والاحترام مقابل أن أحافظ على صلاح قلبي، أنا موافق. أتوافقون على الحارث؟ نعم كلام صحيح.
الثاني قال: ولا يكره، قال رحمه الله تعالى: يحبه اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله. أحسنت، لا يحب أن يطلع الناس على أقل شيء من أعماله الحسنة، إذا اطلعوا وحدهم اطلعوا، لكنني لا أحب ولا أطلب ذلك، وهذا كلام صحيح أن محبتك اطلاع الناس على أعمالك فيها شيء من الدخل. طيب النقطة الثالثة قال: ولا يكره اطلاعهم على السيء من عمله. قال: ولا يكره اطلاعهم على السيء من عمله. كراهيتي أنه الناس يشوفوني وأنا أعصي، هو يرانا في الصدق حقيقة نارا، وهذا لا يحتاج إلى نظر، لأن الإنسان طبيعة إنسان المؤمن هو يعصي فعلاً ولا يرغب أن ينظر الناس إليه ولا يحب أن يطلع الناس على أخطائه في لحظة الضعف، هل هذا فعلاً ينافي الصدق؟ متى ينافي الصدق؟ أنا شوف أنا هذا الكلام أقول لك هو يحتاج إلى نظر، ما أقول كل خطأ هو في مكان معين ينافي الصدق، لكن بصورة أخرى لا ينافي الصدق. متى يكون منافيساً عمر؟ أحسنت، يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله. إذا كنت تخشى أن يشاهدك الناس وغير مستحي أن يشاهدك الله، نعم هذا يعني أنك غير صادق، فيكون الكلام هنا صحيحاً.
أما إذا كنت لا والله أنا مستحي من ربنا لكن لحظة ضعف، أنا مستحي من ربنا لكن لحظة ضعف يعني قهرتني، وفي نفس الوقت ما بحب أحد ينظر إلي في هذا المقام وأن يشاهدني وأنا أعصي الله سبحانه وتعالى لأني محترم ضعفي وعارف أني أنا ضعيف وأعمل خطأ الآن، مثل هذا الإنسان لا أستطيع أن أقول أنك غير صادق بل هو شعور طبيعي، بل هو حياء من الله سبحانه وتعالى، أنه يا رب أنا مستحي منك وأنا بعصي قهرتني نفسي وما بدي الناس يشوفوني وأنا على هذا الخطأ وأنا قد أكون أمامهم الشخص صالح يعني أعمال حسنة وما شابه ذلك، هذه مشاهد انسانية طبيعية لا تنافي الصدق إذا كنت تعظم الله في قلبك، لكن المشكلة وين بتصير؟ إذا كنت لا تعظم الله مناظر الناس أهون بتكون أنت غير صادق، فهذا الكلام من المحاسبي يحتاج إلى تفصيل حتى يفهم في مكانه الصحيح.
قال رحمه الله تعالى: وعن أبي القاسم الجنيد بن محمد رحمه الله تعالى، هذا كما يقول ابن القيم هو إمام الطريقة، وهو من أحد كبار علماء السلوك على طريقة السلف. الجنيد رحمه الله تعالى عليه من كبار علماء السلوك على طريقة السلف، ويسميه دائماً ابن القيم شيخ الطريقة. نعم قال رحمه الله: الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة والمرائي يثبت على حاله واحدة أربعين سنة. شوف هذا الكلام راح نختم به هذا الفصل إلى آخره، يعني هو الإنس يعلق القاسمي هاي أول مرة بتدخل القاسم ترى، كل الكلام السابق كلام النووي، الآن راح يتدخل القاسم. إذا قال القاسم قلت معناته تدخل، تمام؟ إذا قال القاسم في الكتاب قلت قالت، هو الآن سيحكي كلامه الشخصي مشكلة من نووي الآن. القاسمي سيحعلق على هذه العبارة للجني تحقيق إخواني، عبارة مهمة ولها يعني عمق في حياة الإنسان المسلم. شوف كيف شرح القاسمي كلام الجنيد في هذه الفقرة، عيد الفقرة أو كلام الجنيد ثم ننظر في كلام القاسمي.
اقرأ: وعن أبي القاسم الجنيد بن محمد رحمه الله تعالى قال: الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة والمرائي يتقلب في اليوم أربعين مرة طب رقم أربعين مش مقصود مراد التكثير يعني يتقلب كثيراً في اليوم، واما المرائي يثبت في يومه على حاله واحدة. والله عجيب هذا الكلام، يعني كيف يعني؟ انظر ايش يقول القاسم. قال رحمه الله تعالى: قلت معناه أن الصادق يدور مع الحق حيث دار، فاذا كان الفضل الشرعي في الصلاة مثلا صلى، وفي مجالسه العلماء والصالحين والضيفان والعياذ وقضاء حاجة مسلم وجبر قلب مكسور ونحو ذلك فعل ذلك الأفضل وترك عادته، وكذلك الصوم والقراءة والذكر والأكل والشرب والجد والمزح والاختلاط والاعتزال والتنعم والابتذال ونحوها، فحيث رأى الفضيلة الشرعية في شيء من هذا فعله ولا يرتبط بعادة ولا بعبادة مخصوصة كما يفعله المرائي.
هذا الكلام جميل إخوان، وهذا أصل ينبغي أن يهتم به طالب العلم، وهو أن الإنسان الصادق مع الله سبحانه وتعالى هو الذي يفعل في كل لحظة ما يريده الله في هذه اللحظة. الإنسان الصادق هو الذي ينظر في كل لحظة فيقول: هذه اللحظة ما هو الذي يريده الله مني هنا؟ فيفعل ما يريده الله في هذه اللحظة. مثلاً وقت الأذان ما هو الشيء الذي يريد الله منا أن نفعله وقت الأذان؟ مش مطلوب منا نقرا قرآن وقت الأذان، صح؟ مش مطلوب أنك تروح تبر والدين وقت الأذان، مطلوب منك أعظم شيء أن تفعله أن تردد مع الأذان، ممتاز. طيب بعد الأذان ماذا يريد الله مني؟ يعني هذا الأمر أنك تجهز نفسك وتعد نفسك، فأفضل شيء تفعله في هذا الوقت مش تروح تحكي تليفون، تساعد ملهوف، لا، أفضل شيء أن تفعل ما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم أن تعد نفسك للصلاة. طيب بعد ما تخلص الصلاة ماذا يحب الله عز وجل مني؟ بعد خلصت من المسجد انظر ما الذي أحسنه في الحياة، قد يكون أحسن إغاثة ملهوف، قد يكون طلب علم، قد يكون درس، قد يكون أحسن كذا وكذا، قد تكون الوالدة طلبت شيء، فتنظر في كل وقت ما الذي يريده الله في هذا الوقت. هيك أنت صادق.
أما الإنسان اللي دائماً على حالة واحدة ولا يتركها ولا يفعل مراد ولا يفعل مراد الله في الوقت، هذا عليه أن يعالج صدقه، وهذا كثير في طلاب العلم حتى طلاب الجامعات عموماً، كيف يعني؟ يعني بيجي الأذان أنا طالب علم بضل يقرا، حالة أخرى بين الأذان والإقامة ما بيجهز نفسه للصلاة بضله يقرا، تقام الصلاة شوي شوي بدي أضلني أقرأ، وقت قيام الليل ما يقوم الليل بضلوا يقرا، طب ليش أنت بتقرا طول الأوقات ولا تراعي في كل وقت المراد الله فيه؟ هذا يدل على أن هناك ما في عندك.
مصداقية، وأنك إنما تقرأ وتدرس لحفظ النفس وليس طلباً لله. وهذا كلام صحيح؛ لكن تدرس العلم الشرعي لحظ نفسك فيه وليس ابتغاء مرضاة الله؟ لو كنت تدرس ابتغاء مرضاة الله فعلاً لفعلت في كل وقت ما يريده الله منك في هذا الوقت. وأما وأنت تضيع مراد الله في الوقت من أجل ادعاء أنك تطلب العلم، فهذا يعني أنك تقدم حظ نفسك في العلم ولا تقدم ما يريده الله سبحانه وتعالى، أو لست صادقاً مع الله تمام الصدق.
وهذا أحبابي أنبه عليه نفسي أولاً، ثم كثير من طلبة العلم لكثرة ما يدخل عليهم الشيطان في هذا الباب؛ يصبح عنده طلب العلم شهوة شخصية أو منافسة أو عادة حياتية وليس من أجل الله. ويصبح يطلب العلم في الأوقات التي المطلوب فيها أن يفعل أفعالاً أخرى غير طلب العلم؛ يعني وقت الأذان هو مش وقت تطلب العلم فيه، هو وقت تردد فيه مع الأذان، وفي وقت بين الأذان والإقامة، وقت تجهز نفسك للصلاة، بعد الصلاة وقت للأذكار، تنظر في كل وقت مراد الله فتفعله، وباقي الأوقات للعلم.
أما أن تعطي العلم كل الأوقات فتتغاضى عن كثير من الطاعات بحجة أنك تطلب العلم؟ لا، هنا أظن أن إبليس خدعك، وأن في نوعاً من المصيدة، وأنك أصبحت تطلب العلم لحفظ نفسك، أو على الأقل أصبح العلم نمط حياة وعادة حياتية وليس علماً من أجل الله. فهذا الكلام عظيم من الجنيد، وشرحه الشيخ القاسمي لأهميته ولكثرة وقوع الخطأ فيه من طلبة العلم، أنهم يطلبون العلم لحظ أنفسهم وليس لحفظ الله، كما قال الجنيد.
وهو طول اليوم؛ يعني بعض طلاب العلم جاد، لكن طول اليوم بقرأ، لا، بالوالدين بيفعل؟ لا. مساعدة، واحد حكى معاه: والله بدي إياك تصلي عجلة سيارة، الله يرضى عليك أنا بقرا علم، والدته طلبت منه يفعل شيء: والله يا حجّة أنا صعبة. أصبح العلم حظ نفس وليس صدقاً مع الله سبحانه وتعالى. فهذا معنى قوله والمرائي؛ يعني أنت ما عدت صادقاً، أصبحت مرائياً يثبت على حالة واحدة أربعين سنة لا يفعل إلا شيئاً واحداً، لا يفعل أي عبادة أخرى، هذا يدل على أن هذه العبادة أصبحت حظ نفس وليست صادقة لله.
وهذا معنى دقيق في السير إلى الله انتبهوا له. لذلك أكمل القاسمي ماذا قال؟ قال رحمه الله تعالى: وقد كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحوال؛ أحوال في صلاته وصيامه وأوراده وأكله وشربه ولبسه وركوبه ومعاشرة أهله وجده ومزحه وسروره وغضبه وإغلاظه في إنكار المنكر ورفقه فيه وعقوبة مستحق التعزير وصفحه عنهم، وغير ذلك بحسب الإمكان والفضل في ذلك الوقت والحال.
من يشاهد حياة النبي صلى الله عليه وسلم هل كان النبي صلى الله عليه وسلم على حالة واحدة طوال يومه؟ لا، كان عنده في كل أحوال كمدافعة الآخذين. وقراءة القرآن محبوبة، وتكره في الركوع والسجود وغير ذلك. قراءة القرآن مشروعه في الأصل، لكنها تككره متى؟ وأنت راكع، وأنت ساجد، القرآن في الركوع والسجود والله بدي أراجع محفوظي؟ يعني أنت تركت الدنيا كلها في الركوع والسجود؟ هذا يدل على ماذا؟ على هوى في النفس.
ففي كل وقت تفعل مراد الله ولا تفعل مرادك، هذه قاعدة مهمة يا طالب العلم حتى بكره لا تقصر في امور عائلتك، في امور زوجتك، في امور أبنائك، في امور أخلاقك الاجتماعية، في امور خدمتك للملهوفين، مساعدتك للناس. كل وقت هناك شيء مطلوب منك، وهنا يختلف التالي؛ العالم الكبير تجد العالم في أوقات أزمات الأمة يعرف أنه هذا مش وقت أقعد أتكلم في بعض المسائل، لأن أفضل هنا أن أتكلم في هذه المسائل. هذا وقت محنة، هذا وقت فتنة، هذا وقت رخاء، فيحسن اختيار كل ما يتكلم به في كل وقت وحين. فهذه القاعدة قاعدة عظيمة أن تدور مع مراد الله وليس مع مرادك أنت.
نعم، قال رحمه الله: وُيندب تحسين اللباس يوم جمعة وعيد وخلافه يوم الاستسقاء وكذلك. هل السنة أن تخرج متزيناً؟ لا، أن تخرج بالعكس متواضعاً متبذلاً. أما يوم العيد بالعكس السنة أن تخرج ماذا؟ متزيناً. بالتالي طالب علم يخرج يوم العيد بلباس رث يقول: أنا يا شيخ انعكفت على طلب العلم، وأنا منشغل بامور الناس الجديدة؟ ممكن هذا ليس من الدين، من الذي قال ذلك؟ لا، مطلوب منك في يوم العيد أن تخرج باللباس الجميل، ولا تقول والله طلب العلم أُشغلني عن شراء اللباس، يعني هذا مش تعبد، تنتظر لنفسك شيء كبير بهذه القضية وأنك فعلت شيئاً جميلاً! بالعكس، الشيء الجميل أن توافق مراد الله في كل فعل من الأفعال وفي كل تصرف من التصرفات.
فهنا يعطيك القاسمي نماذج على اختلاف المطلوب في هذا الوقت عن ذاك الوقت. نعم، قال رحمه الله: وكذلك ما أشبه هذه الأمثلة، فهذه أحرف يسيرة ترشد الموفق إلى السداد وتحمله على الاستقامة وسلوك طرق الرشاد.
الإخلاص والصدق مررنا على كلام كثيراً من أهل العلم في هذه الجوانب، وعرفنا التفريق بين مفهوم الإخلاص والصدق عندما فرق بينهما. في المحاضره القادمة والمجلس القادم بإذن الله نشتغل في التعليق على فضيلة الاشتغال بالعلم وتصنيفه إلى ما بعد ذلك. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل